الاختيار - تأليف : يوري بونداريف - ترجمة: عياد عيد

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:54 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثاني عشر

لم يتذكر تماماً كيف تسللوا إلى الجدول، وكيف تدحرجوا على الردمية إلى الأسفل، وكيف مكثوا هنا في المنخفض بضع ثوان بانتظار الباقين، وكيف نهض أحدهم بأمر من إيليا لمناداتهم ثم انبطح من جديد على الطريق وقد ضغطته على الأرض النيران المنطلقة من ثلاث جهات. وهنا، في المنخفض، وفي لحظة التقاط النفس هذه، رأى فلاديمير أخيراً أن كف إيليا اليسرى التي اصطدمت أصابعها على نحو خال من الحياة بعجلة توجيه المدفع قبل البدء بالإطلاق، لم تكن ملطخة بالوحل بل بالدم، وفهم أنه جريح. دس إيليا مسدسه خلف حزامه بعد أن جلس أرضاً ومزق بأسنانه كيسه الشخصي، وراح يلف معصمه بالشاش باستعجال. بدا وجهه في أثناء ذلك مشوهاً على نحو مأساوي، وأمر فلاديمير بإيماءة منه، وهو يتلوى، بأن يربط نهاية الشاش المتأرجحة، وشتم بكلمات سريعة:‏

"- تخدرت السافلة مثل الخشب."‏

وكان ذلك آخر صوت سمعه فلاديمير بوضوح مع أصوات الطلقات. سبح كل شيء في الصمم اللزج الرنان. رأى التلويح الآمر بالمسدس في يد إيليا اليمنى، ثم وجهي ديمين وكالينكين المضرجين بالـهالة والمتوترين، وعيونهما الجاحظة، والفم المصلوب باللـهاث على وجه المساعد لازاريف، الراكض على المنحدر بقفزات متعثرة، والتكشيرة الوحشية الحمراء كالدم على وجه الرقيب شابكين مع ومضات البندقية الآلية، التي كثيراً ما كان هذا الأخير يرميها نحو كتفه، ويرتد بطريقة ما جانباً بعد كل رشقة، منزلقاً على المنحدر نحو ضفة الجدول.‏

أما فلاديمير فكان يغوص في طنين الأجراس السابح والأصم تارة، وتارة يطفو فجاءة على فاصل الواقع المصم، وحينئذ كانت تنتصب في وعيه فجائية الليل القاسية، لكنه لم يشعر بقسوة هذه الظروف كاملة إلا بعد أن ركضوا كيلو مترين تقريباً في منخفض الجدول، وتسللوا إلى الغابة، فأوقفهم هنا إيليا جميعاً، مسنداً يده الجريحة، ولف الجنود بعينيه الكارهتين، وتكلم وهو يكاد يختنق:‏

"- هل معنى هذا أننا تركنا المدافع؟ نحن؟.."‏

صاح شابكين بصوت رطب وهو يمسح العرق عن عنقه بقبعته القماشية: "- أيعقل أيها الملازم أنك تريد الوقوع في الأسر؟ ولو تأخرنا قليلاً لـ-"هيند، هوه، بيتة" لقد دَحَرَنا الألمان.."‏

نطق ايليا والكراهية لم تنطفئ في عينيه: "- سفالة، سفالة، سفالة..."‏

بقيت أصوات المعركة خلفهم، لكن الإطلاق ودوي الانفجارات سرعان ما راحا يقتربان من الأمام واليسار، وحين تخطوا شريحة الغابة انكشف الحقل المخضوضر في هواء الفجر الرمادي، وانكشف المرتفع المغطى بأشجار الصنوبر وسط الغابة. وقفت هناك على الطريق، عند سفح المرتفع، مدرعتان مغبرتان، وراح الجنود غير البعيدين عن منحدر كتف الطريق يظهرون قرب سبطانات مدافع الـهاون المرفوعة إلى الأعلى ثم يقفزون مبتعدين لحظة الإطلاق. حلقت قذائف الـهاون مصحوبة برنين قاس في سمت السماء، ورفعت الانفجارات التراب في نهاية الحقل، حيث كان مشاتنا ينسحبون على شكل قفزات، وقد تخندقوا وتمركزوا على حدور المرتفع قرب الطريق السائرة خلل حقل القمح حتى المحطة نفسها. كانت البلدة المجاورة للمحطة، التي حاصرها الألمان ليلاً واحتلوها مع بزوغ الفجر، تحترق خلف حقل القمح هذا، وخلف السكة الحديدية، مغطية بالأدخنة السماء، التي بدأ الضوء يتسلل إليها، وراحت الدبابات من تحت هذه الأدخنة تتخطى ردمية السكة الحديدية بمربعات عريضة، وتزحف إلى مكان ما على يسار المحطة نحو طرف الغابة، وكانت الرشاشات الثقيلة ترمي من الردمية الحقل كلـه والمرتفع.‏

احتشدت قرب المدرعتين مجموعة من ضباط المشاة المتعبين، الذين نمت لحاهم خلال هذه الليلة الساهدة. كانوا يدخنون بنهم مصدرين الأوامر لجنود الاتصال، ويراقبون المحطة بالمناظير، وراح أحدهم، وكانت عيناه مدورتين على نحو رهيب، يصيح آمراً ومخرجاً يده من تحت حافة المشمع:‏

"- من هؤلاء الرجال؟ من أين؟" واندفع في الحال نحو إيليا بعد أن عرف رجال المدفعية، ونطق مندهشاً: "- آه، بطارية الفوج؟ أين المدافع إذن؟ أين المدافع أيها الملازم؟ يا للعجب، إلى أين تقود الناس؟ ألا تقودهم إلى نزهة في الجوار؟ أين المدافع؟"‏

تكلم إيليا بصوت مضغوط ما كان ليتكلم به من قبل على هذا النحو المهين أمام ضابط أعلى منه رتبة، وارتجفت ذقنه مع ارتجاف صوته: "- عليّ أن أقدم تقريري لقائد الفوج."‏

أنزل الضباط المشغولون بالمراقبة مناظيرهم، وحرفوا أنظارهم المليئة بالشك والعداء نحو إيليا ورجال المدفعية المتجمهرين، المهلـهلين والمتعرقين والمتنفسين بصعوبة والملوثين بالتولين المحترق وذوي النظرة الجائسة المقلوبة إلى الداخل، التي تظهر لدى من لا زال جلدهم يذكر نفس الموت الذي ألقى نظرة على أرواحهم- وانعكس منظر الجنود الرث وأحزمتهم المائلة وأغوار وجناتهم المغطاة بالشعر القصير الخشن على وجوه ضباط المشاة نفوراً غاضباً، وقال أحدهم بصوت مزقزق مصدراً حكماً ساحقاً:‏

"- تركوا المدافع وولوا الأدبار، الجبناء؟ هاتهم إلى المشاة أيها النقيب غوجافين، وبعد المعركة إلى المحكمة الميدانية."‏

شعر فلاديمير بالتشنج في حنجرته. لم يرغب في رؤية الجسد البشري لـهذا الصوت المزقزق، الذي أصدر حكمه بهذه اللامبالاة الخالية من الرحمة، وكأن كل شيء قد تغير منذ هذه اللحظة وخضع لقانون الحرب غير المكتوب، مجرداً حياتهم من كل قيمة في رمشة عين، ومعرياً أمام ضباط المشاة الغرباء شيئاً ما بشعاً ومعيباً ومذلاً، فلم يعد الآن في العالم ثمة تفهم أو غفران بعد الجريمة المخجلة المرتكبة.‏

أمر النقيب غوجافين: "- إلى المشاة. الجميع. ما عدا الضابطين. هيا إلى هنا."وأشار بعينيه الرهيبتين لـهم ليسيروا باتجاه المرتفع حيث تخندق المشاة خلف الطريق: "- ركضاً."‏

خطا إيليا نحو النقيب وقال، وقد ابيض وجهه: "- كلا. لن أعطيك رجلاً من رجالي ما لم أقدم تقريري إلى القائد..."‏

صاح غوجافين بصوت ثاقب، ورمى بحدة طرف المشمع وأسقط يده اليمنى على قراب المسدس: "- صمـ -متاً. سأسوقهم عنوة كالفارين إن فهت بكلمة واحدة."‏

زعق إيليا في جنونه الجائح، وكان واضحاً، احتكاماً إلى سحبه المسعور من القراب المفتوح للمسدس، الذي راح يرتجف بين أصابعه، وإلى تضييق شفتيه المزرقتين، أنه مستعد للمضي إلى أبعد حد في مقاومته الحانقة:‏

"- أنت أيضاً ـ صمـ ـ متاً."‏

"-ماذا قلت أيها الملازم؟ ماذا؟"‏

"- ما سمعته أيها النقيب."‏

أحس فلاديمير أن شيئاً ما لا يمكن تصحيحه سيحدث الآن بين النقيب غوجافين وإيليا، لكن كل ما عانوه ليلاً- مقتل جياد العربات والمدافع المصابة من قبل الدبابات عند المعبر وخروج ثمانية أشخاص، هم الباقون من البطارية، أحياء من الحصار- بدا كلـه في عيون ضباط المشاة هرباً، وإنقاذاً لا يغتفر للحياة، ثمنه هو المدافع المتروكة، وكانت مقاومة إيليا هذه في عيونهم محاولة تافهة لا معنى لـها للدفاع عن النفس.‏

قال النقيب متمهلاً، وبموافقة ساخرة لا مبالية:‏

"- هيا، هيا أيها البطل، قدم تقريرك للقائد. سيرشحك لنيل وسام على شجاعتك. ستحصل على تسعة غرامات لفتح الشهية أو سيعينك طليعياً في الكتيبة التأديبية كهدية. فلنذهب، سأقودكم إليه، فلنذهب. أيها البطل من مدينة الـهاربين. وتظهر الشجاعة أيضاً، يا مثقف المربيات. أنت- مقدام..."‏

قهقه غاضباً، وقفز من على كتف الطريق، وخطا صاعداً المرتفع حازماً لا يلين، منقلاً بمتانة وصلابة جزمته المصنوعة من جلد الكروم.‏

سار إيليا خلفه واضعاً المسدس في القراب، ومترنحاً بخفة وكأنه في فراغ اللاوعي، وراح العشب يحف مبللاً جزمته، أما ضباب ما قبل الصباح فكان يدخن وينساب خصلاً على المنحدرات ويتنقل بين الشجيرات بطبقات دخانية ممزقة.‏

لم تهدأ المعركة في الخلف، لكن المكان هنا، على المرتفع، كان مقفراً ومكفهراً، وغسل هواء الصباح الوليد الرطب والبارد والدبق وجه فلاديمير المتعرق، ولم يكف تشنج الغثيان طوال الوقت عن شد معدته بسبب من صمت النقيب السائر في الأعلى على المنحدر بصلابة ثأرية ومن انطوائية إيليا العابس، الذي راح يصرف بأسنانه ولم يلتفت مرة واحدة إلى الجنود المتخلفين بتهيب خلف ظهور الضباط. وظن فلاديمير أنهم يسوقونهم إلى الإعدام وأن أي شيء لن يساعدهم، وأن أي واحد منهم لن يقدر على تبرير الوضع الذي نشأ عند معبر السكة الحديدية وتلك الدقائق التي لم يعدها أحد ولم يعدها شيء حين عزل الرماة البطارية وحاصروها، وحين اضطروا إلى ترك المدافع المستهدفة عن قرب من ثلاث جهات... "ما هذا؟ ماذا حدث لنا كلنا؟ لم لم نبق نقاتل في الحصار ونستشهد هناك؟.."‏

****‏

وقفت على قمة المرتفع، وسط الأشجار، ثلاث سيارات "ويليس" وسيارة أركان خضراء فتح بابها الجانبي وتردد منها صوت التفريغ الكهربائي لمحطة الإرسال. راح أربعة جنود في قمصانهم العسكرية وأحزمتهم المفكوكة يحفرون قرب السيارات الخنادق الصغيرة المخصصة على ما بدا لضباط الأركان المتجمهرين فوق الخريطة المفروشة على جذمور، راح جنديا اتصال يضعان قربه جهاز الـهاتف ويؤرضانه. استقر بجانبهم على المشمع ثانياً ساقه تحته الرائد فوروتيوك النحيل، ذو الوجه المدبب والصدغين الأشيبين. كان يلتهم باشمئزاز شطيرة من خبز جاف أبيض مدهون بالزبدة، ويحتسي بعدها باشمئزاز أيضاً الحليب من كأس حديدي، رامياً باتجاه الضباط عينيه النافذتين، البنيتين، المغروستين بجانب أنفه المعقوف مما أضفى عليه هيئة باشق تثير في النفوس الرغبة في تفادي حدقتيه. جلست على مقربة شقراء مزيحة ركبتيها المتوترتين والمفتوحتين بسبب من تنورة الجوخ المشدودة الضيقة، وبدت هذه الممرضة الفتية من الكتيبة الصحية وكأنها مكونة كلـها من عظم أبيض ثمين. كانت "الصديقة الجبهوية" لقائد الفوج، كما يقول الضباط الآخرون، والأدق- زوجه، التي أحبها الرائد من غير وعي، واصطحبها معه أينما حل من غير أن يخجل من تأنيب القيادة. لقد غفر الكثير للرائد فوروتيوك، الضابط المنفذ الأشجع في الفرقة، الذي كانت كتائبه تحمل على عاتقها دائماً الصليب العسكري الأثقل (احتلال المرتفعات، عبور الأنهار الأولي، الاستطلاع بالمعركة) خصوصاً وأن مرض القرحة كان يتيح لـه من غير أية عوائق أن يستلقي في المشفى للعلاج، وهذا ما كان يأبى فعلـه حتى في فترات الـهدوء.‏

كانت شفتا فوروتيوك المستويتان ملوثتين بالحليب، إذ راح يشربه من الكأس غير راغب فيه كالدواء. تناولت الممرضة الشقراء فطورها أيضاً، مسبلة أهدابها بصمت تحت النظرات المسترقة من قبل الجنود الشبان الذين كانوا يحفرون الخنادق، فراحت تقضم قطع الخبز الجاف بصوت غير عال غامسة إياها في صحن العسل، الذي وضعه مساعد الفوج المهموم على المفرش الملقى وسط المرج وغير العادي باتساعه النظيف على العشب، وبطعام الحمية- الحليب والزبدة والخبز الجاف- الذي استمتع به الرائد فوروتيوك.‏

لم يلتق فلاديمير مرة واحدة في مثل هذه الحال بقائد الفوج المشغول بفطوره على نحو اعتيادي، في الوقت الذي كانوا ملزمين فيه بأن يقدموا لـه تقريرهم عن معركتهم الليلية الفاشلة عند معبر السكة الحديدية، وعن المدافع الثلاثة التي تركوها في وضع لا مخرج منه- وسرت برودة الخطر الداهم في ظهره الرطب، في تلك اللحظة توقف النقيب غوجافين أمام مدى المفرش الأبيض مخرجاً يده اليمنى من تحت المشمع، وبدأ يدلي بتقريره بغضب حازم لفوروتيوك. رمى الرائد عينيه الكاسرتين الثاقبتين على إيليا ثم نقل نظرته إلى مجموعة رجال المدفعية المستمرين بترقب مذنب، وراحت تتوهج في هذه النظرة المفترسة المصوبة حدة معدنية لا تعرف الرحمة. حينئذ خطا إيليا المنفصم عن ذاته خطوة للقائها، وتكلم على نحو أصم:‏

"- أيها الرفيق الرائد.."‏

نطق فوروتيوك بصوت أجش دقيق يكاد لا يفهم، ووضع كأس الحليب على المفرش قرب كومة الخبز الجاف: "- اصمت. ستجيب حين أبدأ أسألك. لقد عينتك قائداً للبطارية أيها الملازم رامزين فارتكبت خطأ. هيئتك هيئة خيّال أما روحك فروح أرنب. ماذا، هل ركضتم حتى التصقت سيقانكم بأدباركم؟ ولم تطلق النار على جبينك للخلاص من العار؟" دلك بأصابعه الطفولية بطنه، حيث راح الألم على الأرجح يزعجه، وصمت غارزاً حدقتيه الحادتين في وجه إيليا: "- هل تعرف جيداً ماذا يفترض بالضابط الفار من ميدان المعركة أن يفعل؟"‏

استقام إيليا باستعداد، ووقف صامتاً أمام الجميع، على بعد ثلاث خطوات عن قائد الفوج، وكان ملحوظاً كيف توتر لوحا كتفيه تحت قميصه المتشبع عرقاً حتى آخر خيط فيه.‏

كرر فوروتيوك بصوت دقيق قاطع وهو يطعن بناظريه فلاديمير، ثم مجموعة رجال المدفعية:‏

"- وأنتم، أنتم، يا آلـهة الحرب، هل عرفتم جيداً ماذا يفعلون بالفارين؟ هل عرفتهم حين هربتم من عند المدافع أنكم لم تعودوا محاربين بل موتى؟ هل عرفتم أنكم سترسلون إلى الشيطان كجبناء فارين وفاقاً للأمر مائتين وسبعة وعشرين؟ فأي طلقة أحلى- الألمانية أم الروسية؟ لقد اعتبرت أنكم استشهدتم كالأبطال.. كالأبطال. أطلقتم القذائف كلـها واستشهدتم تحت جنازير الدبابات، ولم أظن أنكم ذهبتم، أنكم هربتم... آه، أيها الجبناء، أيها الجبناء."‏

لفظ الكلمات الأخيرة بأسف متقزز، بيد أن كل شيء في هيئته- في قده النحيل الشبيه بقد صبي أشيب، وفي صدره البراق كلـه بالذهب والفضة وفي وجهه المدبب نحو الأسفل- كان راسخاً ومشحوذاً وبارداً.‏

"- هل تسمح أيها الرفيق الرائد بقول الحقيقة كلـها؟"‏

"- ومن هذا أيضاً؟ أية حقيقة أيضاً؟"‏

"- ما كنا لنذهب أيها الرفيق الرائد لو لم يأمرونا..." تردد صوت ثقيل متقطع بسبب من التنفس الكثيف، وخدش إحساس مفاجئ بمصيبة حتمية صدغ فلاديمير بمخالبه الخانقة، وارتد في رأسه على شكل ضربات: "ماذا يقول لازاريف؟ عم يتحدث؟ عن أي أمر؟": "- لولا الأمر لوقفنا حتى آخر فرد فينا، ولما سمحنا بمرور الدبابات نحو المحطة. لكن أمر الضابط قانون للجندي..."‏

قاطعه الرائد فوروتيوك بصيحة نافدة الصبر: "- من تحديداً أصدر الأمر بترك المدافع؟ من تحديداً؟"‏

طن لازاريف طائعاً: "- ما كنا لنذهب أيها الرفيق الرائد. ليست المرة الأولى التي نصد الدبابات فيها. الملازم رامزين هو الذي أمر إن أردت الحقيقة كلـها..."‏

تفتتت في الأسفل انفجارات قذائف الدبابات مخمدة برنينها الـهادر أصوات رشقات الرشاشات. أما على أطراف المرج فتصاعد فوق العشب ضباب خفيف، واقتلعت غرابة المفرش النظيف كالثلج، الممدود على العشب لسبب ما، وكومة الخبز الجاف، والقدر المملوءة بالحليب الضارب إلى الزرقة، والقد الصغير الواضح لفوروتيوك الجالس بساقه المضمومة، وأهداب زوجه الشقراء المسبلة بحصانة، وقد كفت عن قضم الخبز الجاف، وهذا الصوت الغليظ والخشن والوقح بعض الشيء الصادر عن المساعد لازاريف المتعطش، كما بدا، للعدالة والحقيقة، فلاديمير من حال التسمر بقوة الخطر غير المنتظر، ولم يستطع أن يميز بوضوح كاف لازاريف الذي تقدم إلى الأمام، ربما لأن عينيه، اللتين فتك البارود المحترق بهما، قد آلمتاه، همد مبللاً بالعرق كلـه وملطخاً بالوحل حتى الحزام (اضطروا إلى الركض أول الأمر عبر ضفة الجدول الضيقة) على بعد ثلاث خطوات عن المفرش في وضع الاستعداد، وقد تدور منخراه الشريران.‏

سأل فلاديمير ببطء غير فاهم: "- عن أي أمر تتحدث؟ لم أرك قرب المدافع حين رحنا نقصف الدبابات..."‏

رفع لازاريف طنين صوته الغليظ، وفي الوقت نفسه، حاول متزلفاً أن يستحوذ بوجهه كبير الوجنتين على اهتمام فوروتيوك: "- اسمح لي إذن أيها الرفيق الرائد أن أقول الحقيقة كاملة، لا تسد فمي. لو لم يقض الرفيق الملازم رامزين... أرجو المعذرة أيها الرفيق الرائد، لو لم يقض ليلة حب مع المرأة لتسنى لنا أن نشغل الموقع الناري على الردمية، ولفتحنا النيران المباشرة على الدبابات... تأخرنا في إطلاق النار."‏

قاطعه فوروتيوك مرة أخرى كاشفاً عن أسنانه الدقيقة السكرية، ورنا بنظره نحو وجه زوجه الشابة المتورد متكدراً من شرح لازاريف: "- أية امرأة أيضاً؟ بم تهذي أيها المساعد؟ من أين ظهرت المرأة في بطاريتكم؟"‏

نفخ لازاريف صدره العظيم بالـهواء، وأجاب بنبرة مخفضة مليئة بالبساطة البريئة:‏

"- امرأة شابة كانت في المنزل قرب نقطة مراقبتنا أيها الرفيق الرائد. بدأ بينها وبين الملازم رامزين حب. هجم الألمان ولم يكن الملازم رامزين في نقطة المراقبة. كان يمرح مع المرأة في مقلب القش..."‏

برق في رأس فلاديمير المندهش من صمت إيليا: "إنه يفتري على إيليا." أما هذا الأخير فظل واقفاً كالسابق في مقدمة الجميع ضاماً عقبي جزمته من غير حراك، وشاداً كتفيه ومتحجراً في هيئة نظامية لضابط أنموذجي مدرب ومذنب أمام القيادة العليا.‏

تكلم فلاديمير بصوت فاقد القوة ولا شكل لـه كصوت الـهذيان، حين تصطدم الصرخة المندفعة تلقائياً بالحنجرة، لكنها تخرج على هيئة صوت ضعيف: "- أي هراء... أنا من كان مع المرأة وليس الملازم رامزين." تحدث فجاءة بمرونة محلقاً كالمغمى عليه إلى الحدود السماوية الخارجة عن السيطرة للجسارة الملتهبة اليائسة، وواعياً لا بعقلـه وإنما بخجل ضرورة قول الحقيقة إن لم يكن لأجل شيء فلأجل فكرة أنه قد يخون إيليا والماضي وموسكو والمدرسة وكل ما بينهما، وموافقاً على العار الذي سيلحق به وعلى أقصى حدود عقاب الذات الصادق، فتابع فلاديمير شاعراً بالألم المدمر في صدغيه: "- كان الملازم رامزين في نقطة المراقبة في المنزل، أما أنا فكنت... أنا من كان عند مقلب القش. حين بدأت المعركة أمرني الملازم رامزين بأن أضع المدافع في موقع جديد ضد الدبابات. لم يكن المشاة موجودين أمامنا... بدأ الألمان الـهجوم وفتحنا النار عليهم. المشكلة ليست في التأخير... قتلت جياد عربات الجر. حاصرونا عند المعبر. ما شأن المرأة هنا؟"‏

شرع لازاريف يتحدث حديث حق مبرهن لرجل مقتنع بقدسية ما يقولـه وصحته، وقد خطا في أثناء ذلك خطوة نحو فوروتيوك: "- اسمح لي بالتكلم أيها الرفيق الرائد. لست ضابطاً أيها الرفيق الرائد وقلَّ ما يصدقني أحد، غير أن الملازمين زميلا دراسة، وقد استخدما المرأة معاً أيضاً، أرجو المعذرة، لم أشأ أن أتحدث عن هذا... لكن كلماتي بدت وكأنها كاذبة أيها الرفيق الرائد. أريد أن أقول، وأقسم أن لا ذنب للجنود هنا، كان أمر الملازم رامزين- وتركنا المدافع..."‏

سألـه فوروتيوك بهمس حار: "- إذن فقد نفذتم الأمر؟ هربتم؟ اتركوا المدافع؟ اهربوا؟ اسمحوا للدبابات بالوصول إلى المحطة؟ هاكم، انظروا أين هي... انظروا إلى هنا سريعاً. انظروا جميعاً يا أولاد الكلب، يا رجال المدفعية التيوس." زعق، ونهض على قدميه، فبدا قصير القامة في جزمة أنيقة من مشمع التاربولين، وتموج ستار الأوسمة على صدره، وانحرفت شفتاه المستويتان: "- من كان عليه أن يوقفها؟ المسيح؟ من؟.."‏

"- أيها الرفيق الرائد... الأول يطلبك... قائد الفرقة..."‏

انتزع فوروتيوك مستثاراً السماعة الممدودة من يد جندي الاتصال: "- الأول؟" وتكلم مطلقاً زفرة: "- الرابع يسمعك." بدأ يمسد بطنه بعصبية، وصار وجهه النحيل أكثر حدة، واكتسب مسحة ضاربة إلى الصفار، وكرر بصوت رخيم: "- تماماً أيها الرفيق الأول، سأقوم بالـهجوم المضاد. ساقوم بالـهجوم. بطارية مدفعية الفوج استشهدت في التسديد المباشر فاقتحمت الدبابات المحطة. هذه خطيئتي وسأكفر عنها. اسمح لي بأن أطلعك على الموقف بعد ساعتين أيها الرفيق الأول؟"‏

صار المرتفع مرئياً بوضوح كلـه في الـهواء الشفاف في فجر ذلك اليوم من أيام شهر تموز، وكذلك المرج المبلل والأشجار والخمائل والضباب السابح متموجاً فوق العشب البارد، أما في الأسفل، في تلك الجهة، إلى حيث هبطت مسرعة أشجار الصنوبر على المنحدر الشديد، واتحدت في المحطة أدخنة الحرائق التي أفقدها الصباح لونها، وتنقلت متدحرجة ضربات الانفجارات المتكررة، وبرزت الدبابات الألمانية سوداء ومحدبة بين المنازل المحترقة، وانغرز في الآذان مع دوي المحركات صوت الرائد فوروتيوك الدبق بعد أن أنهى الحديث مع قائد الفرقة:‏

"- من كان عليه أن يوقف الدبابات إذن؟ فجل فيل البحر الحار، أم فيل البحر من غير الفجل الحار؟ أسألك أيها الملازم، من؟ أنا؟ قائد الفرقة؟ قائد الجيش؟ أسألك، من؟ هل يعقل أن لا يوجد بينكم ماتروسوف(1) واحد؟ كان عليكم أن تلفوا أنفسكم بالقنابل وترموها تحت الدبابات ما دام لم يكن أمامكم مخرج آخر." امتصت عيناه المغروستان قرب أنفه إيليا، وصارتا وحشيتين وشديدتي العزم ومشوهتين، وقد ملأهما الغيظ: "- آه منكم يا أبطال فوجي. حاصركم الصعاليك الألمان أما أنتم فحملتم سيقانكم بأيديكم ووليتم الأدبار؟ أنقذتم حياتكم الثمينة؟ لم أنت صامت يا قائد البطارية؟ (وقف إيليا منتصباً كالحجر) إليك إذن أمري أيها الملازم، واسمعني بانتباه إن كنت تريد أن تعيش. عودوا جميعكم إلى المدافع. استطعتم أن تتركوها وستستطيعون استعادتها. افعلوا ما يحلو لكم- هاجموا، استردوها خلسة، أخرجوها أجزاء أجزاء من الحصار. افعل ما تريد يا قائد البطارية، المهم أن تكون المدافع في الفوج، أن تكون مثل الزوج الشاب يوم السبت. أن تكون هنا عند المرتفع. إن لم تسترد المدافع فستذهب إلى المحكمة العسكرية. ستذهب أنت تحديداً يا قائد البطارية، والجميع معك. أنت المسؤول عن كل شيء. هل كل شيء واضح أيها الملازم؟ اذهب وفكر أية طلقة أحلى، طلقتنا أم الألمانية. اذهب، سر من هنا. خذ الرجال وسر."‏

شق الـهواء بيده قاطعاً بهذه الإيماءة أي حل ممكن آخر، ففكر فلاديمير في تلك اللحظة أن فوروتيوك لن يقف أمام أي شيء في سورة غضبه وإدانته البطارية التي لم توقف الدبابات عند مشارف المحطة المستولى عليها بنجاح قبل يومين من قبل فوجهم.‏

قالت الممرضة الشقراء: "- على رسلك أيها الملازم." ونهضت نحيلة مقطبة، وأمسكت إيليا من مرفقه، ونظرت إلى الضماد على كفه: "- اصبر، سأضع لك شاشاً نظيفاً وإلا فسيصيبك الكزاز."‏

حرر مرفقه من غير أن يجيبها.‏

كرر فوروتيوك باهتياج وهو يمسّد بطنه، وكأن نوبة القرحة كانت تثيره، لكن ما كان يثيره أيضاً هو استمرار إيليا في صمته متخذاً هيئة الضابط النظامي المدرب جيداً: "- هل الأمر واضح أيها الملازم؟ واضح؟ إذن تذكر أيها الملازم، إن لم ترجع المدافع فسأقدمك كفار وجبان أمام محكمة سريعة. أسألك، هل هذا واضح؟"‏

قال إيليا بغيظ هادئ مجنون، ولم يتضح إن كان يضحك أم أنه راح ينشج ذارفاً الدموع المحصورة في حلقه: "- واضح، لكنني لا أرغب في أن أمنحك هذه المتعة، أنت تحديداً أيها الرفيق الرائد."‏

نظروا نحوه جميعاً.‏

لم يصدر عن إيليا صوت واحد زيادة. استدار بحدة آلية وكأن نابضاً اشتغل في داخلـه، وهنا صار مرئياً وجهه المخيف بسكونه الجليدي، المشدود على عظميه الوجنيين، الذي فقد سمرته المعهودة وخلا من كل قطرة دم، وأضحى شبيهاً بوجه من حكم على نفسه بالموت ميتة القديسين المعذبين- وحين سار بسرعة مبتعداً عن فوروتيوك شمخ برأسه لتجد نظرته جسم لازاريف فأزاحه جانباً بدفعة حقد كأنها دفعة من يده.‏

تكلمت الممرضة بنصف صوتها موجهة كلامها غير الخالي من الادعاء لفوروتيوك: "- هذا المساعد مقرف. ألا ترى أيها الرفيق الرائد أنه يكذب؟ إنه يكذب مثل حصان رمادي مخصي."‏

نطق فوروتيوك: "- أن يموتوا كلـهم أبطالاً حتى آخر فرد فيهم أفضل من أن يتحللوا في الأرض جثثاً. لا يغير شيئاً أمر من منهم الكاذب... تركوا الدبابات تمر- فليغسلوا ذنبهم بالدم، بالدم..."‏

قال إيليا بصوت أبح: "- اتبعوني." وتحرك خلفه كل من انتظر هذا الأمر وخاف منه، عائداً عبر هذا المرج والمنحدر المغطى بالأشجار إلى الأسفل، إلى حيث راح هدير محركات الدبابات يمزق كتل الضباب ويجزئها ويهزها في المنخفض، وراحت رطوبة الـهواء المهشم الزاحفة تغرق الوجوه في برد تقشعر لـه الأبدان.‏

أشار الضابط في المشمع، النقيب غوجافين، الذي راح يقضم غاضباً عشبة في أثناء الحديث، باصبعه داعياً لازاريف، وانحدرا متخلفين عن الجميع.‏

(1) ماتروسوف أحد الأبطال السوفييت المشهورين (المعرب).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244