الاختيار - تأليف : يوري بونداريف - ترجمة: عياد عيد

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:54 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثالث عشر

ركضوا في الغابة على امتداد خطة الجبهة أول الأمر، ثم ساروا من غير أن يتوقفوا أو يقوموا باستراحات قصيرة لالتقاط النفس. تدحرجت من اليمين باستمرار كالعجلات أصوات المعركة غير البعيدة، وأحياناً كان ينهال على طرف الغابة هدير الانفجارات. أما من اليسار فكان الـهدوء الصباحي يرد بدوي الصدى في الأدغال الضبابية.‏

خطا إيليا في المقدمة ويده معلقة بالحمالة إلى عنقه، وكان وكأنه يسير على نابض، من غير أن يصدر أوامر أو يحث الآخرين أو يلتفت نحوهم. اسود قميصه العسكري على لوحي كتفيه ببقع العرق، والتصقت طبقات أوراق الشجر بالطين الجاف والغبار المسود على جزمة التاربولين التي كانت جديدة حتى أمس، وراح قراب مسدسه المفتوح يشتبك باستمرار بالشجيرات ويتأرجح على فخذه الأيمن مبيناً مقبض المسدس.‏

سار فلاديمير خلفه شاعراً بثقل خانق في هدوء إيليا المنيع هذا، وفي الانفراد الصامت لكل من سار خلفهما صاغراً ومنصاعاً لأمر فوروتيوك، الذي أهداهم بضع ساعات من الحياة قبل القيام بمحاولة إخراج المدافع من الحصار. "كيف نخرجها؟ من غير جياد؟ بأيدينا؟ والألمان؟.."‏

وراحت جملة فوروتيوك، التي قالـها هناك، على المرتفع، لقائد الفرقة على الـهاتف، والتي أخبره فيها أن بطارية الفوج قد أبيدت، تتردد في وعيه ملحة ولجوجة، ولم يكن مفهوماً إن كان يحمي بجملته هذه عناصر المدفعية أم أنها سهلت عليه تبرير انسحاب كتائب المشاة وتبرير احتلال الألمان المحطة.‏

ناداه فلاديمير بصوت جاف: "- إيليا." ولحق به بعد أن سرع خطاه، وكلمه جاهداً: "- لا يمكننا العودة من غير المدافع، لكن لا لزوم لـهذا الجنون: لن نستطيع إخراج ثلاثة مدافع من الحصار على ظهورنا. ماذا سنفعل؟"‏

قال إيليا بنبرة باردة خالية من الحماسة، وأدهشت فلاديمير ابتسامته العريضة التي غضنت وجنته السابحة في العرق: "- سنموت. أية طلقة أحلى؟ الألمانية أم الروسية؟ أ؟" ردد كلمات فوروتيوك التي لم تخرج من رأسه على الأرجح: "- لا، لا يحتاج إلينا أحياء. لقد أخبر القيادة أننا قضينا أبطالاً مداسين بالجنازير، ولذلك احتلت الدبابات المحطة. موتنا هو تبريره يا فولودكا. فوروتيوك لا يتراجع أبداً. لقد متنا مع المدافع. هل فهمت؟"‏

"- أفكر في هذا أيضاً."‏

"- كل شيء واضح مثل اثنين ضرب اثنين يا فولودكا. لقد دفنونا."‏

شد إيليا في الحمالة كفه الأيسر المضمد بالشاش الوسخ، ومسح العرق عن وجنتيه بحركة حادة من قبضة يده اليمنى، وأزال شعره القطراني الملتصق بجبينه تحت حافة قبعته، التي كانت مرتبة حتى وقت قريب، لكنها الآن متسخة، ثم التفت بحدة إلى الخلف فجاءة ونظر إلى الجهة التي صدرت منها صيحة بحاء:‏

"- أيها الملازم، أيها الملازم."‏

أوقفت هذه الصيحة الجميع، والتفت الناس وهم يتنفسون بضيق وقد أجفلـهم الخوف من أن أحدهم، كما هو واضح، قد اكتشف الألمان في مكان ما وراءهم، فتصلصلت أسلحتهم استعداداً للفعل الأخير، وانطلقت الأصوات الصاخبة:‏

"- من هناك؟ من يصيح؟ هيه، ماذا؟..."‏

انفصل في الخلف آخر جنديين، واتجها يساراً نحو أشجار حرج الجوز. راح الرقيب شابكين المكتنز مثل الفطر يدفع بوحشية، من الأعلى إلى الأسفل، بسبطانة بندقية آلية ألمانية لازاريف من بطنه آمراً إياه ومهدداً: "- اليدين إلى الأعلى، اليدين إلى الأعلى." أما هذا الأخير فرفع يديه كمن يتصنع الخوف، وتكلم بصوت صدري غليظ وخشن مصحوباً بقهقهة حذرة نصف مداهنة:‏

"- اضغط، اضغط الزناد. هات رشقة. أهلكني ما دمت يسوع القديس وتعرف الحقيقة، وما دامت الحقيقة حقيقتك مثل سروالك فهي تغطي مؤخرتك العارية."‏

صاح شابكين مرتجفاً غضباً وغارزاً بقوة أشد سبطانة البندقية في بطن لازاريف: "- أيها النذل الوضيع. أيها القحبة الخائنة. بم ملأت رأس الرائد؟ نلت الحظوة؟ وشيت بالملازم أيها الجاني القذر؟ وشيت بنا جميعاً؟ أيها الأخوة. تعالوا إلى هنا." أمرهم شابكين بذلك، ونظر بعينيه الزرقاوين الملتهبتين إلى رجال المدفعية المتوقفين: "- تعال إلى هنا أيها الملازم. دع هذا الكلب يقل للجميع لماذا وشى بنا؟ دعه يقل..."‏

لم يتحرك أحد من مكانه. وقفوا جميعاً متحفزين وصامتين، متنشقين الـهواء وملتفتين جانباً بضيق. لم تكف المقدرة أياً منهم على إهدار ما بقي من قوة على هذا الحقد الثأري، الذي احترق شابكين بناره بعد أن فهم فجاءة ما حدث على المرتفع. كان وجهه الصبياني، المرح دائماً، والمتلقف لأي مزاح، مشوهاً، وتدحرجت قطرات العرق الضخمة على جبينه واستقرت عند حاجبيه المثنيين وقد صاح بحنق شديد:‏

"- قَتْلُ هذا السافل قليل أيها الملازم. لقد وشى بك وأساء إليك يا قائد البطارية. أراد أن يثأر منك وأعرف لماذا. أراد أن يسافر إلى الجنة على حدبة غيره، السجين الملعون. تبين أنه الأشجع بيننا، منعه الأمر من أن يرمي نفسه تحت الدبابة. إلى الأعلى، يديك إلى الأعلى وإلا سأفرغ الطلقات كلـها في بطنك أيها الكلب الأجرب."‏

وراح في سورة حنقه هذه وفي الحبور المستثار بالحقد يضغط سبطانة البندقية مثل الحربة في بطن لازاريف، لافاً الزناد بإصبعه المتأهب. ("من أين لـه هذه البندقية؟ وأين قربينته الألمانية؟") أما لازاريف المضغوط بظهره على شجرة الصنوبر، رافعاً يديه على نحو أخرق، فلم يحد بنظره المقيد على نحو مقفر عن الإصبع المعقوف، الذي تراءى لـه آخذاً في الضغط أوضح فأوضح على زناد الإطلاق، وحاول مرتجفاً أن يكسو وجهه شيء من تفوقه المعهود لاهثاً بكلمات مدعوكة:‏

"- إنه حاميك يا قائد البطارية. اغمز لـه- فيقتلني... ويدخل الفرحة إلى قلبك. يجبرني مثل الألماني على أن أرفع يدي. ينبغي تقدير أمثالـه. يدك، أنت نفسك، تؤلمك..."‏

أصدر إيليا أمره الجاف الرنان، الذي اخترق صمت الغابة بصوت الصدى الصفيحي المقتضب:‏

"- دع هذه الجيفة يا شابكين."‏

وتفحص بعينيه الضيقتين لازاريف ووجهه المشعر ضخم الوجنتين وصدره ذي العضلات البارزة والوشم البنفسجي البادي من خلف ياقة قميصه العسكري المفكوكة والجزمة على قدميه المتينتين. تفحصه على مهل، ثم قال بفتور تقريباً لشابكين، الذي لم ينزل البندقية فوراً:‏

"- سيكون لدي متسع من الوقت لأختبر شجاعته."‏

كان في صوت إيليا المكبوح هذا تأجيل راسخ للحساب، مغطى بانعدام الحماسة الظاهري، وشعر فلاديمير هنا أنه لا يعرف إيليا معرفة تامة على الرغم من كل شيء، ولا يعرف عناده الحقود والمتأنف.‏

قال إيليا بصرامة حين تحركا من جديد عبر الغابة في مقدمة سلسلة رجال المدفعية المترامية: "- أراد الغبي أن يغرقني أمام فوروتيوك. يا لـه من أحمق، يا لـه من حثالة خطرة." ودفع بإيماءة حادة القراب المفتوح مقرباً إياه من فخذه، وتكلم بالصرامة السابقة نفسها: "- أرجو من اللـه شيئاً واحداً: أن أتمكن، إن حدث شيء ما، من أن أطلق نحوه رصاصتين، ورصاصة لي." ضحك مظهراً أسنانه البيضاء المتلاصقة: "-لا، لن أدع هذا الساقط يسير منتصرا فوق الأرض."‏

شتم فلاديمير المصدوم بضحك إيليا الخشبي المتقطع: "-فلتذهب إلى الشيطان لن يساعدنا رجاؤك في إخراج المدافع".‏

قال إيليا: " -كل شيء" جائز."‏

كمن خلف سواد عينيه البراق تعبير الحزم، التعبير الذي ظهر عليه بعد الشروح المهينة أمام الرائد فوروتيوك على المرتفع. بدا هذا الإيليا غير معروف، مسحوقاً، متهماً بالجبن والفشل كضابط لم يكن جديراً بمنصبه الجديد، وبدا جور قائد الفوج المذل، الذي لم يرغب في أن يعرف أية أسباب، والشعور بالذنب الشخصي لأنهم لم يستطيعوا إيقاف الدبابات في موقع معبر السكة الحديدية، والغضب من فوروتيوك لأنه أبقى هذا الموقع عارياً ولم يغط البطارية لا بسرية مشاة ولا بجماعة منهم، والأمر المستحيل بإخراج المدافع من الحصار، وهذه العودة إلى مكان المعركة الليلية، وكأنها مجتمعة قد قوضت شيئاً ما في إيليا وقلبته. وانتقل بالـهول الرمادي المنتصب في عينيه وتعبير الحزم على القيام بأي عمل من أجل استعادة احترام الآخرين لـه والبرهنة على أحقيته به إلى فلاديمير كتيار عصبي بارد وحدّه مع إيليا في خروجهما معا إلى ظلام الخطوة الأخيرة اللا محدود، حيث لا زال يحتمل وجود أعجوبة وتوفيق ومصادفة قدرية من نوع ما. لكن كل شيء في إيليا صار يوحي بالتنائي، وانبعثت منه الحدة الشريرة المنفرة حين قال فجاءة وهو يضحك بكراهية ضحكا متقطعا:‏

"-انظر إلى الخلف. أين يسير لا زاريف؟ لا أريد أن ألتفت.. كم كل شيء بليد يا فولودكا، كم كل شيء بليد..".‏

خاف من الالتفات لأنه لم يشأ، على الأرجح، أن يروا وجهه غير العادي، المشوه بالرجفة، وبهذا الضحك المفروم والمنتحب، وأسنانه المطبقة حتى شرعت تصرف، لم يقدر إيليا على تمالك نفسه، وجعلـه الشيء الجديد غير المعهود في هيئته، التي فقدت الثقة المتساهلة بالنفس، غريباً وأكبر من سنه ببضع سنوات.‏

كرر إيليا أمره بصيحة مهتاجة: "-قلت لك انظر إلى الخلف. أين لازاريف؟‏

"-سار خلفنا. ما لك ولـه يا إيليا؟"‏

"-أقول لك انظر".‏

لم يسمح لـه العرق الحار على حاجبيه بأن يرى بدقة شمس تموز الصاعدة خلف الغابة والتي تخللت مشعثة ذرا الأشجار، فظهرت جذوع الصنوبر من الضباب الآخذ في الزوال سوداء بسبب منها، وانتشرت في كل مكان فوضى ألوان قطرات الندى البكر المشعشعة- على العشب وعلى الأوراق وعلى خضرة حرج الجوز المعتمة. انبعثت من الغابة شرارات حية متحركة في كل مكان، وخيل لـهم أن رنينا نحاسياً قد فاض وسبح عبر الشجيرات المبللة، ووسط هذا الرنين المتمهل وهدير الانفجارات البعيدة والرائحة القابضة المنبعثة من أوراق الشجر الرطبة الملتصقة بالجزمات المغسولة بالندى رأى فلاديمير الثمانية الباقين كلـهم من البطارية، السائرين في الخلف في سلسلة مترامية، بقمصانهم المدخنة، وكان لازاريف آخرهم، وقد سار وهو يقضم جائعاً ثمار الجوز غير الناضجة التي قطفها في الطريق منتقيا إياها من قبعته القماشية ويبصق القشور بين قدميه.‏

قال فلاديمير مجهدا نفسه على أن يبتسم: "-يسير أخيراً ويقضم الجوز، الديك الرومي." ثم أضاف: "- إليك ما سأقول: لا تعر هذا الدنيء انتباها".‏

رد إيليا مفكرا بشيء ما: "-يسير أخيراً. حسنا، واضح" وسأل مضيقا عينيه وكأنه يقدر مسافة الـهدف: "-هل تعلم أنه يراقبني؟".‏

"-كيف يراقبك؟"‏

"-أوه، ساذج أنت، ساذج ولا أمل في إصلاحك، هل رأيت كيف راح ذلك النقيب غوجافين يهمس لـه؟ هل أعرت انتباهك إلى أنهما سارا معا؟".‏

"-وماذا في ذلك".‏

"-ساذج لطيف. ألم تفكر أبداً أين والدي؟".‏

"-ليس مهماً ما فكرت به. لقد خمنت شيئا ما في أقصى الأحوال".‏

"-أنت إنسان سعيد. تاريخ حياتك رائع."‏

"-كف عن التحامق يا إيليا."‏

أنزل إيليا يده اليمنى على كتف فلاديمير وعلى كتافيته المغطاة بسخام البارود المحترق:‏

"-إذن، اسمعني بانتباه يا فولودكا. إليك ما سأقول: لدي شعور جنوني ما.. أو توجس.. إن ظلّ احدنا حيا بعد هذه المعمعمة كلـها فلا ينبغي أن يكتب لأمينا أية تفاصيل محزنة. واضح."‏

"-قل شيئاً آخر عن اللـه.. أرجو اللـه"...".‏

قال على نحو متقطع: "-لا، انتهى كل شيء الآن. لا أريد التحدث في أي أمر.. كل شيء مقرف ومقزز. تخيل – يعتبروننا جبناء، أمر مقزز" وجذب الـهواء بفمه: -لكننا سنرى، سنرى .. وليساعدنا اللـه نفسه أو الشيطان أو ابليس أو الملاك أو الغواط.. هل فهمتني؟ هل فهمت؟ حسناً، فليذهب كل شيء إلى الجحيم، لن يحدث ما هو أسوأ من الموت. "قاطع إيليا نفسه وسأل بسخرية حادة: "-هل حدث شيء بينك وبين ناديا على الأقل؟"‏

"-أية ناديا؟ آه.. لا يا إيليا، لقد بدأت المعركة. "‏

"-أشعر بالحزن بسبب من براءتك ونظافتك يا فولودكا، يا صديقي...".‏

حفظ في ذاكرته إيليا أيضًا في تلك الساعات حين وصلوا أخيراً إلى ذلك المكان المعروف من الغابة حيث حفروا مخابئ عربات جر المدافع قبل يومين في المرج قرب الطريق المؤدية إلى معبر السكة الحديدية. ظلت مطبوعة هنا على التراب إلى الآن مجاري العجلات الثقيلة وآثار الحدوات المنقوشة على طبقة أوراق الشجر التي غطت الأرض. سمعوا هناك من ناحية طرف الغابة أصوات الألمان العالية ورنين المجارف والضحك، فسقطوا أرضاً تنفيذا للأمر، وزحفوا نحو الدغل، واستلقوا بين الشجيرات تحت أشجار الصنوبر حتى حلول الظلام، وحتى تلك اللحظة الفاصلة المقطوعة بأمر إيليا بأن يتبعه خمسة منهم (ناداهم هامساً، كلاً بلقبه، مبقيا تحسباً للظروف اثنين منهم للتغطية مع بندقيتيهما – الملازم فاسيلييف والملقم كالينكين)- وغاب الخمسة في الظلمة المخملية لتلك الليلة المليئة بالنجوم، وحينئذ رأى فلاديمير آخر مرة وجه إيليا الغاضب، المنشغل، الملتفت نحو الباقيين، وسمع آخر مرة حفيف أمره المبتعد: "شابكين ولا زاريف- إلى الأمام".‏

أما هو فانبطح مع كالينكين عند طرف الغابة، وراحا يتنصتان معاً إلى عتمة المنخفض الصامتة، إلى حيث راحت تشده برودة الجدول وطراوة بستان التفاح. كف العشب هناك عن الحفيف، وضج التراب الرطب قليلا تحت أقدام المبتعدين، وخيل لـه أن الخمسة قد ذابوا في عمق الفضاء الذي لا قاع لـه أمام السكة الحديدية، وغرق كل شيء هناك في صرير الجداجد المؤجج الذي شق الـهدوء حتى طال النجوم.‏

"أرجو اللـه.." تذكر فلاديمير كلمات إيليا غير المعتادة، ولم يعد يميز الآن، بعد أن ضغط أخمص البندقية على كتفه وغرز مرفقيه المتخدرين في التراب المبرّد إن كان الطنين في رأسه المصاب بالارتجاج أم أن ليلة ما قبل الموت هذه، والنجوم، والجداجد بصريرها الحديدي تملأ أذنيه، وراحت تتكرر في وعيه فكرة وحيدة: "لو نسحب مدفعاً كاملاً واحدا، سأؤمن حينئذ بالحظ السعيد. فليحالفنا الحظ، فليحالفنا الحظ، فليحالف الحظ..".‏

ترددت بعد ذلك في الأمام نقرة حذرة وطارت من المنخفض كرة نارية عمودية في السماء المليئة بالنجوم، وسمع صوت فحيح متصاعد باضطراد، وانهمر شلال الضوء الكيماوي من السموات على الأرض، ودفع مخرجاً من الظلمة ردمية السكة الحديدية والجسر المقام من جذوع الأشجار على الجدول المضاء بزجاج أخضر والمعبر مع حطام الحاجز المنكس، وتحدبات جثث الجياد المقتولة على الدرب، والعربة المنحرفة وشبح المدفع المخروطي المدفوع عن المعبر قرب المنحدر- التقط شلال الضوء ذلك كلـه وجرفه حاملاً إياه إلى هاوية العتمة المتكاثفة. نبح في الوقت نفسه، مع موجة الضوء التي جرفت الأرض، نداء مهدد آت من مكان ما في الأسفل‏

Halt. Wer ist do? Halt (1)‏

"لحظوهم؟ اصطدموا بالألمان؟ أم خيل لي بعد الارتجاج؟‏

Ha-a-alt…”‏

لا، ما عاد يشك في أن طارئاً قد طرأ هناك، في الأسفل، حيث قاد إيليا الجنود، لأن نقراً تناهى إلى مسامعه من جديد، وصار فحيح القنبلة المضيئة الشبيه بفحيح الأفاعي يتصاعد، وصخ في الأمام من جديد صوت ألماني "هالت"- ثم سقطت على الطريق قرب المعبر قنبلة يدوية، وانفجرت ناثرة ريشاتها البنية، وانطلقت رشقتان عموديتان من بندقية على ضفة الجدول الأخرى واصطدمتا بالمعبر ("إنهم هناك. على الضفة اليسرى. لقد عبروا الجدول") ولحظ فلاديمير في مسحة الوساوس الضوئية الخفيفة كيف بدأت أشكال محنية تخرج قافزة من بوابة البستان الخشبية، الذي أنير لحظة واحدة ببريق قمري بنفسجي، وركضت هذه الأشكال على الردمية نحو المعبر ملقية على الحدور ظلالـها المشوهة على نحو بشع ("الألمان. وناديا – ماذا حدث لـها؟ الألمان عندها...").‏

"-ماذا يحدث، ماذا يحدث.. اصطدام جنودنا بالألمان.. حلت نهايتنا.. لن نسحب المدافع الآن..." زحف كالينكين مطلقاً زفيرا ناشجاً، زحف بمرفقيه على التراب وعلى جذور الصنوبر الظاهرة، التي استلقيا عليها، وأدار وجهه الطويل المخيف لوعيه ما حدث نحو فلاديمير مجعدا شفته الشبيهة بشفة الأرنب.‏

صاح فلاديمير هامساً همساً مخنوقاً وشاعراً بهول ما يحدث الآن وما لا يمكن تصحيحه هناك، في المنخفض: "-اصمت" .ثم تكلم يائساً: -انتظر القنبلة المضيئة. هل ترى بوابة البستان الخشبية؟ أطلق عليهم ما إن يركضوا خارجين. سأطلق أنا على الردمية. "‏

"-ماذا يحدث، ماذا يحدث..".‏

"-كف عن هذا. انتظر القنبلة المضيئة ثم أطلق. "‏

لم يذكر كم من الوقت استغرق إطلاق النار، وكم مرة أوقف ضغط اصبعه المتحجر على الزناد خوفاً من أن يطلق القرص كلـه، وكم مرة أمر كالينكين بأن يقتصد في الطلقات كي لا يخرج من المعركة بسبب من حمية متهورة ويبقى إيليا من غير تغطية، أما في السماء فانفجرت القنابل المضيئة متوالية بسرعة، الواحدة تلو الأخرى، وتضافرت فوق ضفة الجدول، وسقطت خطوط طلقات البنادق المتصالبة، ودوت القنابل اليدوية الألمانية مستعجلة، وخيل لـه أنه سمع أصواتاً ما غير واضحة، روسية وألمانية، حملـها إليه الـهواء الذي امتلأ بإعصار الرشقات. خفق هذا الـهواء المصفر بأجنحته الخانقة حول رأس فلاديمير مسقطاً لحاء أشجار الصنوبر على كتفيه وظهره. انغرزت شظية خشبية صغيرة حادة كالإبرة في يده حتى سال دمه، فانتزعها غريزياً بأسنانه، شاعراً لحظة بمذاق الخشب القطراني. فهم هنا في اللحظة نفسها، بانتظار الضربة الساخنة، أن هذا علامة الموت الذي يتنفس في وجهه، وفهم أن الألمان قد أطلقوا عليهما النار من الردمية، وأن عليهما أن يغيرا الموقع من غير إبطاء. صاح مبلغاً كالينكين بأن عليهما أن يغيرا المكان، ونهض واندفع يساراً من وراء الأشجار على امتداد طرف الغابة. ركض قرابة العشرين متراً، ثم سقط بصدره على الجذور الغليظة، وانطرح إلى جانبه أرضاً مثل عدل ثقيل كالينكين اللاهث، وقد فاحت منه على نحو خانق رائحة التبغ المفروم المحروق الغامضة.‏

"-ماذا يحدث، ماذا يحـ...".‏

غص بنهاية الكلمة، وتشبث بكم فلاديمير ماداً نحوه وجهه المتجعد: سقطت في المنخفض آخر قنبلة مضيئة، وعمّ الـهدوء كل مكان. "النهاية؟ انتهى كل شيء؟ انتهى كل شيء هناك؟ أين إيليا؟ أين الآخرون؟ لماذا لا يطلقون؟".‏

سبح الـهدوء في الليل – سبحت في صمته الخفيف مرارة البارود المثيرة للقشعريرة، وتأرجحت بصدى بعيد وحسب سطور الجداجد الدقيقة، ولم تعد القنابل المضيئة تحلق في أي مكان. لكنه سمع بعد ذلك أصواتاً غريبة متيقظة على الجانب الآخر من المعبر، وأنيرت مصابيح جيب، وتحركت باتجاه الجسر مادة مجسات الأشعة على الطريق، وتوقفت في سلسلة، على ما بدا، عند حافة المنحدر نحو الجدول. صُوبت الأشعة إلى الأسفل، وراحت تفتش يمنة ويسرة. حينئذ فقط فهم فلاديمير من حركة المصابيح الباحثة والمزدحمة أن إيليا وجماعته ردوا على إطلاق النار من تحت المخبأ على الضفة، حيث رموهم من الأعلى بالقنابل اليدوية.‏

وقف الألمان على التلة وسلطوا مصابيحهم نحو الأسفل متفحصين على الأرجح القتلى الروس، وكانوا يتحدثون فيما بينهم من بعيد ويتهاتفون باهتياج مرح، ورغب فلاديمير، بعد أن تخيل إيليا المقتول تحت المنحدر على ضفة الجدول، وقد طعنه فجاءة يأس الكارثة في أن يصيح لكالينكين "أطلق النار، أطلق"- وتنشق الـهواء وكأنه يختنق ويبكي من غير دموع، وطوق بحقد الزناد الزلق باصبعه، وأطلق الرشقة المتبقية على السلسلة المحتشدة على حافة المنحدر. رمى البندقية بقرصها الفارغ بعد أن نهض، وابتعد راكضاً بضع خطوات ثم سقط بين الأشجار، وجذب وهو مستلق قراب المسدس عن فخذه مقنعا نفسه بصوت مسموع وهو يكاد يفقد الذاكرة: "يجب أن لا أهدر الطلقات كلـها الآن. ينبغي أن أبقي واحدة على الأقل...".‏

أطفأ الألمان المصابيح دفعة واحدة، وفتحوا النيران المضادة من غير أن يوقفوها قرابة العشر دقائق.‏

استلقيا منصتين الليلة كلـها عند طرف الغابة بانتظار أن يلتقطا صوت تلاطم ماء أو حفيف عشب في المنخفض أو صوتاً يناديهما من العتمة. كانا لا يزالان يأملان في أن يعود أحدهم. غلبهما النعاس مع بزوغ الفجر لافاً الدماغ مثل ستار ضبابي، وبدأت الأرض تتحرك منزلقة انزلاقاً انسيابياً.‏

حين أفاقا، وقد أيقظهما النسيم الرطب وبرد الصباح، كانت هرمونيكا تعزف لحناً واحداً في مكان ما غير بعيد، ورأى فلاديمير في الحال، بعد أن انتفض، وجه كالينكين المدعوك والمذعور وعينيه الـهالكتين، ثم رأى الألمان عند المعبر وسطح المنزل في البستان وذرا أشجار الحور المحمرة قليلاً بضوء الشمس المبكرة. كان كل شيء هادئاً، مسالماً، عادياً. الشمس تنشر الدفء في الشرق وجلس على حاجز الطريق المكسور والمسبل ألمانيان يرتديان مشمعين وعلى صدريهما بندقيتاهما، وقد أدارا ظهريهما وراح أحدهما يعزف على الـهرمونيكا (ربما انتزعها من شابكين المقتول؟) فيما كان الآخر يدخن لافاً رأسه بدخان السيجارة. سار الألمان أيضاً في البستان الذي ظل ندياً في ظلال المنخفض، وراحوا يتحدثون ناعسين، وصرّ مكبس البئر، ورن هناك الدلو على السلسلة، وتصاعد من خلف أشجار التفاح دخان ليلكي، وانتشرت في هواء الصباح رائحة اللحم المشوي اللذيذة. شعر فلاديمير بسبب من هذه الرائحة ومن طنين الـهرمونيكا بألم مر، وانقطعت أنفاسه، فقطب محاولاً التحرر من الخناق الكريه، وسعل وأنّ من غير أن يجد لنفسه مكاناً إذ كان الأسى اليائس يمزق صدره.‏

"هل يعقل ؟إيليا؟ إيليا؟ إيليا...؟"‏

بعد ذلك حل نهار قائظ تموزي على الغابة مرة أخرى وهناء كسول نشره الـهدوء الشمسي، والرائحة الدافئة المنبعثة من توت العليق الرخو، أما هما فسارا إلى حيث أرعدت انهيارات بعيدة، وكانت الغشاوة الساخنة المرتجفة تحجب من وقت إلى آخر الغابة والشمس والعشب، وتقفز في هذه الغشاوة وتتقاطع أشعة مصابيح الجيب الموجهة إلى المنحدر عند ضفة الجدول، حيث لم تعد تطلق من هناك أية طلقة- فشرع يلـهث ويخدش صدره، وأحرقت الدموع وجنتيه، لكنه لم يشعر بالراحة.‏

(1) قف من هناك؟ قف ( بالألمانية)‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244