الاختيار - تأليف : يوري بونداريف - ترجمة: عياد عيد

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:54 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الرابع عشر

"نعم، سنلتقي الآن.. لكن أي سخف وأي أمر مناف للعقل أنه سيكون برفقة كوليتسين. لا يمكن أن يتم بحضوره أي حديث بيننا..."‏

غسل الريشات أسير العادة، وأزال الألوان عن اللوح بسكين مزج الألوان، وغطى بخرقة اللوحة القماشية على المنصب، بعد ذلك مسح يديه بالكولونيا وراح يتفحص مطولاً، مفكراً، الزجاجات في الخزانة الجدارية وعلبة سكاكر الشوكولا المحضرة مسبقا من قبل ماريا من أجل الزوار غير المتوقعين، ثم نظر من النافذة الواسعة. كل شيء مشمس فضي في البقع الشباطية الدائرية الذائبة، ورأى سيارة "الفولغا" السوداء كالفحم وهي تدخل الفناء ببطء بالقرب من الكتيبات الضاربة إلى الزرقة (" إنه هو –إيليا") –وأجبرته دفعة حارة في صدغيه على أن يعبر المرسم بضع مرات كي يكبح اضطرابه.‏

كان لزاماً عليه أن يجعل وجهه هادئا وبشوشا بالقدر الملائم ("ما بي – لست صادقا، مزيف؟ أريد أن أستقبل إيليا مثل أجنبي قادم لينظر بأم عينه إلى فنان سوفييتي ويشتري لوحاته؟) وأن يحييهما بشيء من الجفاف ، وأن يقول لكوليتسين أنه سيمنحهما أربعين دقيقة، بيد أن عليه أن يلتقي بإيليا لقاء حقيقياً فيما بعد بصحبة ماريا.‏

استقر فاسيلييف على هذا الرأي، لكن حين تردد وقع الخطوات في الممر وصوت قرع الباب، وحين دخل كوليتسين بمعطفه الفرائي مثيراً الضجيج، وقد تورد بسبب من الاستثارة والكونياك وبدا سميناً بخديه المنتفخين، ثم تبعه رجل شاحب طويل القامة، حليق بعناية، بمعطف رمادي ويعتمر قبعة لينة، ومستقيم حتى أنه بدا رشيقاً، ولم يكن في الإمكان معرفة الملازم رامزين من العام ثلاثة وأربعين فيه مثلما كان ذلك غير ممكن في أثناء اللقاء الخريف الماضي في فينيسيا، حين أثار الدهشة بتصرفاته الغريبة غير المعهودة، وبثيابه ونبرة صوته، تكلم فاسيلييف بنبرة عملية متوازنة مسرفة وهو يتقدمه لا إرادياً ويمد يده أولاً:‏

"-مرحباً يا ايليا، لم ير أحدنا الآخر منذ أربعة أشهر. اخلع معطفك، علقه هنا، دعني أساعدك."‏

عارض إيليا بحيوية: "-نو، نو، نو. سأتدبر أمري بنفسي. "وعلق معطفه على المشجب في غرفة الدخول، ومس شعره الأشيب المصفف على نحو سوي عبر مفرق مائل، وخطا بخفة إلى المرسم المشمس وهو ينظر مضيقاً عينيه الضاحكتين والملتهبتين قليلاً إلى الجدران، ثم نقلـهما إلى فاسيلييف: "-أوهو، المكان لديك لطيف ومريح جداً. هل تبدع هنا يا فلاديمير؟ هل تبتكر هنا"‏

صحح لـه فلاديمير مازحاً قدر المستطاع:‏

"-أبدع – هذا مدو. أعمل. الآلـهة هي من يبدع وليس كل يوم".‏

تابع إيليا حديثه، وراح يدلك أصابعه ويدعكها على نحو حثيث وكأنه يدفئها، لم يلحظ فاسيلييف هذه الحركة أبداً من قبل: "-لكن المكان لديك ممتاز، ممتاز، فيه الكثير من الشمس أنا سعيد برؤيتك يا فلاديمير، وسعيد جداً بوجودي في مرسمك".‏

"-أنا أيضاً سعيد".‏

كان كوليتسين في تلك الأثناء منشغلاً في غرفة الدخول، فراح، من غير مناسبة، ينظف نفسه بالفرشاة بمرح ويمسح قدميه، وراح كذلك يخور مدندناً شيئاً ما على الموضة وكأنه يظهر طبع إنسان متغافل مرحب به جيدا هنا، وجاهز دائما لقضاء الأوقات الممتعة. تذكر فاسيلييف، حين سمع خواره الموسيقي، وجهه غير الصاحي والمهتاج بخديه الشبعين المنتفخين هذين، وتذكر مصارحاته المغتاظة في تلك الليلة التي لا تنسى، وفكر على نحو لا يخلو من أسى: "كم سيعيقنا الآن." خرج حالاً بعد أن أجلس إيليا في الأريكة ("اجلس لحظة. سأعود حالا") إلى غرفة الدخول حيث كان كوليتسين لا يزال أمام المرآة يمسد بالفرشاة مدندناً بزته المحاكة على نحو ممتاز، وقال لـه بصوت غير عال:‏

"-اسمع يا أوليغ، هلا تركتنا ساعة لنتحدث، جئت به وشكراً لك، عدا ذلك فالحديث الآن، لو تدري، سيكون صعباً نوعاً ما ومتعباً لي".‏

رد كوليتسين إلى الخلف بجلال لبدته الشبيهة بلبدة الأسد، وتحولت عيناه المثلثتان إلى معينين، لكن خديه ظلا يعبران، وهما يتباعدان، عن بساطة مشاكسة لا تضمر حقداً، ثم أجاب هامساً:‏

"-لا تنس يا فولودينكا أنني أنا من يشتغل مع الأجانب". وخطا كوليتسين إلى المرسم مالئاً المكان بقامته الأنيقة وصوته الجهوري المخملي الرخيم، ومشعا بابتهاج خفيف ورضاً نابعين عن رجل مهذب محب لمجالس الرجال، ثم انحنى فوق أريكة إيليا بعد أن أخرج كما يفعل الساحر زجاجة كونياك أرمني من حقيبته: "-أظن أيها السيد رامزين أن ارتشاف الكونياك الأرمني الفريد ومشاهدة اللوحات أفضل من مشاهدة اللوحات من غير ارتشاف الكونياك الفريد."‏

ينبغي الافتراض أن ما قالـه كان نكتة دنيوية ألقيت في مثل هذه الحال لتستثير الضحك في فيض من المزاج الجيد، بيد أن إيليا نظر إلى كوليتسين نظرة ود كما لو أن هذا الأخير قد كرر لعبة خفة مسلية وغير مفيدة، وقال مبتسماً:‏

"- أشكرك أيها السيد كوليتسين. لا أشرب مطلقا. لقد شربت منذ زمن المعيار المخصص لي في الحياة. "ابتسم لفلاديمير: "-وإذا قدم لي السيد فاسيلييف، صديقي القديم منذ فينيسيا، كأساً من الحليب فسأكون لـه من الشاكرين. الحليب هو مشروبي."‏

"السيد فاسيلييف.. السيد كوليتسين.. السيد رامزين.. صديقي القديم منذ فينيسيا. لا يريد أن يعرف كوليتسين أن أحدنا يعرف الآخر منذ زمن طويل. لكن إيليا، إيليا.. السيد رامزين؟ ها هو يجلس في الأريكة- ليس إيليا، بل رجل آخر تماماً. هذا السيد رامزين، وإيليا في الوقت نفسه، الذي ظل بعد الحرب في ألمانيا الغربية، والذي يقطن الآن في ضواحي روما والذي عاش حياة كاملة في الخارج، ما الذي بقي فيه من الملازم إيليا رامزين، ومن تلك الليلة، ومن ذلك الصباح التموزي حين عدنا إلى المدافع المتروكة في الحصار؟ لم يقل في فينيسيا مع ذلك كيف وقع في الأسر. ومع ذلك –كيف؟"‏

قال فاسيلييف، وفي تلك اللحظة لم يكن قد فهم بعد لماذا كانت فكرة اللقاء الخريفي في فينيسيا تقلقه: "-يا للأسف، ليس عندي حليب. كم أشعر بالأسى لأنني لا أحوي الحليب في المرسم لا أشرب الحليب."‏

فتح كوليتسين الممتلئ بالمعارضة الطيبة زجاجة الكونياك ووضعها بحركة تمثيلية في منتصف المنضدة، وسأل: "-وهل تحوي أقداحا من أجل ضيوفك على الأقل يا رمبراندت؟ أبدا، أبدا." وحين التقط نظرة إيليا المتسائلة صاح بقلق مسرحي مصوراً بتدفقات صوته ممراحاً روسياً مضيافاً جالساً وسط أصحابه: "-لقد اتفقنا، لن نشرب إذن لن نشرب. سنملأ الأقداح وحسب احتفاء بهذا اللقاء ولن نقترب منها مثل الناسك الأفوني".‏

سألـه إيليا: "-الناسك الأفوني؟ من هذا الناسك الأفوني؟".‏

وضيّق عينيه مرة أخرى فظهرت شعيعات التجعيدات القاسية الشبيهة بالنجوم إلى جانبهما، لكن وجهه لم يكتسب بسبب من هذا التضييق المعروف كما من قبل التعبير الواثق عن الأصرار على الفعل بل صار مهتماً ومتعباً ومصغياً.‏

"-كان الناسك الأفوني يستلقي كل ليلة بين عذراوين من غير أن يمس أية منهما . ها – ها. هل تتخيل عذاب الجسد المقموع؟‏

قال إيليا على نحو غير محدد: "-نـ- نعم، الناسك. قرأت عنه في مكان ما، قرأت، أليس في حياة القديسين؟".‏

"-تصعب عليّ الإجابة. نسيت في خضم الحياة".‏

"آه، إنه راغب في أن يعجب إيليا، لكن.. لماذا؟" عبس فلاديمير وهو يخرج من الخزانة زجاجة عصير السفرجل، ونظر إلى كوليتسين كثير الكلام الجذاب، وفكر حازماً أن أي حديث مع إيليا لا يمكن طبعاً أن يتم بحضوره، وأن الوقت سيهدر على نحو لا يغتفر على الثرثرة فقط، فقال فاسيلييف بغيظ مكبوح بلباقة، ثائراً فجاءة على صبره الخانع الذي تجلى أيضاً آنذاك، ليلاً، حين سمح لكوليتسين بالمجيء ليسمعه، والآن، وقد شعر بغضب أشد من عدم تكلفه المفرط:‏

"-حكايتك عن الناسك يا أوليغ يفغينيفيتش ممتعة جداً والعظة فيها على أعلى درجة، لكن في الواقع.. ("عبثاً أقول لـه هذا. لا أستطيع الامتناع عن أن أكون حاداً، وأصنع لنفسي عدواً مدى الحياة.") .. لا وقت لدي يا أوليغ يفغينيفيتش. أرجو منك أن تمنحني إمكان التحدث بهدوء مع السيد رامزين ولو ساعة فقط..".‏

صب كوليتسين في تلك الأثناء الكونياك بمهارة، ولم يرد على كلمات فاسيلييف سوى برفع حاجبيه مدوراً إياهما نصف استدارة، و وزع الأقداح على ثلاث زوايا من زوايا المنضدة، وصدح بصوته الجهوري الرخيم:‏

"-نعم، لكن يا عزيزي..".‏

رجاه فاسيلييف متغلباً على الرغبة في أن يقول لـه إنه لجوج على نحو فائق بتمثيلـه الروح الطيبة لكرم الضيافة الروسي الأسطوري أمام السيد رامزين، الذي يعرف ذلك كونه نفسه روسياً: "-أتوسل إليك، من غير رفع كلفة غير مناسب. اعمل معروفاً "ثم تابع فاسيلييف على نحو لا يخلو من العناد: "-اسمع يا أوليغ يفغينيفيتش، لست في حاجة إلى أن تتلف خلاياك العصبية.. وأن تشغل الضيف بحديث ممتع، وأحدنا يعرف الآخر منذ زمن".‏

هتف كوليتسين بفرح وافر متجاهلاً كلمات فاسيلييف هذه التي مسته: "- صارت صداقتكما في إيطاليا معروفة، وهذا، تخيل، أمر محمود ورائع. إننا لا نجد كل يوم معجبين في الخارج." تناول عن المنضدة القدح مبرزاً خنصره ذا الظفر المصقول، ووجه نظره نحو إيليا ثم فلاديمير: "-نخب تعارفكما في فينيسيا الساحرة، الذي قادكما لللقاء في موسكو...".‏

قاطعه فاسيلييف باهتياج: "-معرفة واحدنا بالآخر قبل فينيسيا".‏

"هل ثمة لزوم لأن يعرف هذا؟"‏

"-كيف "قبل"؟ آه، نعم، من لوحاتك التي عرضتها في إيطاليا سابقاً؟"‏

قال فاسيلييف بتلك الحدة المتحدية، التي خلصته فوراً من الازدواجية الكاذبة، وجردت كوليتسين في الوقت نفسه من سلاحه: "-البتة. معرفة أحدنا بالآخر منذ الطفولة ما دمت لم تفهم شيئاً. آمل يا أوليغ يفغينيفيتش أنك أدركت لماذا لا لزوم للانحناءات الدبلوماسية".‏

ضيّق كوليتسين المتوتر جفنيه المتورمين قليلاً، وأضاءت عيناه المثلثتان على نحو متفهم، وتجمدتا عند حد غير مرئي في الـهواء فوق رأس فاسيلييف، ثم نطق بصوت مخفف غير طبيعي:‏

"-آ، هكذا إذن... ما كنت لأظن هذا أبداً، ما كان ليخطر في بالي. آه، هكذا إذن..."‏

قال فاسيلييف: "-ولم العجب، ما الذي يدعو إلى التأوه هنا يا أوليغ يفغينيفيتش. يعرف أحدنا الآخر منذ زمن بعيد".‏

أعاد كوليتسين القدح غير المشروب حتى النهاية إلى مكانه، وبدت بنزاهة على وجهه الأبيض البدين ذي الخدين المتدليين قليلاً استقلالية الرجل المهذب الأبية: "-أرجو المعذرة. نعم، لقد فهمت كل شيء. أقدم اعتذاري. سأتصل إلى هنا بعد ساعة... هل تمانع أيها السيد رامزين؟"‏

أومأ إيليا بشيء من الشكر المتكلف:‏

"-سيكون جيداً بعد ساعتين. هكذا تماماً أيها السيد كوليتسين".‏

"-سأتصل بعد ساعتين تماماً".‏

نفض كوليتسين شعره الطويل على نحو لا يخلو من عزة نفس ووقار بانحناءة للاثنين معاً، وخرج بخطوات مرنة إلى غرفة الدخول، وراح يغمغم وهو يرتدي معطفه الفرائي بنشاط، مردداً لحناً ما، ثم فرقع، بنشاط أيضاً، بقفل الباب الخارجي، فقطع إيليا حينئذ حبل الصمت أولاً:‏

"-السيد كوليتسين-رئيس الرسامين في القضايا الخارجية، أما أنت فسلكت سلوك مشهور متقلب الأهواء. هل هذا مقبول يا فلاديمير؟ ألن يسبب هذا ضرراً؟"‏

أشاح فاسيلييف بيده: "-أي مشهور متقلب الأهواء أيضاً" وأشعل سيجارة ثم سقط في الأريكة القديمة التي رنت نوابضها، وراح يتكلم باستعجال وبعدم رضا تقريباً: "-لست قادراً على أن أقول لك حقاً إن كنت سعيداً أم لا بقدومك. اعذرني على صراحتي، لكن علينا، أنا وأنت، أن نتكلم من غير شهود. من غير عيون غريبة. لدينا أمورنا الخاصة".‏

"-قلت: لدينا أمورنا الخاصة؟ ماذا تقصد؟"‏

"-في طفولتنا لم يكن أحدنا يستطيع قضاء يوم من غير الآخر، وفي الحرب كنا في بطارية واحدة. كنت سعيداً لأننا معاً. لا يمكن القول إن لقاءنا العام الماضي في فينيسيا قد صعقني، بل على نحو ما... أسفت أعواماً كثيرة، أسفت طوال الوقت لأنك لست بين الأحياء... صديقي، الذي يمكن معه إلقاء النفس في النار والماء. كل شيء هكذا يا إيليا. لكننا لسنا كما كنا... في فينيسيا فهمت أن أي شيء سوى الذكريات لا يجمعنا. يا للأسف يا إيليا، لـهذا السبب لن نزوّر الأمور: لم تأت إلى موسكو كي تشتري لوحاتي في فيض من المزاج المليء بالمشاعر الجياشة. بم أستطيع مساعدتك؟"‏

ارتد إيليا في الأريكة وضم راحتيه، وأسند ذقنه ساهماً بأطراف أصابعه، وقال:‏

-"الحياة شيء مخيف شيء مخيف... وكما يقول الفرنسيون لا يعرف أحد لماذا يحتاج الناس إلى الحقيقة، لكنهم يعرفون جميعاً لماذا يحتاجون إلى الكذب. أليس كذلك؟ لا يعرف الناس بعضهم بعضاً حتى القعر، حتى الأزواج المثاليين الذين قضوا الحياة معاً. أخاف يا فلاديمير أنك لم تعرفني حق المعرفة لا في المدرسة ولا في الحرب. وأنا أيضاً لم أعرفك".‏

ضحك إيليا ضحكة صفيحية قصيرة جعلته بعيداً وهرماً على نحو غير مستحب، وصعق فاسيلييف من هاتين العينين الملتهبتين غير المؤمنتين بشيء، اللتين أفرطتا في معرفة حكمة الحياة، ومن شيء ما غير معروف بتاتاً وغير شاب في عنقه، الذي لا زال متيناً كفاية، وربما في ثنايا الجلد فوق ياقة قميصه، ومن الجفاف والشحوب السوي على وجهه الحليق بعناية، ومن شعره الرمادي الضارب إلى اللون الأزرق –أي عمل دؤوب أداه الزمن، لقد بدا وكأنه شابَ أكثر خلل هذه الأشهر الأربعة.‏

"لكن من هو إيليا الحقيقي؟ ذلك الملازم، صديقي، الذي افتقدته طوال الوقت بعد الحرب، أم هذا الإنسان المتعب من الحياة والغريب عني؟ ومن أنا الحقيقي: هناك، في الطفولة، أم في تموز عام ثلاثة وأربعين، أم أنا هنا، في هذا المرسم، الرجل ذو الأربعة والخمسين عاماً، الذي لا يدهشني شيء؟"‏

تكلم فاسيلييف مقطباً: "-قلت إنني لم أعرفك. جائز... لقد آمنت ببساطة بنقاء الصداقة وقدسيتها، وآمنت بأن واحدنا لن يخون الآخر أبداً. عموماً، كان الشباب الجميل في هذا. لقد أعجبني في أوكرايينيا، حين عينوك قائداً للبطارية، كيف فرضت نفسك على نحو مدهش. هل تذكر: الحر والمنزل قرب الردمية والـهدوء والألماني في بستان توت العليق، والـهدنة التي أقامها المساعد لازاريف؟ بعد ذلك تبين أن في المنزل امرأة شابة. أذكر اسمها جيداً... كانت تدعى ناديا. حزمك كان غير عادي يا إيليا".‏

كرر إيليا وهو يدلك يديه مفكراً ويدعكهما قرب ذقنه: "-غير عادي؟ فولوديا، فولوديا. لم تكن تعرف أشياء كثيرة في ذلك الوقت. لكن أحد المدققين في الفوج عرف على نحو ممتاز ابن من كنت أنا. لست قادراً حتى الآن على أن أعقل كيف سلموني البطارية. أغلب الظن أن قائد فوجنا فوروتيوك الشجاع قرر المخاطرة كما كان يخاطر دائماً. أنا واثق من أنه كان سيرميني بالرصاص على النحو الجميل ذاته الذي عينني فيه. عافاه، كان رائداً مدهشاً. لا أستطيع منذ أعوام كثيرة أن أتذكره من غير رقة".‏

أضاف فاسيلييف: "-و، طبعاً، المساعد لازاريف؟ "ثم سأل ما لم يتسن لـه سؤالـه في لقائهما الأول: "-قل، كيف مات لازاريف؟"‏

نظر إيليا إلى السقف من غير مبالاة بعد أن ابتسم ساخراً: "-موت الأبطال. ملكوت السموات لـه على الرغم من أنه لا يستحقه".‏

"-لم لا يستحقه يا إيليا. الموت في الحرب يجعل الجميع سواسية".‏

حمل إيليا القدح نحو ذقنه وتنشق أريج الكونياك، بيد أنه لم يشرب قطرة واحدة، وأعاد القدح إلى مكانه، وقال بوضوح: "-معه-لا. كان شخصية قوية معتدة بذاتها، بداية شيطانية، غينول(1) عموماً، وفي نهاية الأمر حثالة. لقد نسيت الكثير عنه، لكنك تذكرته هو تحديداً.."‏

"-عموماً، لقد كفّر بالموت عن خطاياه كما يقال. كفرّ عنها بمقتلـه حين وقعت في الأسر".‏

أجاب إيليا بجفاف: "- Auch (2)، لقد محوته من ذاكرتي، مع أنني وضعت الشموع أكثر من مرة على روح الفقيد. لقد قتل، وبقيت أنا حياً بغض النظر عن أي شيء، لكن... "نظر إيليا إلى فلاديمير بتريث استطلاعي، ثم شرع يتكلم من غير استعجال وبنبرة التعقل الضرورية لكليهما: "-لا يوجد لدينا سبب لنتذكر الحرب. ينعم لازاريف منذ زمن بعيد بالراحة الأبدية، فليكن اللـه معه. الموت-التكفير... لقد تجنب الأشد رعباً، الذي لم نتجنبه أنا وأنت- أن يعيش الحياة. الرب يعاقب بالموت والحياة، أليس كذلك؟"‏

"-هل تؤمن باللـه يا إيليا؟"‏

"-علينا في سننا هذه أن نؤمن بشيء ما. سيؤول المآل الوحيد سريعاً جداً..."‏

"-ما المآل الوحيد؟"‏

"-الفراق مع كل ما هو أرضي. الفراق يا فلاديمير. الأوان غير بعيد –وسنضطر وراء البوابات السماوية إلى أن نعبد بطرس الرسول".‏

فكر فلاديمير: "أذكر جيداً ما قالـه حين سرنا في الغابة. أراد أن يحتفظ بثلاث طلقات في مسدسه: طلقتان للازاريف وواحدة لنفسه، لم يطلق النار على نفسه ووقع في الأسر. لكن كيف... كيف قُتل لازاريف؟"‏

"-هل يعقل أنك تأمل في دخول الجنة يا إيليا؟ إنني، عليّ أن أعترف، لا أطمح إلى الراحة لدى الرب الإلـه".‏

"-إذا تسنى لي أن أكفر عن خطاياي الثقيلة فإن الرب لن يدعني أغيب في العذابات إلى الأبد. نعم يا فلاديمير، إنني لا أمزح. الحياة كلـها اختيار لا ينتهي. كل يوم – من اختيار العصيدة وربطة العنق صباحاً حتى اختيار المساء بأكملـه – بأية امرأة ستلتقي، وإلى أين تذهب، وكيف ستقتل الوقت الملعون، يحدث كل شيء بعد الاختيار: الحب، الحرب، القتل. أفكر كثيراً في الأعوام الأخيرة، ما الذي يتحكم بخياراتنا في الحياة؟ لكن من يعلم، هل سيكون ثمة خيار بعد الموت؟ الجحيم؟ الجنة؟ النوم؟ ماذا سيوجد هناك وراء الحافة؟"‏

"كم غيرته الحياة. غيرته هو؟ لقد فكرت به ولم أفكر بنفسي. إنه يتكلم وكأنه لا يريد أن يكشف شيئاً ما، أن لا يوضح نفسه كما أعرفه، بل يريد الـهرب من الأمر الأساسي، لكن ماذا أريد؟ أن أفهم من هو إيليا الآن؟ أنه غير صادق ويكذب؟ لكن ما المغزى؟ لا أحد يعرف ماذا حدث لـهم في تلك الليلة حين ساروا إلى المدافع. لقد فهمت الآن أخيراً ما الذي يثيرني: إنني أبحث في لا وعيي عن إيليا السابق فيه، أريد أن أرى وأن أعيد ذلك الإيليا الشاب، ذلك الملازم إيليا، لكن لا وجود لـه. لا يجتمع ذلك الإيليا الذي أحببت مع هذا الغريب في الجوهر. هل يمكن أن يكون الأمر كذلك؟ وهل أجتمع أنا مع نفسي، السابق؟"‏

سألـه فاسيلييف: "-ما هذه الخطايا الثقيلة لديك يا إيليا؟" ثم تابع حديثه نصف جاد، متضايقاً من أسئلته التي قد تبدو لجوجة جداً: "-لا أؤمن بهناء ما بعد اللحد، وأتهم نفسي بخطايا مخيفة: أتهمها بانعدام الموهبة والجبن والعجز. عذابي منذ بضع سنوات هو الأرق. إنها الشيخوخة يا إيليا، صرنا فوق الخمسين".‏

"-اسمح لي أن لا أوافقك يا فلاديمير. الأمر أسوأ كثيراً مما يبدو لك. إنها الدورة الأخيرة قبل النهاية، وليست الشيخوخة. إنني ألـهث، لكنني أركض بآخر ما أملك من قوة، أرى خط النهاية وأسمع صيحات التهليل التي تطلق بعد السباق..."‏

"-هل تحب المزاح الأسود؟ هذا مزاج متشائم جداً... إلى حد الخيال".‏

"-على العكس..."‏

تناول إيليا القدح ورفعه نحو عينيه اللامعتين بسوادهما، ونظر عبره إلى ضوء النافذة الشتوية الشمسي، وشم الكونياك مرة أخرى باستمتاع طويل، وقال باتزان:‏

"-أية روعة، أي حبور، أية حياة في هذا الأريج، لكن بعد قرابة عام أو عام ونصف العام في مقدورك أن تتنشق أيضاً الرائحة الزكية المنبعثة من أنواع الكونياك المختلفة، التي شربت منها الكثير، أما أنا فسأكون هناك... كم الأمر غريب ومخيف، أليس كذلك؟ ستظل ترسم لوحاتك أما أنا فلن يبقى مني شيء... هل كان؟ هل سار على الأرض؟ أمر لا يعقل، لا يدرك. تخيل أنني أعرف كل شيء عن نفسي، لكن، كما ترى، لا أصاب بمس من الجنون، ولا أمثل مأساة، لا بل لا معنى حتى للتحدث عن هذا".‏

"-لم أفهم يا إيليا".‏

"-هل تعرف ما معنى خداع الوجود يا فلاديمير؟ الأمل العبثي. ترقب الدمار. كلنا سياح عشوائيون في الدنيا، ولكل منا فترة معينة كي يغادر الرقم المحجوز لـه في الفندق، بالمناسبة، لن أطيل المكوث في ضيافتك أيضاً.. مع أنني أرغب جداً، جداً في رؤيتك".‏

ضحك ذلك الضحك الصفيحي المصطنع، الغريب عنه على نحو يثير الغضب، وربما لأن عينيه لم تضحكا، بل كانتا تصيران ضيقتين فقط، وباردتين وحزينتين وكأنه لم يكن يحتاج البتة إلى هذا الضحك.‏

قال فاسيلييف عابساً: "-مذنب لأنني لم أفهم شيئاً ما. أية فترة تذكرت؟ ما هذا العام أو العام ونصف العام؟ من تنبأ لك؟"‏

أجاب إيليا بهدوء كالسابق: "-لقد أنفقت كثيراً جداً من النقود على الطبابة حتى أصدق التنبوءات. أحمد اللـه أن الغد لن يكون آخر يوم. مقدر لي أن أزفر زفرة..."‏

"آخر يوم؟" فهم فاسيلييف بوضوح مفاجئ متخيلاً إيليا المتين ظاهرياً والناعم والأشيب بأناقة والجالس هنا في مرسمه ليس هنا في موسكو، بل في مكان ما من ضواحي روما القائظة، في فيللاه الفارغة في الطبقة الثانية، مستلقياً وحيداً على الملاءة المفروشة على السرير ويداه الشمعيتان متصالبتان، وشمس الظهيرة تنفذ عبر أغصان الصنوبر تحت النوافذ إلى هدوء المنزل الساكن حيث تفوح رائحة الـهواء الخانق والموت.‏

"بعد عام أو عام ونصف العام؟ وهو يعرف ذلك؟ "-أمعن فاسيلييف النظر إلى كفي إيليا الجافتين والمعتنى بهما جيداً، بأظافرهما المطولة والنظيفة، واللتين كانتا سابقاً كفين قويتين صغيرتين (حين كان يمارس في شبابه الجمباز والملاكمة والسامبو)، وتصور في الحال ليالي السهاد التي يقضيها إيليا مع نفسه، في وحدته، واعياً بدقة فترته الأخيرة، وفكر أيضاً، شاعراً بكامل أسى هذه الليالي الذي لا مفر منه: "ما كان في مقدوري أن أنتظر على هذا النحو إعدامي الوشيك".‏

تكلم فاسيلييف: "-ما مرضك يا إيليا؟ القلب؟" آلمه السؤال الذي لم يستطع تجنبه الآن، ساعياً إلى أن لا يسمي مرضاً مستعصياً مميتاً، يولِّد مجرد لفظه القصير الواخز الإحساس بتزعزع كل شيء في هذا العالم.‏

قال إيليا ساخراً: "-لم يكن لي الخيار... لكن الأوهام انتهت. خضعت منذ أربعة أعوام لعمل جراحي يعيشون بعده خمسة أعوام، وفي أحسن الأحوال ستة. الطعن في الحكم غير ممكن. لذلك أعرف ما لم أعرفه من قبل. عموماً... لم أرغب في رؤيتك من أجل هذه الأحاديث. لا يستحق الأمر".‏

وراح يتفحص باهتمام الجدران والسقف المضاء بخطوط الضوء المنعكس من الثلج والكثبان في الفناء، ومن شمس ما قبل الربيع المتدفقة بسطوع عبر الخمائل الجليدية الشبيهة بخمائل الغابات على الزجاج الذي بدأ الجليد يذوب عنه، والمتدفقة على إعلانات المعارض، وعلى رفوف الكتب في المرسم الفسيح والمرح في هذا اليوم الصاحي من أيام شباط، وحين انتهى ضيّق جفنيه وكأنه كان يشعر بالفضول والألم من رؤية عيد الضوء الشتوي هذا هنا، وقال بحزن متهكم:‏

"-هل تذكر اليوم الشتوي في جبال فوروبيوف والصقيع والندى المثلج وقد رحنا نسير بالزلاجات مع تلاميذ الصف كلـهم على ضفة نهر موسكو المتجلد. كان وقتاً سعيداً. هكذا كان، أليس كذلك؟ أو-المساء، والثلج يهطل حول المصابيح، وساحة التزلج في حديقة الأدب والراحة، وأنا وأنت وماشا نكاد لا نقدر على الوقوف على أرجلنا من التزلج، وقد دخلنا بالمزالج مباشرة إلى المطعم وشربنا الكاكاو الساخن، وتناولنا الكعك بالخشخاش، وكان شهياً جداً بعد البرد. كنتما، أنت وماشا، مغرمين آنذاك، ألم يكن ذلك؟"‏

"-لست دقيقاً تماماً يا إيليا".‏

صمت فاسيلييف غير راغب بالتحدث عن ماشا، التي لم تكن حينئذ مغرمة به بل بإيليا تحديداً. أما هو، إيليا، فلم يعر اهتماماً جدياً للفتيات، إذ كان مشغولاً بنزواته "العاطفية" السرية في قسم الجمباز ويرتدي قميص بحارة مخطط تحت قميصه وحزام بحارة ذا نوط نحاسي (هكذا كانت الموضة)، وحينذاك لم يكن يطيق المكاشفات العاطفية في أي نمط من أنماط تجلياتها.‏

"لكن... لم شرع يتكلم على ماشا؟ لا يمكن أن أغار عليها منه بعد هذه السنين. لا، ثمة أمر آخر هنا. يبدو وكأنه يريد أن يبرر موقفه أمامي. أن يبرر ماذا؟ زواجه الغريب بالألمانية بعد الأسر؟ مصنع ما لإبر الحياكة أو إبر الحاكيات. وعدم عودته بعد الحرب. عطشه للحياة ومرضه إذا كان الأمر كذلك؟.. إنه يثير فيَّ فضولاً لا يمكن كبت جماحه، وأنا من يسألـه، وليس هو الذي يسألني..."‏

سألـه فاسيلييف مستوحياً من كل شيء أن إيليا لم يلتق رايسا ميخائيلوفنا: "-يبدو لي أنك لم تلتق أمك بعد؟ هل تعرف أنك في موسكو؟ هل ستمكث طويلاً؟"‏

تكلم إيليا غير واثق من نفسه، واتكأ على مسند الأريكة حاجباً عينيه براحته: "-أسبوعاً. هل تصدق يا فلاديمير؟ أخاف الذهاب إليها وحدي. إنها، كما أعلم، ليست بصحة جيدة، وأخاف أكثر من الموت أن لا تحتمل. لقد طلبت –هل تذكر في فينيسيا؟ -أن تلمحا لـها ولو على نحو ضبابي عني... وأنني حي".‏

"-نعم، تحدثت ماريا إليها، كانت عندها في المنزل".‏

"-وماذا؟"‏

"-يمكن فهم ردة فعلـها، قالت رايسا ميخائيلوفنا إنك قتلت وهي لا تريد أن تصدق المعجزات".‏

لم يجب فاسيلييف بذلك فوراً، وفكر بمرارة أن الرغبات الإنسانية لا تملك أية ضمانات، وحياة إيليا العائد من اللاوجود، إن كان حقاً مريضاً مرضاً جدياً، ستنتهي بعد فترة قصيرة، وكم يبدو تخيل ذلك مريعاً، هذا معناه أن الموت يقبع على أهبة الاستعداد في كل فرد منا، ويسير ملازماً إياه كظلـه بانتظار ساعته: "ويذهب كل شيء إلى الشيطان في لحظة: الشمس، هذا الثلج، أقمشة لوحاتي، الكلمات الرنانة عن الإبداع، ساعات العمل ههنا في المرسم، حبي لماشا وفيكتوريا، حبي لـهاتين المرأتين في العالم كلـه، وكل ما كان... وما كان يمكن أن يكون. كم كل شيء معلق بشعرة دقيقة جداً".‏

نهض فاسيلييف، وشرع يسير في المرسم على الأرض المشمسة الملطخة بالألوان ثم سأل: "-ماذا عليَّ أن أفعل؟ بم أستطيع مساعدتك؟ هل أذهب إلى رايسا ميخائيلوفنا؟ هل أتحدث إليها؟ متى أنت مستعد للذهاب إليها؟".‏

أجاب إيليا على نحو أصم: "-غداً، لن تكفيني القوة اليوم، أرجوك يا فلاديمير أن تذهب معي... لا كمرافق. بل كـ... كصديق سابق، سيكون الأمر هكذا أسهل... لـها ولي". اصطدمت عيناه بنظرة فاسيلييف الساهمة والمكفهرة فرجاه بنصف صوته: "-اتصل بها وأخبرها أنك ستزورها غداً، وأنك لن تكون وحدك... اتصل بها الآن، بحضوري، لو أمكن. اشرح لـها وقل إنني حي معافى، وقد أتيت إلى موسكو لأراها..."‏

فكر فاسيلييف من جديد: "سأقول لـها هذه الجملة وأشترك مع إيليا بالخداع، لكنه ربما جاء إلى موسكو ليودعها. "وقف متجهماً بعض الوقت قبالة الـهاتف الموضوع على الخزانة الصغيرة داساً يديه في جيبيه، وحين رفع السماعة وأدار رقم رايسا ميخائيلوفنا على نحو غير متتابع مخطئاً مرتين شعر وهلة بالـهدوء التام خلفه وبالنظرة المسلطة على ظهره، التي جعلته يضطرب: طلب منه إيليا صراحة أن يساعده في لقائه الأول مع أمه، شاعراً بالشك على ما يبدو في أمر ما مهم لـه.‏

لم يقترب أي كان من الـهاتف فترة طويلة.‏

شرع فاسيلييف يتكلم بعد أن سمع أخيراً الصوت غير القوي الممطوط بلين، الذي خيل لـه أنه دافئ ولونه بني، وراح يتلعثم على الرغم منه باحثاً عن الكلمات التي لم تنتظم في الصف الديبلوماسي اللازم:‏

"-رايسا ميخائيلوفنا، هذا أنا، مرحباً. نعم، هذا أنا يا رايسا ميخائيلوفنا. نعم، هذا أنا. لا لم أنسك. لم أتصل، لم أرك دهراً كاملاً، سامحيني. لكنني أردت أن أقول لك... أي ينبغي أن أعرج عليك غداً، ولن أكون وحدي، بل مع صديقي القديم، الذي تعرفينه أفضل مني... ("غبي، ديبلوماسي مضحك، غبي أنموذجي ببساطة، ما لزوم المرح التافه الذي لا يطاق هنا؟") القصة وما فيها أن... إيليا أتى إلى موسكو، وقد التقيت به يا رايسا ميخائيلوفنا. نعم، أتى إيليا من إيطاليا معافى ("هل أكرر كلمات إيليا؟") وهو مندفع إليك حالاً ("كاذب، كاذب")، أما أنا فأرجوه أن يرتاح عندي بعد الطائرة..."‏

نطق الجملة الأخيرة متلعثماً ولاعناً مشاركته الخرقاء والقسرية في هذه اللعبة المدبرة من أجل اصطناع الحقيقة، وفاح صمت رايسا ميخائيلوفنا الذي حل في السماعة بعد حركته الديبلوماسية غير الماهرة والساذجة، برائحة التعقيد المتوقع الباردة، وخاف أن ينفجر هذا الصمت بصرخة ونحيب مخنوق يقطع بالدموع المنفلتة أسئلتها عن إيليا، فلم يسمع تقريباً صوتها المنزلق، الذي أضعفته الاستكانة المتعبة:‏

"-أعرف يا فولوديا. لقد وصل".‏

دهش فاسيلييف وانقطعت أنفاسه، وتردد أمام الخزانة الصغيرة ساعياً إلى أن لا يلتفت نحو إيليا: "-من أين عرفت يا رايسا ميخائيلوفنا؟ هل أنبأك أحدهم؟"‏

تكلمت على نحو غير واضح: "-حلمت حلماً سيئاً يا فولوديا. وقالت لي ماشا. كانت عندي منذ أسبوع..."‏

"-متى؟ منذ أسبوع؟ ماذا قالت؟"‏

"-قالت إنه سيأتي."‏

"-صار في موسكو يا رايسا ميخائيلوفنا. سنأتي إليك غداً... سنأتي غداً..."‏

"كيف عرفت ماشا بقدوم إيليا؟ كيف استطاعت أن تعرف؟"‏

وضع السماعة وقلبه يدق بشدة معيقاً تنفسه، وراح يقنع نفسه أن الأمر قد التبس على رايسا ميخائيلوفنا حين تحدثت عن لقائها بماريا قبل أسبوع ("لماذا أخفت ماريا عني هذا؟")، ثم قال لإيليا على نحو اعتيادي متعمد كي يكبت الشعور المهين بالشك:‏

"-لا شك أن صلب الحديث كان مفهوماً لك. إنها تعرف بوصولك. بم أستطيع مساعدتك أيضاً؟"‏

"-لا تستعجلني كرمى للـه".‏

ظل إيليا باستمرار يمسح بالمنديل صدغيه المتعرقين طوال فترة تحدث فاسيلييف بالـهاتف ("ماذا كان ينتظر؟ رفض أمه؟ هل ساوره الشك في رغبتها في أن تراه؟") وسقط واهناً على ظهر الأريكة، وقال بصوت أبح قليلاً:‏

"-هل تسمح بان أدخن سيجارة؟"‏

"-تفضل".‏

"-أشكرك، وأسمح لي بأن أصمت وأفكر بضع دقائق".‏

فتح إيليا على ركبته علبة السجائر الفضية المطعمة بالصدف، وأخرج من أعماقها السيجارة الوحيدة المضغوطة بقطعة مطاطية حريرية، وهي الأخيرة في معدلـه اليومي البالغ ثلاث سجائر (كما تذكر من فينيسيا)، وقرر فاسيلييف بعد أن رأى ارتجاف حاجبيه حين أشعل سيجارته بقداحة الغاز المعروفة، أن اللقاء برايسا ميخائيلوفنا سيكون صعباً على إيليا ومساوياً الكثير لـه، هذا اللقاء الذي انتظره وخاف منه.‏

طلب منه إيليا بصوت خافت، نافثاً الدخان باستمتاع ظاهر ومطول، ومتلذذاً بمذاق التبغ وحدته: "-أرني شيئاً ما وأنا أدخن. أرني ولو لوحة. تعلم أنني واحد من المعجبين بك، وكنت سأشتري لوحة لولا أنك..."‏

لم يكمل كلامه ومج السيجارة بنهم.‏

تمتم فاسيلييف آلياً وهو يخطو في المرسم: "-شكراً، لكن الأفضل أن أهديك شيئاً ما".وتوقف عند الرفوف خلف منصب الرسم قبالة اللوحات الموضوعة على الأرض والمدارة نحو الجدار، فسحب إحداها ونفخ عليها منظفاً إياها من الغبار، ثم أسندها إلى قائمة المنصب ودس يديه في جيبيه وابتعد نحو الجدار الآخر في المرسم وهو يقول مشتتاً:‏

"-إليك هذه القطعة".‏

عمل على هذه اللوحة بضع سنوات واهباً نفسه للأجواء السعيدة في نهار صيفي صاف ولخضرة الأرض ولشفافية الماء الساكن (بدت حصاة نهرية وكأنها تحت زجاجة مكبرة)، الذي استلقت قربه فتاة شابة مستسلمة للوسن، كانت طفلة حتى وقت قريب، وقد وضعت إحدى يديها خلف رأسها فتدبب نهدها العاري متوتراً، وانبعث من جسدها الفتي النحيل كلـه إشعاع من المتعة البريئة البارد، وإشعاع النظافة الصباحية والصدق الطاهر الذي لم يعرف الخجل بعد –حاول فاسيلييف في جميع الأشكال إزالة لغز الشهوة ولم يقدر على ذلك حتى النهاية، محققاً سيادة سر الجسد الأنثوي، من غير أن يرغب في مساسه باشتهاء متهور.‏

قال فاسيلييف حارفاً نظره من بعيد نحو اللوحة: "-مرة دخلت الصالة في معرض أوفيتسي عند الغسق وشعرت بوجنتي... نعم، نعم بوجنتي، بدفء كأنه حر المدفأة، كأنه هواء دافئ... نظرت: كانت إلى يساري "فينوس" تيتسيان. شعرت بدفء جسدها. هذا أعجوبة، حقاً كان هذا أعجوبة. أما أنا... فحاولت أن أنقل شيئاً آخر... برودة النظافة وروعتها".‏

قال إيليا وهو يبتسم حزيناً:‏

"-تفوح من فينوسك عذرية غير معاصرة. حلم بالمنسي منذ زمن. على الرجال Streng Verboten (3)."‏

"-إطلاقاً. الجمال مقولة أبدية كالقبح تماماً،" فعذراء سكستين" لرفائيل لا تثير الشهوة، وهي في الوقت نفسه مثال الجمال الأنثوي".‏

ألقى إيليا قذالـه على ظهر الأريكة مسترخياً، وراح يتفحص اللوحة ببطء، ثم قال بنصف صوته مؤكداً على رضاه:‏

"-أنت وفي لنفسك كالسابق... عاشق لماريا وحدها. ربما ثمة شيء منها هنا أيضاً...".‏

حاول فاسيلييف أن يجيب مازحاً، وكان غاضباً في الوقت نفسه من هذا الرضى الكاذب في كلمات إيليا: "-ما يهمني أكثر هو أمر آخر. كيف الحال لديك؟ من هي؟".‏

أجاب إيليا: "-ليس لـها وجود في الطبيعة. " ثم أكمل حديثه على نحو لا يخلو من سخرية من نفسه: "-صار كل شيء من الماضي. قل ما تثير النساء اهتمامي".‏

"-ماذا؟"‏

"-كان عددهن كبيراً جداً".‏

دعك إيليا السيجارة المنتهية في صحن السجائر مستنداً على متكأ المرفق من الأريكة، وغطى جبينه براحته.‏

تكلم بانتعاش مبالغ فيه، وشمل فاسيلييف من تحت يده بنظرة خوف غير مصطنع متوسلاً منه المساعدة: "-سامحني يا إلـهي، أنا الخاطئ. قل لي... كيف ستستقبلني؟"‏

قال فاسيلييف: "-أظن أنك لا تفكر بهذا الأمر".‏

عارض إيليا: "-به، به. أخاف... لا مبالاتها أكثر من أي شيء. هل ستعرفني؟"‏

"-ماذا تريد أن تقول بذلك يا إيليا؟"‏

صمت إيليا حاجباً بيده جبينه الرطب، وكان واضحاً أنه خائف من التحدث عن هذا الأمر ولم يرغب فيه.‏

(1) شخصية من مسرح العرائس الفرنسي ظهرت في القرن الثامن عشر. (المعرب).‏

(2) أيضاً (بالألمانية).‏

(3) ممنوع منعاً باتاً (بالألمانية).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244