|
||||||
| Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:54 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الخامس عشر أطلقا سيارة الأجرة عند زاوية زقاق فيشنياكوفسك، ونظرا مطولاً إلى الكنيسة الصغيرة حيث أضاءت بخفوت أنوار الشموع عبر زركشات شِباك النوافذ، وبدت أشكال العجائز السوداء على الطنف، أما حولـهما فتورد زجاج الطبقات العلوية وكأنهما في مدينة هادئة غير مدينتهما، وتورد الثلج على الأفاريز، وأشعلت شمس ما قبل المغيب الصلبان فوق القباب السامقة التي هدمت قبل الحرب وأعيد ترميمها الآن. حلقت غربان الزرع فوق الأجراس بفرقعة قروية، وتذكر فاسيلييف فجاءة الـهواء الرطب جداً، والبرد والنجوم ودوي الحديد في قمة الجرس حين عادا في الليلة التشرينية عام واحد وأربعين من حفر الخنادق قرب موجايسك، وخرجا عبر شارع نوفوكوزنيتسك إلى هذا الزقاق ليختصرا الطريق إلى المنزل بعد أن قطعا موسكو كلـها. لكن هنا عند الركن إلى اليسار كان يقوم في بناء من طبقتين حانوت صغير لبيع الأغذية والخبز، كانوا يركضون إليه دائماً قبل الحرب لجلب الأرغفة، فكان الدفء يفوح في الصباحات الربيعية برائحة الخبز الطازج الحلوة، وقامت هنا في زقاق فيشنياكوفسك منازل التجار المتينة المؤلفة من طبقتين وذات الأفنية المعشبة وعنابر الحطب، وكانت تتنزه على أسطحها المغطاة بالتولين والملتهبة بالحر طيور الحمام الخارجة من أقفاصها الشبكية، فيما تتدفأ الـهررة المتكبرة بكسل في ظهيرات أيار تحت الشمس هازة آذانها بسبب من ضوضاء أعراس الدوري الجنونية في أعماق الزيزفون المتكاثف. كانت زوابع زغب الحور تثور في نهاية شهر أيار في شوارع زاموسكفوريتشيه وأزقتها وحاراتها المسدودة كلـها، فينزلق الزغب غشاء ناعماً على قارعات الطرق ويطير عبر النوافذ المفتوحة ويسبح فوق مناصب حوانيت الخضار في أنصاف الأقبية، ويلتصق بلوحات الإعلانات على الأسيجة وعلى زجاج أكشاك الصحف ويحاصر أنصاف الأعمدة الحجرية بأمواج بيضاء حول مداخل الأفنية، ويتشبث بأعمدة المصابيح الحديدية. كان ملمسه الخفيف يدغدغ الوجه والحاجبين والأهداب، فيشعر المرء برغبة في الضحك وفي نفخه... لم يكن فاسيلييف هنا منذ بضع سنوات – لم تتوافر لديه ساعة واحدة ليأتي إلى هنا، أو، ربما، وقاه لا وعيه من الماضي، ومن هذه التغييرات الجديدة كلـها قرب الكنيسة الصغيرة التي يعرفها منذ الطفولة في زقاق فيشنياكوفسك. لم يعد هنا حانوت بيع الخبز ولا حوانيت الخضار الصغيرة ولا الفيلات المسكونة المكونة من طبقتين ولا أنصاف الأعمدة الحجرية عند مداخل الأفنية ولا الحمام الشبع على أسطح الأقفاص. انتصب هناك، حيث كانت هذه الأفنية والفيلات القديمة وأشجار الزيزفون التي يبلغ عمرها مئات السنين، بناء ضخم متعدد الطبقات، واغبرّ متسخاً، وشق جدار واجهته السماء البنفسجية مع حلول المساء بسخافة وعلى نحو مسطح، وبرزت لافتات محل الالكترونيات فيه وشرفاته غير الجميلة التي جففت عليها بياضات مرقشة ووضعت عليها صناديق وزلاجات، أما قبالة الكنيسة وخلف سياجها فابتعد إلى الأعلى فوق الزقاق باستعلاء وعلى نحو أخرق برج من أربع عشرة طبقة – وانسل هؤلاء الدخلاء الغرباء وهؤلاء المحتلون الأجانب إلى عيني فاسيلييف بعداء وقبح مستهتر معاصر- وفهم أنه تأخر في القدوم إلى هنا، إلى أرض طفولته، وأن خداعاً قد ارتكب شبيهاً باغتصاب لا يمكن تفسيره. نظر إلى إيليا عند زاوية لوجنيكوفسك، لكن هذا الآخر صمت منطوياً، وسرى ارتباك يكاد لا يلحظ، على شكل تشنج غامض، على وجهه، وخيل أن هذا كان ابتسامة ضعيفة غير مكتملة، تشبه انعكاس التعرف غير الواضح على الطفولي والقديم الذي ظل في كوات الثلج الضارب إلى الزرقة والمستقر على أغصان حور الطريق، وفي مياه أنابيب تصريف مياه الثلج الذائب المتجلدة والمبللة، وفي النوازل الجليدية المتشكلة على الأفاريز والتي تتساقط القطرات منها، وفي الستائر الشفافة الرقيقة على نوافذ الطبقات الأولى، وفي تشعث الشمس المنخفضة الثابت فوق الأسطح البيضاء ذات الزرقة المؤلمة في الأقسام المائلة والظليلة منها، والتي تصير على هذه الحال مع اقتراب الربيع، والتي انحفرت في الذاكرة لسبب ما في الأعوام المنصرمة إلى الأبد. لم يمس الزمن ذلك كلـه- الجليد على المزاريب، وشرارات الشمس على النوازل، والقطرات، والظلال، وحتى هواء شباط الفواح بشيء ما رطب ومر قليلاً كأنه دخان مدافئ. وسمع فاسيلييف بوضوح كيف لفظ إيليا هامساً: "-أذكر، هكذا كان." وتنشق الـهواء بأنفه متوهاً ناظريه على أسطح الأبنية. سألـه فاسيلييف: "-هل قلت شيئاً؟ قلت: هكذا كان؟" أجاب إيليا متمهلاً، وقد أدهشت فاسيلييف نبرة صوته الجافة: "-لقد صمتُ، وفكرت –نسيت كل شيء- كل شيء... سيظهر الآن فوج الإطفاء.. وبناؤنا. أظن... رقمه أربعة... أذكر المرآب جيداً في هذه الجهة". "-أذكره أيضاً". قام هنا مرآب فوج الإطفاء المعروف في المنطقة كلـها، وكانت بوابته قبل الحرب مطلية دائماً بلون العشب، وكانت تظل مفتوحة عادة في صباحات الصيف الحارة فيبدو للعيان كيف كانوا هناك، في البرودة المعتمة قليلاً والفواحة برائحة الزيت، يغسلون برشات مرنة من فوهات الخراطيم السيارات الحمراء الملساء واللامعة بتأثير المياه وذات جرس الإنذار الذهبي الرنان، الذي يبدأ يقرع بعنف ما إن تخرج السيارات من المرآب لطارئ ما ويظل يقرع إلى أن تختفي باتجاه زاتسبيا في الغسق المتشكل بتضافر أغصان الحور الكثيفة المتدلية فوق الشارع. قام الآن عوضاً عن بوابة المرآب الخضراء جدار متقشر الطينة وازرقت فيه شاحبة بنور مشع خفيف نافذة محترف ما... لا، كان خطأً اصطحاب إيليا إلى هنا، كان تهديماً لركن الطفولة الفرح في روحه، للزمن الشاب قبل الحرب وبعدها (أفضل أعوام حياته)، وصار هذا الخطأ واضحاً خصوصاً حين رأى الفناء العزيز من غير سياج وبوابة، مهملاً، رثاً، ضئيلاً، مليئاً بالكثبان عن آخره، وليس فناء بل بقايا فناء، فمن اليمين تعدى عليه بناء جديد من خمس طبقات بواجهاته الرمادية، ومن اليسار جدار أسمنتي لبناء رمادي جديد أيضاً ذي ألواح زجاجية مربعة، بني على الأرجح في الأعوام الأخيرة مكان الفيلات ثنائية الطبقات ذات المداخل المظللة (حيث كان المارة في وقت ما يختبئون من المطر). والدرابزون الحديدي على الشرفات المحمولة على أكتاف الأطالسة الجبارة، الذين كانت شمس الغروب تنير بدفء عضلاتهم خلل أوراق الزيزفون. لم يكن الفناء ولا كل ما كّون الفناء موجوداً، بيد أن بناءهما ثنائي الطبقات المتسخ بالـهباب القاتم ظل سليماً، وكذلك مدخلـه المظلم المتداعي المائل ودرجاته الخشبية. كانت نوافذ الطبقة الأولى المغبرة وحدها المغطاة في كل مكان من الداخل بالصحف المصفرة – لم يعد أحد يسكن في الأسفل.لكن النوافذ العلوية ذات الستائر المزاحة بدت وكأنها لا تزال محافظة على الأنفاس البشرية، و قادتهما الطريق الضيقة بين الكثبان إلى غرفة المدخل. راحت امرأة مجهولة في منديل موبر تضرب سجادة صغيرة على الثلج قرب الدرجات، فجفل قلب فاسيلييف: رايسا ميخائيلوفنا؟ بيد أن تلك المرأة مسطحة الوجه وقصيرة الجسم، والتي لم تسكن من قبل في فنائهما أبداً، باعدت بطريقة تدل على أنها من أصحاب المكان، بين ساقيها السمينتين المنتعلتين جزمة، وأدخلت شعرها المنزلق تحت المنديل، وبدأت تضرب بالعصا من جديد ضربات مدوية نافضة الغبار. سارا عبر الممر. توقف إيليا قرب المدخل وهو ينظر إلى المرأة مخمناً، وتمتم: "مرحباً"، ثم التفت فوراً إلى فاسيلييف مستفهماً بقلق: "من هذه المرأة التي نسيها على الأرجح؟ " أجابه فاسيلييف بضم كتفيه: "-لا أعرفها أيضاً". كانت تفوح من قبل عند السلم المتين في المدخل رائحة الخشب القديم الجيد والغبار الجاف المائر صباحاً في عمود الشمس القادم من النافذة الجانبية، ورائحة المطبخ العامر، وشيء ما منزلي لا يمكن وصفه، أما الآن فالمكان هنا مهمل، وغير مريح، فسدت النافذة المحطمة بألواح تمرر ضوء النهار من بين شقوقها، وتفوح رائحة العفونة والفئران وبرد العليِّات. بدا السلم المؤدي إلى الطبقة الثانية صغيراً وضيقاً مثل الممر الكئيب في الأعلى، وبدت الأبواب المخدوشة ضئيلة، وصارت النوافذ واطئة كما في القرى –عاد كل شيء مختلفاً بائساً، وحين صعدا تلفت فاسيلييف حولـه أيضاً في الطبقة الثانية شاعراً بألم حلو. "ههنا في وقت ما كانت الحياة خالية من الغيوم ومشمسة وسعيدة..." تبادلا النظرات. قال إيليا صاغراً: "-ساعدني يا إلـهي". ثم خلع قبعته كالمحكوم وأمسكها بيده المسبلة، وتحرك نحو باب منزلـهم، الأول إلى اليمين، ذي الطلاء المقشور منذ زمن، والذي عُلِّق عليه على نحو مائل صندوق بريد متقشر أيضاً أُلصق عليه شريط من الورق، فقرأ بهمس مسموع: "-رايسا ميخائيلوفنا رامـ ـ ـزينا..." ولم يكن ما صعق فاسيلييف هو وجه إيليا غير الواثق، وشحوبه العاجي، بل صوته المتلعثم الذي لفظ كنيته وكأنها غريبة عنه ويسمعها أول مرة. قال فاسيلييف وهو ينظر إلى آخر الممر، حيث اصفرّ كالبيض الباب الأخير المكسو بجلد اصطناعي جديد وغير المعروف بصفرته الفاقعة الحالية، والذي يجب أن تكون وراءه غرفتاهم المتلاصقتان، بنوافذهما المطلة على الفناء والمشرعتان دائماً منذ الربيع للخضرة الفرحة ولبرودة الزيزفون. من يعيش هناك الآن وراء هذا الباب الأصفر المخيف؟ "-ربما الأفضل أن تدخل وحدك. سأنتظرك هنا". رجاه إيليا، ولم ير فاسيلييف من قبل أبداً في عينيه مثل هذا التعبير الوجل والعاجز: "-أرجوك أن تدخل معي ولو دقيقة واحدة. أتوسل إليك أن تساعدني يا فولوديا..." "-اقرع الباب يا إيليا". "-حالاً...". قرع خائفاً، فلم يرد أحد من وراء الباب. قرع مرة أخرى، وضغط بحذر الباب بأصابعه منصتاً ففتح من غير صرير المفاصل وزعيقها الصدئ الذي يصادف كثيراً في المنازل الآيلة إلى الدمار، وكان أول ما شعر به فاسيلييف هو الـهدوء الراسخ والثابت المنبعث من الغرفة المنارة بالشمس عبر نافذتين. ساد الصمت هنا. كانت مملكتها هنا بخزائن الكتب ذات المصاريع نفسها، المصفوفة على امتداد الجدار الأيسر، وبالمرآة القائمة القديمة نفسها في إطارها المصنوع من الخشب المحفور وبالخزانة الصغيرة نفسها، لكن شيئاً ما أعاق على الفور وعلى نحو مقلق الإحساس بالقديم غير الممسوس: لم تكن هناك منضدة الكتابة الخاصة بإيليا موجودة، ولم تكن صوفاه البدائية المزينة برف من المرايا، التي كان يستلقي عليها أحياناً ويرفع الأثقال كي يقوى عضلات يديه. لم يتمكن فاسيلييف من تفحص ما ظل على حالـه وما تغير في النصف الأيمن من الغرفة لأنه رأى هناك الباب المفتوح للمدفأة الـهولندية الآخذة في الانطفاء، وفي الأريكة قبالة منضدة الطعام (أمام النافذة المطلة على سطح المدخل المغمور بالثلج) امرأة نحيلة شاب شعرها حتى صار أبيض خالصاً، تضع على عينيها نظارة ذات إطار معدني كتلك التي كانت تضعها المعلمات قبل الحرب. لم يعرف فيها رايسا ميخائيلوفنا بل خمن ذلك تخميناً، ثم سمع في الحال صوت إيليا الأصم المخنوق: "ماما...". سار نحوها ممسكاً قبعته بإحدى يديه على نحو أخرق. أما هي فنقلت آليا على نحو ما الكتاب السميك من على ركبتيها إلى حافة المنضدة وهي تستقيم، وخلعت نظارتها، وتكلمت بصوت واهن: "-إيليوشا؟.. "ونهضت، وسارت للقائه بخطا صغيرة. "-ماما..." ألصق وجنته بصدغها وهو يحتضنها وتسمر هكذا، أما هي فوقفت كالميتة مرجعة رأسها ذا الحزمة الشيباء عند القذال، وحدهما شفتاها البيضاوان راحتا تتحركان وتنطقان بكلمات تكاد لا تسمع ولا تدرك: "-لماذا يا إيليوشا، كيف استطعت... طوال هذا الوقت؟" تكلم إيليا بحرص في وضع الانحناء من غير أن يفك عناقها، ولا يزال ممسكاً بخراقة منسية القبعة خلف ظهرها، لكن حاجبيه راحا يقفزان وكأنه يكبت نحيبه: "-ماما، ماما، يا غاليتي.. سامحوني(1) على كل شيء... أنا مذنب في حقكم، مذنب..." تنحت قليلاً وهي تتفحصه بابتسامة متكلفة وهمست: "-هل هذا أنت يا إيليوشا؟ وأنت حي؟. "-هذا أنا يا ماما. أتيت لأراكم". قالت وهي تمسد وجنته، فأمسك يدها مغمضاً عينيه، وضغطها بفمه: "-وصرت على هذه الحال يا إيليوشا؟ تجاعيد وأشيب تماماً؟ حين روت لي ماشا كيف التقيتم في الخارج لم أتخيلك أشيب. كنت أحلم بك ولداً دائماً." وأومأت برأسها لفاسيلييف الواقف عند الباب: "-حين ذهبت مع فولوديا إلى الحرب كنتما ولدين... انقضت حياة كاملة. مرت كالحلم..." وهنا فقط بكت مرتعشة وراحت ترمش بجفنيها جاهدة كي لا تذرف دموع العجائز الصغيرة لكنها أخذت قبعة إيليا في الحال ووضعتها على المنضدة داعية إياه بعينيها المبللتين إلى الغرفة وطلبت من فاسيلييف متكلمة بصوت متماسك: "-اخلع معطفك من فضلك، وأنت أيضاً، يا فولوديا، اخلع معطفك... كم سنة، كم سنة مرت. الحمد للـه أنك حي يا إيليوشا. " تكلمت وهي تغمز برموشها النادرة الرطبة: "-أذكر كيف عدتما من الخنادق، وكيف جلستما وراء هذه المنضدة. كم سنة مضت... " كررت رايسا ميخائيلوفنا بهمس مرتجف: "-أما أنا فعشت الحياة كلـها وحدي... كم تقلبت أفكاري حولك يا إيليوشا، صدقت ولم أصدق. يا للورقة المرعبة التي جاءتني: ضاع من غير أثر... ويا للفراغ الذي حل في الروح... أين أنت؟ في الأسر؟ قتلت؟ ماذا حل بك؟ كم فكرت بك، كم من الدموع ذرفت في الليالي يا إيليوشينكا. ولم تصلني منك ولو رسالة صغيرة، ولو كلمة... كيف استطعت ذلك طوال هذا الوقت؟ يا بني، يا وحيدي، يا أعز إنسان... كان من الممكن أن أموت... لماذا تركتني أتعذب بقسوة كل هذه السنين؟..." قال إيليا خالعاً معطفه وملتفتاً باستعجال، بوجه متوسل نحو أمه، وكأنه خائف من دموعها، ومما لم تعانه بعد من يأس الفقدان، ومن تأنيبها المنفلت من غير قصد: "-ماما، سامحوني إن كنتم تستطيعون، سامحوني كرمى للـه. سأروي لكم كل شيء، يجب أن تسمعوني يا أماه، أريد أن أروي لكم كل شيء..." قالت رايسا ميخائيلوفنا: "-ها أنت تخاطبني بصيغة الجمع يا إيليوشا. لماذا تخاطبني بصيغة الجمع كالغريبة؟" "-اعذروني يا ماما. كنت أذكركم. كنت أذكركم طوال هذه السنين..." "-وهل عدت نهائياً؟ أين أسرتك؟" أطلق إيليا زفرة مصحوبة بأنين، واقترب منها وكأنه رازح كلـه تحت وطأة نظرتها المتسائلة، فدلك يديه وضمهما ثم حررهما بانصياع مذنب: "-اغفري لي يا أمي. ليس لي أسرة. أتيت وحدي... كان عليّ أن أراك يا ماما". "-وحدك؟ وأين زوجك يا إيليوشا". "-أنا أرمل يا أماه". فكر فاسيلييف معانياً من حرج شديد بسبب من وجوده واقفاً عند الباب من غير أن يخلع معطفه: "ما كنت لأتصور إيليا أبداً مغرماً بأمه هكذا وحائراً أمامها. لكن تعذبني وتلاحقني فكرة أن إيليا جاء ليودعها. يا لللطف الذي ينظر به إلى رايسا ميخائيلوفنا، يا لرغبته في أن يبتسم لـها ويمسح يديها وللوجل الذي يعتريه من أسئلتها... نعم، نعم. هذا هو إيليا الذي يرتدي بذوق رفيع بزة رائعة، والحليق بعناية، لا بل الوسيم أيضاً، لكنه ميت. لن يكون على الأرض بعد عام أو عامين. ورايسا ميخائيلوفنا لا تعرف ذلك. ستعيش أكثر منه. ما دمت أفكر بهذا طوال الوقت فهذا معناه أنني لا أرغب في أية حال بالموافقة على موته". "-سأغيب يا رايسا ميخائيلوفنا لأشتري السجائر. نسيت، لو تدرين، العلبة في المرسم. أظن أن ثمة كشكاً هنا عند الركن؟ سأعود حالاً، يا للأسف". وضرب فاسيلييف على سبيل البرهان جيبيه وخرج حالاً إلى الممر من غير أن ينتظر ممانعتهما إياه. لقد فهم أنه لم يعد قادراً على مساعدة لا إيليا ولا رايسا ميخائيلوفنا بمشاركة غير مقصودة منه. لم ينعطف فاسيلييف في الممر نحو المخرج بل إلى اليمين، نحو نهاية الممر، نحو ذلك الباب الضارب إلى الصفرة الذي جذبه على نحو لا يقاوم، وذي قبعات المسامير المعدنية البراقة المطروقة في الجلد الاصطناعي الجديد الذي يكسوه. جلس على حافة النافذة منصتاً إلى الصمت وراء باب هاتين الغرفتين اللتين صارتا غريبتين، وفكر في أنه يتمنى لو يلقي نظرة، ولو دقيقة واحدة، إلى هناك كي يرى فقط المدفأة الـهولندية المغطاة بالبلاط، والتي كانت صوفاه قبالتها. "-إلى أين أيها المواطن؟ عمن تبحث؟ آ ؟" صوبت المرأة قصيرة القامة في المنديل الموبر، التي التقيا بها قبل قليل في الفناء، نحو فاسيلييف نظرة عدائية ضاربة إلى البياض من تحت جبينها مع لـهاث مصفّر، وهي تضم إلى بطنها بقوة السجادة الصغيرة الملفوفة. شرع فاسيلييف يتكلم: "- أنت... في هذه الشقة؟ أنا، كما ترين، في وقت ما... " مسه على نحو غريب أن هذه المرأة الدميمة وغير البشوشة تعيش في غرفتيهم، وأن وجهها المسطح بدا وكأنه مستعد لإطلاق صرخة مدوية وللصراع الغاضب دفاعاً عن بابها، فلم يكمل كلامه وقاطع نفسه بابتسامة ساخرة: "باردون مدام. لم آت إليك. يا للأسف، لم أرك هنا أبداً. آسف أسفاً شديداً يا مدام أن شخصك لم يزين هذا البناء من قبل. "قال هذه الجملة الساخرة التي خطرت لـه لسبب غير معروف، والخالية تماماً من أي معنى، وبعد أن قالـها فرقع بكعبي حذائه وأحنى رأسه كما يفعل الفرسان، وراح يفكر في الوقت نفسه بأسى بهذه الصبيانية: " يبدو أنني سأجن..." تنحنح في الخلف صوت فيه مسحة من الشجار حين اتجه فاسيلييف نحو السلم: "-هه، يسيرون ومظهرهم كمظهر المثقفين، يعتمرون القبعات، أما هم في الواقع فزعران..." "مثقفون زعران يسيرون في القبعات". ظلت هذه الجملة ترن فيه برخامة لاذعة إلى أن هبط إلى المدخل الفواح برائحة العفن. لفحته الرطوبة الناعمة التي حملـها هواء ذوبان الثلج، لكنه لم يشعر بالارتياح التام في الفناء أيضاً، حيث راح جدار البناء المجاور خماسي الطبقات يلتهب كلـه في الغروب المبكر، وزأر من خلفه محرك مهتزاً بكل قوته تارة ومخفضاً عدد دوراته تارة أخرى، وصرّت الجنازير وترددت أصوات ضربات ثقيلة، وانهال شيء ما، وحف وسال تحت هذه الضربات التي ملأ وقعها الزقاق. "مثقفون زعران يسيرون في القبعات". سخر فاسيلييف من نفسه ذهنياً، فيما قاده الممر بين الكثبان المحمرة إلى حيث كان المدخل إلى الفناء والبوابة الخشبية. وقف هنا متلفتاً ومستنشقاً رائحة الثلج الذائب، وراح يتخيل فجاءة أمراً آخر: غسق الصيف البعيد ودفء الغروب الـهادئ في ذرا الزيزفون غير المتحركة، والبريق الـهادئ لزجاج العليات كالبحيرات الصغيرة في الغابات في غبش المساء، أما في الأسفل فتناهى في أماكن متفرقة من النوافذ المفتوحة وعبر أوراق الأشجار ضوء المصابيح المنزلية وتناهت أصوات مكبوتة ورنين الأواني... ثم ليلة حارة من ليالي تموز والنجوم فوق الأشجار وفوق الـهوائيات القاتمة، والبوابة الخشبية المغلقة بالمزلاج حتى الصباح من قبل البواب العم أخميت، والفناء الليلي الذي يبدو كالمطوق والمعزول عن الأزقة والشوارع الـهادئة، والمتحد في الداخل بالثقة المتبادلة الشبيهة تقريباً بالثقة بين الأقرباء: أخرج إلى تحت كل نافذة سرير قديم من السقائف، ووضعت المفارش على المقاعد والألواح الخشبية، وابيضت الوسائد في الظلمة، وراح الجيران يتبادلون الأحاديث بأصوات غير عالية قبل النوم، ويتردد أحياناً ضحك طفولي مغطى بالبطانية، أما حول الفناء فسبح صمت الليل الساكن القادم من الأفنية الأخرى، ومن الشوارع القريبة وزاموسكفوريتشيه كلـها. وفي تلك الساعات كانت الرغبة تراوده في النظر طويلاً من السرير إلى السحر المتزحزح في الأعماق الزرق القاتمة، وإلى الحركة الغريبة والتشكل الغامض لمعينات النجوم ومثلثاتها، وفي أن يشعر بوجهه بعد أن يغفو ويستيقظ بهبوب النسيم المتبرد وأن ينكمش بسبب من إحساسه بالصلة السرية مع السماء، وأن يسمع من مكان ما بعيد صوت عواء حافلة كهربائية متأخرة. فكر فاسيلييف متخيلاً بوضوحٍ الفرح الطفولي بالليلة الـهادئة والنجوم وذرا الزيزفون القاتمة في الفناء حتى أنه أحس برائحة نسيم الصباح وبالوسادة الباردة تحت وجنته في الـهواء الطلق: "ما هذا الذي كان؟ أهي العراقة العزيزة التي تتصف بها أفنية التجار؟ لا، كان أمراً آخر ما هو؟ الحنين إلى الماضي؟ لا، إنه بغض النظر عن أي شيء التقارب الواثق بين أناس يقطنون معاً. وكان الأمل الوحيد. وكان لدى الجميع كفاية متواضعة ومتماثلة... أين هذا كلـه؟ هل غرق في نهر الزمن؟ هل رحل من غير أثر؟" *** هز المحرك الـهواء بزئيره، ودوى خلف البناء خماسي الطبقات، وتناهت أصوات الضربات البليدة منتظمةً، فاقترب فاسيلييف من منعطف الزقاق نافد الصبر، تتملكه الرغبة في أن يرى ماذا يبنون هناك. تحركت خلف السياج المقام من ألواح الخشب عربة مجنزرة شبيهة بالرافعة فوق ركام الطوب المتكسر، وراحت كرة فولاذية معلقة على خطافها تتأرجح على نحو رهيب وتضرب باضطراد صدر الجدار المشوه –علق الغبار البني في الـهواء وانهالت الطينة، وراح الطوب الأحمر المتحطم يتساقط ويطرق الأرض، وهوت عوارض الجسور السميكة. كان الجدار لا يزال قائماً ومحافظاً بأعجوبة على كورنيش الفيلا المزين بالأشكال الجدارية، وفي الأسفل هب الـهواء عبر فتحات النوافذ المحطمة وفتحة باب الشرفة العريضة ذات الدرابزون الحديدي المبروم والمتضافر ليشكل وريقات الزنبق المتفتح السوداء، أما الأطالسة تحته، المغبرون، نصف المحطمين، فكانوا لا يزالون يسندون بمناكبهم المتوترة وبآخر ما يملكون من قوة الشرفة المهتزة مع كل ضربة مدوية من الكرة الفولاذية الرنانة التي لا ترحم. كان هذا بقايا واجهة الفيلا ثنائية الطبقات لمالك معمل الحلويات السابق على الأرجح، والتي وضعت فيها قبل الحرب مكتبة للأطفال. وشعر فاسيلييف بالألم في صدغيه بسبب من عدم وضوح أو فهم لزوم تهديم هذه الفيلا القديمة، التي كحلت الأنظار وسط أشجار الزيزفون النامية منذ قرون بشرفاتها و مزاغلـها المزخرفة ودوارات الـهواء المغنية فوق الأبراج وبمدخلـها المشيد على شكل بوابة عالية-و بسبب من زئير المحرك الذي يرج الأرض كهدير الدبابات، وتأرجحات الكرة وضرباتها القاتلة شعر بالألم في صدغيه. نظر باشمئزاز إلى الكرة الثقيلة المتأرجحة ببلادة أمام الجدار المشوه، وفكر بإيليا ورايسا ميخائيلوفنا وبالفناء غير الموجود وبانعدام الفائدة من جهود البشر للمحافظة على أنفسهم في الزمن. "أنا مستعد لأن أوافق على أنني مذنب أيضاً في هذا كلـه. لكن من أين هذه الشيطنه الـهدامة؟ هل يعقل أن لا يبقى الماضي، وأن لا يذكر أحد شيئاً؟ ولا أياً منا؟ سيهدمون البناء القديم ويبنون بناء جديداً مسبق الصنع، ثم يأتي آخرون بعدنا ويهدمون الأبنية مسبقة الصنع ويبنون أبنية أقبح... وربما سيتناثر ماضينا في الكون مثل ذرات الغبار. وحدها ذاكرة القليلين... ربما وحده الفن قد يحفظ شيئاً ما قليلاً..." وسار في الزقاق المرتج من دوي الصدمات، وقد أثارته سخافة هذا التدمير، وتذكر لسبب ما كيف راحت مرة زوبعة في أمسية من أمسيات شباط بعد الحرب تدور بعنف خاص في هذا الزقاق، مثيرة الغبار الثلجي عن الأسطح وعن ذرا الكثبيات، وكيف سارت الأقماع وبرمت على قارعة الطريق، وتأرجحت المصابيح في كل مكان وصرَّت مع أشجار الزيزفون المتجمدة، وصار نور متكدر يتخطر على الأسيجة إلى الأعلى تارة وإلى الأسفل تارة أخرى، وكيف ظهر بصعوبة خلل هذه العاصفة الثلجية المدخنة منزل منار عند المنعطف مع أبراج الحراسة فيه ودورات الـهواء المصفرة كالزعران، أما هو- وكان لا يزال في معطفه الرسمي- فسار مع ماشا غير حليق الذقن، مرحاً، تلسعه الزوبعة، ولم ير عينيها اللتين حجبهما فراء الياقة. لقد رأى جزءاً من جبينها فقط وحاجبيها المشعثين اللذين علق الثلج بهما، وكان غالباً ما يتوقف مبتسماً ("ماشا، ماشا") ويجذبها من كتفيها ثانياً عن وجهها الياقة اللزجة المبللة، ويبدأ يقبل غير مستعجل شفتيها الرطبتين، الفواحتين برائحة الشتاء والحلوتين حلاوة لا حد لـها، فتعبس وتنشب في صدره يدها المدفونة في القفاز، وكان يظل ممسكاً بها برقة متعطشة... فكر فاسيلييف: "هذا أيضاً غير موجود. بقي في ذاكرتي وحسب". كان صوت الكرة الحديدية المتين، التي راحت تهدم بقايا واجهة البناء، شبيهاً بضربات كتل الدبابات على جدران الطوب (حدث مرة في كامينيتس بودولسك قرب القلعة حين راحت الدبابات الألمانية تهاجم)، وقد رافق هذا الصوت المنتظم للحديد المنغرز في الطوب فاسيلييف حتى المنعطف نحو شارع لوجنيكوفسك، حتى مكان بوابة بنائهم السابقة، ولم يهدأ الألم المضني في صدغيه. شعر بالأسف لأنه، بسبب من انشغالـه كالثور المخصي بعملـه الذي لا ينتهي، وبسبب من إرضاء الذات المغرورة، لم يأت منذ قرابة العشر سنوات إلى ركن الطفولة هذا، وكان في مقدوره أن لا يرى بقاياه لولا إيليا. لم يستطع أن يغفر لنفسه هدر الوقت الذي لا يعوض وتأجيلـه المخادع والمهدئ إلى "ما بعد"، كما لو أنه كان يأمل في حياة ثانية. "إذن، الوداع أيها الزقاق العزيز. كان عليَّ أن آتي إلى هنا مصطحباً مسودة الرسم منذ زمن بعيد، لكنني لم آت..." كانت العودة إلى آل رامزين صعبة عليه، لم يشأ أن يرى دهليزهم والتناثر الظافر لرؤوس مسامير التنجيد الفضية على الجلد الصناعي الأصفر على بابهم العزيز منذ الطفولة، والذي بدا وكأنه يدفعه عنه بخيانة ما مرتكبة، وبخنوع الزمن المذل أمام تلك المرأة المتجهمة ذات الوجه المسطح. صعد بعد قرابة الساعة ونصف الساعة إلى رايسا ميخائيلوفنا ليودعها، وحين قرع الباب وفتحه بعد أن سمع أصواتاً مكبوتة أوقفته للوهلة الأولى فكرة أنه وصل، على الرغم من كل شيء، في الوقت غير المناسب، لكن الخروج صار مستحيلاً. التفت إيليا عن المنضدة، ونظر إلى فاسيلييف وكأنه يكبح استياءه: "-هيا ادخل، ادخل، لا تتخبط عند العتبة، ليس ثمة أسرار. " وعاد يتكلم من جديد موجهاً حديثه لرايسا ميخائيلوفنا، وقد شابت صوته الحيرة: "- ماما، لن أستطيع الرحيل على هذا النحو، عليك أن تفهميني. أريد أن تكون شيخوختك هادئة". جلست في الأريكة مغطية وجهها بأسى بيديها الجافتين، وبانت على المنضدة قرب الفناجين وصحون المربى رزمة من أوراق مالية خضراء جديدة، قرّبها إيليا من رايسا ميخائيلوفنا متابعاً حديثه بارتباك: "- لست فقيراً يا أماه، صدقيني. لن تتسببي في إفلاسي. سأرسل لك كل شهرة مائة وخمسين دولاراً لمصاريفك. ثمة في موسكو محلات بيريوزكا(2) ممتازة، وبالعملة الصعبة سيكون في مقدورك..." أزاحت رايسا ميخائيلوفنا يديها عن وجهها ونظرت إليه من الأسفل إلى الأعلى بعينين جافتين وبتعبير مرّ عن المصاب الكبير والتعب الروحي، وقالت مبتسمة ابتسامة ضعيفة: "- كم تأخر الوقت يا إيليوشا. مضى العمر كلـه. لقد وصلتَ مع نهاية حياتي". تمتم إيليا من غير أن يقدر على إخفاء استيائه: "-أرى يا أماه أنك لست سعيدة لمجيئي. أما أنا فأردت... لا يمكنك أن تتصوري كم رغبت في رؤيتك. بقينا، أنا وأنت، وحدنا. وحدنا في هذا العالم كلـه". ترنحت رايسا ميخائيلوفنا إلى الأمام كالمغشي عليها، وضغطت صدغيها براحتيها، وتكلمت بهمس كهمس المصلين، وبألم منفلت مفزع، وبدموع داخلية غير مذروفة: "-لماذا هذا العقاب. عشت حياتك كلـها مستغنياً عني يا إيليوشا، استطعت... أن تعيش مستغنياً عني في مكان ما. أما الآن فجئت تقول إنك تحبني وتعرض عليّ نقوداً... ما حاجتي إلى النقود الأجنبية في سني شيخوختي يا إيليوشا؟ لم أعد أرغب في شيء. لن آخذها معي إلى القبر. " هتفت رايسا ميخائيلوفنا بذلك وهي تمعن النظر إلى شحوب وجنتيه النحيلتين الرمادي، أما هو فظل واقفاً على بعد خطوتين عن الأريكة مسنداً أصابعه إلى حافة المنضدة حتى انثنت بمرونة وابيضت، وكان ينظر بثبات إلى آنية المربى: "-كنت أحتاج إلى حبك وحسب يا إيليوشا. لكنك استطعت أن تحيا حياتك كلـها مستغنياً عني. " رددت رايسا ميخائيلوفنا ذلك بفتور: "-اعذرني، قلت كل شيء... كي لا يعذب واحدنا الآخر بالواجبات المزيفة. آه، كم تعبت اليوم، خارت قواي... " أغمضت عينيها منهكة، وجلست على هذا النحو بعض الوقت، ثم أكملت كلامها وفي صوتها رجفة وهن: "-اذهب يا إيليوشا، انتظرك فولوديا طويلاً. تعال إليّ مرة أخرى... قبل سفرك. خذ النقود. ستحتاج إليها..." قال إيليا، وقد اقترب من الأريكة بساقين مستقيمتين، وانحنى متصلباً ووجلاً، وقبّل صدغ أمه حيث بانت عروقها الزرقاء: "-سأمر بك يا ماما من بعد إذنك. " أما هي فمست بخفة كتفه بأصابعها الثلاث المضمومة، فتمتم: "-ماما، ماما. سامحيني وإلى اللقاء. سامحيني على كل شيء...". تذكر فاسيلييف جيداً كيف راح إيليا يدس حزمة الأوراق الخضراء في محفظته كالأعمى، وكيف أومأت رايسا ميخائيلوفنا لـهما حزينة متعبة من غير أن تقف، وكيف هبطا على السلم المتقلقل إلى غرفة المدخل وخرجا إلى الزقاق، حيث أصابهما بالصمم زئير الجرافة، وقد وحدهما صمتهما وحال بينهما – لم يتكلم إيليا إلا عند منعطف فيشنيافسك، إذ تمتم: "قف." وتلكأ ناظراً إلى امتداد الشارع الذي عتمه الغروب، حيث تدلى باكراً فوق غصون الزيزفون العارية في السماء الخضراء الفاتحة بدر ما قبل الربيع الشفاف، وتنشق بأنفه الـهواء المشبع برطوبة الثلج الذائب، وتكلم بحدة متجهمة: "-هل على الابن الضال أن يعود إلى الأماكن المقدسة؟ ثمن الرومانسية في زمننا باهظ. "يوضع النعش حيث المائدة عامرة بالأطايب". قال ذلك شاحباً وساخراً من نفسه، لكن وجهه صار غاضباً على نحو مكشوف وقاسياً، مذكراً في شيء ما بإيليا الآخر من عام ثلاثة وأربعين، صباح يوم العودة إلى المدافع المحاصرة من قبل الألمان عند معبر السكة الحديدية. (1) يحدث والدته بصيغة الجمع احتراماً لـها (المعرب). (2) محلات تجارية تبيع البضائع المستوردة بالعملات الصعبة (المعرب). |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |