الاختيار - تأليف : يوري بونداريف - ترجمة: عياد عيد

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:54 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل السادس عشر

أدهشه في البدء النور في نوافذ شقته المضاءة مثل شريط في الطبقة الثامنة، وحين فتحت ماريا الباب صعقته ظلال الحداد تحت عينيها. قبّلـها على عجل والشك لا يخامره في أن شيئاً ما غير سليم قد حدث في المنزل، وسألـها قلقاً:‏

"-ماشا؟ ما بك؟"‏

"-شكراً لأنك أتيت. اتصلت بك في المرسم لأنني لم أستطع..."‏

دخلت الغرفة وتهالكت على مسند الأريكة تحت المصباح القائم، ورتبت ثوبها المنزلي على ساقيها، وتناولت عن حافة صحن السجائر السيجارة المدخنة. بدا أن ماريا كانت تقرأ وحيدة هنا وهي تنتظره: استلقى الكتاب الإنكليزي المفتوح على منضدة الصحف.‏

قالت ماريا، وقد وضعت الكتاب على ركبتيها لسبب ما: "-لم أشأ أن أوقظك. لكن سامحني، لست على ما يرام. كل شيء يصير مخيفاً. اتصلت فيكتوريا في السادسة مساءً. قالت إنها تتكلم من هاتف عمومي في طريقها إلى المنزل، وها هي الساعة الآن الثانية ليلاً ولم تعد. لا يمكنك أن تتخيل شيئاً لم أفكر به. يا إلـهي..."‏

أوقفها فاسيلييف بلين مهدئ مصطنع: "-انتظري يا ماشا، انتظري. مع من كانت؟ هل رافقها أحدهم؟"‏

"-لم أسألـها مع من كانت، لم أفطن لذلك لأن الوقت كان مبكراً. أعلم أنهم يذهبون أحياناً إلى طريق ديميتروف، إلى مدرس مهنة التمثيل. ما اسمه؟ إنه مخرج مشهور بعض الشيء. هل تذكر الفيلم عن الصبي القروي الذي أثار ضجة؟ ماذا يسمونه؟ يجب أن تتذكره، أنت تعرفه..."‏

"-لا أذكر الفيلم يا ماشا. ببساطة لم أشاهده".‏

حرفت ماريا ركبتها نافدة الصبر ممسكة بالكتاب المفتوح الذي انزلق على قماش ثوبها.‏

قالت: "-عليك أن تتذكر. يا إلـهي، لن أحتمل..." وشعر من نظرتها إلى باب الغرفة المفتوح وإلى الـهاتف الصامت في الدهليز ومن أسلوب حديثها وإمساكها بالكتاب الذي أعاقها باهتياجها غير المبرر الآن، وفكر أن أفضل شيء هو أن لا يلحظ ذلك وينسى فوراً كيف حاول نسيان أمر جديد في علاقتهما نشأ على نحو مؤلم كعائق بينه وبينها في صباح من الصباحات الخريفية. تناولا حينئذ فطورهما. نظرت عبر النافذة إلى الأسطح الضبابية فشاهد فجاءة بقلق تدفق الدفء العميق من عينيها الرماديتين الغامقتين، والبريق الشاب الفائض منهما، وأحس أنه مغرم بها وأنه ممتلئ نحوها برقة قديمة، وصار يقول لـها سخافات مرحة، مفادها أنه يحبها أكثر مما أحبها منذ ثلاثين عاماً، لكنها عبست مستفسرة، وبدت تلك الليلة ذاتها، وهي في أحضانه، بعيدة، ميتة، فأشاحت بوجهها جانباً مخبئة شفتيها عن قبلاته، وكان في برودتها تلك وفي وصالـها الصاغر اللا مبالي شيء معروف ومخيف ومكدر.‏

لا، بدأ كل شيء قبل ذلك بكثير. لقد شعر بتنائيها منذ فينيسيا، حين رفضت أن يتعشيا معاً، وذهب هو إلى البار ليشرب هناك ويسترخي. ذلك المساء فهم رفضها على أنه نزوة تعب ناتجة عن التنقلات واللقاءات في المعارض والاستقبالات في روما، ولم يربط أبداً برود ماريا غير المفهوم برسالة إيليا وظهوره يوم افتتاح المعرض في روما، وحتى بلقائها به في مطعم في الضواحي (وهي ما روته لـه فيما بعد) –كان من المضحك أن يغار من مشاعر ما قبل الحرب الطفولية المنقضية.‏

ومع ذلك فإن الفكرة المهينة عن الغيرة المثيرة للضحك في سنه هذا، وفي الوقت نفسه معرفة ماريا مسبقاً بوصول إيليا إلى موسكو وإبلاغها رايسا ميخائيلوفنا بيوم وصولـه من غير أن تخبره شيئاً خدشت روحه بمخلبها على الرغم من أنه لم يرغب في أن يفكر بذلك.‏

قال فاسيلييف من غير أن ينظر إلى وجهها كي لا يرى دهشتها غير الحقيقية:‏

"-تعرفين على الأرجح يا ماشا أن إيليا وصل".‏

ردت على نحو عابر: "-وصل إيليا؟" نعم، أعرف. " ورمت الكتاب على الأريكة، ثم شرعت تسير في الغرفة حاضنة كتفيها بيدين متصالبتين: "-تقول إيليا- إيليا... لماذا شرعت تتكلم على إيليا؟ ما شأنه هنا؟... أين يمكن أن تكون؟ قل لي من فضلك أين؟ إذا كانوا قد عرجوا على مخرجهم فماذا في مقدورهم أن يفعلوا حتى الثانية ليلاً؟ وإن لم تكن عند المخرج فأين هي؟ أين؟ أين؟ ما اسمه؟ ماذا يدعى؟ ليوباريف؟ نيكونوف؟ لا، لا، آه، تذكرت... أظن... تيخوميروف. نعم، نعم تيخوميروف... " عضت شفتها وهي تنظر حولـها باحثة عن الاسم المفقود وكررت: "-نعم، نعم، أظنه نيكولاي ستيبانوفيتش تيخوميروف. أذكر أنها لفظت اسمه. يجب أن يكون رقم هاتفه لدينا، يجب أن يكون..."‏

سحبت في الدهليز مفكرة الـهاتف من تحت الرسائل والفواتير المختلفة المكومة على الخزانة الصغيرة، وشرعت تقلب صفحاتها بسرعة موقعة رماد السيجارة. اقترب فاسيلييف من الخلف، ورأى في المرآة وجهها المركّز المحني، المثير للشفقة والعزيز في كل تجعيدة، وفكر مرة أخرى بمرارة في أن كل شيء في هذا العالم معلق بشعرة، وقبض تشنج مفاجئ على صوته:‏

"-اسمحي لي أن أتصل، سيكون الأمر أسهل عليّ".‏

"-لو... لو ينقضي كل شيء معها... هل وجدت الرقم؟"‏

"-اهدأي يا ماشا".‏

وجد رقم هاتف نيكولاي ستيبانوفيتش تيخوميروف المسجل بخط فيكتوريا فطلبه، وتردد أزيز دوران القرص العجول عالياً في صمت الدهليز المطبق كإشارة أمل غير راسخ. لكن أحداً لم يرفع السماعة، ووصل الطنين الطويل أحادي النغمة من غير أن يرد عليه أحد من الصحراء المكتومة في الشقة الغريبة. لم ترفع السماعة حتى بعد أن طلب الرقم مرة ثالثة ورابعة. ظلت الشقة المجهولة في طرف المدينة الآخر صامتة كالسابق. وحين راح فاسيلييف يبحث عن الرقم ويتصل وينتظر الرد كان يلتقي كل دقيقة في المرآة بعيني ماريا الرماديتين القاتمتين المتسمرتين، فيحاول أن يهدئها بنظره شاعراً بقلق متنام من الجمود المنذر بالخطر في عينيها ومن الضوء الصحراوي المنار في كل مكان من الشقة، ومن الطنين اليتيم في السماعة، الذي بدا وكأنه يظهر من اللا وجود وينساب في الوجود على شكل خط متقطع –نحو هاوية موسكو الليلية الحالكة، حيث يمكن أن يحدث أي شيء...‏

لم يشأ أن يصدق كل هذا الليلي القاتم، لكنه حين تخيل ابنته النحيلة اللدنة مثل طائر التم وهشاشة عنقها وكتفيها وتخيل ساقيها الطويلين جداً وصدرها ناقص النمو والشفقة القاتلة التي يثيرها ذلك كلـه فيه، وحين تخيل ابتسامتها الداعية وصوتها المنساب: "مرحباً بابا" لم يعد يشعر بالاضطراب بل بزحزحة الرعب المتجلدة في أعلى معدته، وصار كل شيء على الفور تافهاً ما عدا هذا الشعور.‏

قال فاسيلييف من غير أن يرفع يده عن سماعة الـهاتف: "-اسمعي يا ماريا. ثمة رجل آخر لا هم لديه، ويمكن أن تكون عنده. إنه خالك العجيب إدوارد أركاد ييفيتش. يحدث أن تكون مونولوجاته بغير نهاية، والتهرب منها ليس سهلاً..."‏

هزت كتفيها برداً.‏

"-بدأت أتصل بالجميع منذ الثانية عشر والنصف ليلاً. اتصلت بإدوارد أركادييفيتش وبصديقك لوباتين، وبهذا المغفل سفيتوزاروف. لن تصدق، وجدت المغفل في المنزل، كان يشاهد مباراة بالـهوكي، وأكد لي أنه لم ير فيكا اليوم. أي عجز، أي عجز مرعب..."‏

تحدث فاسيلييف بصرامة: "-تعالي لنجلس يا ماشا ونفكر بهدوء. أينما كانت فيكتوريا فليس لنا سوى أمر وحيد هو الانتظار".‏

كررت: "-تقول الانتظار؟ " ثم تكلمت بسخرية متألمة: "-أليس لديك شعور بأنني أنتظر ابنتي في غرفة الضيوف هذه منذ عامين؟".‏

"-ماذا تريدين أن تقولي بذلك يا ماشا؟"‏

فحت الساعة في غرفة الضيوف، وقرعت المطرقة، ومع ازدياد الفحيح وقعت الضربة المقطوعة بصوت رخيم كثيف كصوت الأورغ، وترددت في الدهليز والغرف على شكل دوي بطيء وتوقفت دقات الساعة، وعاد "باول بوريه" القديم يتكتك من جديد برتابة وحيداً. وفي تعداد ثواني أعماق الليل هذه غير المبالية بأي شيء انتصب أمام عيني فاسيلييف بناؤهم الغارق في ظلمة آذار ونوافذهم الثلاث الساطعة المنذرة بالخطر، التي اخترقت العتمة وقد انساب خلفها الزمن الثقيل من غير رادع.‏

فكر فاسيلييف من غير مناسبة: " ربما كانت السعادة ستغمرنا لو أن مشاعرنا كانت فوق الزمن. وكان الخلاص سيأتي في الأحلام اللازوردية".‏

"-إن ابنتنا، الفتاة الشابة، مغرمة بشاب ما على الأرجح، و، طبعاً، يمكن أن يكون بينهما أي شيء كما يحدث في سني الشباب. " قال فاسيلييف ذلك وهو غير راغب إطلاقاً في هذا "الأي شيء" لكنه سعى إلى تهدئة ماريا: "- تخيلي أن شاباً وشابة متحابين قد نسيا كل شيء في الدنيا، ولا يوجد هاتف في الشقة، وليست لديهما الرغبة في أن يهرعا إلى الـهاتف العمومي. ألا يمكن أن يكون الأمر كذلك يا ماشا؟"‏

ردت ماريا هامسة: "-إنك لا تعرف شيئاً. لا تعرف شيئاً إطلاقاً... لا تعرف كيف انتظرتها هكذا حتى الصباح منذ عامين..."‏

نهضت متجهمة وقد عرَّضت وجهها لرعب غير مرئي لـه، متخيلة فقط ذلك الأمر الذي لا يمكن رميه جانباً، والذي لم يستطع معرفته أو افتراض حدوثه بعد. وعصره الخوف الممزوج بالحب تجاه كل ملمح من ملامح وجهها بقشعريرة معروفة لـه.‏

سألـها: "- ما الذي لا أعرفه يا ماشا؟ ماذا تخفين عني؟"‏

"-لم أرغب..."‏

جلست في الأريكة قرب المصباح القائم، ووضعت، من غير أن تدعو الحاجة إلى ذلك، الكتاب الإنكليزي نفسه على ركبتها المنكشفة بتكورها واكتنازها عند حافة ثوبها المنزلي، وأحنت رأسها صامتة فوق الصفحات، فرأى أهدابها المسبلة المنتفخة بالدموع.‏

قال لـها، وفي نيته أن يخفف التوتر، شاعراً كيف راحت الشفقة عليها تستولي عليه بظلام أخضر شائك: "-ربما لا حاجة إلى أن تقولي لي شيئاً؟ عم تتحدثين؟"‏

تكلمت ماريا بصوت خارج من أنفها، ومسحت دمعتين متفشيتين سقطتا على صفحة الكتاب:‏

"-لم أشأ أن أحكي لك. لا ينبغي على الرجل والأب أن يعرف هذا. هل تذكر مرض فيكتوريا؟" لم تحتمل، فقد شرعت الدموع تتلألأ على خديها، وأشاحت بوجهها شاكية، وقالت في حال من العجز الـهادئ: "-طبعاً، لا تعرف كل ما هو مخيف...".‏

لا، لم يعرف كل ما حدث منذ عامين، عرف فقط أن مرض ابنته بدأ على نحو غامض بعض الشيء، بعد ذهابها إلى خارج المدينة إلى ضاحية ما تدعى غريبانوفكا. كان ذلك موقعاً للبيوت الريفية في ضواحي موسكو، حيث اجتمعت ثلة طلاب السنة الأولى لدى أحدهم بعد الانتهاء من الامتحانات. عادت فيكتوريا إلى المنزل عند الفجر (كان فاسيلييف يعمل في مرسمه تلك الليلة)، وحين اتصلت به ماريا في الصباح الباكر ووصل إلى الشقة بغير إبطاء، مصعوقاً من صوتها الجليدي، سقطت بصدغها على صدره وهي تنتحب نحيباً مخنوقاً، وهمست: "لا لزوم للدخول إلى فيكا الآن".. وفهم من همسها ومن الـهدوء ومن رائحة الأدوية أن حادثاً جدياً خطراً قد وقع مغيراً كل شيء في المنزل بسرعة البرق. بعد ذلك ذهبت إلى غرفة ابنتها بينما جلس هو عند الباب، وراح يمص السيجارة غير المشعلة ويستمع إلى فيكتوريا وقد راحت تبكي خلف الجدار بكاء متقطعاً، وتنادي ماريا وتزعق غير واعية. تمكن من التقاط كلماتها المتفرقة وجملـها غير المترابطة وهذيانها وتوسلـها الموجه إلى سائق سيارة أجرة ما، ولشبان مستعدين للقتل وشرطي ما لم يشأ أن يتخذ أي إجراء، وتردد زعيق ابنته ذات الثمانية عشر عاماً المتكرر وعويلـها الذي لا يقبل سلوى على شكل ضربات من الألم في داخلـه. وكان غير فاهم لذلك الشيء المرعب الذي حدث لـها أمس خارج المدينة. أما ماريا فكذبت عليه على نحو خال من المهارة، وحدثته متلعثمة عن خصائص نفسية عمرية أنثوية لا يجوز شرحها للرجال كما قالت. استأجرت جليسة ليلية كانت ممرضة سابقة، وحصلت على إجازة من العمل ولم تفارق فيكتوريا شهراً كاملاً. ضمرت، وذوي جمالـها، وكفت عن الابتسام، أما في الأماسي فكانت تجلس حاملة كتاباً قرب المصباح القائم مرهفة سمعها ومنصتة للحفيف في غرفة فيكتوريا، فتنتفض لأقل صوت صادر من خلف الجدار، وفكر بقلق لم يفارقه: "ماذا يخفون عني؟ ولماذا؟"‏

رأى فاسيلييف ابنته بعد ثمانية أيام حين أدخلوه أخيراً ذات يوم حزيراني غرفتها المهواة والمليئة بالشمس (فاحت رائحة الحور الصيفية الطرية في كل مكان)، رأى على الوسادة البيضاء كالثلج وجه ابنته الناحل والأبيض أيضاً، وفمها الأسود الجاف والمعضوض، وعينيها المزرقتين، اللتين صارتا كبيرتين كالعيون في الأيقونات، وقد شع منهما نور حزين عاجز لحيوان جرح جرحاً مميتاً، فعصرته قشعريرة كقشعريرة الملاريا، ولكي لا يبين ذلك لـها نطق بنشاط زائف:‏

"-مرحباً يا ابنتي، كيف تشعرين يا عزيزتي؟"‏

أدارت وجهها، ونظرت إليه حتى أنها جربت في اللحظة الأولى أن تبتسم لـه بعينيها الضخمتين. انحنى كي يقبلـها، وابتسم أيضاً، لكن وجه فيكتوريا شرع يرتجف فجاءة وتصعر، وراحت الدموع تتدحرج دمعة وراء الأخرى على شفتيها المشوهتين الجافتين، واندفعت نحوه بجسدها كلـه مخرجة يديها من تحت الغطاء، واحتضنته باكية وصارخة وضاربة جبينها بعنقه، وراجية إياه: "-با- با. عزيزي... ساعدني. ساعدني يا بابا..."‏

عانى فجاءة، ضاغطاً بعناق مهدئ ابنته الدافئة، المرتجفة، العاجزة، وشاعراً بالفقرات الدقيقة الضعيفة على ظهرها، من ذلك اليأس عند الفاصل المتقلقل بين الحياة وموت مخلوق قريب، غال، يطلب العون، حتى أنه لم يستطع أن يتفوه بحرف واحد، وأحس فقط كيف راحت وجنتاها المبللتان العزيزتان تتمرغان بذقنه وهي تكرر على نحو متقطع وتتفهق مرتجفة:‏

"-بابا، عزيزي، ساعدني، لا أستطيع، لا أريد... رؤية الناس... لا أريد رؤيتهم بعد الآن..."‏

"-ما بك يا فيكا؟ ما بك يا عزيزتي؟"‏

"-لا أستطيع، لا أستطيع يا أبي أن أحكي لك، لا أستطيع، لا أستطيع، لا أستطيع..."‏

لاحقت فاسيلييف بعد ذلك كلمات ابنته حارمةً إياه السكينة ومتكررةً بالنبرة ذاتها وبالتوسل نفسه والأمل نفسه والشكوى المهتاجة نفسها. وكان الألم الأبوي الذي وعاه أشد وطأة لأن فيكتوريا راحت تبحث غريزياً عن حمايته، وكان عاجزاً عن مساعدتها.‏

والآن، بعد أن تذكر حال الشفقة العاجزة التي لا مخرج منها، ويدي ابنته الملتفتين حول عنقه والواثقتين به وزعيقها المجهش: "بابا، عزيزي، ساعدني" فكر أن ذاك الذي هزه لم ينته لدى فيكتوريا، وأن ماريا ربطت اعتلال ابنتها الشديد ذاك بغيابها الليلي اليوم – ولكي يفك الأنشوطة الحديدية عن حنجرته سألـها: "-ماذا حدث لفيكتوريا آنذاك؟"‏

نظرت إليه من الأسفل إلى الأعلى، فبدا وكأنه مس الضوء الحذر الرطب.‏

"-هل ثمة حاجة إلى أن تعرف يا فلاديمير؟"‏

"-قرري بنفسك يا ماشا. ثمة حاجة على الأغلب".‏

"-الحديث عن ذلك مرعب. " صمتت، ثم تكلمت، وقد أوقفت على وجهه عينيها المتوترتين المظلمتين، اللتين انهار وراءهما كل شيء: "-يا إلـهي، لم كان عليها أن تتأخر يومئذ ولا تذهب مع الجميع إلى زميلـهم. نزلت من قطار الضواحي، وتاهت في الظلام في حرج الصنوبر وهي تبحث عن ضاحية غريبانوفكا الفظيعة. لكن الأفظع كان أنها التقت شابين من تلك المنطقة يركبان دراجتيهما، وكانا صاحبي زميلـها، وتخيل، وعداها ضاحكين ومازحين بمرافقتها حتى ذلك الشارع حيث قام المنزل الريفي الذي تبحث عنه... ظنت أن الخلاص قد جاء، أما الفارسان راكباً الدراجتين فجّرا الفتاة المسكينة إلى عنبر مهجور، وسدا فمها وهدداها بسكين، وصلباها على القش الوسخ..." تكلمت ماريا باشمئزاز وأشاحت بوجهها: "-يمكنك أن تتخيل ما الذي احتملته، ما الذي صبرت عليه. أية سفالة، أية قذارة. مر أحدهم في الطريق قربهم، استطاعت أن تصرخ وتفلت وتخدش صاحبي سحنتي الدراجتين، فتركاها..."‏

رمت ماريا الكتاب على منضدة الصحف وفاض وجهها الذي بدلـه التشنج بنفور اشمئزاز، وكان متألماً ومنهكاً.‏

"-الأقبح من ذلك كان حين خرجت فيكتوريا من العنبر المرعب ووصلت إلى قطار الضواحي، وكان في المحطة شرطي الحراسة فشرعت وهي ممزقة، هل يمكنك أن تتصور، تروي وتشرح لـه أنهما اعتديا عليها، أما هو فرأى بوضوح سترتها الممزقة وراح يؤكد ويردد حماقة منافية للعقل، وهي، كما قال، ترتدون الجينز وتحتسون الفودكا، ولـهذا تثيرون المشاجرات. هل تفهمين، تثيرون المشاجرات. لم يكن صعباً إيجاد "الفارسين" صاحبي الدراجتين، لكن... تلخصت هذه الـ "لكن" في أن فيكتوريا نفسها لم ترغب في ذلك. تخيل فقط فحوصات الأطباء المهينة. حين تتذكر غريبانوفكا يتملكها الرعب وتنتابها رجفة الحمى، حتى أنها تبدأ تشعر بالغثيان..."‏

وقف فاسيلييف عند النافذة جاذباً الستارة من غير أن يرد على ماريا، وناظراً إلى الأسطح الثلجية المزرقة، هب من الزجاج هواء بارد، أما جبينه فتبلل بعرق حار، وتراءى لـه بوضوح ذلك الأسى الطفولي وعينا ابنته المليئتان بالدموع حين عانقها وهي تفهق مرتجفة ناحبة، مصعوقاً بهشاشة فقراتها تحت رداء النوم الشبيهة بهشاشة الطيور وبتوسلـها إليه: "بابا، عزيزي، ساعدني..."‏

اشتهت فيكتوريا التفاح مرة العام الماضي في المنزل الريفي في إحدى أماسي أيلول، فخرجا معاً إلى الحديقة الخريفية الباردة. ضج الـهواء في أعالي أشجار البتولا قرب السياج، ونثر الأوراق على نحو غير صيفي، واصطفت النجوم الضخمة بقوة لا تقاس فوق سطح المنزل الريفي الأسود، وبرزت الجوزاء بين طبقات الشوح الفحمية على شكل حزام أبيض عال. هز فاسيلييف في الظلام جذوع أشجار التفاح، وأشعل مصباح الجيب فمس شعاع الضوء على العشب جوانب التفاحات المتكورة، وراحت فيكتوريا تجمعها خاشة بالسلة وفرحة بهذه المغامرة المسائية: "انظر يا بابا أية ثمرة حمقاء ضخمة استلقت وتوارت. "سقطت آخر التفاحات على الأرض مصدرة وقعاً شديداً رياناً، وحين أدخلا السلة المليئة إلى المنزل وأفرغا التفاحات على منضدة الشرفة انتشرت في كل مكان برودة الـهواء الليلية، وبدا وكأن نظافة جليد الأنهار الشفاف وطراوة التكوين الأول قد فاحت من فيكتوريا ومن عينيها الواسعتين الزرقاوين الرماديتين الداعيتين إلى الصدق والمأدبة المرحة. وفكر مهدئاً نفسه أن فيكا قد تعافت تماماً من مرضها، وعاد إليها إحساسها السابق بالحياة. لكنه رأى بعد نصف ساعة، حين صعد إلى العلية حيث المرسم، أن الضوء مطفأ في الأعلى، وقد ساد الليل الأسود ذو الأبراج المتلألئة في النوافذ الضخمة الممتدة على طول الجدار كلـه. أما فيكتوريا فاستلقت تحت النافذة على السرير وبكت بكاء أصمّ هادئاً، ونظرت عيناها البراقتان بالدموع إلى عينيه فزعة متوسلة، وحين انحنى نحوها وسألـها ماذا حدث أجابته محتدمة، وجلست على السرير: "-لا، لا شيء، لا تشعل النور من فضلك. "وصارت تقضم التفاحة ناشقة بأنفها كالأطفال من غير أن تقول شيئاً آخر.‏

"بابا، عزيزي، لا أستطيع، لا أريد أن أرى الناس... " تذكر مرة أخرى كلمات اليأس الذي لا عزاء لـه، التي فاهت بها في أيام مرضها، وسمع، مجبراً نفسه على أن لا يلتفت عن النافذة نحو ماريا، كيف اقتربت حذرة من الخلف وأسندت رأسها على كتفه وسألته هامسة:‏

"-لماذا أنت صامت؟"‏

تمتم بأسف حاد، وكأنه لم يرغب في ملامسات ماريا الآن:‏

"-لم نساعدها، لا أنا ولا أنت. الشيء الوحيد الذي أستطيع قولـه".‏

تنحت وقالت، وهي تمسد كتفه برقة قسرية:‏

"-لكن-كيف؟.. لقد اعتدت يا فولوديا فلا تلحظ كم تحبك فيكتوريا. لن تحتمل لو عرفت بحديثنا... أرادت أن تظل كما كانت في نظرك. حتى أنني واثقة من أنها تحبك أكثر مني كثيراً. لكن يبدو لي أنك تلومني على شيء ما؟"‏

"-لا ألومك على شيء".‏

"-ثمة أمر ما غير جيد بيننا".‏

"-ببساطة، صرت تحبيننا أقل".‏

فاه بذلك من غير أن يعي بعد لماذا قال هذه الجملة، وعبر متفاديا ماريا إلى الدهليز المليء بالضوء من أولـه حتى آخره، ذي المرآة الكبيرة المتلألئة على نحو فارغ، وذي الـهاتف الذي لا معنى لـه، فارتدى معطفه سريعاً ورمى سلسلة الباب وتوقف وقد باغته نداؤها الضعيف:‏

"-إلى أين يا فولوديا".‏

أجابها قائلاً: "-سأنتظر فيكتوريا قرب البناء".‏

وخرج إلى فسحة السلم متجهاً نحو المصعد.‏

***‏

كان يحتاج إلى أن يتنشق الـهواء الطلق مهما كلفه الأمر وإلى أن يخفف من شدة انضغاط نابض الاختناق فيه. حين خرج من المدخل أزاح قبعته الفرائية عن جبينه الذي لا زال رطباً، وفك الأزرار عن صدره –غسلته رطوبة الليل عبر كنزته وصارت حالـه أحسن قليلاً.‏

أما في الأعلى فتعالى الصفير والـهدير على الأسطح وتدافعت الأمواج، وتردد في العتمة صوت تلاطمها اللزج، وضج البحر في كان ما وراء الأبنية، وصفق على شكل هبات وتمزق إلى أشلاء شراع مبلل، واندفع من وراء زاوية البناء الـهواء حابساً الأنفاس.‏

سار فاسيلييف على الجليد المتهشم، وكان البدر يظهر أمامه فوق أغصان الحور في أعماق الفتحة الصافية تارة، وتارة يندفع ويغوص في الدخان الرمادي الأزرق. فاحت من الـهواء في كل مكان رائحة آذار، وتماوجت الأشجار في عتمة الشارع العبقة والمنتفخة. تردد هديرها البحري مع صفير الأسلاك كتيارات ضيقة، وسط الأسطح، فانفلت الثلج الذائب المشحوذ بهواء الجنوب عن الأفاريز ودوّى منهاراً في الميازيب.‏

"أهو الربيع؟.. لم ألحظ كيف أتى. قبل أمس كان شباط..." فكر فاسيلييف بذلك متنشقاً الرطوبة الحلوة لليل آذار، ومندهشاً من سرعة مرور الوقت، وغير فرح بالربيع، الذي كان يوقظ فيه دائماً في أيام الشباب المقدرة وانتظار الأمل غير المفقود: "ماذا يحدث لي في الفترة الأخيرة؟ أنا معتل أو مريض مرضاً ما مؤلماً. أشعر أنني مذنب بحق الجميع- بحق ماشا وبحق فيكتوريا وبحق إيليا... وهذا يشبه الألم... لكن بم أنا مذنب؟ أفي أن بعضنا لا يستطيع مساعدة بعضنا الآخر في الوقت المناسب؟ لكن فيكتوريا رغبت ولم ترغب في طلب العون."‏

وسار في دوائر قرب البناء على محيط البولفار مصاباً بالصمم من ضجيج الأشجار ومن الأصوات الصماء في الميازيب، ماراً قرب السيارات المتوقفة شتاءً، والتي راحت تبرز من تحت الكثبان الآخذة في الذوبان تحت الأشجار، كاشفةً عن ظهورها الحدباء ومتلونةً بلون ضارب إلى الزرقة تحت ضوء البدر.‏

"أين يمكن أن تكون فيكتوريا الآن؟"‏

كانت فترة كتيمة سبقت الفجر تلك الليلة. لم يكن ثمة مار واحد في الشوارع المجاورة، ولم تُنر نافذة واحدة. وصار البرد الداخلي الحاد يخترق جسده، وتجمد فاسيلييف بعد أن رفع ياقته المشبعة بالرطوبة متوجساً مصاباً محتوماً قاسياً مثل نذير أو تحذير بأن عليه عاجلاً أم آجلاً أن يدفع ثمن خمسة عشر عاماً من العمل الـهادئ، وثمن ما يسمى نجاحاته واعتراف الناس به وشراء المتاحف لوحاته وسفراته إلى خارج البلاد لإقامة المعارض-ألم يفرط في الانشغال بنفسه في هذه السنين الموفقة؟..‏

ثاب إلى رشده فجاءة ورفع رأسه بسبب من صوت محرك، ومن ضجيج تلاطم المياه في برك الثلج الذائب بفعل العجلات، ومن فرقعة كسرة جليد. سطع مصباحا سيارة في نهاية الزقاق غير المنار، وامتدت أشعتهما عبر البرك وعبر الخطين المدحولين في الثلج الأسمر الداكن، فأنارا بوضوح السياج الملطخ وجذوع الحور الرطبة – وتوقفت السيارة قبالة ركن البناء ناشرة الدفء الزيتي المنبعث من المحرك، وانطفأ المصباحان الملطخان بالأوساخ.‏

ميز أن السيارة كانت سيارة أجرة، غير أن الضوء الأخضر لم يكن مناراً، ولم يخرج منها أحد، وساد الظلام الحالك خلف زجاجها. لكن فاسيلييف شعر هنا بخفة مندفعة في صدره وبثقل غير معقول في ساقيه، فتهالك ظهره على الميزاب الذي راح الماء داخلـه يتمتم ويرن لاثغاً، وتنشق الـهواء بضع مرات كي يخفف من ضربات قلبه.‏

لا، لم ير فيكتوريا، ولم يسمع صوتها، لكن في هذه السيارة الوحيدة القادمة من الشوارع الليلية وفي أنها أشعلت مصباحيها ثم أطفأتهما في الزقاق بحثاً عن مكان مناسب من أجل التوقف، وفي أنها توقفت قرب زاوية بنائهم، الدليل الذي لا يدحض على وجود فيكتوريا فيها، لذلك سار من غير أن يساوره الشك في ذلك نحو السيارة التي ظل محركها يعمل، ففتح بابها الخلفي حالاً:‏

"-بابا عزيزي. أنت؟ أتستقبلني بنفسك؟"‏

"-إنني أنتظرك..."‏

خرجت فيكتوريا بقبعتها الفرائية ومعطفها الطويل المحشو بالفراء من السيارة. وانتصبت نحيلة أمامه، وكان ذلك واقعاً: عيناها الممعنتان المبتسمتان، ملامسة شفتيها العزيزتين الباردة على خده، رائحة الخمرة المنذرة بالخطر التي شعر بها، صوتها الفتي الرقيق اللدن الخالي من أي أثر للإحساس بالذنب والمشبوك بعفوية حرة خفيفة:‏

"- لم أعرف يا بابا أنني سأجبرك على الانتظار حتى هذا الوقت المتأخر... لكنني لست وحدي. ثمة من يرافقني، ولم يكن أي داع للقلق إطلاقاً... لم أنت خجل يا إيليا بيتروفيتش فلم تظهر نفسك لأبي؟ " تكلمت بمرح متعمد في باب السيارة المفتوح متسلية بعفوية بما شكل من غير سابق إنذار وضعاً مثيراً للفضول.‏

"إيليا بيتروفيتش؟ إيليا؟ بأي شكل؟ كيف التقيا؟ أين؟"‏

نظرت فيكتوريا إلى أبيها مبتسمة ابتسامة الاهتمام البريئة. فهم أنها توقعت منه التعبير عن الدهشة أو عدم الارتياح، فعبس فاسيلييف فقط حين رأى كيف خرج إيليا من السيارة غير مستعجل إطلاقاً، بمعطفه القصير وقبعته اللبادية الناعمة، وقد ابيض في ظل حوافها وجهه النحيل.‏

تكلم إيليا بصوت جدي مسكوك زيادةً وغير ميال إطلاقاً للمزاح والتبرير، فقال: "-مساء الخير... الأصح، ليلة طيبة يا فلاديمير. أعترف أنني لم أتوقع اللقاء بك. لكن بما أنني التقيت بك... استلم ابنتك الأسطورية سليمة مصانة".‏

لم يتماسك فاسيلييف: "-أليس كثيراً يا إيليا، يا للشيطان، كيف تأمر أن نفهم هذا كلـه؟"‏

نزع إيليا قبعته وانحنى بشيء من الظرف لفيكتوريا، ثم لفاسيلييف، وأجاب بلـهجة صاحب حق لا يتزعزع:‏

"-أرجوك أن تتكلم مع ابنتك. ستشرح لك كل شيء تماماً. ليلة هادئة. لقد أخللت اليوم بأنظمتي كلـها، وعليّ أن أذهب إلى الفندق. تعبت اليوم حتى الموت. اسمح لي يا فلاديمير أن أتصل بك صباحاً. سأسافر بعد غد".‏

ركب سيارة الأجرة وصفق الباب مصدراً فرقعة معدنية ترددت عالياً في الزقاق الضيق، وتحركت السيارة وقد تعالى صوت حفيف إطاراتها الرطب في برك الثلج الذائب، وانعطفت باتجاه المركز على امتداد خط الترامواي.‏

بدأ فاسيلييف حديثه متماسكاً، وعارفاً أن لا معنى الآن للتعبير عن الدهشة والأسى وعدم الرضى: "-فيكتوريا، أنت راشدة وتفهمين ما تفعلين. اتصلت بي أمك في المرسم في الواحدة والنصف، ونحن ننتظرك منذ ثلاث ساعات. انظري – إنها الخامسة إلا عشر..."‏

قالت فيكتوريا، وقد تأبطت ذراعه: "-إنك تعنفني على نحو سيئ يا بابا. ربما تحبني، ولـهذا لا تحسن تعنيفي..."‏

دخلا الفناء، فنظر هنا على نحو لا إرادي إلى الأعلى، إلى النوافذ المنارة في الطبقة الثامنة، إلى حيث برق البدر كالمرآة فوق السطح وسط الغمائم البنفسجية المدخنة، وتلاطمت عالياً أمواج بحر آذار القريب. هبت من الأعلى على وجهه رطوبة دافئة، وتساقطت قطرات دقيقة عبقة برائحة قشرة حور رجراج رطبة – رائحة الليل الربيعية.‏

أدركت فيكتوريا اهتمام أبيها بالنوافذ فجعدت قصبة أنفها ساهمة وأخرجت برقة كفها غير الثقيلة من تحت ذراعه.‏

قالت لـه بصوت مليء بالرجاء: "-فلندخن يا بابا ونتنزه معاً بعض الوقت. لا أريد الصعود إلى المنزل... أريد أن أتحدث إليك. هل أنت موافق يا بابا؟"‏

هز رأسه مستعداً للموافقة على كل شيء وفزعاً في الوقت نفسه من نبرتها سريعة التصديق ومن صدقها.‏

"- لكن اتصلي بأمك. قولي لـها إن كل شيء على ما يرام وإننا سنتمشى قرب البناء. لنذهب إلى الـهاتف العمومي. هل لديك كوبيكان؟"‏

راحت في كشك الـهاتف تنقب في حقيبتها، ثم أخرجت قطعة النقود، وحين شرعت تتحدث مع ماريا فكر أن شيئاً ما مشدوداً إلى آخر حد في روحها سيسترخي أخيراً الآن، ومسته في هذه اللحظة حال قريبة من الارتياح.‏

فكر، حين رآها تشعل سيجارة وهي خارجة من القمرة من غير أن تخجل منه: " هل سيطول هذا؟ لكن كيف... لماذا أتت مع إيليا؟"‏

راحت تتكلم بصوتها المرن، ونظرت إليه برقة مشاكسة وهي تدس من جديد كفها تحت ذراعه:‏

"-أعرف أنك تشعر بالنفور حين أدخن يا بابا، لكنك تحبني، وستغفر لي، خصوصاً وأن أوان الإقلاع قد فات..."‏

مرا قرب الفناء، وسارا على محيط البولفار المخترق بالتيارات الـهوائية وقد تعالى صوت الأغصان الخادشة في دهليز الشارع المقفر.‏

قال فاسيلييف بهدوء مصطنع: "-ربما يا ابنتي ما عاد شيء يرتبط تقريباً بغفراني أو عدمه. في مثل سنك قدت بطارية، وكنت فتى ذا استقلالية في شيء ما. قد أكون مخطئاً، لكنني أرى أنك صرت أيضاً تتخذين قرارات مستقلة... من غير أن تستشيري أمك أو تستشيريني".‏

"-من أين علمت يا بابا؟"‏

"-ماذا؟"‏

"-أنني اتخذت قراراً بنفسي".‏

أجبرته بضغط خفيف وملح من كفها على التوقف. وجذبته من مرفقه نحوها، واكتسى الوجه الذي كان مبتسماً منذ وقت قصير بتعبير جدي ومتشكك نابع من إنسان مستعد لعدم الموافقة على أي شيء.‏

"-من أين علمت يا بابا أنني اتخذت قراراً؟"‏

سألـها فاسيلييف مهموماً: "-أي قرار؟"‏

أنزلت رأسها، وسحبته وراءها بضغط ثان، ثم سارت إلى جانبه مختارة بجزمتها كتل الجليد غير الذائب، التي راحت تفرقع بصوت رنان.‏

قالت شاجبة بغضب: "-يا للغرابة يا بابا. لماذا لا تسألني عن إيليا بيتروفيتش؟ فأنت مندهش، أليس كذلك؟"‏

"-ماذا عليّ أن أسأل –كيف التقيتما؟ في مقدوري أن أخمن..."‏

"-لا، لن تحزر شيئاً".‏

"-حسناً، ليكن الأمر كذلك. ماذا أردت أن تقولي لي يا فيكا؟"‏

مجت السيجارة، وأشاحت بوجهها، ونفثت الدخان جانباً بشفتيها الرقيقتين الممطوطتين.‏

"-لا تغضب يا بابا، فلقد احتلت بعض الشيء حين عرجت عليك في المرسم. لم أقل لك حينئذ إن صديقك إيليا بيتروفيتش سيصل مع أنني كنت أعلم بوصولـه. وماما كانت تعرف. هل تفهمني يا بابا؟"‏

"-لا أفهمك لكنني.. أسمعك يا فيكا".‏

"-بعد سفركما إلى إيطاليا أصاب ماما شيء من الحزن، وأرتني في الألبوم صورتك مع إيليا بيتروفيتش. كنتما واقفين قرب عارضة على خلفية عنبر ما وبرج حمام ما... فتيان من زمن ما قبل الحرب، أبولونان مفتولا العضلات، يا للروعة. لن تجد شبيهاً لـهما الآن. طبعاً، كان إيليا بيتروفيتش قبل الحرب لا يقاوم. قل بصراحة يا بابا: كان في ذلك الوقت معشوق أمي، أليس كذلك؟"‏

"-ربما كان كذلك يا فيكا".‏

"-لا تفش أمري، لكن بعد سفركما صارت ماما تتلقى رسائل منه من إيطاليا، وأخفتها عنك. قل لي، هل غرت على ماما في وقت ما منه؟ ولو مرة؟"‏

قال فاسيلييف بصدق كي لا يخيف فيكتوريا بازدواجية المتملص: "-كنا صديقين، وكنت أثق بإيليا بيتروفيتش. لم أشأ أن أغار، لكنني غرت مع ذلك. أحببت أمك من غير وعي..."‏

"-أعرف منذ زمن أنك تحب ماما أكثر كثيراً مني. أنت مخلص يا بابا".‏

"-أحبكما أنتما الاثنتين يا فيكتوريا".‏

"-ولكنك لا تملك الحق في أن لا تحب طفلك".‏

"-في هذه الحال لديَّ طفلان".‏

تكلمت فيكتوريا وهي تضغط مرفقه بثقة: "-اسمع يا بابا ما سأقولـه لك. حين رأيت آخر رسالة من إيليا بيتروفيتش بين أوراق أمي لم أحتمل وقرأتها – أترى أية دنيئة مخيفة أنا؟ كتب لأمي أنه سيصل في السادس والعشرين، وأنه حجز غرفة في فندق "ميتروبول". اسمع يا بابا كيف حدث الأمر...أردت كثيراً أن أراه، صديقك القديم، ومعشوق أمي السابق، أبولو، الذي لا يقاوم في تلك الصورة. انتابني فضول شيطاني كي أعرف هاتفه وأتصل به في غرفته من بهو "ميتروبول"، وأرى كيف جحظت عيناه على السلم نحوي: "كيف؟ أنت ابنة ماريا؟ مدهش، غير ممكن، عموماً، تشبهينها أشد الشبه، ماريا الشابة عينها. "هذا ما حدث، بعد ذلك بدا مسلياً الاستماع إليه وهو يخطئ مرتين- سماني ماشا. هل تعلم، استمتعت بالوقت معه: فيه مأساوية ومرارة ما..."‏

كاد فاسيلييف يئن خوفاً من نظافتها الشفافة البريئة وتصرفاتها غير الحذرة، ومن سرعة تصديقها المفزعة، وقال بصوت أجش: "-لكن ما حاجتك إلى ذلك كلـه يا فيكا، يا عزيزتي؟ لو لم يكن هذا إيليا بيتروفيتش لما كان ممكناً فهمك كما ينبغي".‏

صفرت فيكتوريا لا مبالية، ثم تكلمت متحدية:‏

"-بابا، إياك فقط الإتيان على ذكر التعقل الكريه. إنه كذب ونفاق وجبن، والشيطان يعرف ما هو. يا إلـهي، كم العالم مليء بدواليب الإنقاذ الكاذبة. من يحتاج إليها؟ " غاصت في دخان السيجارة، وبدا صوتها الرفيع شبيهاً بنشيج طفولي وخز فاسيلييف بإبر الألم: "-لا يا بابا، كل شيء مرتبط بنا. " تمالكت فيكتوريا نفسها ورمت بغضب السيجارة تحت قدمها، وتابعت بنبرة متأنفة: "-هل تعلم من يشيد الجحيم على الأرض؟ ليست الطبيعة، ولا قوة سوداء. لا يا بابا. الإنسان هو الخالق العظيم للجحيم الأرضي. هذه الجملة جديرة بأن نتذكرها، فهي ليست خداعة مثل الكثيرات غيرها".‏

"-من قال هذا يا ابنتي؟ في أية رواية؟"‏

قالت فيكتوريا: "-لا تبالغ في حكمة كتاب الدراما لدينا. قال هذا إيليا بيتروفيتش... اسمع يا بابا، ولا تعجب مما سأقول لك. " تركت مرفقه، وتخطت بجزمتها بانسياب بقعة ثلج ذائب، وابتعدت عشر خطوات إلى الأمام مفرقعة بكعبيها على الحواف الزجاجية الـهشة للبرك، حيث راح البدر المنزلق يتصدع ويبرق، ثم التفتت، طويلة، بمعطفها الضيق، وتكلمت من بعيد بصوت يرن رنيناً غير عادي مثل شفرة مشحوذة: "-سأسافر على الأغلب إلى إيطاليا يا بابا. إنه يدعوني وقد قررت".‏

قال فاسيلييف مصعوقاً: "-يدعوك إلى إيطاليا؟ يدعوك؟ متى؟ لماذا؟"‏

"-سيرسل لي دعوة يا بابا وسأسافر. لا أعرف إلى متى: مدة شهر أو عام أو خمسة أعوام- لا أعرف. لا لزوم للأحاديث عن التعقل وإلا سنختلف. ولا تقل لي إنكما تعارضان لأنكما تحبانني- هذه حركة ممنوعة. أعرف أنكما الاثنان الوحيدان اللذان يحبانني على وجه الأرض، لكن ما العمل يا بابا؟ قررت... ومن النذالة أن أتراجع وأجبن".‏

ورأى في وجهها احتقاراً لا حد لـه للجبن المحتمل والتراجع الممكن.‏

لم يتكلم فوراً في محاولة مؤلمة منه لإيجاد المعنى الدقيق لعدم الموافقة: "-فكري في أمر وحيد يا فيكا. ستقتلين أمك. لا نملك الحق في أن يكون بعضنا عديم الرحمة ببعض".‏

"-لكنهم قتلوني يا بابا. " قالت ذلك بمرح تقريباً، ورفعت يديها بيأس وكأنها تقدم نفسها للقدر القاتل، حتى أنه لم يتماسك فاحتضنها وقبل جبينها العزيز البارد ملسوعاً بالحب والشفقة الأبوية العاجزة، وشاعراً بما هو ضعيف وطفولي ويائس فيها:‏

"-فيكا، فيكا..."‏

تكلمت فيكتوريا هامسة: "-لا لزوم يا بابا وإلا سأبكي". ولم تدس رأسها في صدره، بل تنحت من غير أن تتقبل المساعدة، وسارت مسرعة إلى المنزل تحت ضجيج أشجار الحور البحري في البولفار.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244