الاختيار - تأليف : يوري بونداريف - ترجمة: عياد عيد

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:54 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل السابع عشر

في العاشرة مساء وبعد رنات طويلة وملحة، وبعد قرع على الباب فرقع فاسيلييف بالقفل ودخل أوليغ يفغينيفيتش كوليتسين المرسم مستعجلاً، فوضع حقيبته تحت المشجب في غرفة الدخول، وشرع يتكلم بانفعال من غير أن يلقي التحية ومشرعاً معطفه الفرائي:‏

"-لا تعجب يا فاسيلييف فقد تسللت إليك اليوم في زيارة غير ديبلوماسية. شكراً لك أيها الزميل، شكراً على غطرستك أيها المعلم الكبير. شكراً لأنك طردتني من عنقي مثل صبي أمخط بحضور رجل أجنبي. نعم، طردت تحديداً من مرسمك عديمَ موهبة ملحاحاً يحشر نفسه بين صفوة أصدقائك، والسؤال لماذا أهنتني؟ أنا مندفع نحوك من كل قلبي وأنت؟ لماذا؟..."‏

كان كوليتسين مهتاجاً إلى حد لا يوصف، إذ تكلم مرتجفاً، ونظرت عيناه المثلثتان الحمراوان الكامدتان نظرات مشتتة غاضبة، ولم يشأ فاسيلييف، الذي شعر بالندم على ما أبداه من انفعال يوم وصول إيليا، أن يصعّد أي شيء (ما كانت قواه ستكفيه كي يشرح لكوليتسين شروحاً لا طائل منها)، فتكلم مصالحاً:‏

"-أولاً، مرحباً. وثانياً... أرجو منك المغفرة إذا كنت قد تصرفت بغباء ما. اخلع معطفك من فضلك يا أوليغ يفغينيفيتش".‏

"-سأخلعه حتى لو لم تدعني. لكن الأمر مشوق. كل شيء لديك مشوق يا فولوديا... أدعوك باسمك فتدعوني باسم الأب(1) . هكذا إذن. وكأن واحدنا يعرف الآخر بالطرق الرسمية. ما الذي تؤكده بذلك؟ عدم توافقنا؟ الـهاوية بين الموهبة والوسطية".‏

اعترض فاسيلييف بامتعاض: "-هكذا يتم إبداء الاحترام في روس(2). " وبدا خجلاً من تذكر فظاظته، فسأل: "-هل استقبلت أحداً اليوم؟"‏

نطق كوليتسين متوتراً، ورمى المعطف على الأريكة: "-أخطأت، لم أستقبل أحداً، ولم أودع أحداً، ولم ألاطف بالمجاملات أحداً، لا أحد. إنني اليوم أنتمي إلى الموظف كوليتسين غير المعروف لك، إلى نفسي فقط... إلى "أناي". من غير السلتيين والـهون واليانكي- ولم يكن هناك كوكتيلات أو كؤوس الجن مع التونيك. أنا سعيد اليوم يا فاسيلييف. كان في مرسمي أحد أصحابي القدماء، وقد أريته... شاهدنا أشيائي منذ الصباح. فأريته كل شيء. شعرت بالرغبة في أن أريه أعمالي كلـها: كان مفتوناً... ليس حكراً عليكم أنتم العباقرة، ها- ها... ليس حكراً عليكم مجد العالم كلـه، بل، كما في تلك الأغنية " الصيصان تريد أن تعيش أيضاً". فتكرم، تكرم. " صرخ كوليتسين وأمسك بيده الرطبة يد فاسيلييف وشده بقوة: "-عليك الآن، عليك الآن أن تذهب معي إلى مرسمي، من غير إبطاء، ارتد ثيابك. ما كنت عندي أبداً، ما كنت. أبداً، أبداً. مرة في الحياة، هل يمكنك أن تجبر نفسك مرة في الحياة على أن تضحي بساعتين من أجل رفيق دراستك؟ إنك لم تر في مرسمي شيئاً واحداً من أشيائي. أنا في نظرك شخص من السلك الوظيفي في فننا التشكيلي. فلنذهب يا فولوديا، فلنذهب إلى المرسم".‏

"- الآن؟.."‏

وخطا فاسيلييف في المرسم متخيلاً أي عذاب لا إنساني قد يسببه الذهاب ليلاً إلى ماسلوفكا لمشاهدة أعمال مع كوليتسين المفرط في الاهتياج، وسماع إساءاته وتوبيخاته غير المواربة والفظة، والحديث بكلمات ما عن اللون والتشكيل والمديح والنفاق-سيكون هذا قتلاً لا يرحم للوقت وإتلافاً للخلايا العصبية، وعذاباً عبثياً للذات، وهذا ما لم تكفه الإرادة للموافقة عليه، فقال مسالماً:‏

"-يا للأسف، أنت مستثار قليلاً. أما أنا ففي صفاء زهدي قبل النوم. سأستيقظ في السادسة يا أوليغ".‏

تكلم كوليتسين بغيظ، وخطا إلى جانب فاسيلييف في المرسم مشعثاً شعره الطويل الرمادي الأشيب ونافشاً إياه:‏

"-تشمئز مني؟ لا.. آ، سنذهب، سنذهب إليّ يا فاسيلييف. لن ترفض، لن تأنف مني. لقد جئت إليك من مرسمي مباشرة، أتيت لآخذك، لآخذك. لقد جئت لـهذا الغرض".‏

خلل أعوام كثيرة لم يظهر كوليتسين نفسه أبداً مهتاجاً إلى هذا الحد، مفرطاً فجاءة بمظهره المهيب وابتسامة وجهه البشوش الوقورة، ومشيته الظافرة الراسخة، لم يره فاسيلييف هكذا من قبل، كانت كنزته المحاكة بفظاظة، والتي ارتداها على ما يبدو من أجل العمل، مهترئة الكمين عند المرفق، وملطخة بالألوان ومدسوسة على نحو غير منتظم في سروال الجينز البالي، وركضت عيناه المليئتان بالدم والملتهبتان والمتورمتان على اللوحات المدارة نحو الجدار، فكانتا تصطدمان طوال الوقت بالمنصب المغطى بالقماش، وقد بدا أنه يثير فضولـه.‏

تكلم بصوت متلعثم: "-هل معنى هذا أنك لن تذهب؟ هل معناه أنك لا تبالي؟ " وخرج متمايلاً إلى غرفة الدخول وجلب من هناك حقيبة كبيرة وراح يقرع بها المنضدة بشدة وهو يفتح مستعجلاً أقفالـها المطلية بالنيكل: "-حسناً، سنمسح أنفنا. حسناً، اصطدم خطمنا بصخرة التعالي – وها نحن نمسح أنفنا، نمسح أنفنا. إذن تنازل يا فولوديا وانظر إلى هذه على الأقل... الق نظرة على الأقل على هذه الأشياء التافهة. لم أرك أعمالي أبداً، ولم أطلب... نعم، هذه ثلاثة أشياء. إنها عزيزة عليّ، انظر، انظر".‏

أخرج من الحقيبة بيديه المرتجفتين ثلاثة أعمال زيتية ملفوفة جيداً بخرقة من الفانيلا، كل منها بحجم صفحة دفتر، ثم وضعها بعناية على المنضدة ووقف خلف فاسيلييف، وراح يتنفس بصوت عال خلف كتفه. وصلت رائحة الخمرة الحامضة الجانبية المنفرة إلى فاسيلييف فعبس متفحصاً اللوحات. هتف كوليتسين بمشقة:‏

"-ماذا؟ ماذا؟ لم تعجبك؟"‏

وارتجف كوليتسين خلف ظهره وكأنه ينتظر حكماً بالإعدام، وراحت ركبته تصطدم بقائمة المنضدة، فجعل صوت أنفاسه العصبية وحموضة رائحة الخمرة الفائحة منه وملامسة ساقه المرتجفة، التي هزت المنضدة، فاسيلييف يعجب فجاءة من ترقب وتهيب هذا الرجل الناجح في الحياة، والذي لم يكن، يا للأسف، ليأمل بأي شيء في الفن. وعلى الرغم من أن أعمال كوليتسين المبكرة، أيام كان طالباً، ومناظره الطبيعية ولوحات الطبيعة الصامتة لم تكن مستقلة تماماً كما يذكر فاسيلييف إلا أن طراوة الشباب وضوء الشمس برزا فيها، واستلقى فيها ظل أخضر مبرقش ليوم صيفي، وحينئذ قال أحد المعلمين لـه: "يجب البحث بفظاظة أكبر عن الذات، عن الذات وليس عن عين الانطباعيين في الذات، حينئذ قد يكون ثمة معنى. "سرعان ما نسيت هذه الكلمات المشجعة التي صارت معروفة لطلاب السنة كلـهم، لكن المعنى كان، فأنهى كوليتسين المعهد بنجاح، ودعوه بعد فترة قصيرة للتدريس، ثم انتخبوه لمناصب اجتماعية مختلفة –هل بحث عن ذاته في هذه الأعوام المثقلة بالمراتب والـهموم والعمل في لجنة الأجانب والكوكتيلات والمطارات والاجتماعات؟ نادراً ما شارك في المعارض. من كان المذنب هنا؟‏

سألـه فاسيلييف مستعيناً بجمل مخففة غير مواربة ومتعاطفة: "-هل أنت واثق من أن هذا أفضل ما لديك؟ لماذا أريتني هذه الأعمال الثلاثة تحديداً يا أوليغ؟"‏

"-أرجوك... أريد أن أعرف تقويمك. لكن بصدق، بصدق. ما تفكر به... لقد أخذت رأي صاحبي... ذاك الذي كان عندي. نصحني بأن أريك هذه الأشياء الثلاثة. كان مذهولاً، اعذرني، كان مذهولاً".‏

كرر فاسيلييف بنغمة غير محددة وهو يتمعن في لوحة رسم فيها بأدق التفاصيل منظراً داخلياً لمرسم مغمور بالشمس: "-كان مذهولاً، ليأخذه الشيطان، كان مذهولاً. منضدة خشبية دائرية في الركن عليها صحن سجائر مملوء بأعقاب مدخنة – ما دمت تريد الصدق يا أوليغ فيا للعنوان الذي اخترته والذي يدير الرأس: صورة ذاتية... لقد سبقت المحدثين بكل المقاييس، تخطيت مفاتنهم العزيزة، ليس لديهم أي مفر. ماذا هنا أيضاً؟ " سألـه فاسيلييف ولم يستطع أن يكبت عدم رضاه حين رأى في اللوحة الثانية زاوية مدفأة روسية مرسومة جيداً، وحبلاً ممدوداً من مسمار إلى مسمار، علقت عليه، متلاصقةً، سراويل داخلية شبيهة بالرايات المسننة وقمصان، وجففت جزمة جلدية مستهلكة مربوطة من عراها: "-لا أفهم مثل هذا الجمال يا أوليغ. السراويل الداخلية مجتمعة مع الجزمة. أهي الواقعية الجديدة الروسية؟ " سألـه فاسيلييف بسخرية مقطبة، ثم نقل انتباهه إلى اللوحة الثالثة، وهي منظر طبيعي لحدور نهري، كل عشبة فيه منارة بآخر شعاع غروب متورد في القصب والماء: "-اعذرني، ثمة أمر لا أفهمه جيداً هنا أيضاً. كأن المقصد العبقري بالبساطة. لكن أين الفكرة يا للشيطان؟ لا معنى للمنظر الطبيعي من غير فكرة، ووفاقاً للأسلوب... عتيق، ثمة الكثير من الخصيلات والتفاصيل الجميلة على الحدور، تتجزأ العين كما في صندوق الدنيا. لا، لا أقصد ذلك". قطع فاسيلييف كلامه غاضباً من نفسه: "-لا أقصد هذا يا أوليغ. عموماً، لا تسمع شيئاً ولا تسمع أحداً. " ألاح فاسيلييف بيده وابتعد عن المنضدة متجنباً النظر إلى هذه اللوحات التي تعري كوليتسين: "-كل شيء مجازي في الفن، كل شيء ذاتي في نهاية الأمر، رأيي بلوحاتك لا يجعلـها أفضل ولا أسوأ".‏

فكر فاسيلييف وهو يزداد كدراً: "لا أريد قول الحقيقة، إنني أخدعه، أفرش لـه قش الكذب وأهين نفسي بالثرثرة الطيبة. وما الذي ستغيره حقيقتي؟ ولماذا يحتاج إليها؟ الطموح؟ الزهو؟ إنه ناجح، واقف بمتانة على قدميه –دكتور وبروفيسور وسكريتير، ويدرّس في المعهد، وأستاذ، ويعلم الطلاب... ويريد أيضاً أن يعرف رأيي؟"‏

نطق فاسيلييف العابس: "-إليك ما خطر في بالي. لماذا طلبت مني التكلم بصدق مع أن رأيي لا يملك أية أهمية لك؟ أعرف أن الطبيعة ذاتها والحدث ذاته يتقبلـهما الناس على نحو مختلف. ربما بهجة الحياة والفن تكمن في المختلف يا أوليغ. لكن لا يعقل أن تمسك بيديك دجاجة وتتخيل أنك أمسكت طائر النور. لا تزعل، لدي شعور بأنك أمسكت بيديك دجاجة، لكنك لم تنتفها هي أيضاً. أطلق ذات الريش هذه يا أوليغ كرمى للـه، أطلقها، دعها تتنزه على هواها. " تنهد فاسيلييف بضيق: "-أما أنت فاكتب ما شئت من الكتب عن التشكيلات والتلوين، لكن لا تفسد عيون الطلاب بأناقتك المبتكرة في الفن التشكيلي. فهذا الأجمل من الجمال أسوأ عندهم من معجنات الحلوى العفنة. الواقعية – شيء لا يرحم..."‏

قال ذلك وأجهد نفسه كي يتجنب الكلمات الفظة، فيما كان كوليتسين واقفاً أمامه مصالباً يديه على صدره مثل روماني، وراداً رأسه بتحد، وقد زحف اصفرار الموت على وجهه المتجمد وعلى أنفه الذي صار شمعياً، والذي تدبب على نحو مفزع، وبدا أن كوليتسين ينشق الـهواء نشقات قسرية كي يقطع نشيجه العميق المتراكم. برق في رأس فاسيلييف: "سيقع الآن"، لكن كوليتسين قفز على الفور مرتداً إلى الوراء كالأعمى وارتمى نحو المنصب وتعبير الألم يكسوه، ونزع القماش بقوة عن اللوحة، عن الصورة المنظفة بعض التنظيف أمس للمخرج شيغلوف، الذي لم يتمكن فاسيلييف منه ولا بأية حال، والذي أتخمه متحمساً بالأحاديث لاذعاً إياه بكلمات الغضب المغلية:‏

"-أو تظن أن أعمالك هي آخر حدود الفن؟ أنموذج الكمال؟ أو ربما تظن نفسك مشرع الفن المعاصر؟ ربما تظن أنك الوحيد الذي يرى العالم باللون والمسحات؟ لا يا فولودينكا. استطاع ذلك المعلمون العظماء العالميون، الذرا التي لا تطال، وليس أنت، التلة، النتوء مقارناً بهم. كما أن... كما أن أحداً لا يدري بعد من منا الأكثر موهبة. لا أحد يدري. إنني أبصق على رأيك يا فاسيلييف. أبصق على ألوانك الرنانة، وعلى أسلوبك القاسي كلـه، الذي لا يساوي تفصيلاً واحداً مما لدي. إنني أبصق عليه، أبصق عليه... أيها المجدد الغواطي. إن أياً من أشيائي غير الناجحة أعلى بمقدار رأس من نجاحاتك كلـها. لا أطيق أخويتكم ما بعد الحربية كلـها، بكل ما فيها من أساليب، قاسية ولينة، لا أطيقها...".‏

كان كوليتسين يصيح على نحو خصامي منفر من غير رادع، وكان رأسه الكبير الشبيه بلبدة الأسد يهتز في سورة غضبه الحانق، وكان جفناه المتورمان ينقبضان ويتمددان مدحرجين خارجاً الدموع القصديرية الضخمة، وحين أفلتت منه في أثناء صياحه علامات ليست علامات نحيب ولا علامات ضحك هستيري فكر فاسيلييف المذهول أن الناس قد يفقدون عقولـهم هكذا في سورات الحسد العاجز، وكان، بعد أن التفت عن كوليتسين شاعراً بالخجل وعدم الارتياح، لا يتمنى الآن شيئاً سوى أمر واحد – لو يرحل هذا الرجل سريعاً من المرسم، سريعاً، سريعاً... "غداً سيتذكر آسفاً جنونه هذا".‏

صاح كوليتسين مقهقهاً قهقهة مسرحية جاشت الدموع فيها، وضرب مسعوراً قبضة بقبضة حتى أن صوت عظام تردد: "-عبقري، أنت عبقري. أجبني يا موتسارت العظيم. قل، قل لي، أنا ساليري الوضيع، لماذا، لماذا أنت واثق من أن اللـه منحك الموهبة، أما أنا فمنحني خازوقاً مطلياً بالزيت؟ أجبني، أجبني –أتعتبرني غير موهوب، وتظن أنني، أنا ساليري الدودة الدنيئة، أحسدك، أنت موتسارت الإلـهي؟ أحسدك؟ هل تظن ذلك؟"‏

تكلم فاسيلييف: "-طلبت مني قول الحقيقة. قلت نصفها وتحولت إلى أحمق، وأنا الآن لا أعجب لذلك. لذلك أرجوك أن لا تصرخ وأن ترحل".‏

"-يا لك من... هكذا إذن. معنى ذلك أنك تطردني مرة ثانية..."‏

"-إنني مضطر إلى أن أرجو منك الذهاب".‏

"-اصمت، اصمت. إذا تفوهت بكلمة أخرى فسأضربك".‏

وضرب كوليتسين المستشيط قبضة بقبضة من جديد هارساً ما كان يحقد عليه ويعاديه، وأكدت صحراء عينيه المحروقة بالغضب وخداه المبللان بالدموع وهاتان القبضتان المضمومتان بقوة حتى الارتجاف واللتان راحت إحداهما تلكم الأخرى لفاسيلييف ما لم يكن ليصدقه أبداً من قبل- لقد قام بينه وبين كوليتسين وضوح ضروري مدقق للعلاقة بينهما، ومفرّق بينهما نهائياً، لكنه تمتم بلين:‏

"-أرغب في أن أرجوك مرة أخرى يا أوليغ، ارحل من فضلك".‏

"-سأرحل، وسأتذكر هذا المساء. سأتذكره مدى الحياة أيها العبقري..."‏

صدحت فرقعة الباب المنغلق مثل طلقة في الدهليز المسائي، أما فاسيلييف فمشى من ركن إلى ركن مصرفاً بأسنانه ومجعداً جبينه، وراح يتذكر من غير أن يهدأ كيف بكى كوليتسين بغيظ وضرب قبضة بقبضة على نحو هستيري، وكيف صرخ هنا، في المرسم، متلوياً من الجرح الأعمق الذي لا براء منه.‏

***‏

تقلب من جنب إلى جنب، وأُنهك جسده كلـه في هذا الأسى الجليدي، وفي هذا الخوف القاتل، حتى أنه خاف من أن يصيح بصوت عال ويثب من فراشه ويتصرف تصرفاً مفزعاً وخالياً من الحكمة، ولكي يتحرر من خوف الجسد العصي هذا حاول الإيحاء لنفسه بأن الصباح سيطلع بعد بضع ساعات، وحينئذ سيفارقه ألم الروح الممزق أو سيخف.‏

"ما هذا الحلم المخيف الذي حلمت به؟"‏

طارت في البدء حوامتان ضخمتان في السماء، ثم تدلتا كبنائين مستطيلين فوق كنيسة مبنية على شكل طبقات حلقية مثل برج بابل، وقد ارتفعت ذروتها مبتعدة عالياً في السماء القاتمة. أشعلت على كل طبقة شمعة ثخينة، وسار الناس على الطبقات المستديرة، وأنيرت في الحوامتين أيضاً أضواء قرمزية تنذر بالشؤم، وهناك، في السماء وراء هذه الأنوار، كان يُعدُّ أمر عدائي قاتل. لكن في تلك اللحظة طارت نحو الحوامة الأولى من وراء سياج الكنيسة سلسلة خطوط غربية شبيهة بحجارة متوهجة. انفجر المبنى المستطيل في السماء ونثر لـهيباً ممزقاً، وتساقطت الشظايا متشقلبة على الكنيسة وتراكمت الواحدة تلو الأخرى على الصليب هازة على نحو تجديفي القبة الـهائلة المدببة.‏

ركض الناس في الطريق حفاة، بقمصان داخلية رمادية ذات أكمام كبيرة على نحو لا يصدق، متلفتين إلى المعبد الذي بدأ يتأرجح على وشك الانهيار بطبقاته كلـها: لذعت الطريق الحجرية المتلظية بالشمس الإفريقية الأقدام على نحو لا يحتمل، وانغرز الشوك في الأعقاب كخطاطيف حديدية.‏

من كانوا؟ وممن هربوا؟ ومن كان ذلك الذي طار في الأمام من غير أن يمس الأرض بقدميه فوق الطريق الحارة الضاربة إلى الحمرة، المحروقة بالشمس، مليحاً بكميه الطويلين، ومندفعاً بخط منكسر إلى اليمين تارة وإلى اليسار تارة أخرى؟ كان، احتكاماً إلى ظهره وقذالـه، يشبه إيليا، أما الوجوه فكان التمعن فيها غير ممكن، لكن لم يكن ثمة معنى لذلك لأن أمراً أصدره أحدهم صائحاً استحثهم على الركض: "ورائي، ورائي، إلى البستان".‏

ظهر سياج إلى يسار الطريق، وامتد وراءه بستان، وفاحت رائحة الغبار الحجري الجاف. راحوا، والرائحة الخانقة الحادة تضيق على أنفاسهم، يتسلقون الأشجار والأغصانَ الشائكة المغبرة، التي دخلت أشواكها عيونهم وخدشت جلودهم حتى سال الدم منها. أحنت الأغصانَ من حولـهم ثمار صفراء غامضة ذات قشرة سميكة قاسية، فصاروا يقطفونها باستعجال جنوني ويدسونها في جيوبهم، ويملأون أعبابهم وقد أضناهم الجوع والمطاردة الطويلة، أما المطاردة فكانت في مكان ما قربهم، في الصحراء المحيطة بهم، وحينئذ صاح إيليا من الشجرة المجاورة مستنداً بقدميه العاريتين على الجذع المتفرع إلى فرعين: "اقضموها هكذا. "كان ينبغي قضم الثمار السميكة مثل التفاح، فتقشرت القشرة مثل درع فولاذي، وذابت الجوزة الضئيلة في الفم. التهمها بنهم على غرار إيليا مهدئاً جوعه، ومتلفتاً طوال الوقت نحو الصحراء الخطرة وراء البستان، وقد راح الـهلاك يقترب قادماً منها حتى صار لصيقاً... وهنا رأى ماريا في الأسفل تحت الشجرة. وقفت شابةً، نحيلةً، في خمار أسود غطته طبقة غبار، ولم ترتدِ مثلـه أبداً كان وجهها شاحباً وانثنى حاجباها خطين قاتمين، وكانت عيناها الرماديتان الغامقتان الضخمتان تتوسلان إليه خرساوين. أما هو فبدأ يرمي لـها الثمار إلى الأرض مستعجلاً، وقد أضعفه الحب والرقة، فاهماً أنها تبعته بعناد عبر الصحراء وهي جائعة جوعاً لا يوصف. وفي تلك اللحظة حين ظهرت ماريا تحت الشجرة فهم أنهما سيموتان الآن. لاح على بعد مائة متر تقريباً خلف السياج، وسط الرمل القائظ، شكلان إنسانيان، رجلان، أحدهما شاب في قميص ابيض وعظماه الوجنيان عريضان، والآخر أكبر سناً ويعتمر سدارة رسمية على حافتها مطرقتا سكك حديدية، وبدا وجه الرجل، الذي انكشف وهلة، معروفاً: وجنتاه المنتفختان الحليبيتان، عيناه الأسديتان المثلثتان بين جفونه المتورمة. من هذا؟ كوليتسين؟ معقول؟ لا، لا. لكن كم كان شبيهاً به. حمل هذا الرجل بيده بإحكام حقيبة سفر سوداء، حيث راحت ترن أدوات واخزة وحادة مجهزة لتعذيب الـهاربين...‏

أمسكا بهما فقط (لم يجدا إيليا معهما)، وقاداهما إلى منصة خشبية وسط الصحراء المتنفسة بالحر الناري، نزعاً عنهما الثياب ثم رفعاه مقيداً إلى المنصة، وقد أفردا على الألواح الخشبية الأدوات الحادة المطلية بالنيكل، والتي يجف الدم في العروق لمرآها، لكي يمزقاه، أما ماريا فأبقياها في الأسفل تحت المنصة، وراحا يعذبانها، فسمع من هناك أنين ألمها، ورأى كيف تقوس عنقها الرقيق على الرمل، وكيف استلقى وجهها ذو العينين المغمضتين، اللتين انهمرت الدموع منهما، وأحس أن قلبه الآن سينفجر لنشيج ماريا هذا. صرخ بهما بصوت أبح، وهو غير قادر على التحرر ومساعدتها، كي يقتلاه ويتركاها... رجاهما، وناداهما عارفاً أن هذا الشيء الوحيد الذي لا زال يستطيع به أن يخفف آلامها.‏

اقترب منه حينئذ الرجل ذو العينين المثلثتين، وصار، وهو ينظر على نحو زجاجي إلى حدقتيه مباشرة، يدفع بقدمه أقرب فأقرب المنضدة الصغيرة التي أفردت عليها الأدوات المطلية بالنيكل مرتبة وفاقاً لمقاساتها...‏

"-فولوديا، فولوديا. لماذا تئن هكذا؟"‏

استفاق وقلبه يدق دقات خانقة، وحين ثاب إلى رشده تماماً نظر طويلاً في الظلام، حيث بصت الستارة على النافذة، معانياً من وحدة وأسى يمزق الروح بعد أن شعر بماريا قربه، وقد مست بكفها جبينه الرطب بوجل حتى أنه كاد يفقد زمام نفسه ويهمس لـها وهو لا يزال كلـه أسير الكابوس الذي لم يفارق وعيه بعد: "ماشا، عزيزتي، لماذا صارت حالنا شاقة هكذا؟ "لكنه قبّل معصمها بوجل أيضاً وقال شيئاً مختلفاً تماماً، عادياً، شجاعاً شجاعة كاذبة:‏

"-حلمت حلماً متشابكاً. حلماً سخيفاً".‏

"-لكنك كنت تتقلب وتئن. ألا تشعر بالألم؟ أنت مبلل بالعرق كلك. هل أعطيك الفاليدول؟"‏

"-لا لزوم يا ماشا".‏

استدارت عنه بهدوء وسرعان ما غفت. وها هو البستان مرة أخرى والمطاردة والمنصة في الصحراء، وتكرر كل شيء مرة أخرى، وتمثل كل شيء كحقيقة ثاقبة، وكان حقيقياً ذلك الرجل في السدارة الرسمية ذات المطرقتين، الذي عذبهما بحماسة وتلذذ. تقلب فاسيلييف في الفراش، وخار بخفوت في الوسادة، وراح يمسد قلبه على نحو غير مسموع، أما قلبه فكان يدق ويفلت من الاختناق على نحو متقطع. خاف أن يموت فجاءة، وقد أنهضه هذا الخوف من الفراش. قام من غير أن يشعل النور. محاولاً أن لا يوقظ ماريا، فشرب الماء في المطبخ ثم سار جيئة وذهاباً في الدهليز مصالباً يديه على صدره، وراح يردد هامساً بشفتيه الجافتين:‏

"-أي أسى، أي أسى".‏

منعه الفراغ الحاد والضاغط في صدره من أن يجد الاتزان، وبعد أن أزاح الستارة وفتح مصراع النافذة، سامحاً لنفحة باردة بالدخول، راح ينظر باهتمام بليد إلى الشارع الذي صار أشهب بهواء الفجر، وفكر: "نعم، أنا مريض. صرت ألحظ هذا في نفسي أكثر فأكثر...".‏

ثم ارتدى ثيابه، وبعد أن فرقع بالقفل بحذر هبط إلى الفناء المقفر، الذي لا زال مكبلاً بصقيع ما قبل الصباح.‏

***‏

لم يخرج هذا الحلم الـهذياني من رأسه طوال ذلك الصباح، وظهر كواقع معيش، وحين بدأ يعمل فرّق نور آذار المشمس على نحو متنافر وضارب ما أراد فاسيلييف أن يوحده على القماش وهشمه. رأى بنظره الداخلي الغبار الحار والصحراء الحمراء المتوهجة وبريق القيظ الحارق ومنصة ما من أجل الإعدام، وفي الأسفل تحتها ماريا الممدودة على الأرض ووجهها المستلقي المبلل بالدموع، أما هو، المقيد على المنصة، فلم يستطع الحراك عاجزاً عجزاً تاماً، حتى أنه لم يقدر على التقاط أنفاسه، ولحظ فاسيلييف، غير القادر على التركيز وقد بللـه العرق، لطخات الريشة العصبية على قماش اللوحة.‏

***‏

... عمل على هذا المنظر الطبيعي منذ زمن طويل، فقد خط الرسم التحضيري في الخريف في ضواحي بسكوف قرب دير الرجال السابق، الذي لم يبق منه سوى الأنقاض، وكان الاضطراب، كلما عاد إلى هذا العمل غير المكتمل، ينفخ فيه قلقاً من خسارة غير محددة.‏

كان على قماش اللوحة يوم وداعي ساطع من آخر أيام تشرين الأول، والشمس البيضاء منخفضة، وقد نفذت من بين جذوع البتولا البعيدة، التي بدت سوداء على المنحدر قبالة الشمس. هب الـهواء وعرّى حديقة الدير المهجورة، وتلألأت السماء الزرقاء الصيفية تماماً بالقليل من الغيوم الصيفية فوق ذرا الأشجار الملوحة وفوق الجدار الحجري المهدم والمنار من جانبه. استلقت التفاحة الوحيدة الساقطة على العشب قرب الجدار وهي تكاد لا ترى من خلل الأوراق الملتصقة بها.‏

نعم، كان وحيداً تماماً في جوار ذلك الدير، وكان يوماً مشمساً جافاً رحباً. ضجت فيه بكثافة متلونة بالذهب بقايا أوراق الأشجار الاسفندان القديمة، وهبت زوبعة قرمزية على دروب البستان التي نما العشب عليها، وكان كل شيء شفافاً، نقياً، وداعياً. لماذا وداعي؟ لماذا لم يكن قادراً بعد الخمسين، وخصوصاً في أيام الخريف الساطعة الجافة الرنانة، على الـهرب من الإحساس بأنه سرعان ما سيتعرض لذلك الذي حدث للملايين من الناس الآخرين، السائرين مثلـه تماماً على مثل هذه الممرات التي نما العشب عليها قرب جدران أخرى، والمتنشقين باستمتاع حزين البرودة التشرينية في حديقة مهملة أخرى تهب الريح فيها، والمنشغلين بالفكرة نفسها حول استحالة الفراق إلى الأبد وحتميته؟ هل فكر بهذا فروبل أو نيستروف؟ لكن قد يكون في وعي هشاشة جمال كل ما في هذا العالم وقصر أمده ولحظته المفرحة خداع الحياة العظيم، وخداع الذات الحلو العظيم، الذي ينزلق فيه بصيص السعادة الدافئ والأمل المنقذ بشيء ما سيحدث بعدنا...‏

ربما نحن نعي الجمال في لحظة ولادته المقدرة الوجلة (الصباح، الانتقال إلى منتصف النهار، بداية الغسق، نهاية العاصفة الرعدية، الثلج الأول) وقبل اختفائه الحتمي وذبولـه وعلى مشارف النهاية والبداية، وعلى حافة الـهاوية؟‏

ليس ثمة ما هو أقصر أجلاً من الجمال، لكن كم هو مرعب على نحو لا يحتمل أن تولد مع كل ظهور للرائع نهايته، موته،النهار يموت في المساء، الشباب في الشيخوخة، الحب في البرود واللا مبالاة، وما لحظة الجمال الملتقطة، التي فيها جنين القضاء المحتوم غير المرئي، إلا كذب حلو، وهو مع رفض الأجل القصير على الأرض والإيمان بالاستمرارية والصحة والخلود سذاجة عظيمة تسم الحياة البشرية كلـها. نعم، خداع ذات رائع وعظيم...‏

إذن – في الولادة الوداع، وبالعكس؟‏

وضع فاسيلييف الريشة على المنضدة، ومسح يديه، وشرع يرفع عن الرفوف بتباطؤ ساهم المناظر الطبيعية التي رسمها العام الماضي، ويسندها على الجدار.‏

غسق شتوي مبكر، أشجار بتولا بنفسجية في هواء القرية المسائي، ركن منزل قروي سدت نوافذه بألواح متصالبة، آخر شعاع قرمزي على حدور الكثيب الثلجي الذي طمر المدخل، وهدوء الخلق الأول الممتد فراسخ عديدة، الممزوج كما يتخيل المرء بنباح كلاب بعيد، والنجمة الوحيدة الأولى. نافذة شرفة واسعة، مفتوحة في يوم حار أخضر، انقضت العاصفة الرعدية، كل شيء ريان، فرح، مغسول:‏

العشب غير المقصوص وأشجار التفاح وقد أثقلتها الرطوبة وراحت تلمع تحت مروحة الأشعة القادمة من خلف الغيوم المبتعدة، خطوط الماء المرح تتدفق من البرميل الفائض حيث سبحت التفاحات الساقطة بفعل المطر الغزير، عمت الطراوة الرطبة الحديقة كلـها، وبدا وكأن الـهطل الصيفي لا يزال يطن في الآذان، يسقط على سطح الشرفة بدوي أصم مهشم (أية متعة وأي شعور حزين أن يرسم لحظة فرح فتي من الصيف سرعان ما اختفت). آب، ذرا الحور الرجراج تلمع بلون ذهبي في الـهواء الـهادئ والدافئ قبل الغروب، السكون الـهانئ في كل مكان، وداع صاغر لليوم مع الحر، روائح الأعشاب والأوراق المحماة، ثبات كل شيء بانتظار الغروب والغسق وتحول الحياة الجديد (كم أراد أن يلتقط حال الانتقال القابضة هذه). سماء الشمال المسائية المنظفة بالـهواء، مياه الخريف الكالحة حتى الأفق وقاربان عتيقان جنباً إلى جنب عند الشاطئ، مربوطان بإحكام بسلسلة صدئة مثل اثنين لا يفترقان في العالم كلـه، يربطهما الحب والزمن والخوف والواجبات مثل وحدتين مرتبطتين... (كم كل شيء محزن، محزن). نيسان، قمر ليموني في غابة بتولا عارية، ينير سواد الأرض، جزر الثلج المتبقية، أوراق الأشجار الساقطة العام الماضي. ومرة أخرى كَمَنَ في هذا كلـه القلق من الوداع السريع والوحدة ومتعة الفقدان وترقب الصلب، المديد، المشمس، الذي لم يصادفه مرة واحدة في حياته...‏

"لم يكن هذا بعد الحرب أبداً... ومع ذلك كان... لكن بم هو مرتبط؟ بالطفولة؟ بالحرب؟ بماريا؟".‏

سقط فاسيلييف في الأريكة التي رنت نوابضها، وبدأ، وهو ينظر إلى اللوحات، يمسد صدغيه متبعاً نصيحة قرأها في مكان ما لينشط نفسه أملاً في أن يفارقه ثقل رأسه وتتحسن حالـه. انسال اليوم الصافي من شهر آذار بنوره عبر نافذة المرسم بكرم ربيعي، وفاحت من الـهواء المنساب عبر المصراع، لسبب ما، رائحة التفاح الناضج الفتية مذكرة بالاضطراب اللطيف الناجم عن الإنهاك، وبالذنب المستمر...‏

"بم أنا مذنب؟ أنا مرهق جداً، متعب تعباً لا يوصف..."‏

مسد صدغيه، لكن الألم لم يفارقه، وصار وهن الدوار يزحف تدريجاً إلى يديه وبطنه وكأنه ناجم عن جوع شديد أو هزال، ثم تصبب العرق من ظهره وصدره، ورغب في الاضطجاع والاستراحة على المقعد، وفي أن لا يفكر بأي شيء مستلقياً على ظهره في حال من عدم التركيز المريح، كأنه يسبح في الـهواء ملفوفاً بضباب مخملي خفيف، حيث لا يوجد تأنيب ضمير ولا شعور بالذنب أو الشفقة ولا بألم الروح الذي يضنيه ساعات طوال.‏

لحظ هذه الحال العصبية المعقدة منذ عام ونصف العام، حين غفا في الأريكة قرب المنصب في مساء يوم من آب، وقد أرهقه جداً العمل على ثلاثية لوحات، ثم أيقظته رنات الـهاتف الحادة، التي أجبرته على أن يثب والدم يضرب رأسه.‏

كان المرسم الغارق في الدخان البنفسجي المغبر للغروب المنطفئ نصف معتم، فتلون قماش اللوحة المستطيل على نحو مضلع ومشؤوم بألوان دموية، أما الـهاتف فرن على الخزانة الصغيرة متشنجاً ومنادياً، حتى أن فاسيلييف انتزع السماعة بغضب وظل مدة طويلة لا يدرك من المتصل به. لفظ صوت شائخ أو أضعفته المسافة جملاً غامضة لم يفهم فاسيلييف معناها التام، وكان في مقدوره أن يحزر فقط أن رساماً ما، أحد المعجبين به من الشرق الأقصى (هكذا قال: "من الشرق الأقصى"- من غير أن يسمي المدينة) هو المتصل، وسينطلق غداً إلى موسكو كي يزور مرسمه... أي رسام؟ أي معجب؟ ولماذا من الشرق الأقصى؟ في اللحظة الأولى لم يفهم شيئاً، وكان غاضباً ومنزعجاً لأن الـهاتف انتزعه على نحو مفاجئ من نومه الـهادئ، لكنه في الدقيقة التالية شعر بهواء صقيعي يهب على لوحي كتفيه: من الذي اتصل به؟ فهو قد سمع مئات المرات هذا الصوت الأصم بعض الشيء والضعيف والمرتج أحياناً كصوت الطيور. لا، من كان هذا، من؟‏

وهرع فاسيلييف من جديد إلى الـهاتف مدفوعاً بقلق لا يقهر، وشرع يستعلم من استعلامات المخابرات بين المدن عمن اتصل به للتو ومن أية مدينة (لم تُستثنَ المشاكسة أيضاً هنا)، لكن عاملات المقسم لم تستطعن الإجابة بما يفيد ومعرفة المتصل ومن أين-وحينئذ، وهو جالس وحيداً في ظلمة المرسم المحفحفة من غير أن يجهد ذاكرته تقريباً، تذكر صاحب هذا الصوت. بدت الموافقة على ما فكر في تلك اللحظة أمراً مريعاً ووحشياً، لكن الصوت الشائخ الأصم أحياناً والضعيف والمرتجف كصوت الطيور أحياناً أخرى كان صوت المرحوم أبيه المتوفى منذ عشرة أعوام. فهم فاسيلييف أن هذا مستحيل تماماً، وأنه بداية الجنون ببساطة، وأنه في الوقت نفسه لم يكن خداع سمع ولا هلوسة- لقد فهم بوضوح شديد الصوت في السماعة وخصوصية نبرة أبيه.‏

"ألا أكون قد حلمت بهذا كلـه؟.."‏

تصاعد هذا الإحساس بما هو مناف للطبيعة بعد أسبوع: لم يعرج أحد من الشرق الأقصى على المرسم ولم يتصل أحد من القادمين إلى موسكو، فصار يعتبر الآن ذلك الاتصال غير المنتظر في مساء من أماسي آب إشارة تحذير في المنام أو علامة تذكير مبهمة ما بذنبه السابق تجاه أبيه. عاش أبوه في مكان ما غير بعيد جداً عن موسكو (ليلة واحدة بالقطار) على ضفاف بحيرة بسكوف في قرية صيادين، انتقل إليها من موسكو بعد تقاعده. كان فاسييليف منذ قرابة الخمس عشرة سنة يزوره كثيراً، فكان يعمل هناك في الطبيعة منذ الربيع وحتى وقت متأخر من الخريف راسماً كل ما استطاع رسمه، وهنا فقط فهم لماذا رحل أبوه المريض بالربو عن موسكو واشترى منزلاً في الـهواء النظيف. كانت الرحابة هنا والشمس والـهدوء وزرقة السماء العالية بهضاب الغيوم المجعدة، المنقلبة نحو مرآة البحيرة الرقيقة، هنا، خلف الجزء الضحل، راحت قوارب الصيد المقطرنة تتأرجح منسابة وترن سلاسل مراسيها في حر الظهيرة بخفة، والنوارس تصرخ زاعقة في ما ندر وهي تحط على الزوارق التي صارت بيضاء من روثها، وهب الـهواء الدافئ بلطف على الرمل الأبيض بين الصخور الحمراء محركاً شجيرات راعي الحمام المحماة، وقد طنت فوقها بشدة نحلات كبيرة مخططة، وفاحت رائحة الأعشاب المائية ورطوبة القاع من الشباك المنشورة على الأسيجة، وسار الحمام على المرسى الخشبي، واستلقت البقرات وهي تمضغ بكسل وقد أضناها القيظ على اللسان الرملي أو خاضت حتى ركبها في الماء مليحة بأذيالـها، ونظرت بغير معنى إلى المراكب القديمة الصدئة الغارقة حتى منتصفها، حيث جلس صبية ملوحون حفاة ممسكين صناراتهم. أما الغروب فكان عنيفاً لا ضابط لـه، غامضاً، لا ينطفئ طويلاً في السماء والبحيرة، وكانت الليالي عميقة مليئة بالنجوم وكأنها تستوعب في ذاتها خوف المعمورة المترامية...‏

تذكر كيف كان أبوه في تلك السنوات يتوقف أحياناً خلف ظهره في ساعات العمل في الطبيعة، متسمراً من الاعتزاز والإعجاب بابنه، الذي استطاع بفضل الجهد والموهبة أن يصير من صفوة الناس ويحرز النجاح والشهرة، وكان يخاف من أن يتزحزح فيعطلـه عن غير قصد عن عملـه بتنفسه الربوي وبسعالـه المغرغر. لكن فاسيلييف كان ينزعج من وجود والده الممل خلف ظهره ومن الإعجاب البالغ في عينيه الذابلتين وهو يتحسس بنظرة لطيفة الرسوم التحضيرية واللوحات الجاهزة الموضوعة على الشرفة كي تجف ألوانها. "موهبتك فائقة يا فولوديا. احرص عليها. لقد أكرمتك الطبيعة. "وكان يشعر بالحرج حين يضطرب أبوه ويحمّر ببقع تصلبية ويثأثَّئ خجلاً ويتأوه لمرأى النقود التي كان يعطيها لـه فاسيلييف لتغطية نفقاته. كان أبوه يتمتم دائماً الجمل ذاتها مخفياً عينيه، وهي أنه لا يحتاج الآن إلى أية نقود، فمعاشه التقاعدي يكفيه. أما فاسيلييف فكان يخيل لـه أن أباه يخادع ويتملق، وكان يشعر بالارتباك لمرأى وجهه الوردي المهتاج وإيماءاته ويديه وهما تخفيان الأوراق المالية في جيبه.‏

وأذهلـه اكتشافه بعد موت أبيه أن النقود كلـها التي أعطاه إياها والتي حولـها لـه كل شهر بقيت غير ممسوسة وغير منفقة، وقد أوصى بها كتابياً لابنه مع المنزل والأمتعة وعشرات القمصان الجديدة في أكياس النايلون غير المفتوحة، التي لم يرتدها، والتي أهداها لـه فاسيلييف في مناسبات مختلفة.‏

لكن الأمرّ من ذلك كلـه أن أباه قبل عام من مماته راح يسألـه في رسائلـه بتأدب شديد إن كان مناسباً أن يأتي إلى موسكو يوماً واحداً ليشاهد اللوحات الجديدة ويرى حفيدته – ألن تستاء ماريا من اقتحامه العجائزي؟ قرأ فاسيلييف تلك الرسائل قراءة سطحية ورماها في كومة الرسائل الأخرى والدعوات والاتفاقات والأوراق، وكان في أحيان غير كثيرة يرد عليها بسطرين ساعياً إلى أن يفصِّل كل شيء، ويكتب أن مجيء أبيه ضروري لزاماً حين يفرغ من أعمالـه التي لا تقبل التأجيل، وكان أبوه عادة يعتذر بتذلل في الرسالة التالية ("إنني أفهم انشغالك يا بني. اعذر أباك الملحاح")، لكنه وبعد مضي القليل من الوقت يشرع يسأل من جديد متردداً إن كان في مقدوره أن يأتي إلى المرسم يوماً واحداً "لأنظر إلى اللوحات وإلى حفيدتي، ثم أركب القطار في الصباح- وإلى المنزل".‏

وهكذا لم يخصص ذلك الوقت من أجل أبيه على الرغم من أنه أهدر في تلك الفترة أياماً وأمسيات كاملة على مختلف أنواع الجلسات والثرثرة "المثقفة" الفارغة واللقاءات غير المجدية في النادي. لم يجرؤ أبوه، المعجب به الـهياب، على القدوم لتمضية يوم واحد من غير دعوة، خوفاً من أن يعطل ابنه عن عملـه المقدس. أما فاسيلييف فسرعان ما اضطر إلى السفر من أجل دفن أبيه، معانياً فجاءة من فراغ وتأنيب ضمير هائلين حتى أنه قضى الليل كلـه واقفاً عند نافذة العربة وهو يكاد يختنق من استذكار رسائلـه الأخيرة وحدها...‏

وحين رأى فاسيلييف في النعش وجه أبيه الـهامد، الذي صار فتياً حتى لم يعد معروفاً، وفمه الكئيب الثابت بنصف ابتسامة رضى مع التعبير المتكبر عن السكون الغيبي، أذهلـه كيف يبدل الموت الملامح الحية بغطرسة لا ترحم، واضعاً عوضاً عنها دمغة سر التنائي الأبدية، لكن ما الذي كان في الثنايا المرة لشفتيه المضغوطتين على نحو غير معهود؟ أهي معرفة ما لم يكن الأحياء وهذا العالم المبهرج كلـه يعرفونه؟ كم أشفق بمرارة وعن دراية بكل شيء على الباقين على الأرض... ربما لم يعد يحتاج ببساطة إلى أي شيء، لا إلى مجد ابنه ولا إلى القدوم إلى المرسم ولا إلى الزيارة القصيرة لحفيدته. ومس فاسيلييف مودعاً يد أبيه المتحجرة (آمن أن عليه أن يلمس المرحوم فيحل الارتياح)، لكن هذا لم يساعده لا ذلك اليوم ولا بعدئذ. كان في مقدوره أن يقنع نفسه بأن الأحياء مذنبون دوماً بحق الموتى، وأن الكثيرين في عصر الإجهادات العصبية تنقصهم خطوة واحدة فقط على الطريق نحو الخير، لذلك خفّت على الأرض روابط القربى والفهم المتبادل بين الأقرباء. أثارت محاولته التبريرية المنطقية هذه في نفسه الشعور بالخجل، ولم يستطع أن يسامح نفسه على جفافه. ("ليأخذني الشيطان. أستقبل الأجانب وأريهم اللوحات ساعات طوالاً، وأكون صبوراً ولطيفاً، وأجيب عن أية سخافة منافية للعقل. أما من أجل والدي فلم أجد وقتاً".) وكان لا يغتفر في أيام سفره إلى أبيه، إلى بحيرة بسكوف، انزعاجه من فضولـه الذي لا يشبع أبداً تجاه عمل "ابنه الشهير"، ومن عشقه الخانع تقريباً ومن سعالـه المكبوت بصعوبة حين كان يراقب ولادة اللوحة من وراء ظهر فاسيلييف ("لماذا كان يحبس أنفاسه وهو يراقب يديَّ؟"). كان فاسيلييف العابس يلتفت ليلتقي نظره بعينيه الشائختين الـهامدتين الزرقاوين النيليتين، اللتين تقولان لـه: "سامحني، سامحني. "ثم يبتسم أبوه مختنقاً بسعالـه خلل الدموع المنهمرة وكأنه كان مذنباً لأنه لا يزال يعيش في الدنيا.‏

وحفظ فاسيلييف ابتسامة الاعتذار الأليم هذه إلى الأبد.‏

"هل من المعقول أنني لم أصر على الرغم مني قريباً من أقرب الناس لي؟ لقد خلقني والدي أما أنا فبادلته الانزعاج الصامت من أناني مشغول بنفسه".‏

صدمه ذلك الاتصال المسائي الغريب من الشرق الأقصى، وذلك الصوت الضعيف المرتجف كصوت الطيور بالحد المسموم للذنب القديم، ويبدو أنه شعر حينئذ بأعراض مرضه الأولى.‏

***‏

شق رنين الـهاتف هدوء المرسم، بيد أن فاسيلييف ظل جالساً كالسابق قبالة اللوحات المصفوفة عند الجدار ماسحاً العرق عن جبينه وشاعراً بالارتجاف والوهن في بطنه. لكنه الآن لم يعد يرى هذه المناظر الطبيعية المتشابهة بعدم اكتمال مقولتها المرهق، وراح ينصت متعجباً إلى شبكة الألم الطنانة من غير انقطاع في داخلـه. فهم أن هذا ليس ألماً جسمانياً، وإنما أعصاب منهكة إلى أبعد حد، وأن الحزن الأصم والشفقة على فيكتوريا وماريا والمرحوم أبيه يعصرانه ويضغطانه ويضنيانه وكأنه، هو فاسيلييف، قد خانهم بقسوة. جرب ذهن فاسيلييف أن يبرهن على أن لا شيء أكثر عقماً من تعذيب الذات، وأن تعبه الشديد وبداية إرهاقه العصبي هما نتيجة عملـه سنوات طوال من غير راحة: "أنت موهوب وناجح ووضعك المادي جيد، ومتزوج من المرأة التي تحب، هل من المعقول أنك لم تصل إلى حال الرضى السعيد؟ ما الذي تحتاج إليه أيضاً؟ لن تفلت، لن تفلت.." - واندفع فيه هذا الصوت اللجوج مصحوباً بشيء ما، وتعقبه بإلحاح في الساعات الطوال حين كان يبقى وحيداً مع نفسه.‏

فكر فاسيلييف مقاوماً وراغباً في التخلص من ضيقه الكئيب: "لا يمكن أن تكون حياتي كلـها ذنباً بحق الآخرين. " وها هو من جديد صوت متسلل يرد عليه بهدوء مساعداً أحدهم: "ولم لا أيها السعيد؟.. وقع إيليا في الأسر أما أنت فعدت، أحبته ماشا لكنها صارت زوجك. إيليا مريض مرضاً خطيراً أما أنت فأعصابك فقط. لكنك لن تفلت... الحياة لا تحتمل لوناً واحداً فقط من ألوان النجاح. عليك أن تدفع ثمن كل شيء... عودة الدين القديم أيها المدين للتوازن، يا ضحية ميزان الحياة الذي لا يرحم. كم مضحك وقع كلمة "ضحية". لا، لن تفلت، لن تفلت... أيها المدين للواقع والحقيقة. من يحتاج إلى دينك؟ آه، أي أسى، أي أسى.."‏

انقطع الـهاتف، ثم راح يفرقع من جديد بغضب وبإلحاح متصاعد. رفع فاسيلييف السماعة على الرغم من أنه لم يشك في أن المتصل هو إيليا، ومن أنه لم يكن مستعداً للحديث معه متذكراً كلماته عن فيكتوريا، لكن دموع الفرح المفاجئة أنزلت رده حتى الـهمس: "نعم، ساشا.." كان المتصل الرسام لوباتين، صديقه المقرب الوحيد الذي لم يره منذ زمن طويل بعض الشيء: عمل هذا الأخير على الأرجح متجنباً بهرجة العاصمة، ومتخفياً في ملاذه المحبب- إحدى القرى قرب نهر الفولغا.‏

"-مرحباً يا فلاديمير الراهب. كيف تتنفس؟"‏

شرع فاسيلييف يتكلم وهو يشرق ويكاد لا يسيطر على نفسه: "-ساشا، عزيزي، تعال فوراً، أرجوك أن تأتي. إنني بأمس الحاجة إليك... تعال الآن حالاً".‏

ضخم لوباتين صوته ضاحكاً: "-احزر من أين أتكلم معك يا رافائيل العفريت؟ من المطعم الذي يسمى "أراغفي". عرجت لأعرف ماذا بشأن اللحم المشوي، هل تفهم؟ اشتقت إليه في القرية، هل تفهم؟ ثمة مسرح يلـهو هنا، سيدات على رؤوسهن ريش وذكور في صنادل يحتفلون بمناسبة ما، إما برتبة أو بالعرض الأول. المكان مليء بالضجيج والمطعم كلـه يموج، والندّل مغمى عليهم. الأفضل أن تأتي أنت يا فولودينكا. لم أرك أيها الشيطان منذ قرن. سنتذوق اللحم المشوي. سننظر إلى الشعب...".‏

توسل إليه فاسيلييف: "-لا أريد أن أرى أحداً غيرك. لا أريد رؤية أحد غيرك. تعال كرمى للـه، إنني أنتظرك، أنتظرك بفارغ الصبر..".‏

ضاع رد لوباتين في هاوية الحفيف الـهوائي المفرقع في الـهاتف العمومي الذي لا يعمل كما ينبغي، وسبح من الفوضى الصوتية ما يشبه الوعد بالراحة المنتظرة طويلاً:‏

"-... سآتي يا فولوديا. سأكون بعد ثلاثين دقيقة تقريباً. سآتي على حنطوري".‏

فكر فاسيلييف وهو يخطو في المرسم من ركن إلى ركن لاوياً أصابعه والأمل يملؤه: "ها هو الخلاص، ها هو... إنه يخلصني دوماً في الأوقات العصيبة. يكفيني أن أراه... وأرى لحيته وعينيه الحكيمتين الخفيفتين حتى تصير حالي أحسن".‏

***‏

حين اندفع لوباتين بعد قرابة الأربعين دقيقة بسترته البالية المبطنة بالفرو ومعتمراً قبعته الشعثاء الكبيرة المجلوبة أغلب الظن من سيبيريا، من تونغوسك السفلى، وحين نظر بلطف بعينيه بنفسجيتي اللون من تحت حاجبيه المشعثين، اللذين غزاهما الشيب، قائلاً: "مرحباً، مرحباً أيها الأكاديمي، يا لص الريشات، فليأخذك العفريت. " ارتمى فاسيلييف نحوه مضطرباً وفرحا بهيئته غير المدنية وصوته الرخيم الكثيف المشدد على الحرف “O’ وقبّل مرتين لحيته التي بدا وكأن رائحة مواقد ضفاف الفولغا تفوح منها، وتكلم متأثراً:‏

"-شكراً يا ساشا، شكراً. لا تتخيل كم أنا سعيد لأنك أتيت...".‏

وسمع فجاءة كيف أسكتت صوته الدموع المارقة المنفرة بظهورها اللا رجولي، الذي كان يشمئز من الإحساس به لدى الآخرين، وأخافه أنه لم يستطع تمالك نفسه.‏

تكلم لوباتين مشدداً على الحرف “O’ وهو يخلع سترته متظاهراً بأنه لم يلحظ اهتياج فاسيلييف الزائد، ثم أطلق يده في لحيته متأملاً برضا مرح المناظر الطبيعية المعروضة واحدها تلو الآخر على الجدار: "-وفقت جداً، جداً في يوم الافتتاح. اسمع أيها العفريت... أية فكيرة مدهشة في هذا الشيء ذي النافذة المفتوحة في البستان. لم أرها، هل تفهم؟ من قبل. يا للسعادة والحزن قبل برودة الخريف. يا للصفاء في تدفقات الضوء، ويا للألوان العميقة المشبعة. يا لك من بهيمة، هل تفهم؟ هذا وداع الطفولة، أو عموماً وداع العيش على الأرض بسعادة الطفولة. " كان يتكلم ويقترب ثم يبتعد عن المناظر الطبيعية ويهمهم في لحيته مهموماً وبصوت عال: "-جيد يا فولوديا أنك تعمل وتعمل. فيك من الموهبة أكثر مما فيك من الغرور، وفي أُخوَّتنا من هذا ما يكفي: البروز وليس الوجود. نحن، هل تفهم، مهرة في إطلاق الفقاعات الصابونية. لا، لقد قلت منذ زمن طويل إن فنك التشكيلي يفتتح عهداً جديداً. في رسم المنظر الطبيعي خصوصاً، نظرة الإنسان المعاصر إلى الطبيعة من حولـه: الجمال يموت، إنه يرحل، والإنسان والحياة يموتان معه. ليس حناناً بل حزن وقلق يساوي يأس القرن... أنت ساحر اللون يا فولوديا. في هذا سعادتك وتعاستك. تعاستك لأنك تولد الكثيرين من الحاسدين".‏

نطق فاسيلييف وهو لا يزال يخطو في المرسم ويدلك أصابعه بعصبية حتى راحت تفرقع:‏

"-امدح، امدح يا ساشا. أعرف أنك تحبني. تحدث أيضاً عن الحدة أو لين الصورة القلقة، وعن خفقان الـهواء والألوان الملتهبة، وعن الشيطان في الجرن، الذي يثرثر عنه المعلم كوليتسين، لِمَ تتحدث عن هذه الحماقات المختلقة كلـها يا ساشاي الحكيم والذكي؟ أستطيع أن أفسر إعجابك فقط بأن أحدنا لم ير الآخر منذ زمن. لا لزوم لـهذا كلـه. لا، لا تعتبر هذا من قبيل التواضع، أعرف منذ وقت بعيد أن التواضع في الفن هو راية الخبثاء، لكن... " رمى فاسيلييف رأسه باتجاه المناظر الطبيعية: "-ليست ذات شأن مقارنة... بما اشعر. يا للأسف، أستطيع أن أنقل إلى القماش الثلث فقط...لكن الأمر ليس هنا، الأمر ليس هنا... عزيزي ساشا. أنا سعيد، لقد اشتقت إليك، لم أتحدث معك أبدية كاملة، أين التقينا معاً آخر مرة؟ على المريخ؟ على الزهرة؟ اجلس هنا كي أستطيع رؤيتك. ماذا ستشرب؟ ما بك تنظر إليّ متردداً هكذا؟"‏

اعترض لوباتين وهو يشعث لحيته، وارتد عن المناظر: "-أقود الحنطور، هل تفهم. سأقول لك، مرة كاد مفتش اسمه سيروتكين أن ينتزع رخصة القيادة مني، وقد أجبرني قبل ذلك على أن أتنفس في سحنته بغض النظر عن أنني كث الشعر، ومع أن المغامرة مرة ثانية أمر مسل إلا أنها لا تحمل أي معنى من وجهة نظر التعقل. والوقار. آ؟ انتظر، ما هذه الحمية كلـها؟ لا أفهم أي شيء. ما هذه النفايات التي تراكمت لديك؟"‏

ونظر لوباتين شاجباً إلى الزجاجات التي أخرجها فاسيلييف من الخزانة، وراح يتفحص بتعنت الميداليات على لصاقاتها الملونة الفاخرة، ويديرها ذات اليمين وذات اليسار بشيء من ريبة الخبير، ثم نطق أخيراً بعقلانية:‏

"-رائع جداً أن تحتسي الويسكي في مكان ما في أفريقيا، في ظل شجرة بوباب. الجن جيد لتدفئة جوف المزارع الذي أصابته خريفاً بالبرد الشديد رياح الألبيون النافذة حتى العظام. التشينزانو شهوة أليات الأغنام المعاصرين في سراويل الجينز، الحالمين بالسفر إلى الخارج الفاخر، لكن هذا وذاك والثالث محمول حين تحط الرحال في بار مريح ما في فندق وراء البحار. وفي روسيا – ماذا؟- في روسيا لا بديل عن الفودكا. لكنني مضطر يا فولوديا إلى أن أقول: لينجنا يسوع. كان المفتش سيروتكين ملاكي الحارس الصدوق، إذ كنت في حال من الكيف الشديد. بمن سألتقي هذه المرة؟ أقترح خطة مضادة: أن نندفع هاربين من موسكو إلى الضواحي على طريق ستاروكالوجسك. فنلقي نظرة على خطوط كفاف القرى..."‏

هتف فاسيلييف، وقد توقف وسط المرسم، وكأنه تذكر الأهم والضروري الذي لم يُقلْ بعد للوباتين: "-لا، لا. لن نذهب إلى أي مكان يا ساشا. عليّ أن أتحدث معك يا ساشا. إنني بأشد الحاجة إليك.. فلتقف سيارتك. ستذهب بها غداً. سأقلك بسيارة أجرة متى شئت وإلى أين شئت. اجلس، اجلس. "-أجلس لوباتين القلق بعض الشيء في الأريكة، وتلكأ عند النافذة ناظراً إلى السماء الربيعية المزرقة فوق الأسطح: "-أي سرعة، أي سرعة في هذا الربيع". تكلم من غير أن يلتفت إلى لوباتين، وسألـه من غير أي تسلسل: "-أين كنت يا ساشا؟ في قريتك؟ هل رسمت شيئاً؟"‏

نظر لوباتين إلى فاسيلييف بعينيه الفاتحتين المخمنتين وأجاب: "-أقمت أسبوعاً على بحر آزوف. لم أرسم شيئاً. الفراغ وراء الظهر. هل صحتك جيدة يا فولوديا؟ هيئتك شاحبة نوعاً ما. ألم تجهد نفسك بالعمل؟"‏

"-اعذرني على ضيافتي الخرقاء. وأدعي بأنني أستضيف صديقي. أخرجت الزجاجات، أنا المغفل، والسؤال لماذا؟ أمن أجل حفل الافتتاح؟ هل قلت الفودكا؟ نعم، الفودكا، موافق. الفودكا تحديداً. وكل ما تبقى هو واجهة تافهة للـهواة. الفودكا، الفودكا. ما هذه الأقداح – أهي لسقي عصافير الدوري؟"‏

انتفض فاسيلييف واقترب بخطوات سريعة جداً من المنضدة، وصب من غير أن يجلس، الفودكا في قدحين راشاً بعض القطرات على المنضدة، وقرع كأسه بكأس لوباتين باستعجال وعبها بحدة كما يفعل الناس غير المطلعين جداً على هذا الطقس، وتكلم ملذوعاً وغاصاً:‏

"-وكيف، كيف الحال عند بحر آزوف؟ لماذا ذهبت إلى هناك؟"‏

ارتشف لوباتين الفودكا من القدح على غير استعجال وقال: "-تبادلت والمسؤولين المحليين أقذع الشتائم، ولم أجلب معي منظراً طبيعياً واحداً. وصلت إلى البحر، وهنا حكوا لي أمراً فظيعاً..سمموا البعوض العام الماضي بالكيمياء في مراكد الماء فجرف تيار الفولغا، هل تفهم، إلى آزوف هذه النفايات الكيماوية كلـها، لو أستطيع سكبها على رؤوس أولئك الحمقى، تخيل البحر كلـه أبيض صباحاً، وكأنه مغطى بطوافات بيضاء هائلة- آلاف أسماك الشبوط الميتة وقد طفا بطنها إلى الأعلى. جنون، هل تفهم، مناف للعقل. حماقة من الدرجة الأولى، غباء كوني، هبل – وليس غير ذلك. يقطعون اليد كي ينظفوا الأظافر. وليأتي من بعدنا الطوفان. لا يريدون أن يفكروا برؤوسهم ماذا سيحدث غداً، بالمقابل لا يوجد بعوض. البعوض غير موجود والطيور أيضاً غير موجودة، الطيور غير موجودة والأساريع في البساتين والجنائن تلتهم كل شيء. مقابل ذلك البعوض لا يلسع أحداً. ما رأيك، آ؟ مذهل، سقارطة، مفكرون، ليأخذهم الشيطان..."‏

قال فاسيلييف وهو يواصل السير في المرسم بتوتر لا يفارقه، فالفودكا لم تساعده على الاسترخاء:‏

"-كم هذا محزن يا ساشا، كم هذا محزن. أردت أن أطلب نصيحتك. " قال ذلك ولم تكفه الأنفاس: "- يبدو أنني مريض مرضاً جدياً. حدث لي شيء يا ساشا... لا أعرف ماذا، لكنني لا أستطيع أن أجد لنفسي مكاناً يا عزيزي ساشا. لو تدري كم أعاني هذه الأيام. أشعر بالألم هنا. مثل ألم الأسنان. " عبس فاسيلييف قليلاً وأشار وهو يستنشق الـهواء إلى صدره: "-أحياناً أرغب في البكاء مثل صبي، لكنني لا أستطيع. لا أحسن ذلك. لو تدري يا صديقي العزيز أي أسى، أي أسى عضال لا ينتهي. ولا أستطيع أن أفعل لنفسي شيئاً..".‏

استفسر لوباتين قلقاً، ونظر إلى فاسيلييف رافعاً حاجبيه الكثيفين: "-ما هذا الذي يحدث حقاً؟ أين السبب؟ رجل صحيح، يتلاعب بالأثقال كل صباح ويستنشق في الطبيعة الحية الـهواء النظيف. " تكلم بصوت غليظ متذمراً، وبدأ يتململ بجسمه الكبير في الأريكة: "-أنت موهبة اللون، يمكن القول، ساحر الألوان، وعليك أن تفرح كل ثانية بما وهبت، لكنك... يا للخجل والعار، ليأخذك العفريت. من يخدم الفنُ –اللـه أم الشيطانَ؟"‏

كرر فاسيلييف، ودس يديه في جيبيه وكأنه شعر بالبرد: "-نعم، نعم. هكذا تحديداً هكذا تحديداً... من يخدم الفن؟ من؟ هل تظن أن أحداً ما يحتاج الآن كثيراً إلى الفن التشكيلي؟ هل يحتاج إليه غريب أطوار واحد من مائة ألف أو خمسمائة ألف؟ آ-آ، هذا سيان، إنه عاجز، لا يمارس تأثيراً على أحد، إنه لا يستطيع أن يغير، أن يصحح شيئاً... هل تلحظ أن الإنسان صار أسوأ وأكثر شراً، وأقل رحمة مما كان عليه قبل عشرين أو ثلاثين عاماً، وأننا فقدنا شيئاً ما هاماً؟ بم الناس جديرون –بالكراهية، بالعلاج، بالعقوبة؟... من هم الناس؟ تيجان الخلق أم قياصرة الكون أم خلايا سرطانية على جسم الأرض؟ لا أعرف ما العمل، وكيف العيش لاحقاً يا ساشا. هل تفهم، كيف العيش... وهل كان ثمة معنى في كيف عشت سابقاً؟ لا، ليس هذا ما أردت قولـه لك. اكتسب كل شيء المعنى الذي لا يحمل أي معنى. تمر لحظات يا ساشا أشعر فيها بالكره تجاه الإنسانية كلـها، وعلى الفور أحس بالذنب... كأنني المذنب في كل شيء. لا أعرف ما بي يا صديقي..."‏

لم يحرك لوباتين قسمة واحدة من قسمات وجهه الفظ الملفوح بالـهواء، وراح ينقب بأصابعه المتينة في لحيته، وسألـه بنبرة منخفضة:‏

"-ماذا حدث لك يا فولوديا؟"‏

"-لك فقط أستطيع أن أقول يا ساشا، لك وحدك... لك فقط."‏

وظل يذهب ويجيّ في المرسم إلى جانب المناظر الطبيعية المسندة على الحائط، وإلى جانب المنصب المغطى بالخرقة، فيقف أحياناً بحدة قبالة لوباتين المستمع إليه بوجهه العابس، وأحياناً يتلكأ عند النافذة مدلكاً صدره تحت المصراع المفتوح وكأن الـهواء ما كان يكفيه. روى لـه فاسيلييف كل شيء: سر ابنته المرعب المكتشف بعد عامين، وخوف ماريا المستمر مع كل خطوة تخطوها، وقرار سفر فيكتوريا الذي صقعه- وعانى فاسيلييف من جديد من ذلك الحدث البشع الذي لا يمكن تصوره- مثل ذلك الحرْج في الضواحي قرب مجمع البيوت الريفية، وذلك العنبر المهجور الفواح برائحة القش القذر، وحين أتم حديثه واقترب من المنضدة تكلم لوباتين المهتاج والمتصبب عرقاً والحار كلـه، مشدداً بحزم على الحرف “O’ ومسرّعاً الكلمات:‏

"-غيظنا كلـه فعل فارغ ومحض أصوات. توقعت كل شيء ما عدا هذا. أوه، الدراجان السافلان. إعدام أمثالـهما في الساحات قليل. طيب، تعال نستوضح ما بعد ذلك. من أين أتت هذه الفكرة الحمقاء بخصوص إيطاليا؟ من صديقك السابق؟ هل دعاها إلى السفر؟ ألم تقل لك كيف ولدت هذه الفكرة العبقرية؟"‏

"-لست واثقاً يا ساشا من أن هذه الفكرة قد نشأت لديه. المشكلة أن فيكتوريا هي التي وجدته في الفندق، وهي نفسها التي رغبت في لقائه".‏

"-هي نفسها؟"‏

"-إنها لا تخفي شيئاً".‏

قال لوباتين بصلابة: "- إليك ما بقي علينا أن نفعلـه، علينا أن نشرح، أولاً، لصديقك الإيطالي الروسي كي يرمي من رأسه الحماقات الرومانسية ويقنع فيكتوريا بنفسه بأن تحقيق فكرة السفر مستحيل في الوقت الحاضر، خصوصاً وأن أية بلدان أجنبية لا تقود أحداً إلى عالم التوفيق، ولا تنقذ من أي شيء. عموماً، أعرف طبع فيكتوريا، إقناعها ليس سهلاً... لكن من أين ظهر؟ من أين شق الأرض وخرج فجاءة؟ يا للحدث الخيالي. كم سيبقى صديقك المثير للشك في موسكو؟"‏

"-أظنه سيسافر غداً. نعم، غداً".‏

"-فلنذهب إليه الآن فوراً. في أي فندق هو؟"‏

"-الآن؟ إليه؟"‏

وضع لوباتين القدح ونهض، وراح يرتدي سترته بهيئة الاستعداد للفعل الفوري: "-لا تسأل أسئلة غبية يا فولوديا. الآن تحديداً. ولم لا؟ إنني أسألك. لن نؤجل ما لا لزوم لتأجيلـه. زد على ذلك أنني أريد رؤية هذه الشخصية الأسطورية، صديق طفولتك. اتصل به".‏

استحوذت على فاسيلييف همة لوباتين التي لاتكل، والتي لا يعرفها جيداً من تصرفاته الفورية، حتى أنها أثارت فيه الأمل بإمكان إيجاد المخرج العقلاني، وبعد أن طلب رقم فندق إيليا من غير أن يكون واثقاً من أنه سيجده، وحين سمع صوتاً غريباً ينطق بالألمانية على نحو منتظم وبترنم:‏

"- Ja-ja- ja (3)" طلب يائساً إيليا رامزين إلى الـهاتف مرة ثانية، قام الصوت نفسه، الذي رد بالألمانية، بقفزة صوتية مباشرة، وضحك ضحكة صفيحية مقتضبة، ونطق بالروسية:‏

"-هذا... أنا من يتحدث. فلاديمير؟ ليس فجاءة، لكنني أتعرف صوتك. إنني أنتظرك. عندي، بالمناسبة، ضيوف. لن أقول لك من. سترى حين ستحضر. آديو".‏

فيما كان فاسيلييف يتحدث في الـهاتف، ارتدى لوباتين سترته وبدأ يتأوه بعد أن جذب على قذالـه قبعته السيبيرية الشعثاء، وفتح باب الخزانة معبراً عن استيائه، وشرع ينقب فيها، بيد أنه لم يجد ما كان يبحث عنه، وشتم في المرسم كلـه ممتعضاً:‏

"-يا للشيطان-ن. الفاليدول، أين الفاليدول؟ احتسيت قدحاً من الفودكا، وستفوح الرائحة في الـهواء الطلق كما من برميل. لدى كهنة شرطة المرور حاسة الشم جيدة، وعلينا أن نذهب بحنطوري وإلا فالأمر في منتهى الغباء مثل حلاقة شعر القنفذ. أعطني الفاليدول لأتناولـه. يقضي على الرائحة على نحو ممتاز..."‏

نصحه فاسيلييف في حال من التفكير غير المحدد: "-أليس من الأفضل أن نذهب بسيارة أجرة؟ كم وجود أولئك الضيوف عنده غير مناسب. لو تدري كم أنا غير راغب في رؤية أحد. هاك، خذ الفاليدول يا ساشا".‏

قال لوباتين وهو يرمي حبة الفاليدول في فمه: "-انظر إذن إلى الجميع كالشيطان، سننعم بحرية أكبر. غرور الرسامين لا حد لـه، هذا معروف حتى للدجاجة. لكن أظهر نفسك للجميع على أنك شبع حتى التخمة، لذلك حرر نفسك مبكراً من الانحناءات".‏

"-لم أنحن مرة واحدة في حياتي يا ساشا".‏

"-لا تبالغ أيها المسن، لا تبالغ. كل منا أحس غير مرة بمرونة عموده الفقري. فلنذهب يا فولوديا، أعاننا الرب كما قال أجدادنا القرويون".‏

(1) تعتبر مناداة الشخص باسمه واسم أبيه من طرق التعبير عن الاحترام والرسمية في التعامل (المعرب).‏

(2) الاسم القديم لروسيا. (المعرب).‏

(3) نعم، نعم، نعم (بالألمانية).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244