الاختيار - تأليف : يوري بونداريف - ترجمة: عياد عيد

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:55 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثامن عشر

في بهو الفندق الفسيح جداً والـهادئ والخالي من الناس في هذه الساعة، والفواح بنسيم الخزامى الدافئ ورائحة الجلود الاصطناعية المنبعثة من الحقائب الغريبة، عرض البواب ذو العنق السمين ذقنه الممتلئ باللحم باحترام قبالة لحية لوباتين الباسق الموحية (الداخل مثل صاحب المكان من الباب المفتوح)، لكنه قاس بعدئذ فاسيلييف بنظرة قاسمة متمتماً على نحو مستظهر وبخنوع:‏

"-هل تقصدنا؟ بطاقتك..."‏

رد فاسيلييف من غير أن يتوقع مثل هذه الممانعة، واشتعل فجاءة، وكان نادراً ما يحدث هذا من قبل: "-أنا؟ هل تسألني؟ أنا قدم إلى السيد رامزين. ماذا تريد تحديداً؟"‏

غلظ لوباتين صوته بكثافة، وراح يتلاعب بعينينه باستهتار وهو يقدم على المكاشفة مع البواب على نحو لا يخلو من السخرية: "- إنه معي. والأصح أنني معه أيها الرفيق العزيز القاسي والحريص لأن أمامك الأكاديمي في الفن التشكيلي والرسام المشهور فاسيلييف، أما أنا فلست سوى رجل متواضع من رجال الفن. ماذا تريدني أن أضيف؟ جواج(1) السفر، الـهوية الشخصية؟ بكل سرور..."‏

اقترب في هذا الوقت من أعماق البهو ومن غير ضجة شاب وسيم مسرح الشعر على نحو أملس ومستو بفرق مائل، وسألـهما بابتسامة لطيفة عمن يبحثان، وحين عرف اللقب عبر إلى ما وراء المنضدة القائمة التي وضعت قربها بضع حقائب (راح مسؤول الاستقبال الفتي والأشقر والأنيق يراجع رزمة ورقات خضراء) فاستعرض بسرعة كبيرة نسبياً جدولاً ما على المنضدة، ثم دعاهما باللطف المصطنع ذاته قائلاً:‏

"-تفضلا. الرقم مئتان وخمسة عشر. يشغلـه السيد رامزن".‏

لم يفهم فاسيلييف، وظن أنه أخطأ السمع، مع أن نطق الشاب ذي التسريحة المصقولة كان دقيقاً للغاية: "-كيف قلت- السيد رامزن؟ ليس رامزن بل رامزين على الأرجح؟".‏

نظر الشاب ببراءة إلى قصبة أنف فاسيلييف وأجاب: "-قلت: السيد رامزن. تفضلا، اعبرا.. يمكنكما الصعود بالمصعد، ويمكنكما على السلم".‏

تمتم فاسيلييف: "-أمر يثير الفضول".‏

راحا يصعدان السلم.‏

قال لوباتين لاهثاً حين بلغا الطبقة الثانية: "-تبين أنه ليس رامزين بل رامزن. " وبعد استيضاحات مختصرة من قبل المناوب وراء المنضدة اقتربا على الممر التوتي من باب هائل قبضته نحاسية: " تبين أن الفرق غير كبير: في حرف واحد. رامزين، رامزن . "ين" أو "ن" – تفصيلات على النمط الغربي". أشار لوباتين إلى ذلك على نحو لاذع وقرع الباب.‏

أثرت هذه المعلومة المكتشفة بالمصادفة – تغيير حرف واحد من اللقب الذي عرفه منذ الطفولة –على فاسيلييف مهيجة إياه، وكأن إيليا قد أخفى بذلك شيئاً ما مخجلاً، مرتبطاً بالماضي، منتقياً لنفسه رمزاً جديداً في العالم أكسبه جوهراً مغايراً وأبعده على نحو منفر، لكن الشعور الأشد تنفيراً انتاب فاسيلييف حين دخلا الغرفة الرحبة ذات المرايا الكبيرة وستائر النوافذ الثقيلة والأثاث القديم الجيد، وكان أول ما وقع عليه نظره المائدة المفروشة وزجاجات الشمبانيا البارزة من الدلاء الفضية المملوءة بقطع الجليد، و –عينا فيكتوريا الـهائلتان، الرماديتان الغامقتان، المستعدتان للابتسام وغير المبتسمتين، والمسلطتان بذهول على لوباتين، وإلى جانبها إدوارد أركادييفيتش شيغلوف المنتشي كالعادة، شعراته النادرة الممشطة بمهارة حثيثة على صلعته من الأذن إلى الأذن، وزجاج نظارته الذي ينثر خطوط الشرار السام على الرغم من أن السترة السوداء وربطة العنق- الفراشة السوداء على القميص الأبيض كالثلج قد أضفتا عليه هيئة رسمية لإنسان زائر عائد من حفلة كوكتيل في سفارة، وهيئة إيليا النشطة على نحو مشدد (وكأنه استحم بالماء البارد للتو)، وقد ارتدى بزة رمادية وقميصاً أزرق جعلـه يبدو شاباً، ووحده وجهه الشاحب والرمادي ذو الدوائر تحت العينين لم يكن قادراً على إخفاء اعتلالـه الجسماني الغامض. شد على يد فاسيلييف الباردة شداً غير قوي، ونظر بانتباه رافعاً حاجبيه إلى لوباتين مشيراً بهذا التعبير إلى انه لا يعرفه أو لم يلتق به أو أنه لا يذكر حتى إن كانا قد التقيا من قبل في وقت ما.‏

قدم فاسيلييف لوباتين رداً على اهتمام إيليا الاستيضاحي: "-لوباتين ألكسندر غيورغييفيتش رسام، غرافيك صديقي. لا يعرف أحدكما الآخر، في مقدورك أن لا تجهد ذاكرتك. درستما في مدرستين مختلفتين، ولم تحاربا معاً. " ثم شرع فاسيلييف يتكلم نصف جاد: "-اسمع، كدنا أن لا نعثر عليك. سمعت باهتمام في البهو أن السيد رامزن هو المقيم في الفندق. ظننت أن اللقبين متشابهان لكن تبين أنني مخطئ خطأ ممتعاً، فرامزين ورامزن هما شخص واحد".‏

ضحك إيليا.‏

"-آ، نسيت أن أقول لك إنني حملت في حياتي ثلاثة ألقاب: رامزين وزايغل وأخيراً رامزن. زايغل هو لقب المرحومة زوجي، أما رامزن فهو من ابتكاري. هكذا يبدو لقبي غير محدد أكثر من النهاية "ين" التي تدل بدقة أكبر على أصلي الروسي. العيش في الغرب أهدأ حين لا تتميز بأي شيء. ليس لمثل هذا التكتم أية علاقة بجيمس بوند".‏

وقادهما بلباقة المضياف البشوش إلى المائدة، وأجلسهما بحرية حيث كانت أدوات الطعام النظيفة بين فيكتوريا وشيغلوف، وصب الشمبانيا للجميع مؤكداً على نحو فائق على حفاوته الرجولية، ثم جلس مكانه في آخر المائدة كصاحب للضيافة في أريكة ذات مسند ظهر مستقيم، وملأ كأسه، وطافت عيناه بوجوه الضيوف مضيئتين على نحو مَرضي بسوادهما الحارق.‏

تكلم إيليا ممسكاً الكأس بأصابعه الدقيقة المرتجفة: "-اليوم آخر يوم في روسيا، وقد أخللت بالحمية والنظام الصارم، لكنني لا أقصد هذا... هنا أربعة رجال وبينهم ممثلة وحيدة للجنس الرائع، ابنة صديقيّ القديمين (فكر فاسيلييف مندهشاً من الحر المريض في عيني إيليا: "غريب أن ماريا غير موجودة هنا") –الآنسة الذكية الفاتنة، التي تزين اجتماعنا كالألماس النظيف... العجيب. نخب صحتها وازدهار جمالـها. لا أدري إن كان الجمال سينقذ العالم، لكن لولا الجمال والشباب لكان فظيعاً".‏

لم يخجل من انتقاء الكلمات، لكن شيئاً ما غير طبيعي وقسرياً لف جملـه وظهر عن عمد في صوته، لأن إيليا بدا غير صاح أيضاً. أما هي، فيكتوريا، فنظرت إلى أبيها بابتسامة قسرية راجية إياه أن لا يستاء وأن يغفر لـها هذا اللقاء غير المحدد سابقاً، ثم نقلت عينيها المشعتين وناشرتي الدفء إلى لوباتين، وجعدت أنفها وحاجبيها ملقية التحية على هذا النحو ومتكلمة معه من غير كلمات. غمز لـها لوباتين بشيء من المكر، وتأوه في لحيته ملمحاً، وراح يحرف نظره كل لحظة بحدة نحو إيليا مراقباً إياه بفضول. بعد أن شربوا الشمبانيا وملأ إيليا الكؤوس لضيوفه من جديد شرع إدوارد أركادييفيتش، بعد أن نهض بحيوية ناشراً بسعادة بزجاج نظارته حزم الإبر فوق المنضدة، يتكلم مجيباً إيليا باستهزائه المعتاد الميال للمداعبة ونصف السام:‏

"-نخبك الموجه لحفيدتي المحبوبة عاطفي للغاية، ولم يمسك إطلاقاً بذيل الحقيقة الربانية، التي تمتلك وجهين. أرجو من مضيفنا فائق الاحترام قبول جملة من الاعتذارات. أولاً، نحن جميعاً أطفال ونحمل في أنفسنا خطايا آبائنا. ثانياً، من الآباء ومن الأولاد؟ ليت شعري، أين الفهم المتبادل الـهائل، وليس المأساة البيولوجية. لكن... الشجاعة الأكبر في زمننا- الاكتفاء بالذكاء الشخصي. لا تسألي يا غاليتي أبداً الطسوت القديمة وممالح العالم الحكيم- ولتسد حقيقة الشباب الـهوجاء، لكن المشروعة. فعلى سبيل المثال، ماذا أستطيع أن ألقنك يا غاليتي؟ توزيع الممثلين البذيء؟ الإيماءات المبتذلة؟ الكلمات القديمة؟ الممنوعات الجبانة؟ إذا كان في الأسبوع ستة أيام عادية، فاعتبري الشباب مثل اليوم السابع- الأحد، فهو سرعان ما ينتهي وتحل كينونة الاثنين، ثمة أمر وحيد- الحياة نفسها هي كاستمتاع بالحياة، والأنانية العاقلة يا طفلتي كمنهج هذه الحياة. فإذا قدرت فتقبلي هذه الحياة المهداة لنا بمصادفة حب مثل كرنفال..."‏

فكر فاسيلييف بأسف ونفور: "كالعادة ينبغي استقبالـه بصحبة غربال... لكنه يبدو وكأنه يقنعها بشيء ما." وأراد أن يقول بصوت مسموع: "أظن أنك تحشو رأس فيكتوريا بالـهراء. "لكن لوباتين شرع ينخر بأنفه في الحال، ونطق مشدداً على الحرف "0" بصوت ريان سابقاً إياه بالـهجوم المباشر على شيغلوف:‏

"-إنني أحييك، لكنني لا أستطيع أن أهنئك يا إدوارد أركادييفيتش على سبيتشك(2) المسرحي. اسمح لي أن أسأل لأي سبب حلّق على هذا النحو العبق فوق الرؤوس بحبه القديم للحكمة؟ لقد عرفتَ مغزى الحياة، هل تفهم. إذن يكمن مغزاك في المتعة، ها –ها. ارأف بي- دلني، علمني كيف أستمتع بكينونتي مثل أحد أبدي وكرنفال. اجعلني تلميذك أيها المعلم. أنقذني أنا الأحمق والغبي من الجنون الخاطئ، لكن متى نزرع القمح ما دمنا طوال الوقت نهز أرجلنا في الكرنفال؟"‏

هتف شيغلوف، وأطلق بهمة بوساطة نظارته قطيعاً كاملاً من الشرارات الحربجية ذات الحوافر الحادة لتعبث في لحية لوباتين المشعثة: "-آه، ألكسندر غيورغيفيتش، ها أنا ذا أسمع أخيراً صوتك العالي، الصوت الثمين لمناقشي الدائم. لكن كان عليك أن تلحظ يا أعز ألكسندر غيورغيفيتش أنني لا أؤكد أي شيء قطعي. إذ إنني لم أفعل شيئاً في شبابي سوى أنني كنت أدمر وأؤكد. زد على ذلك أن للحكمة الأفضلية نفسها على الغباء كما للغباء أفضليته على الحكمة. وأنا، حمار القرن العشرين الأشد إثارة للاستغراب، أتقدم إليك بسؤال: مع من عقدت الحقيقة قرانها؟ خطيبة من هي؟ بمن تزوجت؟ وهل هي مخلصة؟ أجبني كرمى لكل ماهو مقدس –إنني سأدوس باحتقار الفكرة الشائنة عن الحب المقرف للحياة وغير ذلك من القذارات الكريهة غير اللائقة بإنساننا المعاصر الطليعي، وأقول لنفسي: أيها الحمار المسن عليتك مؤثثة على نحو سيئ".‏

صور إدوارد أركادييفيتش حول رأسه بإيماءة قاض غير مرتش من محكمة التفتيش خطوطاً منكسرة عشوائية تمثل كيف يمكن أن تكون عليته سيئة التأثيث، ورأى فاسيلييف عيني فيكتوريا: بدتا لـه متسعتين وممتلئتين بالضحك الذي جعلـه يشعر بالضيق تماماً مثلما جعلـه وجه إيليا الرمادي الشاحب والحليق بحذلقة والمبلل بالعرق.‏

قال لوباتين: "-برافو، نص غير سيئ. إنني أضرب كفاً بكف. لكن هل ثمة مغزى في أن نبدأ التقاضي فيما بيننا يا إدوارد أركادييفيتش في هذه اللحظة؟".‏

كرر إدوارد أركادييفيتش، وقذف من جديد من زجاج نظارته قطيع شياطين لئيمة، برقت حوافرها، باتجاه لوباتين: "-ولكن على من قرانها معقود، ألا تتذمر من الفضول اللجوج يا ألكسندر غيورغييفيتش؟ ذراع من تتأبط العزيزة، أريد بشدة أن أسمع".‏

أجاب لوباتين وهو ينشج بأنفه: "-ستسمع القليل، ومالا يروي الظمأ. أولاً، محرم على الحقيقة أن تعقد القران قسراً على أقوياء هذا العالم. إذا أردنا التعبير بلغتك يا إدوارد أركادييفيتش. أي الزواج بحسبة مادية. ثانياً، وهو الأمر الرئيسي: لتسر كالعذراء الروسية الأبية والمستقلة، التي ينبغي الفوز بها بالحب والعقل، وليس شراء حسناء غريبة، هل تفهم، في ثوب أجنبي على قارعات طرق العالم الآخر لليلة. لتعذرني فيكتوريا والضيف الأجنبي....".‏

صمت إيليا مضيقاً عينيه باهتياج وهو ينظر إلى لوباتين.‏

شع إدوارد أركادييفيتش دهشةً، ومس كفاً بكف مرتين، مصوراً إشارة التصفيق:‏

"-هائل. هـ ـ ائل يا ألكسندر غيورغييفيتش. أنا مع الوضوح الكلاسيكي. لكن هل أستطيع الانحناء أمام عدم فسادك الروحي وأشك في المثير للشك؟ ألكسندر غيورغييفيتش. طبعاً، كلما كنا أكثر مثالية ما عدنا أفظعَ من خطيئة الفاني. أنت ضد الحقيقة المستعارة، لكن... أنقذ الشيطانَ من الإعدام يا روحي. المسألة هي: أليس قران الحقيقة معقوداً على نحو ما على الكذب؟ مثل هذا الزواج المليح الشاذ، لو تدري، والذي اعتاد عليه الكثيرون منا يا للأسف الشديد..".‏

شتم لوباتين لا مبالياً: "-يا لقهقهة الكلاب. لقد ابتدعت أمراً طائشاً للغاية يا إدوارد أركادييفيتش".‏

"-أدهش لدهشتك يا عزيزي ألكسندر غيورغييفيتش. آه، بعضنا بمقتضى أخلاقنا الخاصة يذبح حقيقة بعض كل ثانية وكل دقيقة بصمت مبدئي خاص وأمام الأعين المحملقة فاتحة اللون. إننا لا ننحط أبداً حتى الكذب، وحتى انعدام أخلاق يجعلنا نُذكّر بصوت مسموع النذلَ والمحتالَ والغبيَ الجالس على كرسي المسؤولية بحقيقة هذا وذاك. آه، مثل هذه الـهجمات دلالة على انعدام التهذيب، وليست دلالة على الشجاعة إطلاقاً، فما هذا –كذب؟ أم حقيقة مرعبة؟ إننا نحمي في كل لحظة أنفسنا وليس الحقيقة يا ألكسندر غيورغييفيتش".‏

تكلم إيليا بصوت متعثر، مخمداً نهاية الكلمة الأخيرة بجرعة شمبانيا، وابتسم ابتسامة مقتضبة لشيغلوف الناظر إليه بانتباه مرهف: "-الحقيقة مرعبة دوماً. الحقيقة مثل الذاكرة، وهبت للإنسان كعقوبة. حين نتذكر السيئ نتألم، وحين نتذكر الجيد نشعر بمرارة اللارجوع. أحياناً كان يخطر في بالي أن الكذب حقيقة، والحقيقة كذب... أن الحقيقة ضرورية من أجل إخفاء الكذب يا إدوارد أركادييفيتش." تكلم وأشعل سيجارة بالنهم والتعطش ذاته الذي كان يشرب به الشمبانيا، وراح يخرج الدخان من منخريه بصوت مسموع، ونقل صحن السجائر الذي امتلأ بالأعقاب إلى مكان أقرب على متكأ اليد على الأريكة.‏

لم يكن ثمة شك في أنه خرق نظام الحمية الذي اتبعه، كما بدا، بصرامة مدة طويلة، وساد شعور واضح بأنه ثمل – صار وجهه أقسى وأشد شحوباً، وكأن شيئاً ما قديماً، حربياً، حاداً، مميزاً لإيليا في تلك الفترة قد أطل من ابتسامته بذكرى ضبابية. وأراد فاسيلييف أن يلتقط هذا التعبير، وأن يفهم ويتذكر بما كان مرتبطاً، وأراد أن يقرر بحزم كيف يبدأ معه الحديث عن فيكتوريا وعن رغبتها المجنونة غير المعقولة، لكن إدوارد أركادييفيتش، الذي ألـهبته ملحوظة إيليا، منعه وتابع بغير كلل سك الصيغ المحشوة بالفلفل الحارق ورميها على المنضدة:‏

"-فوو، كم هو مرعب ما قلته يا إيليا بيتروفيتش. لقد قصدتَ، كما فهمت، تلك... الحقيقة وكذب ما وراء السياج. أؤكد لك أن أخلاقنا هي صدمة في وجه الكذب الذي يزدهر بلون زاه وراء السياج فقط. إنها هناك. حقيقة الآخرين – طفيليات. أوهي وبر خنازير. مفارقة بلياردية. جزمة في اللبن الرائب".‏

تساءل لوباتين: "-هل أحجارك موجهة إلى بستاني؟ استرسل في تمرغك".‏

"-إلى بستانك وبستاني يا ألكسندر غيورغييفيتش. إلى البستان العام".‏

وجلس شيغلوف مكانه، ونزع نظارته، وراحت جفونه الخالية من الرموش ترمش، وبدأ يتأوه زاعقاً ويئن بضحكه هازاً قليلاً الفراشة السوداء على الياقة المشدودة بضيق على عنقه المسن، الذي لا زال متيناً (هكذا كان يضحك، والأدق –هكذا كان لا يتقن الضحك)، ثم اهتاج بحرارة من جديد وبسرعة البرق وهو يمسح بعناية نظارته بطرف منديلـه، وشرع يتكلم كلاماً لا يخلو من نفحة شائكة:‏

"-وتاريخ البشرية- ماهو؟ وصف حياة آدم وحواء في الجنة؟ يا للأسف. إنه دم، عرق، تعاسات، جرائم. كابوس خالص. كيف نسميه – بحث عن الحقيقة؟ ولاشك – ولا ريب. يسوع المسيح مبشر مصلوب،... صار ابن اللـه لأن الناس أرادوا بآلامه أن يؤكدوا الحقيقة، أن يصلوا إلى الحب. أكدوها؟ بالحروب الصليبية؟ محاكم التفتيش؟ أين، أين هي خيرات جنة عدن؟ ماذا؟ لا، تاريخ أوروبا السابق كلـه تاريخ جنون. الحضارة الآلاتية الحالية كلـها تاريخ علماء لا أخلاق لـهم، تاريخ قنابل هيدروجينية وقتل ونزعة قومية. ومن أجل الحقيقة سأقوم بالتصحيح. على تاريخ البشرية أن يكون سيرة للحقيقة، وليس موضوعاً عن سيدة جميلة سهلة المنال، تتزين بنقود عشيقها لتنال إعجابه في هذا الثوب تارة وفي ذاك تارة أخرى. هنا أتفق معك يا عزيزي ألكسندر غيورغييفيتش. هنا فقط يا صديقي." – رمى برشاقة نظارته على قصبة أنفه، وصوّب على نحو معبر نظرته الجاحظة المختبِرة نحو لوباتين، وانفجر مرة ثانية ضاحكاً ضحكاً أخرق رذاذياً: "-لا يمكننا وحسب تزويج أمنا الحقيقة من الكذب، بل نستطيع نشلـها، أي سرقتها، فنشهِّر بها أو نطردها جارينها من تلابيبها. كيف تسمي ذلك؟ زواج باطل من عذراء أبية؟"‏

تكلم لوباتين بنبرة التعقل البريء: "-ها أنا ذا أفهم كيف يمكن تسمية موضوع بحثك عن الحقيقة يا إدوارد أركادييفيتش. هل تسمح لي بأن أسيء إليك من غير قصد؟ هل تحتمل؟"‏

"-رائع. لأي سبب؟ أرني، أرني... كيف ترغب في أن تسيء إليّ ما دمتُ لا أفقه شيئاً في غرس الذرة الشامل؟ كيف تريد تسميته؟"‏

"-فلسفة كئيبة لورقة خريفية. تذمر، بكاء، أنين، نواح، ونشيج. التشاؤم ليس شيئاً ماكراً".‏

"-أنا متفائل يا عزيزي. وأحب تحديداً البشرية كلـها. التشاؤم هو زحف على أربع، أما أنا فحلمت منذ الطفولة بأن أنمو إلى أعلى، مثل شجرة، من غير أن أخاف البرق".‏

"-أي برق حين تنزع ريح الخريف الأوراق، وتظلم في الرابعة. مذكرات تشرين الثاني".‏

"-نعم، نعم. هذا مشهد حزين".‏

واندفع إدوارد أركادييفيتش بحيوية فائضة بجسمه النشيط الجاف مثمناً الكلمة وغير مظهر استياءه، محيياً صيغة مناقشه الجدلية:‏

"-ورقة مذكرات خريفية. رائع. هل هذا، هل معنى هذا يا ألكسندر غيورغييفيتش أنك تقصد سني الطاعنة؟ أم أنك تصب السم في كأسي، أنا المستعد لأن أقرعه بكأسك؟"‏

ألاح لوباتين بيده بفظاظة: "-ابداً، أي عفريت. أردت أن أقول إن طعم الورقة الخريفية المر مع مصاحبتك المرحة يثير لديَّ دوراناً في البطن. ثمة رغبة في العواء باتجاه القمر والجري نحو المرحاض. إنك لا تكف عن ضرب الرأس بالمقولات العالمية والمقاسات الكونية. قل لي يا إدوارد أركادييفيتش، يا سقراط القرن العشرين ذا الفم الذهبي، قل كيف تؤكد، أنت نفسك، أمنا الحقيقية في الوجود في أزماننا الليبرالية؟ في ركن أشجار البتولا العزيزة العائد لك... هل حركت ولو خنصرك؟"‏

قفز إدوارد أركادييفيتش، وخفق بقدمه وانحنى للوباتين بلباقة لاذعة: "-أولاً يا عزيزي ألكسندر غيورغييفيتش لستُ متطرف جيوب، ثانياً هل من المعقول أنك لا ترى أن أمنا الحقيقة صارت طائشة إلى حد خارت معه القوى؟" تابع حديثه من غير كلل: "-ألم تفكر أنها، العذراء المعذبة، قد هربت عبر التلفزيون إلى الأفلام البوليسية البخسة والبذاءات، فرت اليتيمة إلى كرة القدم والأثاث المصقول ومحلات الصاغة. غريزة الالتقاط قلبت أمنا الوالدة ومرغتها في الأحوال إذا أردنا أن نتكلم كالسيبيريين. أتوسل إليك بكل روحي يا ألكسندر غيورغييفتيش أن تقترب من طابور عند محل مجوهرات وتتفوه بجدية مطلقة بمثل هذا الكلام الديوجيني: "إخوتي وأخواتي، أيها المواطنون المحترمون، ليس من المعقول أن يكون مغزى حياتكم في هذا المعدن الأصفر. لن يجعل أياً منكم أجمل ولا أكثر سعادة. زد على ذلك أنه لن يجلب الخلود لأحد. الجمال في الحياة المهداة لكم، في أنكم تتنفسون، ترون الشمس، تعملون، تسيرون على الأرض. تفرقوا كل إلى منزلـه، فكروا في أنكم لم تخلقوا من أجل هذا الطابور. الذهب ليس الخبز ولا الماء. ماذا سيمنحكم قرط أو ميدالية زائدين؟ ترى ماذا ستكون ردة فعلـهم يا عزيزي ألكسندر غيورغييفيتش؟ أولاً، إذا كنت مرتدياً لباساً لائقاً، وكان، إضافة إلى ذلك، على سواري كميك مثل هذه الزينة التي لديّ والمشتراة في الثلاثينيات " هز شيغلوف سواري كميه بطريقة تمثيلية، وأدار ضاحكاً معصميه عارضاً الزرين: "-فإنهم سيصرخون بك من غير أدنى شك كما يلي: "انظروا إليه، برزت سحنة بقبعة. لديه من الذهب حقائب، أما نحن فلا حاجة لنا به كما يرى". أما إذا كان عليك معطف مدعوك ومبتذل فإنهم سيرفعون عقيرتهم بالصراخ بهذا الأسلوب: "أترون، لقد فر من مشفى المجانين. أمسكوا به. الشرطة، أين الشرطة؟ سيعض الجميع أيضا. يجب سوقه إلى حيث ينبغي". الثالثون سيقتربون من غير أن يعيروا قبعتك اهتماماً، وسوف يندفعون بصدورهم الـهائلة وعيونهم الجاحظة: "افرنقع من هنا قبل أن... لماذا تخل بالنظام؟ تريد أن تتجاوز دورك أيها الكذا والكذا؟" قبل ثلاثين عاماً كان صعباً تخيل مثل هذا المشهد غير المرسوم من أجل رواية. حدث أمر ما ليس لنا علاقة به أنا وأنت. جرثومة الاستهلاك العالمية انتقلت إلينا مثل الانفلونزا. لكن، هناك، وراء المحيط أتت من الإغراء والدعاية، وأخيراً من الإشباع، فما سبب ظهورها عندنا؟ العوز؟ وحين يبدأ السباق من أجل الأغراض تتشكل في رؤوس الكثيرين صحراء روحية، وقلّ ما تتم دعوة السيدتين –الحقيقة والأخلاق- إلى هنا للزيارة". نقر شيغلوف بإصبعه على قمة رأسه: "-ما الحاجة إليهما؟ لن تعلقهما على العلاّقة في خزانة الثياب. الأفضل أطقم أدوات المائدة في الخزائن ومزهريات الكريستال –أمر يثير الاحترام حتى الدموع. والمظلات والمعاطف المطرية والجوارب النسائية والثريات-آ؟ شيء مؤثر، ضد من ستناضل يا عزيزي ألكسندر غيورغييفيتش؟ ضد نفسك؟ أرمي نفسي بنظرة مفكرة: كلي مغطى بالأغراض. ماهو وطني الصنع عليّ جواربي وبعض الأشياء. هل نناضل ضد الجراثيم التي لا لقاح لـها؟ هذه بداية المأساة الروحية يا ألكسندر غيورغييفيتش الغالي. لا أشك في أنك ستدافع بالكلام المنمق عن شرف السترة الرسمية. لكن هذه الحقيقة لا تمتلك مكان إقامة، ليست مسجلة في أي قيد. ليس لديها جواز سفر". رفع إدوارد أركادييفيتش صوته الساخر الرفيع، ونظر بانصياع خال من الحماسة حانياً رأسه باحترام، وبعينين جاحظتين، إلى نهاية المنضدة، إلى إيليا، وتابع كلامه غير الخالي من قسوة مرحة: "-لا أشك مقدار أنملة بأن البشرية المجنونة فقدت فكرة وجودها السامية وتاهت... أو تاهت بمقدار النصف في الدهاليز الإسمنتية في المدن المريضة المتخمة بالسكان... لست واثقاً من أنهم سيجدونها غداً وينقذونها. من سيجدها؟ من سينقذها؟ عوالم أخرى؟ سكان الأطباق الطائرة؟ مخلوقات الكواكب الأخرى؟ نعم، ربما يعيروننا انتباهاً لا يزيد على ما نعيره للنمل. هل ستجد البشرية نفسها بنفسها وتنقذ نفسها؟ لقد فقدت مهابتها... عليها أن تنظف نفسها يا ألكسندر غيورغييفيتش، لكن –كيف؟".‏

هدر لوباتين باستياء واحتقار، حتى أنه ضرب حافة المنضدة بقبضته في سورة من عدم الموافقة، متخلياً عن خجلـه من إيليا، الذي راح يصب الشمبانيا لنفسه باستمرار في كأسه، ويحتسيها على نحو منغلق أو بجرعات صغيرة، وقد ازداد شحوبه وتجمعت قطرات العرق جُزُراً جُزُراً على صدغيه: "-رنين فارغ. صفير فني. هز صوتي للـهواء". "معنى الحياة". "البشرية". "سكان الكواكب". "الحقيقة". يعجز العفريت عن فهم هذا كلـه. باسم أي شيء خلطت يا إدوارد أركادييفيتش هذا الكم من الكلمات الكبيرة، وباسم أي شيء طهوت براميل العصيدة المستهترة هذه؟ لقد سكبت السم الآن على البشرية كلـها من رأسها حتى قدميها، اتهمت الجنس البشري كلـه بالشيئية وهزئت به، زوجت الحقيقة من الكاذب – السافل، ولم تخلف سوى الأنقاض، ودست بحوافرك كل شيء مثل ماماي ما. صادوم وعامورة. صحراء لا ينبت فيها زرع ظلت من بعدكِ. أرض محروقة. ماذا تريد –طوفاناً عالمياً مطهراً... والتكفير؟ ألا تشفق على جنس البشر؟ وماذا عنك نفسك؟ ألست فرداً بشرياً؟ من أنت –عنزة، عشبة؟ حشرة صغيرة؟".‏

قال إدوارد أركادييفيتش وقد رفع يديه باستسلام محطم: "-أرغب في أن أسير مثل عنزة صغيرة على العشب الأخضر. ما كان ثمة حد لسعادتي".‏

ما أعلن عنه شيغلوف الآن بخفة أسير عادته ولم يأت على هوى لوباتين مسّ فاسيلييفَ في هذه الآونة لا بجوهر موقفيهما المتعارضين بل لأنه لحظ كيف اكفهرّت عينا فيكتوريا الواجمتين تحت رموشها، وأراد بحماسة أن يفهم ما يحدث في رأس ابنته الجميل وأشقر الشعر هذا، وقد راحت تتشرب بنهم السم القابض المنبعث من كلمات إدوارد أركادييفيتش، الذي بدا وكأنه من خلل الضحك يستمتع بمرارة خيبة الأمل المدمرة للذات.‏

فكر فاسيلييف: "واضح لي أنه يريد أن يعجب إيليا، لكن ما يلـهمه هو جدلـه مع لوباتين وانتباه فيكتوريا، وإلا فمن أين وابل الاستهزاء والسخرية هذا. فيه قوة زعزعة إدمانية. يا للأثر غير الحسن الذي يؤثر به على فيكتوريا، وكم هي غير حسنة مشاهدة ذلك".‏

سألت فيكتوريا فجاءة بتحد مشمئز: "-على من الإشفاق يا ألكسندر غيورغييفيتش؟ قل من فضلك. على الكاذب؟ اللص؟ الأحمق؟ سيزدادون بذلك كذباً ولصوصية وحمقاً".‏

حاول لوباتين أن يتلاعب بكلمات فيكتوريا وقد أقلقه حنقها المندلع: "-نصيحة يا فيكا. علينا في ما يخص الحمقى أن نُكسِب أنفسَنا مناعة ضد الحماقة، أو، ربما، علينا أن نحسب حسابهم يا فيكا نظراً لتفوقهم العددي. ربما ينبغي أن نؤمن...".‏

قاطعه شيغلوف في الحال، وتعالى شرار الموقد الشيطاني في عينيه:‏

"-نؤمن؟ رائع. قلت "نؤمن". وما معنى الإيمان –الخوف أم القناعة؟ الإيمان؟ هل هو الحقيقة المعيشة أم العلاقة الانفعالية بالحقيقة؟ إلى أي إيمان تُوجِّه فيكا؟".‏

تكلمت فيكتوريا بصرامة، وعبرت حنجرتها رجفة تكاد لا تلحظ: "-كف أيها الخال. صار الأمر هكذا مسايراً جداً للموضة. تحويل كل شيء فوراً إلى مزاح. وأنت أيضاً صرت هكذا يا ألكسندر غيورغييفيتش مع أن هذا لا يناسبك. لم قول الكلمات، الكلمات فقط لمناسبات الحياة المختلفة، من يحتاج إلى مونولوجاتكما الطويلة؟" عبست باشمئزاز: "-من يجعل هذا سعيداً؟ كم مرعب أن الجميع يتكلمون ويهيبون ويقسمون ويعلِّم بعضهم بعضاً، أما في الواقع فالأمر مغاير تماماً. ببساطة، أمر مخيف..."‏

تمتم لوباتين على نحو أخرق منقباً بأصابعه في لحيته ومتحسساً إياها: "-محال يا فيكا، محال أن تكوني محقة تماماً، عبثاً تعنفيننا هكذا...".‏

نطق إدوارد أركاد ييفيتش متأسفاً، ورفع يديه وكأنه يدعو مصلياً السماء نفسها للمساعدة:‏

"-فيكوتشكا، ارحمينا يا ذهبيتنا، يا غيرتسوغتنا الفتية. أردت لو أعلمك كيف تكونين سعيدة يا حسنائي. لكن –كيف؟ السعادة هي ما نتصوره عنها وحسب. سراب، حلم العيش في حلاوة الأحلام الربيعية. من يمكن تعليمه السعادة؟ أستطيع تعليم المرح الشرير فقط، ولكن هذا ليس من أجلك. صدقيني كممثلة قادمة –الفن وحده الذي يساوي شيئاً ما في الحياة، لكنه هو أيضاً لا يستطيع أن يعلم السعادة، إنه يسلي فقط بحكاية ممتعة: كن صادقاً، شجاعاً، فاعلَ خير...".‏

هتفت فيكتوريا بفرح غير طبيعي: "-يا إلـهي، أي عسل، أية حلاوة. فليذهب فنك إلى الشيطان أيها الخال. هل أستطيع أن أكون ممثلة إذا لم أرغب في أن أتزلف لأحدهم؟ قل من فضلك يا إيليا بيتروفيتش... إنك صامت، وأنا أرغب في أن تجيبني... بم تفكر؟" تكلمت بنبرة مغايرة موجهة حديثها إلى إيليا، أما هو فكان يدخن وقطرات العرق على جبينه، وينظر إليها نظرة ثقيلة من غير أن يرف لـه جفن. نظر بصمت قصي، ثم تكلم بصوت أبح وبابتسامة ملتوية:‏

"-لست ملائماً لجدلكم يا فيكتوريا".‏

-"بماذا تفكر؟ بماذا –أنت؟".‏

"-بماذا أفكر؟.. ما إن ألقى الإنسان نظرة على روحه حتى عرف الجحيم. على الأقل، بدأ هذا لدي بعد الحرب عام ستين".‏

"-بدأ لديك منذ زمن بعيد، أما لدي..." شرعت فيكتوريا تتكلم ساخرة ولم تكمل، وعبر ظل متجهم تحت رموشها المرتعشة الطويلة، الشبيهة برموش ماريا.‏

فكر فاسيلييف: "ما الذي يوحدهما، ما المشترك بينهما، ما الذي يقربهما –إيليا وابنتي؟" وشعر يائساً تقريباً بأن فيكتوريا في احتدامها المشمئز الذي لم يفارقها لا تريد سماع أحد غير إيليا، وجعلـه جدلـها مع محبوبها إدوارد أركادييفيتش وخصوصاً مع لوباتين، الذي كانت تستمع إليه عادة بلطف، وبحثُها بنفسها عن المخرج، يعاني من جديد من ألم أبوي حاد شبيه بالخوف من فقدانها إلى الأبد.‏

قال فاسيلييف ساعياً إلى التحدث بهدوء: "-هل تعلمين ماذا تذكرت يا فيكا؟ تذكرت كيف ذهبت مرة في الصيف الماضي للرسم في الثامنة صباحاً. نزلت إلى نهر موسكو، واتخذت مكاناً على الدرجات. كان أمامي الجسر والخضرة على الضفة الأخرى، وكان الشارع المحاذي للنهر مغطى بالظلال وبقع النور. والأهم –الصباح الرائع، المشمس، الـهواء المائل للبرودة وفرحة الاستيقاظ. وفجاءة تسلل إلى قماش اللوحة، عوضاً عن اللون الليلكي والفضي، الأزرق –أية شيطنة. لا أفهم شيئاً، لكن لم يعد ثمة وجود لظلال الصباح الشفافة ولتماوج الماء. صرت أشعر بأنني أرسم الليل بدلاً من الصباح. ثمة ألوان الشمس، أما لدي فليل". صمت فاسيلييف متوجساً فجاءة من أنه شرع يتحدث، وخائفاً من أن يرى على وجه فيكتوريا تصعيرة استياء: "-كان خلفي سياج ما –أمريكيون على الشارع المحاذي للنهر، يراقبون من الأعلى، وكنت أحجب بظهري المنصب وأفكر: ما هذه الوساوس؟ ما هذا التبدل؟ النور حولي، الشمس، لألأة المياه، أما على قماش اللوحة فليل... لا أستطيع حتى الآن أن أفسر هذا التحول الغريب. لقد رأيتَ هذه اللوحة يا ساشا، هل تذكر؟"‏

تمتم لوباتين: "-م- نعم. ليلة مقمرة".‏

سألت فيكتوريا وقد فصلت تجعيدة الاهتياج قصبة أنفها: "-لماذا رويت هذا يا بابا؟ هل من المعقول أنني أدعي بأن شمس الصيف الساحرة هي قمر كئيب؟ لا يا بابا..." جلست بالقرب منه على حافة الكرسي الفارغ، ومست يده، بإصبعها: "-لا يا بابا، ستظل تنظر إليّ دائماً مثلما تنظر إلى طفل. لا تخدع نفسك، صرت كبيرة. أعرف يا بابا أنهم سمموا حياتي وحياتك". أضافت هامسة وشفتاها مرتجفتان بنصف ابتسامة: "-سامحنا، أنا وأمي، مع أننا غير مذنبتين لكن سامحنا...".‏

أسبلت رأسها، فصار يشعر بالضيق والشفقة عليها في انصياعها المفاجئ هذا والفاهم كل شيء.‏

مد يده إلى ذقن فيكتوريا، ورفع رأسها، ونظر إلى عينيها اللتين كانتا منذ وقت قريب نائيتين، عابستين، ورأى شعاب عمقهما الحزين، وذلك التعبير المعروف نفسه الذي كان يظهر في نظرة ماريا الشابة، التي كانت تذكره بالظلال الدافئة على العشب: "-اسمعي يا ابنتي، أردت أن أقول إن الصباح قد بدأ في حياتك للتو. مهما حدث فالصباح لم ينقض. سيأتي الفرج يا ابنتي".‏

"-لا يا بابا، لا أصلح لأن أكون واحدة من النساء القديسات المعذبات مثل ماما".‏

تردد صوت إيليا حاداً بعض الشيء وواثقاً بإفراط، فقص بتدخلـه هذا، الذي لم يرق تقريباً لفاسيلييف، حبل الحديث بينهما، وقاطع جملة فيكتوريا الثاقبة: "-كم تشبه ماريا، تشبهها على نحو يذهب بالعقل، وخصوصاً حين تنظر من الجانب".‏

"قالت: "قديسات مثل ماما"؟ هل هذا ممكن؟ هل اعترفت ماريا لفيكتوريا بأنها احتملت عشقي الأحمق لـها أعواماً كثيرة، منذ أيام المدرسة، أما هي فحملت الصليب مكرهة؟ هل معنى هذا أن الوحيد لديها كان إيليا؟ يبدو أن الأمر كذلك".‏

ردد إيليا بصوت عال: "-كم تشبه ماريا".‏

وقف عند الطرف الآخر من المنضدة المغطاة بالزجاجات، ممسكاً بيده اليمنى كأس الشمبانيا وباليسرى السيجارة المشتعلة. برز وجهه، وقطرات العرق الضخمة على صدغيه، بشحوب الأموات وبشيء من الشرود وبتحديقه الإدماني بعينيه المتوسعتين، المسلطتين على فيكتوريا. كان واضحاً أنه قد ثمل، لكنه ظل يشرب الشمبانيا ويصبها لنفسه ولضيوفه بإفراط، كما أفرط أيضاً في تدخين السيجارة تلو الأخرى. أخافت هذه الشراهة بعد الحمية الشديدة والصارمة في الطعام والتدخين، وبعد الامتناع التام عن الخمرة، وحتى عن الكوكتيلات الخفيفة في لقاءاتهم في فينيسيا وهنا، في موسكو، فاسيلييف بقسوتها الـهدامة، فكان كمن يقتل في نفسه المحدّد والمتماسك والعقلاني، الذي ظل يصونه وينفقه على دفعات حتى أمس. ربما توقع إيليا لقاء مختلفاً بأمه، وربما أطاحت البرودة التي لم يدفئها مجيئه في روح رايسا ميخائيلوفنا واستياؤها الذي لم يتلاش عبر الزمن بأمل ما فيه، وخيل أنه الآن يثأر من رغبته الساذجة التي لم تلبّ.‏

تكلم إيليا في تلك الأثناء متأرجحاً قليلاً على أصابع قدميه وعقبيه، ومبتسماً ابتسامة خالية من الحياة: "-الوجه البيضوي، تعبير العينين، الصوت –كم كل شيء متكرر في ابنتك يا فلاديمير. لا يشبهني ابني رودولف بشيء. أي الروسي فيه – صفر. ألماني متحذلق حريص- يأمل في الاتجار مع Sowjet union(3)، لكنه تعلم اللغة الروسية على نحو سيئ. نداء الدم معدوم. تهمه روسيا كشريك تجاري مربح. أمريكا –كمثال، أنموذج. رودولف... رودولف رامزن. أترى يا فلاديمير، لدي ابن أيضاً. لكن... عموماً، ما المغزى؟ نتقابل مرة في السنة. في عيد الميلاد. إنه لا مبال بي. كما ترى، لم أترك أي أثر من دمي ولحمي على الأرض".‏

قالت فيكتوريا: "-أنا اليوم، على نحو ما، متعبة جداً يا بابا. حان وقت ذهابي. أستودعك يا إيليا بيتروفيتش". رتبت شعرها، وأمالت رأسها، وتناولت حقيبتها من على المنضدة: "-متى ستقلع الطائرة غداً؟".‏

حذر إيليا فيكتوريا بجفاف مضيقاً نحوها عينيه المليئتين بالسواد والمتذكرتين وغير المتراخيتين: "-لا لزوم لمرافقتي، فالوداع يذكر بمراسم الدفن. هل تستطيعين أن تلبي لي طلباً يا فيكتوريا؟".‏

"-طبعاً، إن كان في مقدوري ذلك يا إيليا بيتروفيتش".‏

ارتشف الشمبانيا من الكأس، ومج السيجارة بنهم مختنقاً، ثم خرج إلى الغرفة الأخرى ببطء ساهم على ساقيه المترنحتين قليلاً، وعاد بعد دقيقة.‏

قال إيليا بتأدب مبالغ فيه، وقدم لفيكتوريا علبة حمراء مصقولة عبارة عن بيت مجوهرات مستطيل أنيق: "-سلمي هذه الـهدية الصغيرة لوالدتك المتوعكة، كما علمت، فلم تستطع الحضور إلى هنا، يا للأسف الشديد. لم أقتن الـهدية من إيطاليا، بل من "البيرويوزكا" في... ما اسمه.... شارع كوتوزوفسك. آمل أن يعجب القرطان المختاران من قبلي والدتك. أما أنت يا فيكتوريا، فكلي أمل وجل أن تعجبك أنت أيضاً هديتي المتواضعة". –أضاف ذلك راجياً بانحناءة من رأسه السماح لـه بأن يكون لبقاً حتى النهاية فلا تمتنع فيكتوريا عن قبول العلبة الأخرى الحمراء المصقولة أيضاً، التي قدمها لـها.‏

سألته بسرعة:‏

"-ماذا فيها يا إيليا بيتروفيتش؟".‏

-نوط. أتمنى أن لا تنهريني؟".‏

مرت بناظريها بسرعة على وجهي أبيها وإيليا مستفسرة، وقد احمرت، ثم فضت العلبة وجذبت في الحال من هناك سلسلة النوط الدقيقة جداً، فوضعته على صدرها أمام المرآة، لكنها تكلمت من غير فرح خصوصي:‏

"-أنثوي جداً. شكراً. كيف تراه يا بابا؟".‏

"-لا أحب الـهدايا يا فيكا". اعتبر أن قول هذا ضروري، ونطق خائب الأمل محدثاً إيليا: "- أظن أنك رجل عاقل كفاية كي تفهم أن الـهدايا الثمينة مزدوجة المعنى. لم هذه الإيماءات يا إيليا؟".‏

"-أعترف أنني لم أفكر بهذا".‏

نطق إدوارد أركادييفيتش مرتاباً، وخار بضحكة معصورة مؤنبة: "-الرحمة يا فلاديمير أليكسييفيتش. أنت تدقق وترتاب على أعلى مستوى. عبثاً، عبثاً، إننا نخلق المنغصات بأنفسنا...".‏

هدر لوباتين مشتعلاً فجأة: "-بحفظ المهرج، ماذا "عبثاً"؟ على أي أساس ينبغي أن يضع واحدنا مع الآخر بين قوسين اقتباسات الكلام المؤدب. يا لقهقهة الكلاب، إنك، برأيي، يا إدوارد أركادييفيتش، تتخيل أنك موجود في استقبال في سفارة ما، وانقطع زر من أزرارك لحظة رفعك للنخب في مكان مناف للياقة ومحرج".‏

"-أتجرأ فأسأل ما شأن السفارة، ولماذا يشارك الزر في مثل هذه المناسبات الرسمية؟".‏

"-انقطع الزر في اللحظة الأشد حماسة من نخبك مصدراً زعيقاً، وسقط اللعين في صحن الأناناس".‏

قال شيغلوف، وأمسك رأسه جاعلاً وجهه خائفاً ومشوهاً: "-يا للـهول. رسم خيالك يا ألكسندر غيورغييفيتش لوحة مذهلة ذات خصائص بريجيلية. لكن،... أنا وأنت ضيفان، بالتالي نحن مدينان...".‏

ضخم لوباتين صوته على نحو مدو غير خجل، حانقاً من شيء ما: "-في هذه اللحظة لست مديناً لأحد بأي رمح، مع أن هذا حدث من قبل. أنا مدين فقط لسيدة صارمة واحدة، هي التي رحتَ من قبل تتغنج وتتدلل حولـها طويلاً. اسم السيدة الحقيقة كما تفضلت وحزرتها من غير أن تخطئ يا إدوارد أركادييفيتش، لذلك علي الآن أن أرد أحد ديونها – من ضيف من؟ هل نحن ضيوف السيد رامزن أم السيد رامزن ضيفنا؟".‏

حينئذ أجاب شيغلوف بنبرة المجاملة الجارحة:‏

"-إنك تتخطى الحدود يا ألكسندر غيورغييفيتش المحترم –تحفر بالمخل عميقاً كما يقولون...".‏

فرد لوباتين بكلام منمق فيه لباقة قاسية مستورة: "-مستعد لأن أصير من متخطيي حدود السلوك الراقي يا إدوارد أركادييفيتش لأسأل السيد رامزن سؤالاً. من ضيف من؟ هو ضيفنا أم نحن ضيوفه؟".‏

أما إيليا، المبلل بالعرق كلـه والأبيض كلـه مثل العاج، فلم يجب عن السؤال مفصلاً بشفتيه الرماديتين ابتسامة ساخرة ضيقة، لم يكن فيها مقاومة ولا دفاع ولا أنفة ممسوسة. لم تبدر عن وجهه أية حركة، لكن هذه الابتسامة الساخرة بدت وكأنها نشرت تعباً لا حدود لـه ومرارة هادئة ناجمة عن أسف الفراق مع كل شيء.‏

نطق إيليا على نحو غير واضح: "-لا، أنا الضيف، لكنني غريب، مثلما نحن جميعاً على هذه الأرض على كل حال. غرباء. أما ما يخص الـهدايا فهي أفراح حياتية صغيرة، قد لا نفهمها نحن الرجال. والحق، لا يوجد سبب. بيد أنني لست قادراً على أن أنبذ الشكوك...".‏

سالت من ابتسامته الحزينة وكلماته المنطوقة بهدوء طاعةٌ مرضية للقدر ولتلميحات عدم الثقة لدى الآخرين، ونوع من قوة إيحاء حزين ذاهلة، وبدا واضحاً للعيان كيف امتلأت عينا فيكتوريا الرماديتان بطوبة طرية متلألئة، وكأنها تعتذر من إيليا عن الفظاظات التي قيلت هنا (هل معقول أنه صار خلل هذه الأيام يتمتع بمثل هذا التأثير عليها؟) بعد ذلك التفتت إلى لوباتين داعية إياه بنظرها إلى أن يتخلى عن الحدة والشكوك غير اللازمة، وقالت متضادة مع كل ما كان من الممكن أن يشكل عائقاً الآن:‏

"-سآخذ الـهديتين يا بابا. لن يحدث شيء لي. شكراً يا إيليا بيتروفيتش. سأوصل الـهدية إلى ماما". تحركت خطوة نحوه ووقفت على رؤوس أصابعها، وقبلت ذقنه بجدية فائقة: "-لن آتي لوداعك. لا تريد ذلك. وهذا حسن. لذلك إلى اللقاء. بالمناسبة، أفضل شيء أن تعيش غريباً وسط الغرباء. لا أحد يعرف أحداً. لا شأن لأحد بك. حسناً، العيش مثل قطة كيبلينغ. هل تذكر؟ كانت تسير على هواها".‏

صحح لوباتين مكفهراً: "-لم تكن قطة، بل قطاً. ثمة فرق في هذا يا فيكا".‏

"-سيان. إلى اللقاء مرة أخرى".‏

قبّل إيليا يدها وهو يتنفس تنفساً ثقيلاً جداً، فكان منخراه ينقبضان وينبسطان وكأنه يستنشق رائحة دواء شاف في دفء جلدها، ثم همس بكلمات علقت في حنجرته:‏

"-الوداع في فيكتوريا. سأفي بكل ما وعدت به".‏

"-لماذا الوداع يا إيليا بيرتوفيتش؟ لماذا تكلمت بهذا الحزن؟".‏

صمت ناظراً إلى وجهها، فكررت قائلة:‏

"-لماذا الوداع؟".‏

شرح لـها إيليا بلباقة وحيوية قسرية: "-ليس واضحاً لأحد في مثل سني إن كان سيستيقظ صباحاً سليماً معافى". ورافق فيكتوريا بخطوات سوية مشدودة إلى غرفة المدخل مسقطاً رأسه بانحناءة ومبللاً جبينه الرطب بالمنديل.‏

حين عاد إلى الغرفة فك أزرار السترة كلـها، وحل عقدة ربطة العنق بهيئة المتحرر وسط جماعة من الرجال فقط، وحين مسح بالمنديل المضموم أصابعه المرتجفة وكأنه يدفئها تحت هذا المنديل، بدا متجلداً كلـه ورطباً تحت البزة، وكان العرق الذي غطى جبينه وصدغيه بارداً على نحو متفاقم، أما الشمبانيا، التي راح يخضها في الكأس ويرتشفها وهو يدخل الغرفة، فلم تكن قادرة على أن تدفئ فيه شيئاً ما متجمداً كان يكبلـه.‏

تكلم إيليا بصوت مرتج: "-لديك ابنة فاتنة يا فلاديمير. نعم، فاتنة وذكية. لكنها لشبابها لا تعرف أن العالم يسير من سيئ إلى أسوأ. حال الإنسان الآن سيئة في كل مكان. حال الجميع وفي كل مكان. لا توجد آلـهة لدى أحد، ولا يوجد إيمان بالنفس وبالآخرين... نتجول كلنا في فراغ غير عارفين إلى أين ولماذا". صمت، وأجهد نفسه كل يظل واقفاً على ساقيه بصلابة، ثم دار حول المنضدة، وزاد الكؤوس بعناية وبطء مؤكداً بذلك على رغبته الجامحة بأن يستمر في الشرب مع الجميع، وصار يقرع كأسه بكؤوس الحاضرين كل بدوره: "-في السنوات الأخيرة قتلت الوقت بالقراءة. أذكر جملة أحد الكتاب الروس: "سنشرب والرأس متعب". أما بخصوص النظام الذي أتبعه يا فلاديمير". أضاف ذلك وشرع يضحك ضحكاً غير طيب وهو يقرع كأسه بكأس فاسيلييف على نحو مطول خاص وذي معنى: "-فإنني سأضطر إلى أن أدفع ثمناً ضخماً. ونقداً. Alles(4)".‏

قال فاسيلييف: "-توقف إذن يا إيليا. أنت قادر على ذلك".‏

"-لم؟ لا أرى لذلك معنى. يجب أن نشرب اليوم. غداً –آديو، آلليس".‏

نعم، لم يكن لدى هذا الرجل المتعب جداً من الحياة والمريض مرضاً جدياً أي شيء مشترك مع نفسه في الماضي المنقضي إلى الأبد، ومع ذلك فقد كانت هذه الصلة موجودة. كانت موجودة في طريقة حديثة عن الشبه الظاهري بين فيكتوريا وماريا. وفي طريقة تقبيلـه يد ابنته بحزن، وفي أنه نظر طويلاً و مستذكراً إلى وجهها وهو يودعها، وقد وجد فيه على الأرجح ملامح ماريا المتكررة بأعجوبة، ملامح ماشا تلك من فترة الشباب الرائع الذي لن يتكرر، حين كان هو، إيليا، شخصاً آخر، بدا الأمر وكأنه رأى في فيكتوريا، في عينيها، في صوتها المرن، في ابتسامتها، ماريا الشابة السابقة، وربما في محاولة منه لاستعادة أفضل سنوات عمره، لتبرير شيء ما، للتكفير، للمساعدة، لوداع شيء ما، كان مستعداً للإقدام على جنون غير مبرر في مثل وضعه، فيقلب كل شيء في علاقتهما المتبادلة.‏

تكلم فاسيلييف على نحو مجزأ: "-عليّ أن أقول لك يا إيليا..." ثم أكمل كلامه متوازناً بصعوبة وقد بدأ يلتهب غيظاً: "-مؤسف جداً أن الأمور حدثت هكذا. مؤسف جداً، لكنني أطلب منك أن تدع فيكتوريا وشأنها... أظن أنك تفهم جيداً عم أتحدث. ما كنت أرغب في الإساءة إلى "فجر شبابنا الضبابي".. وكل ما كان... نعم، هكذا تحديداً. لذلك اسمح لي بأن أودعك وأتمنى لك رحلة سعيدة يا إيليا".‏

نهض فاسيلييف الـهادئ هدوءاً فائق الحدود، والقصي بهذا الـهدوء القاتل الذي سحقه من داخلـه، وأضاف بضيق:‏

"-ربما لم يكن ثمة أي معنى لأن نلتقي. لقد أفسدنا عبثاً بعض الأمور. عموماً، هذا ما كان ينبغي أن يحدث...".‏

هتف إيليا هامساً من غير أن يفك أسنانه المطبقة، واكتسب وجهه تعبيراً قاسياً وحاداً: "-انتظر". ثم كرر بزفير أبح خارج من حنجرته: "-انتظر، قد لا يرى أحدنا الآخر بعد الآن أبداً، لا تستعجل...".‏

تدخل إدوارد أركادييفيتش ورفع يديه المتحركتين في حال من عدم الفهم المستكين: "-يا مالكي الحقيقة. يا فارسي الحقيقة. علمانا كيف نعيش. كيف؟ وبأي شكل؟ في الخارج – قذارة، وعندنا – وساخة؟ لكن تذكرا يا صديقي حمامة سلام بيكاسو الفريد.... أين يمكنها، الثمينة، أن تضفر عشها؟ هل توجد لـها جغرافيا؟ فيكتوريا هي تلك الحمامة النظيفة...".‏

قاطعه لوباتين ناشجاً بغضب، ووضع إصبعه الضخم بهيئة رجل نافد الصبر باتجاه إدوارد أركادييفيتش، وهدر على نحو مصم من غير أن يدعه يتكلم: "-مرة أخرى يفيضُ ثرثرةً فارغةً. في مثل هذه المواقف مشاركتك وسخريتك ضروريتان تماماً مثل مؤخرة الجرموق في يوم من أيام نيسان".‏

هتف شيغلوف برقة، وقد ملأه اضطراب صادق: "-كيف؟ ما هذه التعابير الفظة التي ترددها يا ألكسندر غيورغييفيتش فائق الاحترام؟ إنني أحب فيكتوريا لقرابتي بها. كيف تستطيع؟...".‏

"-لـهذا تحديداً لا لزوم للجراميق".‏

صاح إدوارد أركادييفيتش: "-إنك تسمح لنفسك باستخدام قلة أدب ممدد القساطل". وأظهر تكشيرة غاضبة قصيرة، هدمت في رمشة عين خفته الدنيوية اللعوبة، وقابليته لمتع الجدال البعيدة عن أن يطالـها عقاب، لكنه تنبه حالاً بفزع، وكأنه بتكشيرة الشر هذه قد سمح عن غير قصد بمشاهدة نقص في مكانته الجسمانية، فأعاد وجهه إلى طبيعته بسرعة البرق، وأطلق بسخرية متألمة ضحكة متأوهة زاعقة، متلفتا إلى اليمين واليسار، ثم التقط الكأس عن المنضدة بحركة أنيقة منسابة من كفه الراقص، الذي عاد الشباب إليه بفضل بياض سوار الكم الناصع والزر الضخم عليه، ونطق بنبرة هزلية جداً:‏

"-أشد الأنخاب اقتضاباً يا أصدقائي الأعزاء: "Keineilei probleme(5)". ألا تكمن فتاتة السعادة في هذا؟".‏

لم يرد أحد عليه، إذ همهم لوباتين في لحيته باستياء عابساً، فيما نظر فاسيلييف إلى إدوارد أركادييفيتش المتلين بسعادة وتودد، والداعي إلى السلام، لكنه رأى أيضاً ابتسامته الذئبية السابقة، التي بدلت مظهره قبل دقيقة، وفكر: "أين حقيقته؟" أما إيليا فوقف على ساقيه المستقيمتين وسط الغرفة من غير أن يفلت الكأس من يده المرتجفة قليلاً ماجاً السيجارة، وسلط نظره نحو زخرفات السجادة على الأرض، ولفظت شفتاه على نحو متثاقل جملاً متقطعة خرقاء:‏

"-افهم يا فلاديمير. إنني لا أجبر فيكتوريا، لا أرغمها. إنني لا أخونك يا فلاديمير. هي نفسها... من الخطأ أن تظن.... لم أعد.... أحتاج إلى شيء...".‏

كان في صوت إيليا برود مسطح محروم من الجسد الصوتي، وكانت نظرته مقيدة كالسابق على نحو خال من الحياة بالزخارف المنسوجة على سجادة الفندق، وسالت خطوط العرق المتعرجة على وجهه المنكس ذي العينين الغائرتين المطوقتين ببقعتين رماديتين. وعلى الرغم من أن كلماته كلـها، التي لفظها، كانت واضحة إلا أن إيليا كان أشبه بالصامت الذي لم يلفظ حرفاً، وهذا ما بث الرعب: لقد صمت حتى حين تكلم بوضوح – بدا وكأنه في خلوة مع ذاته.‏

قال فاسيلييف: "-لا أتهمك بالخيانة".‏

لم ينظر إيليا إليه. التصق وحسب، وعيناه مخدرتان، بكأس الشمبانيا، ثم راح يبعده عنه غير مستعجل، واختنق ناشجاً بدخان السيجارة وهو يكاد لا يلتقط أنفاسه. أصاب سلوكه الملحوظ هذا بالذهول – فبعد كل جرعة كان يمج السيجارة مازجاً، على ما يبدو، عن قصد الكحول بالدخان، وخطر في بال فاسيلييف فجاءة أن إيليا كان في وقت ما قبل مرضه يشرب على الأرجح بطريقة سيئة مذهلة.‏

كرر فاسيلييف: "-لا أتهمك بالخيانة، الحديث يدور حول أمر آخر...".‏

تكلم إيليا موافقاً وغير مبال: "-الحديث يدور حول أمر آخر". ونظر إلى نفسه من الأسفل باستفهام واهن محتقر- حذاؤه الشتوي ذو البكل المعدنية، سروالـه الرمادي المكوي بعناية فائقة، وربطة عنقه المخططة –نظر وابتسم بسخرية جاذباً قليلاً خده الترابي، ورفع عينيه الليليتين، المانعتين من التسلل إلى داخلـه، نحو شيغلوف، الذي انشغل بتقشير برتقالة، وسألـه متعباً: "-كم عشت في هذه الدنيا يا إدوارد أركادييفيتش، اعذرني كرمى للـه؟".‏

أجاب شيغلوف، ووضع فص البرتقالة في فمه المبتسم: "-قليلاً يا إيليا بيتروفيتش. ومقارناً بآدم قليلاً على نحو لا يعقل. عاش آدم، إذا لم أخطئ، تسعمئة وستين عاماً كما في التوراة... حتى السقوط في الخطيئة. أنا –الخاطئ كلي، ولدت في نهاية القرن الماضي".‏

تنشق إيليا دخان السيجارة بمقدار مجة، وأتبعه بجرعة من الشمبانيا، ناظراً بخمول إلى شيغلوف، وإلى عدستي نظارته المطلقتين البرق الشيطاني.‏

"-هل تخاف الموت؟".‏

أكمل إدوارد أركادييفيتش مضغ فص البرتقالة بشهية، وجفف بالمنديل الورقي بحيوية، وكأنه أخذ على حين غرة، ذقنه المسن المتين الحليق حتى صار نظيفاً أملس.‏

"-ما الفرق يا إيليا بيتروفيتش – إن عاجلاً أم آجلاً. عاجلاً- الأمر محزن طبعاً، وآجلاً – معنى ذلك أنك تستطيع أن تأكل زيادة بضع مئات من هذا البرتقال اللذيذ جداً. وطبعاً، تستطيع أن تُخرج مسرحيات سخيفة أكثر. ومع ذلك فالأفضل آجلاً. في الحقيقة كلما تأخرنا اقتربنا، وكلما اقتربنا تأخرنا... الموت هو الوجه الآخر للوجود، وظلنا، وحان الوقت كي نعتاد على أننا نحملـه في أنفسنا...".‏

تكلم إيليا بجفاف: "-كذب وخداع. عشت حياة مديدة، لكنك تذعر من الموت مثلنا جميعاً. تذعر من الموت. أليس كذلك يا إدوارد أركادييفيتش؟".‏

تكلم إدوارد أركادييفيتش ببراءة، ومسد بملامسة مضبوطة من كفه شعراته المصففة على صلعته: "-وإن كان الأمر كذلك؟ ما الذي سينتج عن ذلك؟ هل نملك الحق في إدانة محبي الحياة؟ هل يمكننا أن نتذوق طعم الحياة حتى أقصى حد؟ هل يوجد فاوستات كثر بيننا؟".‏

نطق إيليا مصوباً من جديد نظرته إلى زخارف السجادة تحت قدميه: "-كلنا عبيد وجبناء وأسرى الخوف. الحريات كلـها مظاهر مُختَلَقة، سراب. الخوف والحرية واحدهما ينفي الآخر. ثمة حرية عظيمة وحيدة... حين يصير الإنسان إلـهاً على نفسه وعلى الآخرين. حرية مطلقة. لكن هذا لا يمكن تقريباً أن يحدث. باستثناء...".‏

سألـه فاسيلييف مدفوعاً بضربات قلبه لدى سماعه كلمات إيليا المسكوكة هذه وغير المنتهية: "-باستثناء من؟".‏

تكلم إيليا بلسان منعقد وهو يتتبع بصعوبة فكرة ما ملحاحة تنزلق بين الفينة والأخرى من وعيه: "-الأبطال والمجانين. حال الإنسان سيئة في كل مكان Sehr schelcht(6). تجولت خلل هذه الأيام في موسكو كما أتجول في متحف – زرت المحلات والشوارع.. لا توجد جنة. طراز عالمي ممل. لماذا يقلدون الغرب في موسكو هكذا على نحو عبودي؟ ثمة لديكم من هو مغرم كالمجنون بالطراز الغريب عنكم... بالطراز القاتل... الخالي من الروح – ويصير الأمر مثيراً للضيق. من العمارة... من الكراجات المخصصة للناس... ومضحكاً. أمر يذهب بالعقل. لا توجد الجنة ولا الركن العزيز.... اسمع يا فولوديا، هل ثمة بداية للزمن ونهاية للفضاء؟ فكرتَ بذلك؟ بالزمن؟ أظن أنك قلت لي شيئاً عن هذا. الأرجح أن ماضينا كلـه –طفولتنا وشبابنا- كان خارج الزمن. ألم يخطر هذا في بالك؟ وكل شيء آخر... بدأ فيما بعد؟ سمحوا لي بالقدوم... قدَّمت عدة خدمات لوطني بعد الحرب، لكن أية تفاهات. ربما نحن ذرات غبار في تيار المصير العالمي. الكون... الحياة شيء مرعب... مرضت وأردت أن أنسى فقتلت الوقت بالقراءة، وعرفت الحزن العظيم... مثل الملك سليمان. ذرات غبار، تيار، و... عجز. مرعب أن لا نموت. مرعب أن نموت. يمكن ترك أثر، لكن يمكن أن نورث، أسوأ ما نورث، مكاناً فارغاً. مر – رعب هذا- مكان فار-رغ. ألا تفكرون في أن البشرية كلـها- أرانب اختبار على الأرض، وأن أحدهم يجري علينا تجربة فظيعة؟ شبيهة بتنفيذ بطيء للحكم. لا، ليس اللـه، هذه قوة بعيدة عنه. اسمع يا فولوديا، يا صديقي القديم، الكل فانون. الكل مطلقاً. أولئك الذين نحبهم وأولئك الذين يحبهم أحدهم. لسنا نحن من نختار بل السيدة تجربة. المشعث، النجمي، البعيد... وتأتي ساعة الوداع أياً كان. والغفران إن لم تكن اللعنات. الاختيار هو تحديد الذات. إما وإما. من يوحي لنا بهذه "الإما"؟ مر- رعب، هذا مكان فراغ. ليس ثقباً أسود أو أبيض في الكون، بل فراغ لا قاع لـه... أُنجزت التجربة وعُرفت مقدرات البشر – وفراغ. تُرك المختبر. نجحت التجربة أم لا- لسنا نحن من يحكم. لم نوهب العقل لـهذا. اختيار، اختيار.. الحياة أم الموت – اختيار. من يوحي لنا؟ الكون؟.. أم بضعة أناس قادرين على كل شيء ويريدون أن يحكموا العالم؟..".‏

قال لوباتين بشرود عابس وهو يستمع إلى إيليا بجدية مرهفة مثلما يستمعون إلى هذيان المختلين عقلياً، مستغرباً اقتناعه الراسخ، وهو على ما يبدو متفق وغير متفق مع استنتاجات ذهنه المحموم:‏

"-أظن أن صاحبك غارق في الثمالة، لكنه يقول أشياء غير معقولة، وقد بدأ الشعر عندي يتحرك...".‏

اعترض شيغلوف على نحو لا يخلو من تلذذ حزين وهو يغتسل بالحمض الكاوي لفكرة غيره: "-نـ-نعم، عدد الحقائق بعدد الناس. اعترفوا بذلك. إنه ببساطة يتفوه بأشياء غير مبتذلة يا ألكسندر غيورغييفيتش".‏

قال فاسيلييف: "-حان وقت ذهابنا". وشعر ببرود الرعب يزحف إلى صدره بسبب من أفكار إيليا، التي ظل يتخيلـها صمتاً وأصواتاً مغلقة مع أنه استقبل بوضوح معنى كلماته والنداء الجديد الذي لم يكن يناديه به من قبل: "اسمع يا فولود يا، يا صديقي القديم". أما إيليا فراح ينظر من غير حراك تحت قدميه إلى الزخارف السخيفة غير المتناظرة في السجادة، وانسالت خطوط العرق الفاتحة على وجنتيه الحليقتين، واهتزت شفتاه، وأهالت السيجارة المدخَّنة حتى الفيلتر في يده المسبلة الرماد على سروالـه المكوي، وكان في مظهر إيليا ثمة شيء ما مريض، وحيد، غير عكوس، شيء لم يرغب فاسيلييف في رؤيته ومعرفته، شيء دمر نهائياً ومن غير أثر شبابهما الذي لم يستطع تخيلـه خالياً من الإيمان الراسخ بالمصير السعيد وبقوة إيليا المرحة والمزهوة – وحينئذ تكلم فاسيلييف بصوت أعلى:‏

"-حان وقت ذهابنا يا إيليا. ربما يستحق الأمر أن ترتاح قبل الطيران. سأتصل بك صباحاً إذا كنت لا تمانع".‏

في تلك اللحظة حين بدأوا يبعدون الكراسي وينهضون من وراء الطاولة، ويخرجون إلى غرفة المدخل حيث علقت معاطفهم، لم يتحرك إيليا من مكانه. لم يوقف أحداً بكلمة أو إيماءة. رفع رأسه فقط ورافقهم جميعاً بعينين مثقلتين، ثم انتفض وجهه وتشوه وكأنه يرى الـهول على مقربة منه، لكنه استقام في الحال بتوتر، ووضع بعد جهد بصلابة الكأس الفارغ على المنضدة وخرج وهو يترنح تقريباً إلى غرفة المدخل ليودع الضيوف.‏

وكانت برهة مقيتة حين راحوا يرتدون معاطفهم صامتين.‏

انتظرهم في تلك اللحظة عند جانب المرآة مطبقاً فكيه بإحكام، وبدا وكأن حلـهما الآن لقول بضع كلمات في الختام محال، وضاقت التجاعيد على شكل أشعة ضئيلة في زوايا جفونه نصف المطبقة، وبدت أنها بسبب من عذاب مكبوت ينهش داخلـه أو من أسى وشيك (سيبقى وحده هنا، في هذا الجناح الـهائل مع صمته العضال القاتل، الذي ما عاد في الإمكان القضاء عليه بالكلمات)-ومد فاسيلييف يده، وهو لما يعتمر قبعته بعد، وقال مقطباً:‏

"-إلى الغد. سأتصل بك".‏

تكلم إيليا وهو يكاد لا يستطيع تحريك شفتيه المارقتين، وارتجفت التجاعيد في زاويتي عينيه على نحو أوضح: "-لا تتصل يا فولوديا. سيتصلون بك. لم يقبّل واحدنا الآخر حين وصلت. "أضاف ذلك وهو يبتسم مذنباً وذليلاً، وخطا باتجاه فاسيلييف غير واثق على ما يبدو من أنهما يستطيعان الوداع على نحو مختلف عن اللقاء: "-أريد أن أقول لك مودعا... قد تكون هذه المرة الأخيرة...".‏

"-هل أنت واثق من أن أحدنا لن يرى الآخر؟".‏

باعد إيليا بين شفتيه بصعوبة مرة أخرى، وتقلص صوته وغاص في همس أبح: "-أريد أن أقول إنك لستَ قادراً على أن تغفر لي عام ثلاثة وأربعين. لكن حينئذ كان أيضاً "إما وإما"... الاختيار نفسه... السيدة تجربة... إما لازاريف وإما أنا. غير أنني بخلت بطلقة واحدة على نفسي... لقد أردتَ أن تعرف هذا. أما الآن فوداعاً يا فولوديا. لن يرى أحدنا الآخر بعد الآن".‏

"-وداعاً يا إيليا. كل شيء ممكن في هذه الدنيا".‏

"-ليس كل شيء يا فولوديا، ليس كل شيء".‏

لم يكن فاسيلييف يحب قبلات الرجال فتأرجح كل منهما باتجاه الآخر على نحو أخرق، بيد أن أياً منهما لم يقبّل الآخر، ضغطا وجناتهما ضغطات قصيرة غير مريحة وحسب، وقد تذكر فاسيلييف فيما بعد طويلاً وبألم هذه الملامسة الجليدية كالموت والرطبة بسبب من عرق وجه إيليا. شعر بهذه الرطوبة الباردة حين أوصلا شيغلوف إلى المسرح بسيارة لوباتين، وحين سارت بهما نحو المرسم، وحين سعل لوباتين بكثافة متنهداً وهما يفترقان، وجذب لحيته وتمتم في شرود مليء بالأسف: "أنموذج غير بسيط أبداً، هل تفهم، فليأخذه العفريت". ومن ثم في الضيق المحيط به والأليف والعزيز في مرسمه، الذي سبح به كفلك نوح في الـهدوء المسائي محملاً برفوف الكتب والمنصب والمناظر الطبيعية التي وزعها صباحاً على جدارين ونسي أن يجمعها، والمطلة باللون الذهبي الرقيق لـهدوء ما قبل الغروب على ذرا البتولا، وبشمس الصباح الشتوي الزهري المبكرة، وبالعُرْي الوداعي للخريف المتأخر...‏

(1) خطأ مقصود ( المعرب).‏

(2) كلامك (بالإنكليزية) (المعرب).‏

(3) الاتحاد السوفييتي (بالألمانية).‏

(4) انتهى (بالألمانية).‏

(5) لا توجد مشاكل(بالألمانية).‏

(6) سيئة جداً (بالألمانية).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244