الاختيار - تأليف : يوري بونداريف - ترجمة: عياد عيد

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:55 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل التاسع عشر

في الساعة العاشرة صباحاً اتصلوا من الفندق بفاسيلييف، وبعد أن تحققوا أكثر من مرة من اللقب والاسم واسم الأب قالوا لـه إن لديهم رسالة لـه من السيد رامزن، ويرجونه رجاء حاراً أن يستعجل في المجيء لاستلامها، فالظروف تقتضي بضع شكليات عاجلة مثل التوقيع عند الاستلام. حين سمع فاسيلييف هذا الصوت الغريب المهذب، الشارح بعبارات منمقة سبب قدومه المأمول والعاجل إلى الفندق (بدا واضحاً أن الصوت لم يقل كل شيء) فهم من غير أدنى شك أن الأمر، طبعاً، لا يتعلق باستلام الرسالة المتروكة لـه رسمياً بل بشيء آخر، لذلك عبّر عن عدم فهمه بسؤال ساذج: ما الذي حدث في نهاية الأمر ومع من يتشرف بالتكلم؟ قدّم الصوت المهذب نفسه على أنه مدير الفندق، بل إنه من مشجعي الفن، ويسره أن يتعرف إلى رسام معروف ويستقبلـه شخصياً في بهو الفندق كي يقدم لـه الاهتمام والمساعدة قدر المستطاع.‏

فكر فاسيلييف، وقد غطاه عرق القلق، وأنزل سماعة الـهاتف باستعجال حائر كحيرة رجل غير مؤهل لمقاومة ما يجره تفاقم خطأ محتمل: "ثمة شيء ما حدث لإيليا، وعليّ، على ما يبدو، أن أكون هناك وأقدم المساعدة لـه بطريقة ما".‏

مساء أمس رفض إيليا بحزم مرافقته إلى المطار، وقد طلب زيادة على ذلك أن لا يتجشم أحد عناء الاتصالات المضنية بالـهاتف، أما الطائرة المسافرة إلى روما فستنطلق في الحادية عشرة وأربعين دقيقة، فإذا غادر الفندق قبل ساعة من الإعلان عن الرحلة فينبغي أن يكون الآن في مطار شيريميتوفو. لكن لماذا لم يرسل الرسالة بالبريد العادي قبل ذهابه إلى المطار، لماذا أبقاها لدى المدير، ولماذا، أخيراً، أحاط رحيلـه بهذا الغموض؟ طوال الطريق إلى المركز، وفي عربة المترو، وبعد أن صعد إلى الساحة الصباحية، المشمسة، الربيعية، التي تعشي الأبصار بالأشعة على برك الماء فيها، وبزجاج الحافلات الكهربائية، وببقع النور الحارة لرتل السيارات المقرقع الذي لا ينتهي، ظل يفكر باللباقة المبالغ بها في نبرات المدير، الذي، بكل وضوح، لم يقل الشيء الرئيسي، وتفاداه بالكلمات المنمقة عن حبه للفن – وانقبض قلبه بقلق بانتظار رسالة إيليا غير المتوقعة هذه، إيليا، الذي سمح لنفسه أمس بأشياء كثيرة بعد امتناع ونظام حمية طويل اقتضاه مرضه.‏

حين دخل فاسيلييف البهو تفاقم لديه إحساسه الناشئ المسبق بشيء ما غير عادي ومتبدل خلل الليل في الفندق بسبب من خدر أمس، وهنا استدارت للقياه العينان اليقظتان لموظف الاستقبال الأشقر خلف المنضدة القائمة، واستعجل ليقطع الطريق عليه في الحال عبر الممر المغطى بالسجاد رجل صغير أصلع، شع بفرح ملقّن، وقد ارتدى بزة سوداء بصديرة مزررة فوق بطنه، وهو على الأرجح المدير نفسه الذي اتصل بالـهاتف، وأشار منبهاً إلى السلم والمصعد وهو يقدم نفسه بمهابة مريحة، لكن من غير أن يمد يده، ونطق بصوت غنائي هديلي متأدب:‏

"-شكراً لأنك حضرت يا فلاديمير أليكسييفيتش. أرجوك أن تتفضل إلى جناح السيد رامزن. سأرافقك من بعد إذنك. كيف تفضل؟ بالمصعد؟ على السلم؟..".‏

قال فاسيلييف متذكراً أنه صعد السلم أمس مع لوباتين إلى الطبقة الثانية، وغير فاهم مع ذلك لماذا ينبغي عليه الصعود إلى جناح إيليا الفارغ، احتكاماً إلى الوقت، بعد ذهابه إلى المطار:‏

"-أليس الأمر سيان؟" ثم سأل نصف مازح: "-هل تريد أن تسلمني الرسالة على نحو احتفالي في الجناح الذي عاش فيه السيد رامزين؟".‏

صحح المدير باستعطاف، وتوردت صلعته الواسعة: "-السيد رامزن. هل قلت رامزين؟".‏

صحح فاسيلييف: "-آه، نعم، نعم. هكذا تحديداً: السيد رامزن. نعم، رامزن، رامزن، طبعاً".‏

صعد هذا الرجل الأصلع الصغير السلم بانضباط، حاملاً بصلابة بطنه الوقور محركاً مرفقيه بحيوية وبطريقة عملية. وفي الممر على الطبقة الثانية بالقرب من جناح إيليا بدأ وجهه المدور يتبدل برمشة عين، وزحف حاجباه على جبينه باستغراب مستنكر، وتكلم عند الباب الضخم بقوة النزاهة الجافة ممسكاً بالقبضة النحاسية:‏

"-ما أشد عجبي، ما أشد – ده...".‏

وبعد أن وقف مديراً جانبه بطريقة ما وحانياً رأسه بغطرسة أفسح المجال لفاسيلييف كي يتقدم، لكنه لم يدخل الجناح وراءه بل أغلق الباب الـهائل من الممر وهو ممتلئ بالتبجيل المتشامخ – ونفخ صمت الكارثة الضاغط في وجه فاسيلييف فجاءة هنا، في غرفة الدخول، حين رأى على المشجب معطف إيليا الرمادي وقبعته، وحين أحس برائحة السجائر المرة، ورائحة طعام أمس غير الطازجة، و رائحة الخمرة المصبوبة الحامضة والقابضة، وحين اصطدمت عيناه بالمنضدة الكبيرة غير المنظفة والأطباق وفيها بقايا المقبلات الباردة والسلطات وزجاجات الشمبانيا المختومة في دلاء الجليد الذائب، والزجاجات الفارغة البارزة بفوضى من بين أدوات المائدة النظيفة والمناديل المطوية على شكل حلقات والمقبلات غير الممسوسة (حجز أمس طعام يكفي عشرين شخصاً)، وحين رأى رجلين غريبين في الغرفة، التفتا نحوه دفعة واحدة بأنظار فاحصة غير واثقة ومتشابهة. كان أحدهما متقدماً في السن، وذا وجه مجعد جاف، رمى معطفه على مسند الأريكة، بيد أنه لم ينزع عن رأسه قبعته اللبادية، وجلس مستقيماً عند حافة المنضدة وراح يقرع بأصابع المدخنين ورقة موضوعة في مصنف مفتوح، وقد كتب على ثلثيها، ووضع إلى جانب المصنف قلم متعدد الألوان. أما الرجل الثاني فكان شاباً بما يكفي، طويل القامة، في معطف ربيعي خفيف، مصفف الشعر جيداً، شبيهاً في مظهره بعامل سفارة متمكن، وراح ينظر إلى وجه فاسيلييف العابس مستديراً عند عتبة الغرفة الأخرى، وهي غرفة النوم على ما يبدو، (شعر فاسيلييف بارتجاف عصبي من هذا الاهتمام به الخالي من التكليف) وقال على نحو رسمي خال من الحماسة:‏

"-أنت الرسام فاسيلييف فلاديمير أليكسييفيتش؟ لقد أقلقناك، اعذرنا على هذه الشكليات الضرورية. اجلس من فضلك، اجلس، اجلس يا فلاديمير أليكسييفيتش". أمره بذلك وهو يدفع نحوه عرضياً الكرسي، وسار على السجادة حتى نهاية المنضدة حيث كان جاف الوجه يقرع أصابعه، ثم استدار هناك مطوحاً كراقص باليه بحوافي معطفه فاتح اللون، وتكلم بنصف صوته مقترباً من بعيد على ساقيه المرنتين وكأنه يزحف بحدقتيه الفاحصتين إلى داخل عيني فاسيلييف، الذي جلس لسبب ما قبالة باب غرفة النوم:‏

"-من المعلوم يا فلاديمير أليكسييفيتش أنك كنت صديقاً... على معرفة قديمة بالسيد رامزن، أليس كذلك؟ يتلخص الأمر في أن...".‏

كان باب غرفة النوم مفتوحاً، وسال من هناك صمت مطبق تجف لـه العروق، وشعر فاسيلييف، قبل أن يسمع كل ما كان على الشاب أن يقولـه لـه، بأن باب غرفة النوم المفتوح هذا ينفخ في وجهه رائحة الموت الخانقة، رائحة فاقت كل حد لصحراء قاحلة، وبأن إيليا هناك، في الغرفة المجاورة، مستلق على ظهره، غير مستعجل إلى أي مكان –لا إلى المطار، ولا إلى الطائرة، وقد بدّل فوراً لنفسه معنى هذا الصباح الربيعي الصاحي والـهدف منه ومن قطرات آذار وراء النافذة والسماء الزرقاء الساطعة فوق أسطح موسكو المبللة الحية، البعيدة عن هذا الجناح وعن كل ما لم يفهمه فاسيلييف بوضوح بعد من حديثه الغامض مع المدير. وعلى الرغم من أن فاسيلييف رأى من باب غرفة النوم المفتوح قسماً فقط من المرآة القاتمة الكبيرة وغطاء الحقيبة غير المرتبة المرمي إلى الخلف على منصب الحقائب وحافة الفراش والمفرش المدعوك وقد تدلت زاويته حتى الأرض، فإنه لم يشك ولم ينخدع بالأمل وبإمكان أن يكون مخطئاً – كان يعرف رائحة الموت في المنزل - رمادية، جافة، رائحة تنفذ إلى كل مكان وقد تكون رائحة هواء الميت نفسه وأغراضه وأدواته وملابسه، لكنها بالإضافة إلى ذلك رائحة شيء ما آخر، مادي ولا جسد لـه، إنذار معمم بالخطر وتحذير يذكّر بالمدة الأرضية القصيرة وبالنهاية الواحدة...‏

تكلم فاسيلييف بصوت خشبي: "-هل تريد أن تقول إن السيد رامزن قد توفي؟ وتريد أن تقول إنكما دعوتماني... كي تسلماني رسالة المرحوم، هل الأمر كذلك؟".‏

دار الشاب دورة مرة أخرى مطوحاً بحوافي معطفه سكري اللون كالأجنحة، وصارت حدقتاه المحققتان تزحفان من جديد إلى داخل عيني فاسيلييف.‏

صحح لفاسيلييف بنبرة الحقيقة القاهرة، التي لا تقبل النقاش: "-لا أريد أن أقول، بل من واجبي. من واجبي أن أقول إن السيد رامزن لم يمت موتاً طبيعياً، بل قتل نفسه".‏

"-أي أنه... كيف قتل؟".‏

"-تفضل واتعبني يا فلاديمير أليكسييفيتش". اقترح الشاب عليه ذلك بارتياب بطيء وهو لا يزال يغرز حدقتيه في فاسلييف، فنهض هذا الأخير آلياً، ومن غير أن يسمع جيداً الكلمات التي حثته على فعل ذلك: "-لا، ليس إلى غرفة النوم، بل إلى الحمام. تفضل...".‏

لم يتسن لـه أن يفهم لماذا يدعوه إلى الحمام، لكن المعطف ذا اللون السكري حف أمامه وحجب باب غرفة النوم، ثم تحرك وظهر محاصراً بالسيراميك الأبيض والصنابير المطلية بالنيكل والمرايا الضخمة ذات الرفوف القاتمة، التي لاحت عليها منحرفة باتجاه ما زجاجات اللوسيون الصغيرة وماء العطر والكولونيا ومعجون الأسنان وآلة حلاقة غير مغلقة، ثم تحرك المعطف في الحال إلى جانب المرايا والرفوف، وتكلم بعد ذلك من الإشعاع المتزحزح للمرايا والمغاسل الخزفية والسيراميك صوت غريب خال من الثقة، قائلاً جملة نصف توكيدية متعلقة بوسائل الانتحار الغريبة – وكان ما انكشف لفاسيلييف مهولاً بفجائيته وحدوثه القطعي مثلما هو قطعي دائماً فعل الموت الإنساني الأشد غموضاً والأشد حزماً. لكن من رآه فاسيلييف في الحمام لم يكن إيليا وفي الوقت نفسه كان هو، لأن الرجل الغائص حتى صدره في الماء الراكد الداكن بدا وكأنه نائم، ملقياً رأسه إلى الخلف قليلاً بسكون تام، وتعب وعجز، وقد فقد وجهه قسماته الصارمة وتوتره العصبي الذي سببه اهتياج الثَمَل أمس، وانبسط ليونة وهدأ، وتدلى الشعر الأشيب على جبينه على شكل حلقة صبيانية، وأعاد الوجه شيئاً ما من الوسامة السابقة الفتية الرجولية لإيليا، معشوق المدرسة وشارع زاتسيبا في زاموسكفوريتشيه، وهنا لحظ فاسيلييف أن ظل رموشه غير المطبقة بإحكام قد استلقى مثل خط ضعيف تحت جفنيه بسبب من ضوء المصباح القاتم، الذي ظل مناراً في الحمام.‏

"ما حاجتك يا إيليوشكا إلى مثل هذه الرموش؟ هبها لإحدى الفتيات". تذكر فاسيلييف كلمات ماشا المازحة المتحدية هذه، التي قالتها في ضباب الطفولة السعيد، التي لم يتجل منها شيء واضح في هيئة إيليا، لا أمس ولا في أثناء لقائهم في فينيسيا، وها هو يظهر الآن على نحو مألوف – وفيما هو يتذكر رأى فجاءة على السيراميك أثراً واسعاً من دم متخثر على شكل مروحة يدوية، وصار على الرغم منه يبحث في الحمام بعينيه شاعراً بالدوار في رأسه، فاصطدم نظره بالشفرة الخطرة الملطخة بخطوط حمراء والملقاة عند الجدار على الأرض. وتخيل بوضوح إلى حد الإحساس الجسماني ما فعل إيليا بهذه الشفرة، بعد أن فتح الماء في حوض الاستحمام، وكيف انتثر الدم من عروقه مثل نافورة ضيقة على الجدران المغطاة بالسيراميك، وعلى الشفرة، وكيف قذفها محروقاً بالألم حين لم يعد يحتاج إليها، وأنزل يده في الماء منتظراً النهاية، ملقياً رأسه، ومغمضاً عينيه...‏

قال فاسيلييف بصوت مبحوح: "-الشفرة". وانحنى كي يرفع الأداة الحادة البراقة، التي قتل إيليا نفسه بها، لكن كتف الشاب الممرن أبعده في الحال بقوة عن الجدار، وكاد يقلبه بدفعته الحادة وبأمره المتسلط:‏

"-إلى الوراء. لا تلمسها. ما بك –هل جننت؟".‏

"-لا أفهم، ماذا...".‏

أمره الشاب بصوت تملؤه الإرادة: "-ستفهم فيما بعد. أرجو أن تتبعني إلى غرفة النوم". وحف المعطف فاتح اللون من جديد، وراح يتمايل في الأمام في باب الحمام المشرع من الحمام إلى غرفة النوم.‏

هنا عكست المرآة الكبيرة على قد نصف الجدار (من الطراز الامبراطوري التجاري)، التي أفسدها الاصفرار في أماكن متفرقة، بدقة مذهلة جزءاً من الغرفة والسرير المزدوج غير المرتب، وغطاء اللحاف المكوم والمرمي باتجاه الأرجل، والوسادة المدعوكة – والفراش، الذي لم يره فاسيلييف إلا خطفاً، متخيلاً في الحال كيف استلقى عليه إيليا العاري وحيداً في دقائقه الأخيرة وهو يفكر مودعاً العالم قبل أن يذهب إلى الحمام.‏

عند موضع الرأس من السرير على الخزانة الصغيرة، التي لطختها البقع الدبقة في مظهرها، والتي أهيل رماد السجائر عليها، كان ثمة زجاجة شمبانيا فارغة، وقد ارتفعت كومة من الأعقاب في صحن السجائر وألقيت علبة "سالم" فارغة.‏

اقترب الشاب من منضدة التبرج من غير أن يتلكأ عند السرير، وانحنى هناك باهتمام، بعد ذلك نادى فاسيلييف بإشارة من رأسه الممشط جيداً، وسألـه بغموض خطر:‏

"-هل هذا خطه على الصحيفة؟ هل تتعرف عليه؟ ممن يطلب المغفرة؟ منك يا فلاديمير أليكسييفيتش؟ انظر.....".‏

نظر فاسيلييف.‏

كانت تلك صحيفة "موسكو المسائية" التي اشتراها إيليا، كما ينبغي الافتراض، من الكشك القائم في البهو، وقد فرشت على المنضدة، وقرئت على الأرجح، أو حضرت للقراءة، أو ربما فرشت لغرض مغاير، لكن كلمة متوسلة مضغوطة مكتوبة مرتين بخط غير مشدود وخزت العين بحدة وعلى نحو غير طبيعي في الأعلى، في الفراغ الشريطي: "سامحوني"، "سامحوني". انغرزت هذه الكلمة في الوعي بغموض ضرورتها وبتعقيد الـهدف غير المعروف منها وببساطته وبإبهام حركة فكرة ما قبل الموت لدى إيليا، لقد نفذت إلى الصدر ببرودة حدها القاتل المدغدغة. وسأل فاسيلييف مشتعلاً اهتياجاً من ثقة الشاب القوية:‏

"-لماذا تظن أن على إيليا بيتروفيتش رامزين طلب المغفرة مني؟".‏

نطق الشاب بجدارة العدالة التي لا تقهر، مستثنياً أي توتير، وثنى بخفة منسابة صفحة الصحيفة على المنضدة، التي غطت مظروفاً غير مغلق: "-لأن رسالة المرحوم موجهة لك تحديداً يا فلاديمير أليكسييفيتش، لك أنت، لذلك اضطررنا إلى أن نقلق راحتك ونعطلك، كما يقولون، عن العملية الإبداعية، وعن خلق لوحات تتغنى بقيم الكدح....".‏

قاطعه فاسيلييف بسخرية، وقد مسته جملة الشاب المزيفة: "-ألست من النقاد الغابرين؟ يبدو الأمر وكأنك تسرد مقالاتك عن الفن التشكيلي المعاصر. هل أستطيع أن آخذ الرسالة؟".‏

"-لا، أرجو أن تقرأها".‏

تشنج فاسيلييف: "-أظن أنها موجهة إلي، لكنني لا أستطيع أن آخذها. هل صار محتواها معروفاً لكما؟".‏

صحح الشاب بتسلط: "-طبعاً، من واجبي أن أطلع عليها نظراً لمجرى... الأحداث غير العادية. لم نأت إلى هنا لنحتسي الكوكتيل يا فلاديمير أليكسييفيتش". وقدم لـه المظروف بنفسه ناظراً إلى وجهه ومضيفاً على نحو لا يخلو من تعنت: "-أرجو منك أن تطلع على محتوى رسالة المرحوم هنا، وأن تبقيها لدينا من فضلك حتى انتهاء التحقيق... آمل أنك رجل عاقل وتفهم أن كل شيء قد يحدث في الحياة، حتى الشرايين تفتح أحياناً بيد ليست يد صاحبها وبإرادة ليست إرادته... لا زلنا، كما يقولون، في طور البحث عن الحقيقة. لكننا سنجدها، أؤكد لك".‏

قال فاسيلييف باشمئزاز: "-لست كما يبدو رجلاً عاقلاً". وابتعد نحو المصباح المنار في نهاية المنضدة، ووقف مديراً ظهره للشاب كي لا يرى هذا الأخير وجهه وارتجاف أصابعه حين أمسك الورقة المكتوبة بخط دقيق.‏

"عزيزي فولوديا:‏

سامحني على رحيلي الشبيه برحيل سينيكا. لكن الأمر هكذا أبسط وأسهل. صديقي السابق، اهتم فقط بشيء واحد – أن يدفنونني في مقبرة موسكوبية ما، واغفر لي ما سأسببه لك من عناء كبير. أريد هنا،( شطب) حتى لو طالب بي رودولف ( شطب)عبر السفارة. الإيطاليون يعاملون الموتى باحترام شديد، وقد لا يسمحون بذلك.‏

كلنا في هذه الدنيا وحيدون على نحو مأساوي، وكلنا فانون. كل الأمكنة مرعبة( شطب)....‏

ليس في مقدور أحد أن يساعدني –لا النقود ولا المرأة ولا صداقتك يا فولوديا.‏

كنتُ طموحاً، لكن القدر لم يكن رحيماً، لم أبقِ أي أثر من بعدي على الأرض. ماضينا وحسب كان رائعاً- فناؤنا، المدرسة، صداقتي معك، الشباب الذي لم يعد موجوداً ولن يعود إلى أبد الأبدين. الأرجح أنني لن أعرفك في العالم الآخر، ولن أعرف ماريا. وماذا سيكون هناك في عالم اللاجسد؟‏

مهما حدث لن يفرقنا شيء أمام الأبدية، ولن أتبرأ، يا صديقي الوحيد فولوديا، من ماضينا ومن شبابنا.‏

لا أدري بم الناس جديرون بعد: بالشفقة أم بالحقد، لكن لازاريف كان قدري، وكنت مضطراً إلى أن أخرج ( شطب) حياً من الأسر. سنتفاهم في العالم الآخر. لم أغفر لـه حتى وهو ميت.‏

قبّل ماريا، وقل لـها إنها عبثاً تهربت من لقائي في موسكو. وهكذا فلم أرها. سامحني أيضاً على فيكتوريا. إنني أعترف، وأرجو غفران خطاياي.‏

المرجح أن ماريا كانت تعجبني في وقت ما، ولا أعرف ما كان سيحدث بيننا لو أنني لم أقع في الأسر. كان اسم المرحومة زوجتي مارتا زايغل. أحبتني بغير وعي كما يحب المجانين. كانت مارتا حدباء قديسة، عيناها حزينتان مثل مريم العذراء.‏

لو أستيقظ في العالم الآخر في صباح صيفي مشمس، ويبدأ كل شيء من جديد. عموماً، هراء عاطفي.‏

يؤسفني يا صديقي القديم فولوديا أنك، أنت أيضاً، الرجل الموهوب، لا تستحم في أشعة السعادة. وهل ثمة وجود لـها عموماً؟‏

Finis(1)، ما باليد حيلة يا صديقي. انتهت الشمبانيا في زجاجتي، وكم كانت الكتابة سهلة. انتهيت. كل شيء واضح لي... هاهو الاختيار الأخير الذي أستطيع القيام به.‏

أليس الإنسان أداةً في أيد ما؟ من الذي يجري التجربة المجنونة علينا؟ من يريد السلطة علينا؟.‏

سامحوني، سامحوني، سامحوني.‏

الساعة الآن الثالثة ليلاً.‏

أظن أن أمي، المرأة الحديدية، سوف تحتمل رحيلي بهدوء. ثمة شيء وحيد يعذبني...‏

آديو.‏

إيلياكم كثير الخطايا.‏

****‏

قرأ ثلاث مرات متتالية رسالة إيليا، الذي تبين أنه انتحر في وقت متأخر من الليل، وهو الآن مستلق هناك، في الحمام، غاطس حتى صدره في الماء الملون بدمه، غير قادر على أن يجيب عن السؤال الرئيسي: "لماذا؟" لا، ما كانت أية شروحات من شروحات ما قبل الموت ستعين أبداً هذه الـ "لماذا" الأبدية، وتخيل فاسيلييف مرة أخرى كم ساعة تقلب إيليا ههنا على الفراش، مفكراً بالحياة كلـها وبلحظات حياته المولية قبل النهاية الدانية، مرتاباً فجاءة، وقد بللـه العرق الدبق كلـه، قاضياً الثواني الأخيرة المتبقية للقيام بنَفَس واحد، وانقطاع الضوء. وراح يتهم نفسه ويقنعها، نابذاً ضعف التردد والجبن، بالإقدام على الخطوة التي تنهي كل شيء، وتسدد ثمن كل شيء، والتي ستنهال بعدها العتمة من الـهاوية، جارفة إلى الأبد الشكوك والضوء الأبيض كلـه بألم قصير كالحرق. تخيل كيف صب إيليا، وقد عقد العزم، الشمبانيا مستلقياً واحتساها من هذه الكأس، التي حافظت على آثار القطرات عليها، وربما تكلم بصوت مسموع، وقرأ الجمل بصوت مسموع، ودخن السيجارة تلو الأخرى محموماً وناظراً حولـه فيما ندر، وملتقياً في غمرة الخوف في فضاء المرآة على يساره بوجه نحيل غريب، ليس فيه قطرة دم، حكم عليه بالموت وانتهى أمره. لعلـه انتفض، ولم يعرف وجهه، فنهض ليمعن النظر في كل تجعيدة، وفي عمق عينيه، متجمداً على حافة الـهاوية التي تنفست ظلمةً، وساخراً بغضب من الرعب المتسلل إلى روحه من جديد، ثم خلع ثيابه كلـها، وقبل أن يذهب إلى الحمام ويفتح الماء ويجهز الشفرات الحادة ويفحصها، سقط بظهره على الفراش عارياً كما من أجل الإعدام في روما القديمة، ونظر إلى السقف المزركش العالي، المغبر قليلاً على نحو رمادي بفعل الزمن، والرائع ببساطته العادية، والذي حجب سماء الليلة الربيعية الرطبة....‏

هل كان إيليا يحسن البكاء؟ هل حدث الأمر هكذا؟ لماذا رأى فاسيلييف ساعات إيليا الأخيرة هكذا تحديداً؟‏

"-أرجو منك يا فلاديمير أليكسييفيتش أن تجيب عن بضعة أسئلة ضرورية، إذا لم يكلفك ذلك عناء طبعاً... قل من فضلك، أمس كان في ضيافة السيد رامزن، ما عداك وما عدا ابنتك فيكتوريا فلاديميروفنا، اثنان آخران –المخرج إدوارد أركادييفيتش شيغلوف والرسام ألكسندر غيورغييفيتش لوباتين؟".‏

"-ماذا؟ نعم، هكذا تحديداً، كانا، كانا..." تمتم فاسيلييف بذلك سامعاً على نحو سطحي صوت الشاب اللبق الممطوط، وعاجزاً في الوقت نفسه عن الخلاص من الرغبة الجامحة في النظر إلى عمق المرآة، الشاهد المشؤوم، وكأن وجه إيليا الخالي من الدم، غير المعروف تقريباً، الذي ما زال حياً، الوداعي، المشوه باحتقاره لذاته أو بصبره على العذاب في تلك اللحظة حين كان ينبغي القيام بالخطوة الأولى والأخيرة نحو باب الحمام، مطبوع هناك، وسط انعكاسي السرير والجدار الثابتين، وفي مقدوره أن يظهر من العالم الفضي الآخر". لـهذا أيضاً يغطون المرايا في منزل الميت". برزت هذه الفكرة في وعي فاسيلييف، وخطا غير دار بما يفعل، ملتصقاً بالمرآة حتى تعرقت من أنفاسه، نظر إلى انعكاس السرير المزدوج والفراش المدعوك، وشعرت وجنته بالـهواء الصقيعي القادم من الجانب، من باب الحمام المشرع، حيث استلقى إيليا الآن. وضع المغلف مع الرسالة على منضدة التبرج وخرج إلى الغرفة الأخرى الفسيحة، التي ملأتها الشمس بحرية ربيعية ودفأتها، والشبيهة بقاعة ولائم ما مقارنة بغرفة النوم المعتمة.‏

قطب فاسيلييف وهو يجلس في الأريكة شاعراً بقذالـه المتألم، الذي ثقبته بزالات مثلمة: "-لقد سألتني.... ماذا سألتني؟".‏

"-لم أستطع أن لا أسألك سؤالاً: من كان أمس برفقتك في ضيافة السيد رامزن؟ ابنتك والمخرج شيغلوف والرسام لوباتين؟"‏

قال فاسيلييف، الذي استحوذت عليه اللامبالاة والتعب الجسدي: "-نعم، لكن في الواقع لماذا تسأل ما دمت تعرف هذا جيدا؟"‏

"-ستضطر يا فلاديمير أليكسييفيتش إلى التحلي بالصبر وإلى الإجابة عن الأسئلة الشكلية". قال الشاب ذلك بخفة باردة مؤكداً كلمة "ستضطر"، وتدلى إلى مسند المرفق من الأريكة قبالة فاسيلييف، وسحب حافة معطفه المطري الخفيف، وأخرج من جيب سترته ولاعة رونسون، وأشعل سيجارة، وأشار بها باحترام إلى الرجل ضيق الوجه مجعده الجالس وراء المنضدة: "-وعن بضعة أسئلة ضرورية لتدقيق بعض التفاصيل سيطرحها زميلي".‏

كف الرجل المتقدم في السن، ضيق الوجه، عن قرعه المترقب للمنضدة، وتكلم بغير رغبة، وبصوت صدئ، ربما من التدخين، وصار يدقق في أية ساعة حضر الضيوف إلى الجناح ورحلوا، وهل غادروه معاً أم أن أحدهم بقي، أو ربما عاد أدراجه، ألم يتلق السيد رامزن اتصالات هاتفية في ساعات جلوسهم إلى المائدة، وصرّ صوته على نحو أصم، ولف فاسيلييف بشبكة عنكبوتية صفيحية واخزة، وراح فاسيلييف يجيبه آلياً وقد أضنته هذه الدقة المتناهية للاستجوابات المفصلة والمتأخرة، وعذبه الألم المثلم في قذالـه (لقد عرف متى ظهر مثل هذا الألم)، ورأى كيف صُوِّب القلم الناشف بالإصبع النحيل، وتعرجت الأسطر المتدفقة على الورقة كالأساريع منزلقة من الأعلى إلى الأسفل على هيئة فقرات سوية مرتبة ومربعات متراصة وأفواج كاملة من الأساريع الزرقاء الغليظة، مالئة أكثر فأكثر المستطيل الأبيض بفيالق لا حصر لـها من الكلمات الموضحة والكاشفة والمدققة لما لن يوضحه الباقون على قيد الحياة أبداً أو يكشفوه أو يدققوه.‏

فكر فاسيلييف معانياً من الإحساس بالاختناق: "لن يساعد هذا في شيء، ولن يكشف الحقيقة". أما ضيّق الوجه فتابع توجيه أسئلته بنبرة العدالة الخالية من الحماسة نفسها، وسجل الأجوبة، وحفّ بالورقة، وقام بفواصل مهمة، ورمى في أحيان نادرة نظرات صارمة من عينيه الخضراوين الباهتتين نحو فضاءات الأبواب المفتوحة في غرفة النوم وكأنه يؤكد خصوصية ما حدث والضرورة الجدية للسؤال الموجه، وصحح في أثناء ذلك من وضع عقدة ربطة العنق الغليظة تحت تفاحة آدم.‏

كان أحياناً يصالب يديه على صدره متوقفاً عن الكتابة ومبتسماً برتابة، لكن النور الباهت لم يفارق عينيه المرتابتين المصوبتين مباشرة إلى جبين فاسيلييف، وحينئذ كان فاسيلييف يصمت كابتاً اهتياجه من الريبة الوظيفية متناهية الدقة، التي اتصف بها هذا الرجل، أو يجيب باقتضاب من خلل أسنانه وهو على وشك أن ينفجر ويشتعل بسبب من هذه الأسئلة البروتوكولية التي لا تفضي إلى شيء في واقع الأمر، ولم يعد لـها معنى بعد رسالة إيليا، لكنه لم يعد يحتمل، وتكلم أخيرا بأسى غير خفي:‏

"-ألا يبدو لكما أن أجوبتي لا تضيف شيئاً إلى ما حدث؟ هذا كلـه عبث. تخطئان إذا ظننتما أنكما ستستطيعان أن تجدا عندي مفتاح الأقفال كلـها. يا للأسف، الأمر ليس كذلك".‏

ضحك الشاب في المعطف المطري ذي اللون الفاتح ضحكاً غير مسموع نافثاً دخاناً وناظراً إلى السقف نظرة واضحة، وقال:‏

"-تقول مفتاح؟"‏

تكلم ضيّق الوجه بإلحاح، ودحرج تلال أدوات المضغ على وجنتيه الغائرتين: "-ن –نعم، مفتاح... سؤال واحد آخر يا فلاديمير أليكسييفيتش. كان الراحل السيد رامزن مواطناً إيطالياً من أصل روسي كما هو معروف. في رسالته قبل موته، الموجهة لك... وعلى الصحيفة المتروكة عمداً على منضدة التبرج، أي في مكان ظاهر، كتب الكلمة الروسية "سامحوني" مرتين مع علامة التعجب. هل تستطيع أن تقول لنا ما الذي أقلقه؟ ألم يحدث أمس خلاف أو مجادلة ما؟"‏

أجاب فاسيلييف بجفاف: "-خلاف أو مجادلة؟ حدث. لكن هذا من مجال آخر ولا يفسر أي شيء".‏

عبّر ضيّق الوجه بحاجبيه عن اهتمامه الفائق:‏

"-حدث؟ مجادلة؟ من أي نوع؟"‏

قال فاسيلييف: "-لا أرى حاجة إلى الحديث عما لا علاقة مباشرة لـه بالانتحار. "وفهم من الاندفاع الغاضب الذي نهض به الشاب ذو المعطف المطري عن متكأ المرفق من الأريكة، فاتلاً في صحن السجائر بحدة السيجارة المنتهية، ومن الطريقة التي قرع بها زميلـه ضيق الوجه المنضدة بأصابعه ونظر على نحو مائل، أنهما مكلفان معاً بالتحقيق بظروف موت الرجل الأجنبي وسببه، وبالتالي فإنهما سيظلان يوجهان الأسئلة بغض النظر عن كل شيء إلى أن يقتنعا بصدق البرهنة المفصلة والضرورية من أجل توضيح القضية. لم يكن في مقدور أي منهما طبعاً أن يعرف تعقيد العلاقة المتبادلة بينه وبين إيليا كلـها ودربهما الطويل كلـه، من أيام المدرسة ما قبل الحرب وحتى الغداء أمس، حين بدأ إيليا (الآن فقط اكتسبَ الكثيرُ المبرراتِ المنطقية) يقتل نفسه بشربه الشمبانيا اللامحدود وبالتدخين وبغوصه ذاك في صمته الداخلي الذي لحظه فاسيلييف أمس. لقد أبقى، على ما يبدو، في وعيه القرار الذي اتخذه، وإلا لما حدث ذلك الوداع وتبادل القبل الأخرق بينهما، والأدق، ملامسات الوجنات الرجولية في أثناء الوداع إلى الأبد –عرق وجنتيه الجليدي لا يزال حاضراً برطوبته المدغدغة. لا، مثل هذا ما كان بالإمكان شرحه لأحد ما عدا شخصاً وحيداً لم يفسده شيء، وهو لوباتين. كم افتقده في هذه اللحظات. لو كانا معاً لغدا فهم كل جملة من جمل إيليا، التي قالـها أمس قبل بضع ساعات من موته، أسهل وأوضح. لكن فاسيلييف شعر باستحالة إدراك حزم المنتحرين وباستحالة إدراك إراداتهم التي تحلى بها إيليا كونه أقوى من الآخرين وأعند منهم.‏

وتكلم فاسيلييف بصوت سوي نابع عن إنسان متعب تعباً لا حدود لـه:‏

"-تذكرت... وفكرت..." فليسد العدل وإن مات العالم كلـه... "كم معرفة الحقيقة جيدة... لكنها مخيفة ومضحكة – من يحتاج إلى الحقيقة، ومن أجل من هي ما دام انتصارها يشكل الـهاوية... بين الناس.. هل تفهمانني؟ لا أريد أن تشكا بأحدهم من غير سبب. تريان ما حدث هنا. ليس ما حدث جريمة قتل. لا أستطيع أن أضيف أي شيء آخر".‏

تكلم الشاب ذو المعطف المطري – سكري اللون نصف لائم، وأسبل متنهداً تنهيدة قصيرة عينيه وكأنهما متألمتان: "- لست متعاوناً يا فلاديمير أليكسييفيتش. لا أفهمك جيداً. كان قبلك هنا ممثل سفارة إيطاليا، وقد لا تكون الأمور كلـها كما تفكر... ألا تريد الإجابة عن أسئلتنا وتدقيق بعض الأشياء؟"‏

"-وهل الشيء الرئيسي فيما سأقولـه لكما". لا أعرف الشيء الرئيسي. لا أحد يستطيع معرفة الشيء الرئيسي في الحياة والموت".‏

"-إذن، أرجوك أن تشرح كتابياً، كما يقولون، ما كان أمس في هذا الجناح"‏

"-وتظن أن الحقيقة ستنتصر حينئذ؟"‏

"-أرجوك، أرجوك رجاء حاراً".‏

برقت طوال الوقت إطارات السيارات المنطلقة عبر الساحة وسطعت وحفّت، وشبّت على امتداد البولفار بقع الضوء وتراقصت منعكسة عن زجاج الحافلات الكهربائية، التي راحت ترمي الشرارات النارية عن الأسلاك، و تناثرت رذاذاً على البرك شمس آذار الشعثاء، وفاحت بحلاوة في كل مكان رائحة الربيع والثلج الذائب ورطوبة الـهواء الدافئة، وتصاعد البخار الخفيف عن الأرصفة المبللة، المغطاة بالجليد المتكسر، وارتفع الدخان عن أسفلت الساحة الجاف في بعض المواقع تحت الشمس. في المركز، وكما هي الحال دائماً، سارت حشود المارة وتحركت في ألبسة ما عادت شتوية، فكان الكثيرون في معاطف خفيفة وكان الكثيرون من غير قبعات، واندفع بحيوية نحو مدخل الفندق بين الحافلتين السياحيتين المقتربتين والفاحتين بمكبحيهما حشد أجنبي مختلف الألوان، في ستر تصدر حفيفاً وطاقيات طويلة الحوافي وحقائب سفر مبرقشة وكاميرات تصوير، وطوق فاسيلييف لغط أجنبي وضحك غير خجول، وانزلقت إلى جانبه نظرات راضية، شبعة، غير منتبهة، وسبحت رائحة اللوسيون الغريبة، المرة والمفرطة في الحلاوة، وطلاء الشفاه الغريب، وسمع كلمة "يافول" المعروفة، التي انغرزت أول الأمر في ذاكرته مثل إبرة، ثم راحت تتأرجح في حر الشمس مثل عوامة حمراء مدببة الطرف. وخطر لـه في الحال أن "يافول" هي الحرب والألمان والحر في أوكرايينيا، ورتبة الملازم وشبابهما، هو وإيليا، وتلك المعركة الليلية غير المتكافئة عند معبر السكة الحديدية والساعات المصيرية قبل الأسر، التي كانت لا تزال تحمل السعادة لإيليا، المستلقي الآن في هذا الفندق، الذي اتجه الألمان إليه، في جناحه على الطبقة الثانية، في الحمام المنار طوال الليل بالمصابيح المعتمة، غائصاً حتى صدره في الماء الداكن الدامي، منهياً متاعبه كلـها مع الحياة، التي كان من المفترض أن يكون محبوبها، لكنه لم يصر... لكن من يعرف أين كان ذنبه القاتل تحديداً ومتى بدأ هذا كلـه؟ في الطفولة في زاموسكفوريتشيه؟ أم صيف ثلاثة وأربعين؟ هناك، عند المعبر، حين تركوا المدافع وعادوا، أما هو، المسعور، فصان في مسدسه ثلاث طلقات –اثنتان للازاريف- وواحدة لنفسه؟ وهذا مالا يعرفه أحد بدقة. الأمر الأهم كان أن إيليا – ذاك الفتي، القوي، الحازم، المنصاع للبريق الحار والخطر في عينيه السوداوين الساخرتين، وإيليا الآخر المنهك في الحياة، المريض، خائب الأمل، غير الراغب في أن يرغب في أي شيء آخر، قد فارقا الحياة...‏

"هل أفهم ما حدث؟ اقتطِع جزءٌ من حياتي؟ من غير إيليا لا أستطيع أن أتخيل طفولتي ولا الحرب ولا شبابي...".‏

ولم ير فاسيلييف عمق السماء المزرق فوق الساحة، ولا رذاذ الشمس المعمي في البرك، ولا سواقي الثلج الذائب في الشوارع، ولا فوضى الحشود وسرعة التبدل الربيعية الجامحة لـهذه المدينة الكبيرة المستيقظة من الشتاء. دخل عند ركن الفندق قمرة الـهاتف العمومي، التي راحت ترن بمرح بسبب من دفقات الـهواء المندفعة عمودياً من سقفها، وطلب رقم لوباتين ووقف في ضجيج الـهواء الجنوني الحانق هذا طويلاً وفي حلقه غصة ومغمضاً عينيه ولا يسمع شيئاً.‏

(1) النهاية (باللاتينية).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244