|
||||||
| Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:55 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل العشرون بعد بضعة أيام استيقظ وسط الليل في مرسمه بسبب من قلق خانق، ونهض من السرير وهو يئن مسنداً قذالـه إلى الجدار وساعياً بتنفسه العميق كي يخفف من ضربات قلبه. فكر فاسيلييف: "لا، لم أعان من هذا أبداً من قبل. أستيقظ كل ليلة ولا أجد لنفسي مكاناً. لكن لماذا لا يفارقني هذا؟.. كنت إنساناً آخر منذ خمس سنوات فقط. عشت عيشاً مريحاً وانخدعت بالنجاحات وبحب ماشا وبعملي المفضل الذي لا ينتهي في المرسم. كم كان مضنياً ومفرحاً البحث عن الجمال في وجوه الناس وأيديهم، وفي الندى الفضي الصيفي البارد على نبات راعي الحمام عند حوافي الطرق، وفي الـهواء الخريفي، وفي ثلج ليلة هادئة زرقاء... وماذا؟ هل وجدته؟ أجب نفسك عما يعني الجمال – الحقيقة؟ جوهر الطبيعة العاري؟ الحب؟ العذاب؟ وهل نستطيع أن نعرف معرفة حقيقية ماذا يعني لنا الجمال؟ أين يكمن؟ أين؟ وهاهي الشفقة على كل شيء مرة أخرى، وألم القلق هذا، وكأننا أضعنا شيئاً ما فلا نعي لماذا يحتاج أحدنا إلى الآخر. ومن غير هذا ليس لأي شيء أي معنى. لا، ليس الجوهر في هذا. كل منا يريد أن يعيش الحياة المكتوبة فأضعنا طبيعيتنا. كل واحد فينا مذنب بحق الآخر. خنقنا الأرض بالأسفلت... هل من المعقول أن هذا هو اختيار القرن العشرين؟ آه لو أننا نستطيع فهم جوهر أنفسنا. لا، عليّ أن أكف الآن عن التفكير بهذا، عليّ أن أغفو – والخلاص في هذا. لا فكرة واحدة، وستصير الحال أسهل... هذا أيضاً اختيار – أن لا تفكر. كان ثمة ديميدرول في مكان ما هنا على الخزانة الصغيرة الليلية. لقد وضعته مساء، والماء في الكأس. فلأتناول حبة أخرى وأغرق في النوم، في النوم...". تحسس بارتياح تقريباً حبة الديميدرول على الخزانة الصغيرة، وابتلعها بصعوبة شارباً وراءها الماء ومتوقعاً أن ينعم بالـهدوء، ثم استلقى على ظهره شاعراً بالقرص البارد الخدر على لسانه، حيث كانت الحبة. "-الآن، الآن سيصير الأمر أسهل...". لم يأته النوم المنقذ، بل جذبته قوة متسلطة وحسب إلى الوراء، إلى يوم غير بعيد، رطب، قبل هطول المطر، وهناك، في يوم ما قبل المطر هذا حل بعض الارتياح حين انتهت جميع الإجراءات التوديعية، وغادر أول الجميع ممثل السفارة الإيطالية الصامت الذي حضر الدفن، أما الشبان الأربعة –حفارو القبور بسترهم المفتوحة والمتعرقون فأنهوا عملـهم سريعاً، رامين بالمجارف الكتل المتدحرجة على التلة الترابية المستطيلة التي ارتفعت على أطراف سياج المقبرة الصدئ في ضواحي موسكو. بدأوا يضعون الأكاليل المحفحفة بقسوة وجفاف بورودها الاصطناعية، فاستدار فاسيلييف كي لا يرى عملية التبرج البذيئة التي يقومون بها. انتصبت حولـهم في الضباب الليلكي أشجار البتولا العارية، المنتفخة بالعصائر، وسارت غربان القيظ السوداء بمناقيرها السمينة متسيدة المكان ومتهادية في الحقل المبلل المحروث من العام الماضي، وكان النور المشتت للربيع المبكر في كل مكان – بانت الشمس الدافئة وراء السحب، مع أن الجو كان ينذر بالمطر، وفاحت رائحة الثلج الذائب منذ وقت قريب ورائحة الـهواء الرطب. إلى يسار المقبرة فقط انقشعت الغيوم – وطارت في سماء آذار الساطعة فوق سطوح القرية غير البعيدة الغيوم البيضاء الثقيلة الممتلئة والمنفوخة مثل الأشرعة بالـهواء الرطب. "يجب أن أحفظ هذا". برقت آلياً هذه الفكرة في رأس فاسيلييف، وفي الحال فكر متضايقاً من نفسه بأن حياته مسممة إلى الأبد بعمل ذاكرته الاعتيادي، التي دربها كل يوم وطوال حياته مهذباً إياها إلى أقصى حد: "لا، هذا جنون لا شفاء منه- إنني أنظر إلى كل شخص ويخيل لي أنني أحزر أفكاره وأحفظ تعابير عينيه...". **** رفضت رايسا ميخائيلوفنا، المريضة منذ يومين بضعف في القلب، أية مساعدة من ماريا، ولم ترغب، وهي مستاءة جداً من شيء مجهول، في الحضور إلى المقبرة مع الجميع، فطلبت من فيكتوريا "إسداءها خدمة" وأتت بصحبتها في سيارة أجرة، لكنها لم تستطع الخروج منها، واقترب الجميع منها كل بدوره لتعزيتها. لم تكفها قواها على الأرجح، وفي لحظة الدفن، حين أهالوا التراب بالمجارف على غطاء النعش المنزل في الشق البني، كانت جالسة وراء الزجاج المرفوع في المقعد الخلفي من غير أن تطلق فيكتوريا المرتبكة. بدا من هناك وجهها الجبسي الصغير، الفاتر، الخامد باستياء أبي، وبرزت فوق شعرها الأشيب على نحو مأتمي طاقيتها السوداء الخرقاء المضحكة، موضة الثلاثينيات. رحلت من غير أن تقول كلمة واحدة، وأشارت فيكتوريا، التي التفتت نحو الزجاج الخلفي، للجميع بإشارات وداعية غير مفهومة، وتكسر حاجباها كما لو من بكاء صامت أو يأس. وحينئذ تذكر فاسيلييف كلماتها التي قالتها أمس في المرسم: "سامحني يا بابا على حماقتي، سامحني...". تحركوا بعد ذلك صامتين نحو السيارات التي أبقوها على الطريق الزراعية خلف المقبرة. فتح لوباتين صندوق "فولغاه" المهلـهلة، وأخرج من هناك صفيحة بلاستيكية مليئة بالماء المقطر، وشرعوا يغسلون أيديهم الملطخة بالطين الدبق من حفنات التراب التي رماها كل منهم في القبر. "-أجلـه، أجلـه... كلنا سنكون هناك" تنهد شيغلوف وهو يجفف أصابعه بمنديل الأنف مرتبكاً ومصعوقاً بتفاصيل موت إيليا التي لم تفتر بعد، وبالجو الكرب في قاعة الأموات التي أخذوا منها جثة المرحوم، وبالصلبان القديمة المتحاتة، وبالأسيجة المائلة للمقبرة المهملة عند أطراف موسكو، هذه المقبرة القروية التي سمحوا بدفن إيليا فيها. خلع شيغلوف نظارته بأسى ساهم، وصار يمسحها من غير سبب بطرف معطفه الفرائي الذي بدا فيه أقل سناً على نحو حزين، وراح يمضغ شفتيه، فانكشفت هنا فجاءة، في هواء الحقل النظيف، شفافيته المسنة وجفاف وجهه، وطيات عنقه المعروقة، والتجاعيد غير القوية لإنسان قريب من اللاوجود وتخطى السبعين منذ زمن طويل، وتردد صوته على نحو أضعف وغير معروف ولطيف، من غير أن يستطيع اكتساب لذاعته المعتادة الكاملة الداعية للعيش ضاحكين. "-كل شيء محزن، محزن، ومحزنة لنا جميعاً الـهواتف من الأبدية.. التذكير بأن المدة الممنوحة للجميع قد استنفدت، وهناك في الجدول السماوي ستوضح إشارة الضرب القدرية ذات يوم رائع. احفظنا أيها الرحيم، أبقني هنا، أنا الغبي، الخاطئ كي أعيش أيامي التعسة" ثم قال بعد دقيقة بنبرة متضرعة ومرتابة في الوقت نفسه، عائداً من جديد إلى اللعبة التي شرع يلعبها، حاجباً نفسه كما هو واضح وخائفاً من أن يظهر ذلك الذعر من القدر المحتوم والـهلع، الذي انكشف على وجهه على الرغم منه: "-اعذروني يا أصدقائي برحابة صدر تامة، لكنني تذكرت شيئاً هائلاً في هذه الساعة المأساوية". تابع حديثه ماطاً الكلمات عن عمد كأنه يتلذذ بها على نحو غير شجي، ووضع نظارته جامعاً على نحو معبر التجاعيد على جبينه تحت سدارته المدفوعة إلى الأمام والتي جعلته يبدو أقل سناً أيضاً: "-دفنا منذ ثلاثة أشهر المخرج المسن سيربيروفسكي في مقبرة نوفوديفيتشيه. كان كل شيء رزيناً، سوياً، والنعوت جميلة: "بارز"، "خالد"، "الكبير" وما شابه... وحين اتجه الجميع في النهاية نحو البوابة مفكرين بالوليمة الجنائزية اقترب مني شبان من مسرحه، ضخام، لو تدرون، مثل ثيران وأفراس، وانبروا يسألونني مهمومين: "وصحتك؟ كيف؟"أمر هائل وبديع. م م؟ ..". تذمر لوباتين عابساً، وكف عن مسح يديه بالخرقة: "-لقد رويت لنا هذا. ماذا علينا أن نفعل-هل علينا أن نبتسم؟" وحرف نظره نحو ماريا، التي تأخرت برهة عند القبر وراحت توزع النقود من حقيبتها باستعجال على الشبان الأربعة ذوي المجارف: "-ماشا، هذا زيادة. يكفي، لا تفسدي الفتيان، هل تسمعين؟ لقد سددنا لـهم كامل أجرهم وزيادة". هدر وهو يشدد بلوم على الحرف "0"، وصار واضحاً لفاسيلييف على نحو خاص أنه لولا طاقة لوباتين وعونه لاستحال عليه المرور عبر دهليز الموافقات والشكليات والمصادقات والأوراق والوريقات اللازمة من أجل دفن رجل يحمل جواز سفر أجنبياً في موطنه الأصلي. همست ماريا وهي تقترب ببطء بعينين مسبلتين، وكانت رموشها مثقلة بالدموع: "-غريب، يا للغرابة...". أخذها شيغلوف من تحت مرفقها، وقبّلـها قبلة ضعيفة على جلد الشموة الأسود لقفازها قرب معصمها، وقادها إلى السيارة. تكلم إدوارد أركادييفيتش مطرقاً برأسه ومواسياً بحسرة ماريا على ارتباكها المأساوي: "-كل شيء غريب يا ماشينكا في هذه الدنيا، كل شيء غريب. والغريب يا عزيزتي أن حياة المرء بعد موته تبدو مزحة بسيطة مثل "مـ ـ ـ اء الأغنام". اعترض فاسيلييف بتجاوز عابس في صوته: "-لكن هذا لم يخيل لي أبداً. لقد قلت هراء ببساطة. لا أفهم حدة ذكائك السخيفة ومرحك غير المناسب". زعق إدوارد أركادييفيتش بدقة: "-أوه. صرتما مخيفين. إنكما لا ترحمانني. أنت يا ألكسندر غيورغييفيتش، وأنت يا فلاديمير أليكسييفيتش. صرتما لا تطاقان. "وشرع يرمش وتنشق بأنفه ونشج مستاءً بطريقة طفولية خالصة (وهذا ما لم يحدث لـه من قبل أبداً، وكأن دعائمه كلـها قد تحطمت دفعة واحدة) تقوس ظهره واهتز رأسه مما جعل السدارة الواسعة تترنح على رأسه بمهانة، وأمسك بمقبض باب سيارة لوباتين متحسساً إياه بيده وأجهد نفسه على نحو حثيث كي يفتحه وهو يكرر صرخاته المؤنبة الدامعة: "-سريعاً، سريعاً، فلنغرب من هنا. أرجو إيصالي إلى المنزل.... يا إلـهي، مرحي. مرحُ إنسان لا يجد في العيش مرحاً. إنكما لا تحبانني... إنكما تكرهانني... وهذا فظيع، وغير عادل. أرجو منكما أن تحترما شيخوختي على الأقل...". لكن الأهم، الذي بقي في ذاكرة فاسيلييف، لم يكن انهيار إدوارد أركادييفيتش العصبي هذا، بل ما تذكره بعد ذلك طوال هذه الأيام بأدق التفاصيل إلى حد الألم. ما إن هدّأوا إدوارد أركادييفيتش حتى جلسوا في سياراتهم وتحركوا، لكنهم اضطروا في الحال إلى الخروج عن الطريق الزراعية نحو حافتها مفسحين لجنازة راجلة اتجهت نحو المقبرة من جهة القرية. سار في الطريق قرابة عشرة أشخاص، وتأرجح في الأمام على نحو سوي شيء ما ضيق وأحمر، ذكّر أول الأمر براية نصف ملفوفة، لكن بعد ذلك صار واضحاً أنهم حملوا غطاء أحمر لنعش صغير صغراً غير عادي، نعش للرضع. خطا وراء الغطاء مترنحاً ترنحاً هادئاً شاب غير طويل، من غير معطف، مرتدياً بزة جديدة بلون فولاذي، وألقيت ملاءة شديدة البياض عبر كتفه، وقد حمل في هذه الربطة نعشاً صغيراً طفولياً، مسنداً إياه عند موضع الرأس منه وموضع القدم، وناظراً من غير انقطاع إلى الأسفل، إلى ذلك الذي رآه هناك، أمامه مباشرة، وسط الملاءة البيضاء الثلجية الملائكية، التي راح الـهواء يثنيها طوال الوقت. رمى الـهواء القوي المنذر بالمطر شعر الشاب الأشقر على وجهه، حاجبا إياه بستارة من القش – ومن المشية الزنبركية المقتولة لـهذا الرجل المفجوع لمس فاسيلييف كل شيء... سار بعده حشد صامت من شبان مع سلال مملوءة عن آخرها وحقائب للبضائع لم يكن معروفاً لم اصطحبوها إلى هنا، إلى المقبرة، وفي وسط الحشد راحت امرأة شابة غير جميلة ذات جبين قرمزي منتفخ تنتحب بغير صوت كالمغشي عليها، ماسحة وجنتيها بمنديل منسدل، ورافعة رأسها، ومترنحة، وقد قادها من مرفقها مرتبكاً رجل مسن في سترة قطنية. من كانت؟ أم الرضيع؟ قريبته؟ شقيقة الشاب؟ انعطفوا يساراً نحو طرف المقبرة، التي انطلقوا منها وتوقفوا عند حافة الطريق سامحين للجنازة بالمرور. وبدأ فاسيلييف يعاني فجأة من تماثل مرير وقرابوي مع هذا الشاب الأشقر المفجوع ومع المرأة الشابة غير الجميلة، المنتحبة كالمغشي عليها، ومع جميع هؤلاء الناس المحملين بالحقائب على الطريق كما لو أنه يعرفهم ويعرفونه منذ ألف عام، وبعد ذلك غدروا تكبراً وعداءً وحسداً ونسوا من غير رحمة وحدة الدم والقبيلة وبساطة الطبيعة الإنسانية المحببة. قالت ماريا مغمضة عينيها ومسندة قصبة أنفها على يديها المتصالبتين فوق المقود: "-يا إلـهي، كم نحن تعساء جميعاً...". صمت مقطباً. قالت بعد ذلك وهي تمعن النظر إلى وجهه: "-يا إلـهي، كم أحبك. إن حدث لك شيء... فسأموت أيضاً...". وشعت عيناها بدفء رطب نحو عينيه، وتدفقتا، وسالت منهما خطوط تعابير الإحساس بالذنب والتوبة الـهادئة المتأخرة، أما هو فراح يجبر نفسه على تقبيل حاجبيها الطويلين ورموشها المرفرفة المالحة بسبب من الدموع، التي رآها في أثناء الدفن سوداء على نحو مدهش ومسبلة ومنتفخة، وقال لـها بصوت أبح ما لم يكن عليه أن يقولـه: "-لا أعرف يا ماشا لماذا حدث هذا كلـه على هذا النحو". لكن ما حدث كان مختلفاً: لم يجبها حينئذ بشيء، ولم تكفه الإرادة كي يقبل الشفتين المقدمتين لـه، وهو يرى كيف شعت عيناها توسلاً وإحساساً بالذنب وعدم أحقية، وسمع صوت ماريا على نحو سيئ، وتعالى إلى جانبهما هدير محرك في مكان ما، وتردد الصوت الفظ لبوق سيارة لوباتين التي تجاوزتهما وبدأت فوراً تزيد سرعتها على المرتفع على الطريق الزراعية، بين الحقول، مؤرجحة في المقعد الخلفي قامة إدوارد أركادييفيتش المنكمشة خلف الزجاج والمثيرة للشفقة والـهرمة... **** كان الرأس لا يزال صافياً، والديميدرول يكاد لا يؤثر، وشعر فاسيلييف بقشعريرة الأسى السوي التي لا تدرك، كما في ذلك اليوم الحزين، منقبضاً من صدق ماريا ومن كلماتها المنفلتة منها في السيارة ("يا إلـهي، كم نحن تعساء جميعاً...") ومن نظرتها الوجلة غير المبتسمة من خلل رموشها الملتصقة، والتي حاولت بها أن تخفف وتصلح ما حدث بينهما حين لم يعد لديهما ما يكفي من قوة. وفي غفوته فكر بالديميدرول ملقياً رأسه على الوسادة: "الحمد للـه" – وسرعان ما انبلجت بحيرة صغيرة دائرية نما فيها القصب وأحاطت بها غابة صماء، لكنها كانت وردية تماماً في ضوء الغروب الآخذ في الانطفاء فوق ذرا الشوح المسننة. بعد ذلك اشتعل كل شيء بصباح صيفي ساطع في مدينة أورالية صغيرة (إلى حيث رحل بها)، ولسبب ما رأى من الأسفل (وكأنه سبح تحتهما) ألواح حوض الاستحمام الخشبية المبللة، والشقوق الزرقاء المخترقة بالشمس المتوهجة، أما الماء، الرائق حتى بدت الحصى فيه، فبقبق وغسل العبّارات التي لا زالت باردة ومتعفنة بخضرة مخملية، وفاحت رائحة النهر النظيف والمروج الريانة المدفّأة... وتبين أن كل هذا الصيفي الصباحي كان مرتبطاً بفرح بماريا وبجسدها الملوح المتين بالشمس وطراوة لباس السباحة. لكن كان من المؤسف أن عودته إلى صيف ما بعد الحرب ذاك خطرت مسرعة وخداعة كما كانت خداعة الأعماق الشفافة تقريباً الذائبة في عينيها، اللتين خيل أنهما بردتا من السباحة الطويلة، حين استلقت على العشب، ونظرت مجانبة إياه إلى زرقة السماء العالية وهي تعض على شفتيها، أما هو فحفظ إلى الأبد رائحة كتفيها الملوحتين كالشوكولا، في أريج العشب المقصوص الذائب، ومذاق شفتيها النهري الرطب وهمسها غير الواضح "لماذا، لماذا؟.." وصارت هذه الكلمة المنبثقة من بعيد تدور كالسلسلة في الأمام، وتنحدر إلى الفراغ المتقلقل، وسبح شيء ما مبهم ومخملي يثير القلق هناك على الأجنحة السوداء أمام الأعين. أراد أن يفهم من أين أتت الآن الفكرة المشوشة، لماذا تكررت بإلحاح هكذا مفلتة من العتمة على نحو غير هادئ وغائبة في العتمة جملةً كاملةً التقطتها ذاكرته وحفظتها: "نحن تعساء لأننا لا نرى سوى الطبقة السطحية من الحياة...". "من قال هذه الجملة ومتى؟ شيغلوف؟ إيليا؟ لوباتين؟ من الذي تحدث عن معنى الحياة منذ وقت قريب؟" أراد فاسيلييف أن يفهم في المنام وهو في الوقت نفسه كمن يراقب نفسه من جانب في هذا الحلم الذي لفه بخفة. ورأى المدينة القديمة الصغيرة وقلعتها القديمة ذات الأسوار البيضاء والوردية، وذات الأبراج والنهر اللازوردي حول الأسوار والجسر الخشبي عند طرفها، وقد بدت تحته بدقة في الماء غيوم غاية في الرقة والمدينة الصغيرة القائمة كلـها في الحقول، وذات الـهواء القروي العذب الواعد بالفرح والحب والـهدوء والاستمتاع الصاغر بالحياة البسيطة. لقد أحس مع شعور بالغبطة الثقيلة بهذه المدينة الصغيرة الرائعة التي لم يمسها شيء، والتي وصلـها لسبب ما ورأى بوضوح غير عادي خط كفافها وتجمعات بساتينها وسطوحها المسالمة والقباب فوق النهر، رأى ذلك وهو في الوقت نفسه نائم على سرير الفندق في الجناح القروي الفواح برائحة الأرضيات المقامة من ألواح الخشب، وفكر بانبهار هادئ: "كم حسن العيش أبداً في مثل هذه المدينة وفي هذا الـهدوء المفعم بالحب وفي هذا السكون التام. لكنني سأضطر إلى الرحيل من هنا حاملاً معي الإحساس بالماضي العزيز والحب الفتي والشوق إلى مثل هذا النهر الروسي والسماء الدافئة والغيوم البيضاء، وإلى هذه الغبطة الموجودة في مكان ما. لا، فحقيقة الفرح نفسها هنا". بعد ذلك تردد بصوت عال جداً قرع على الباب، وسُمِعَ وقع خطوات ثقيلة في الغرفة المجاورة، وصوت ثياب شبيه بحفيف لزج لمعطف مطري من المشمع، ونفذ من خلل الجدار زئير عذاب أبح مع وقع خطوات راكضة لرجل غير معروف. صاح بصوت خارج من حنجرته: "-بسرعة، بسرعة، بسرعة..." وكان واضحاً أن الرجل خلف الجدار شرع يفقد عقلـه ويذهب ويجيء في الغرفة ثقيلاً لا يمكن كبحه، مشعثاً، في معطفه وجزمته، قالباً الأثاث في طريقه، ويخور كالوحش مستثاراً بلعنة لا تفارقه: إما بالحب أو بالخوف أو بجريمة. خيل لـه فجاءة أن كل شيء صمت هناك، وأن أحدهم يقف في غرفة فاسيلييف عند موضع الرأس من السرير، عارياً إلا من ثيابه الداخلية التي صارت رمادية في الظلمة، وقف ملقياً ظلا مسطحاً متوتراً كي يقوم بفعل مضمر ومخيف ضد شخص آخر دخل في إثره إلى الغرفة وشبحه يكاد لا يرى. (كيف دخلا إلى هنا عبر الباب المقفول بالمفتاح؟) ورأى فاسيلييف جيداً، وقد تملكه الرعب، ومن غير أن يدير رأسه، ومن غير أن يفتح عينيه، هذا الرجل المسطح قربه عند رأسه تماماً، ورأى جسمه الرمادي الطويل ووجهه المعتم المتطاول كالحصان، من غير شفتين وعينين، بقعةً متطاولةً معتمةً مع تعبير عن تهديد أخرس. كان لزاماً عليه النهوض بغير إبطاء. كان لزاماً عليه أن يهب من السرير بسرعة البرق كي يتدارك الجريمة الفظيعة اللإنسانية التي حُضِّرت لترتكب بحقه هنا، لكن قوة شيطانية كدرة ضغطته إلى الدهق فلم يستطع حتى أن يحرك إصبعاً أو يلتقط نفساً. حين اندفع في الفراش أخيراً، كما لو أنه يغالب الخوف غائباً عن وعيه، وأطلق صرخة قطنية. مستعصية: "من هنا؟" متوقعاً رؤية الرجل عند موضع الرأس من السرير ويتبين بالتفصيل وجهه الخالي من العينين والشفتين، لم يكن ثمة أحد في الغرفة. حفّ الغبش الليلي في كل مكان، واسودّ فارغاً سرير ثان قُرِّب من موضع الرأس من سريره. وزحفت الظلال في الأركان على شكل ضباب متضافر... فكر فاسيلييف، وقد بللـه العرق: "الحمد للـه. هذا ليس سوى حلم". وكان واعياً أنه رأى في منامه حلماً ثانياً، هو استمرار لجملة أحدهم، طفت من ذاكرته ولا علاقة لـها إطلاقاً بالمدينة الصغيرة البيضاء والوردية وبأسوار قلاعها القديمة والغيوم المفرحة في النهر وبالقامة الطويلة للرجل عديم الوجه عند موضع الرأس من سريره في غرفة الفندق. وظل يفكر في منامه مديراً رأسه على الوسادة المبللة بالعرق: "أريد أن أحفظ هذا الحلم، أريد أن أحفظه؟ لكن أين المعقول هنا؟ من يفسر لماذا كانت جنونية وثقيلة خطواته وراء الجدار، وصراخه الزئيري غير المفهوم، إن كان مهدداً أو متألماً، والحفيف المطاطي المقزز لمعطفه. لقد خفت من مساعدته، كان غريباً عني وهذا معناه أنني مذنب بحقه. لكن من هو هذا الرجل ذو البقعة المظلمة عوضاً عن وجهه –عدوي، قاتل، مجرم، أم قديس وأخ غير معروف؟ على بعضنا أن يعرف بعضنا الآخر، إننا متماثلون في عجزنا أمام الموت... مرة واحدة فقط في السهب اختبرت شعوراً مساوياً للخلود –هبوب الريح المشبع برائحة الشيح، بريق الشمس، العشب، الروائح الجافة منذ ألف عام، غياب البشر – وأنت مثل العشب من حولك والشمس تداعبه... ووحده الشعور الـهانئ بأنك، أنت تحديداً، عشبة من هذا العشب، أو حجر وحيد دافئ على التلة، جزء من العالم الرائع – تلك هي الفلسفة كلـها. نعم، هاهي السعادة: حينئذ رغبت في القيام بهذا الاختيار، لكن هل كان مؤاتياً لي؟ لقد بحثت عن معنى آخر في كل شيء. ولماذا؟ أليس من الضلال أن أعرف سر الحقيقة وجمال الزمن بوساطة عجزي الإنساني؟ ألا يكون إلى هنا مرد عذاب الإحساس بالذنب المتكرر لدي وحسرتي وأسفي على أن العالم كلـه معلق بشعرة واحدة، وأن شيئاً ما رئيسياً سيزول؟ ماذا سيزول؟ الطيبة؟ الإيمان؟ الثقة وشفقة الواحد على الآخر؟ لا، ليس الجمال الذي سينقذ العالم، بل حقيقة الحتمية المتساوية وفهم الـهشاشة البشرية لكل منا. الجميع. لا قوة الجميع، بل ضعفهم المأساوي أمام الموت. وهنا لن يفيد شيء. لا الموهبة ولا المجد ولا المقام. لا شيء. حدد إيليا اختياره عام ثلاثة وأربعين كي يظل حياً... أما أنا بعد الحرب فاخترت طريقي في الفن نحو ذرا الزهو عبر الاستكانة: العمل، العمل، العمل. مثل المهووس. هذا معناه أنني كنت محباً للعمل وناجحاً – ما هذا، السعادة؟ مغزى حياتي؟ فما الموت إذن؟ استنفاد الذات؟ لا، لم يستنفد إيليا ذاته... هل من المعقول أن الموت هو أيضاً اختيار، تجربة القوة الكونية التي تجري اختبارها على البشرية وتعيق معرفة مغزى الحياة الحقيقي؟ بم أفكر؟ بم؟ بأنني أريد أن أفهم وأفسر؟ هل أملك الحق؟ أنا نائم وأفهم أنني أفكر في منامي وأتخطى حداً مرعباً تبدأ الـهاوية وراءه... هذا سبب شعوري بالاختناق، ولـهذا أرغب في البكاء ولا دموع، وثمة شيء يضغط بمرارة... ماذا أريد أن أفهم؟ الاختيار الذي قام به إيليا؟ ماريا؟ فيكتوريا؟ نفسي؟" – فكر فاسيلييف بعينين مغمضتين عارفاً أن أفكاره كانت رؤية في المنام وفي الوقت نفسه حقيقية وملموسة وكأنه سبح في فضاء الليل السماوي كثير النجوم، خاضعاً لتحكم عقل آخر مراقب وقاس لم يتح لـه أن يغفو تماماً: "ومع ذلك أريد أن أفهم: هل ثمة معنى وحيد للحياة؟ وهل ثمة معنى وحيد للموت؟ هل يعقل أنني أريد فهم شيء هو فوق الحد، مبهم، لا تمكن معرفته؟ لا، إنها قوة الكون العظمى وطاقتها العاقلة، التي، ربما، تجرى التجارب علينا كما كان إيليا مقتنعاً. هل يعقل أنها تخدعنا بالحقيقة وبالكذب، وبالأمل الغبي بالصحة الدائمة، بنيل المغفرة بالموت وتختبرنا حتى بالحب الذي يذهب بالعقل... وتحطم وحدة الروح. هل الأمر هكذا؟ لكن إذا كان كل شيء كذلك فلا وجود لمعنى وحيد للحياة ولا وجود لمعنى وحيد للموت. هذا معناه أن على الأرض آلاف الأفكار وآلاف الاختيارات – ماذا إذن؟ ربما لـهذا السبب لحظت كم الكذب منطقي وجميل وكم الحقيقة خرقاء وغير منطقية. لكن تستحيل الموافقة على هذا، ويستحيل اختيار شبابي الثاني ومصيري الثاني، لأن هذا كان وحيداً وبدأ منذ زمن بعيد في حياة ساحرة أخرى على كوكب سعيد آخر، حيث كان المعنى الرائع للعالم كلـه –في خلود الأمسيات الزمهريرية الليلكية في زاموسكفوريتشيه، والروعة الفتية الخالدة لماريا...". **** لكن حينئذ، منذ زمن بعيد جداً جداً، كان الشتاء، وكانت الزوابع الكثيفة والسدود الثلجية على خطوط الترامواي والصقيع القاسي، وكان في الأمسيات ينتظرها طويلاً وعلى نحو متعب عد البوابة الخشبية المسدودة بالـهطل المشعث المتراكم منذ أيام عديدة، وكان يتجمد برداً ساعات عديدة عند الركن في الزقاق المزرق باكفهرار بالكثبان الـهائلة من أولـه حتى نهايته، وكانت الندف تتساقط وتبرق في مخاريط أضواء المصابيح. خرجت من البناء بقبعتها الفرائية البيضاء مبتسمة لـه ومشعة بعينيها، وتأبطت ذراعه بمهابة، وراحا يركضان عبر المربعات الحمر لنوافذ زقاقهم المغطى بالثلج حتى وصلا شارع شليوزوف المحاذي للنهر والملفوف بالبخار الصقيعي، وراحا يتزلجان على الممرات المتجلدة على امتداد الأرصفة قرب المحلات الصغيرة والصيدلية عند الركن على شارع زاتسبيا، المصفرة دائماً بسطوع من الداخل بزجاجها المتجمد والمغطى كلـه بالندى المثلج المتلون كالألماس. تذكر كيف توقفت في هذه اللعبة أمامه مهتاجة بطريقة صبيانية، وجذبته ضاحكة نحو الخط الجليدي الرقيق المتلألئ لألأة خفيفة وهي تقترح عليه بحماسة: "-انطلق وحاول على ساق واحدة. أمر ممتع على نحو لا يعقل. أو أنطلق أنا، وتقف أنت في نهاية الممر كي لا أقع". والتقطها في نهاية الممر، وسقطت بمرح وكأنها تلعب لعبة بريئة، انطلقت، انزلقت على الجليد، وإلى أحضانه، أمسكت بكتفيه، امتزج بخار أنفاسهما، وشعر بنهديها تحت المعطف مثل تلين مرنين. مرة، في نهاية الشريط الجليدي، تحت نوافذ الصيدلية نفسها، انطلقت واصطدمت بصدره والتصقت به على نحو خاص، ثم راحت وهي تبعد نفسها رادة رأسها إلى الخلف تعض شفتيها، أما هو فهمس لـها حينئذ شاعراً بدوار ضبابي في الرأس بشيء يائس ولطيف، وفزع من غضبها حين رأى أول مرة في هذه اللعبة كيف اختفى التعبير الضاحك من على وجهها. استوضحت مخبئة ذقنها في فراء ياقتها، وقد كبرت في الوقت نفسه عيناها واتسعتا، ونمتا، وبدت الدهشة فيهما مثل فاصلتين براقتين: "-حقاً؟ أنت؟ تحبني؟ أنا؟". حتى الآن لم يستطع أن يفسر حتى النهاية سبب حزم ماشا ذاك ولماذا أبعدت بتحد فراء الياقة المدفأ بأنفاسها وعرضت لـه ثغرها المبتسم وهمست لـه همساً متقطعاً: "-حسناً، موافقة، هل تحسن؟". انحنى نحو وجهها المرفوع المنتظر، وقبّل بخجل وعلى نحو أخرق رطوبة شفتيها المتباعدتين، أما هي فقالت لـه وصوتها يكاد لا يسمع وعلى وجهها تصعيرة خفيفة نزوية: "-لا أدري لم تجمدت برداً". وطلبت منه، وقد انكمشت، أن يوصلـها إلى المنزل. اقتربا صامتين من البوابة المنارة بالمصباح والمسدودة بالثلج، وهنا، ومن غير أن تودعه ومن غير أن تشرح أي شيء جذبته بيدها المدسوسة في القفاز إلى فناء منزلـهم. سار خلفها صاغراً، وعند الباب على الطبقة الثانية فقط همست لـه أن أمها ستأتي من المسرح متأخرة وأن عليه في الشقة أن يسير في الممر على رؤوس أصابعه وبهدوء تام كي لا يدفع بكتفه، لا سمح اللـه، دراجة حمقاء أوطست الجيران الغبي. فتحت الباب حذرة بالمفتاح الإنكليزي، وتلفتت بغموض مشاكس واضعة إصبعها على شفتيها، وانزلقت أولاً إلى عتمة ممر الشقة المشتركة المشبع بدفء المدفأة، والذي تسللا عبره كلصين حتى باب غرفتها، وهناك، بعد أن فرقعت بالقفل مرة ثانية جذبته إلى ظلام عطري تام وحار تقريباً بسبب بعد الصقيع، تلفح فيه الوجه بعذوبة رائحة العطور وغبار السجاد الحلو. أمرته هامسة: "-اخلع معطفك". وأضيء النور حالاً في وسط المصباح الكبير الوردي الليموني، المتدلي على نحو منخفض فوق المنضدة المغطاة بمفرش أحمر مخملي. ورأى أول مرة هذه الغرفة المدهشة، حيث عاشت مع أمها الممثلة في مسرح موسكو. كان كل شيء مريحاً، قديماً، طرياً، فرشت على الأرض سجادة سميكة، وبرقت على نحو آسر الأواني الخزفية خلف زجاج خزانة الأواني المزخرف، وعلقت المرآة البيضوية ذات الحجم غير العادي على الجدار وسط اللوحات المعتمة قليلاً، وقد عكست في رحابها الجاذبة منضدة التبرج (المليئة بالحقاق ذات الأشكال المختلفة والفراشي العظمية وعلب المساحيق)، وخزانة الكتب المفتوحة قليلاً ونصف الأريكة العريضة المخضرة بالمخمل، حيث وضعت بهدوء وعلى نحو مريح وبطريقة شرقية نوعاً ما وسائد قطيفية ذات شراريب مشعثة. قالت بعد أن التقطت نظرته، وسقطت بظهرها على الأريكة ضاحكة ضحكاً خافتاً ومدلية ساقيها ومؤرجحة حذاءها غير المخلوع: "-ههنا أستلقي وأقرأ وأفكر". ثم أمرته بصوت منخفض ودعته بعينيها المتهيجتين اللتين أضاءتاه بجماح السلطان الملوكي: "-ساعدني. فك حذائي من فضلك وانزعه إذا كنت فارساً. ليس كذلك. ما هكذا ينبغي أن تفعل، ستقتلع البكل. يا لك من أخرق". تكلمت فوراً ودفعته بنزق: "-ابتعد حالاً، إلى تلك الأريكة،. اجلس ولا تنظر إليّ الآن. خذ الألبوم، هناك على الخزانة الصغيرة. إنه ممتع، فيه شتى ممثلي وممثلات العشرينيات المسلين، الذين بدأت ماما معهم. كلـهم منفوخون وجادون جداً وكأنهم ينوون جميعاً الطيران إلى القمر..." وغرق على نحو سخيف في الأريكة، شاعراً أنه عاجز عن التغلب على الرعشة التي قطعت أنفاسه، وتناول عن الخزانة الصغيرة الألبوم الثقيل في الغلاف المخملي والمتصلصل بجفاف ببكلته الفضية. فتح الألبوم على ركبتيه كيفما اتفق، وميز على نحو مبهم اللمعان الراسخ والكتابة الذهبية للصور على الصفحات المتينة - وجوه جليلة، ملتحية، حليقة بعناية، ستر قديمة الطراز، فراشات بيضاء تحت الذقون المتشامخة، وأجسام وقورة مكتنزة لرجال ونساء في خوذ بوديونية على خلفية الديكورات غير المزالة. نظر إلى الصور بضبابية ومن غير انتباه، منصاعاً لـها بافتتان في تلك اللحظات، وكان خائفاً من أن يتزحزح وينظر إليها فيرى مصادفة ما تفعلـه وراء منضدة التبرج، وحين سمع صوتها أخيراً: "تفضل، يمكنك الآن النظر". ورفع رأسه، اقتربت منه مبتسمة قليلاً، وقد تمكنت من فعل شيء ما أنثوي، ساحر، عند المنضدة: صارت عيناها أكبر وأشد إخافة وغموضاً، وصارت رموشها المشعثة أشد سواداً. نظر إلى عينيها مبهوراً، أما هي فظلت تبتسم نافذة بنظرتها إلى أعماق حدقتيه، وكأنها تسألـه بهذه الابتسامة المطولة: "ماذا، هل حقاً أنني جميلة؟". قالت مخرجة إياه من كمه من الأريكة: "-تعال إلى هنا، دع الألبوم الأحمق والديكورات التي لا تطاق وشأنها". ثم ضحكت وقادته وراءها وهي تجلس على السجادة بين المنضدة الدائرية المغطاة بالمفرش المخملي والمدفأة الـهولندية المكسوة بالترابيع، والتي فاح منها دفء جاف على شكل موجة متلبدة: "- اجلس ههنا، هنا المكان ممتاز. أحب بجنون الجلوس هنا على الأرض والتدفؤ عند المدفأة ومشاهدة الكتب. اسمع عندي كتاب مقيت. وجدته مرة في خزانة أمي. لكنْ هناك حريم شرقي ونساء جميلات جداً، ببساطة حسناوات. ممتع، قل أيهن تعجبك؟ ألن تحمرّ؟ "قالت ذلك باستفهام ساخر رامية لـه الكتاب، وبدأ، وهو يكاد لا يستطيع تحت نظرتها السيطرة على ارتعاش أسنانه، يتصفح بحذر الصفحات المستوية الملساء ذات الرسوم الملونة، التي ألصقت بين النص تحت الورقة الشفافة. بدا أن ذاك وصفاً باللغة الإنكليزية للشرق المسلم القديم وعيشه وتقاليده، وصورت في الرسوم قصور غنية لا تعرف الأحزان تحت السماء اللازوردية، ونخيل، وراقصات حسناوات مدورات الأوراك ونصف عاريات أمام الحاكم الملتحي ذي العينين الصقريتين، المستلقي على السجاد، وأوضاع متكاسلة لشابات فاترات ينظرن حالمات وعاشقات بعيونهن الخوخية إلى الماء الفيروزي في البركة المرمرية التي عكست قمر السماء الضيق. "-ماذا؟ هل أعجبتك إحدى حسناوات ذلك السلطان أو الشيخ؟" نطق على الأرجح كي لا يبين وحسب تسمره الحار، الذي تملكه مثل قيظ تموزي مخدر، مثل سم من عسل سمحت لـه بأن يشربه بحضورها: "-هذه لا بأس... على الدرجات...". قالت بجدية وزحفت على ركبتيها نحوه حاجبة بخجل عينيها بأصابعها المنفرجة، وألقت من بينها على الرسم نظرة قصيرة جداً: "-على الدرجات؟ أرني من فضلك حماقة – وتقول "لا بأس". ما الذي تفهمه عموماً من الجمال النسائي؟ دع حالاً الكتاب، هذا سيفسدك. الأفضل – هل تعرف ماذا؟ أنت ترغب في أن تقبلني، لكنك خائف؟ أليس كذلك؟". انتزعت منه الكتاب بسخرية مرحة وأغلقته ورمته باتجاه الأريكة العريضة، والتقى متسمراً بعينيها المفتوحتين الـهائلتين المرسومتين برموشها على نحو لا يخلو من عيب ما: اقترب على نحو مخيف من حدقتيه قوس القزح الفياض، واقتربت على نحو مخيف شفتاها المبتسمتان، المرتجفتان قليلاً عند زاويتيهما الرقيقتين. **** يذكر الآن أيضاً المرونة الرقيقة في شفتيها الباردتين أول الأمر من الشارع، والفواحتين برائحة الثلج الطازج، ثم الدافئتين، الرطبتين، المنفرجتين تارة والمتحركتين في الملامسة الزلقة، التي لا ترتوي، والمضغوطتين تارة أخرى على نحو محكم وكأنها كفت في غيبوبة منها عن التنفس وعن الإحساس به، وكأنه لم يكن في تلك اللحظة موجوداً قربها، بينما كانت تحاول أن تتذكر وتقارن شيئاً ما غامضاً، خفياً، لا يعرفه... ثم استلقت ببطء بظهرها على السجادة، وغطت عينيها براحتها وهمست همساً ضعيفاً: "-عانقني هكذا... استلق...". وسيتذكر مدى الحياة كيف استلقيا على السجادة قرب المدفأة الـهولندية في تلك الغرفة المريحة الدافئة، حيث فاحت روائح عطور التوابل والقدم، وأيضاً رائحة الغبار العطر للمفرش المخملي المتدلي في الظل من نور المصباح الوردي فائق النعومة، وسيتذكر كيف اصطدمت أسنانهما، وكيف أصيبا معاً بالصمم في ضباب الثمل، وما عادا يسمعان أصوات الجيران خلف الجدار ولا ضجيج الترامواي البعيد على شارع نوفوكوزنيتسك، ولا هدوء الـهطولات المسائي، ولا خطوات المارة المزقزقة خلف النوافذ. لقد سبحا، هما الاثنان، المنفصلان عن الأرض، والمنضغط واحدهما بشفاهه في الآخر، في ظلمة الكون المتوهجة النجمية، خائرين في تقارب جسدي غير ممكن، ومتعطشين للأمر الأخير، الذي كان عليه أن يحدث بينهما الآن، لكن خوفهما معاً وخجلـها قطع تقاربهما وحجبه ومنع الأمر الأخير... تشرب بنهم في هيامه مذاق شفتيها المؤلم وقد تورمتا ولم ترويا غليلـه، أما هي، العاجزة، الخائرة من قبلاته، فالتقطت أنفاسها بصعوبة فجاءة، وجذبت يده بخفة نحو فخذها ورجته هامسة همساً مختنقاً أن يساعدها في فك بكلة جوربها الأيمن التي تؤلمها – وتساقط همسها هذا مثل غبار شراري من سواد الكون، وبرق فوقهما مثل رواسب ذهبية، وخيل لـه لحظة أن قوة حارة حملتهما وساقتهما معاً إلى هيولى مستعمرة على حافة الـهاوية، حيث انتهى كل شيء ومات في الظلمة وبدأ كل شيء من جديد في نار وضاءة حارة... "-ما بك... ما بك...". لم يعرف إن كان قد استطاع بمفرده أن يفك البكلة على جوربها الصوفي المتين، الذي ظل يحفظ القليل من برد الشارع، حسبه أنه رأى أول مرة في حياته عن قرب هكذا فخذها العاري واكتنازه الأنثوي، وأحس بالدفء الجسماني في جلدها، الذي اقشعر فوراً وبرد باهتياج. كررت: "-ما بك... بسرعة، بسرعة". وكان في كلماتها سماح جنوني نافد الصبر، لكنها، حين شعر بجسدها المنتفض من البكاء الخفيف، الذي أحرق ذقنه بدموعها الحارة، وحين قرر أخيراً النظر إلى وجهها، استلقت مصرفة بأسنانها ومغمضة عينيها وكانت الدموع في رموشها تتجمع وتتدحرج على خديها. أما هو، المصعوق من كل ما حدث بينه وبينها، ومن عريها الفتي المكشوف غير المحمي الآن بالخجل، الذي جعل أسنانهما للتوّ تصاب بالبرداء، والمستعد من أجل الوجود معها لحظة للذهاب إلى أي إعدام، والمستعد أيضاً للبكاء بسبب من الرقة غير المكتملة، فقبّل نهدها الصغير، الذي بدا وكأنه مغسول بالبرودة الصيفية لغابة صباحية، وبالتوت الإفرنجي الطازج، مصطدماً بأصابعها الحاجبة إياه بوهن، ومن غير أن يفهم تقريباً همسها السابح كالـهواء من الـهاويات النجمية، وردد بحرية يائسة: "- أحبك يا ماشا...". "- لو... لو عرف إيليا ماذا كان سيفكر... كان سيدهش... أليس كذلك؟ أليس كذلك؟" ومع صوتها مرت فوقه باتجاه جانبي الـهبات المشدودة للعاصفة الثلجية التي بدأت مع قدوم الليل، وهديرها المصفق، والريح الضاربة الأسطحة والزجاج من الخارج، وصرير الأغصان المتجلدة الممطوط في الفناء، ورنين عربات الترامواي القادم من بعيد من فوق الأسيجة، العربات التائهة في ثلج مساء زاموسكفوريتشيه العاصف. أما هو فأحاط به حر المدفأة الـهولندية المنزلي، والرائحة الصوفية المنبعثة من السجادة الدافئة، التي استلقيا عليها وواحدهما يمس الآخر في حال من النسيان، وكان ثمة شعور بأنه يطير إلى مكان ما من سطوع لا قاع لـه في سماء نيسان الواعدة بالربيع الأزلي والخلود والحب إلى الأبد. "- دعني، دعني... لم أعد قادرة. ما عادت شفتاي تتحركان...". "- ماشا، أحبك... هل تفهمين كم أحبك؟". عند منتصف الليل خرج إلى الزقاق الغائم، الذي لسعه على نحو رطب على وجهه الحار ببرودته العذبة وبوخز زوابعه. أنارت المصابيح المنشبكة بالدخان الدوّار مثل بقع بيضاء. نظر إلى النافذة المتوردة في الدخان الثلجي، والمحجوبة بالستارة، حيث بقيت الآن، وشعر من جديد فجاءة برقة مغتبطة نحوها، وبحيرة بين الكارثة والأمل، وبوحدته السعيدة وسط هذه الكثبان المدخنة، والأسيجة المغطاة بالثلج والمصابيح المكفهرة حتى أنه شعر بأنفاسه تتقطع في حنجرته على نحو غير منتظر... لم تذهب إلى المدرسة أسبوعاً كاملاً، لكنها، حين رآها في الاستراحة بين الدروس، التفتت عنه مسرعة، وكان وجهها شاحباً، معذباً، ثم ردت رأسها بتحد واقتربت منه وقالت ضاحكة: "-مرحباً يا روميو. تذكر أن أي لقاء بينك وبين جولييت لم يكن ولن يكون أبداً. آمل أن تكون فارساً نبيلاً وأنك نسيت كل شيء...". لم يستطع أن ينسى شيئاً، ولـهذا كان الألم طويلاً، شديداً، لا براء منه، وكان يعذبه أحياناً حتى في الحرب. "ربما، يستحق هذا الألم أن نولد في هذه الدنيا من أجلـه وحده... لا، من بين آلاف الأفكار والاختيارات ثمة واحد –عظيم وأبدي...". وأنّ في نومه، واستفاق، وفتح عينيه شاعراً بحال مبهمة من فرح فتي شديد ومن أمل فتي، ومن عشقه اللانهائي ذاك، الشبيه بالموت السعيد، وأعاقه تشنج النحيب المخنوق عن التنفس كما حدث مرة منذ زمن بعيد جداً في منتصف ليل ثلجي عاصف من شبابه البعيد. ناداها بصوت خافت من العتمة التي عكست على نحو باهت ألوان اللوحات: "-ماشا". وحين لم يسمع الرد عارفاً أنها ليست هنا، همس قائلاً: "-ماشا، أحبك... ماذا أفعل يا ماشا؟..". ساد صمت أصم في عتمة المرسم. خلف النافذة ظل الـهواء يثير على نحو رطب ضجيج الأشجار، وقرعت قطرات الثلج الذائب على الأفاريز مثل مطر رنان متواصل، وارتجفت النجمة الخضراء الربيعية الوحيدة على الزجاج المبلل، وكانت الساعة الثالثة من أشد الأوقات إقفاراً وقنوطاً في تلك الليلة من آذار. انتهت |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |