شجرة التوت - حسين عبد الكريم

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:55 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

بيت ابن الأحمد والدرب المؤدي إليه يوحيان بأن ساكنه يخلو من القسوة، لكن الحال على خلاف ذلك، فنفس ابن الأحمد... معذبة مطعونة، وروحه مزدحمة بالشقاء والتعاسة، وهذا ما جعله يميل إلى العزلة والقسوة وظلم أولاده... ويبدو أنه ورث النكد والفقر والطباع السيئة من دنيا غنية بهذه الحاجات.

الدرب الواصل بين بيته وبيت أبي يوسف درب متميز، أنفق أياماً في هندسته، واقتلاع أشواكه حتى غدا خالياً من الشوك، حنوناً تحيط به الأغصان.‏

أبو يوسف في أيام نادرة، يزور ابن الأحمد... يترك مصطبة التوتة وينطلق باتجاه بيت ابن الأحمد.‏

من بعيد نظر سلمان إلى بيت ابن الأحمد فألفى سمراً منشغلة بغسل الصحون وألفى رباباً قد حملت الجرة وانطلقت إلى نبع ساقية المراعي حيث الدلباب، ونظر إلى بيت أبي يوسف فألفى أبا يوسف يمشي وئيداً باتجاه المساء وبيوت الجيران، وألفى بيت ابن الحمودة المجاور لبيت أبي يوسف يغرق شيئاً فشيئاً في غبش المساء.‏

قالت سمر في نفسها:‏

"لو نجلس أنا وسلمان عند أبي يوسف... ونسمع أحاديثه، ونعاين وجهه وملامحه ونمتلئ بصوته ورائحة شجرة التوت ومساءاتها"...‏

كم أتمنى أن يهرب بي المساء إلى مصطبة أبي يوسف وشجرة التوت، فأستريح من قسوة والدي وغضبه"...‏

يئس أخيراً سلمان من أن يعود ثانية إلى حيث سمر أمام البيت، وصوت والدها ينشر الخوف في أرجاء نفسها، واتجه غرباً إلى جهة بيت أبي يوسف، ومنه إلى حيث يشاء. شاهدت سمر سلماناً وهو يمشي متحيراً باتجاه بيت أبي يوسف وشجرة التوت... وشاهدت البيوت وهي تغرق في ظلمة العشاء، وبقي صوت والدها ينشر الخوف حولها كسياج من الأشواك متين...‏

أصوات قليلة بقيت تخرج من أنفاس ليل قرية شجرة التوت... وبقيت سمر تسمعها وترى الطيور وهي تتجه مسرعة إلى أعشاشها...‏

قالت لأمها وهي تتجه إلى المصطبة:‏

-ألم تري بيت أبي يوسف إنه لا يختفي في الليل، لأن شجرة التوت تبقى واضحة وضوء سراجه يبقى متوهجاً... وصوت أبي يوسف يبقى مسموعاً.‏

-أبو يوسف وشجرة التوت من أقدم الذين عاشوا في قريتنا يا سمر... وأنا أعرف أبا يوسف... إنه أحسن من أم يوسف بألف مرة.‏

-كادت سمر تضحك لكنها كتمت ضحكتها، خوف أن يسمعها والدها وهي تضحك فيطلق صوته عبر الأفق فيذهب بهجة حديثها مع أمها عن أبي يوسف.‏

قالت أمها:‏

هل شاهدت أم يوسف وهي تلم البيض أو وهي تصف حاجات الناس... إنها تسبب البلوى بين الناس... إنها يوم تزورنا تسبب لي الشقاء، لأنها تصف أشياءنا بأنها لا نفع منها، وتقول لوالدك: ما هذا البساط؟... لماذا أخطأت زوجتك بشبكه، وما هذه الطراحة، وما هذه المخدة؟.. وتبقى تسأل حتى تسبب الخلاف بيني وبين والدك.‏

* * *‏

-هل نجحت سمر في صفها يا سلمان؟.‏

-سمر لا ترسب في أي صف من صفوف المدرسة، ولولا قسوة والدها لكانت الأولى في المدرسة يا حسان.‏

-وأنت ألم تنجح؟‏

-حتى الآن لم تظهر نتائج امتحاناتنا.‏

دار هذا الحديث بين حسان وسلمان وهما يتقدمان من جهة السد باتجاه بيوت القرية. بيت سمر هو أول بيت يظهر للقادم من جهة السد.. قال حسان:‏

هاقد وصلنا إلى جهة بيت ابن الأحمد لكن سمراً ليست موجودة على المصطبة يا سلمان؟!.‏

تكون ذهبت لزيارة أختها التي في المدينة.‏

أختها الكبيرة جوهرة؟؟‏

-هكذا قالت لي في الأمس... قالت لي: سأزور أختي الكبيرة جوهرة وربما أنام عندها إذا سمح لي والدي.‏

أنا لم أشاهد أختها جوهرة إلا مرتين، مرة كانت تزوركم ومرة كانت تزور أم يوسف...‏

-هل سمعت أوصاف أم يوسف لها عندما تزورها وتحضر لها المأكولات والثياب؟‏

-لا لم أسمعها.‏

أنا سمعتها مرة وهي تحكي لزوجة ابن الحمودة. كنت جالساً عند أبي يوسف تحت أغصان التوتة وكانت أم يوسف وزوجة ابن الحمودة جالستين في البيت، قرب العمود الكبير.... يومها قالت أم يوسف لزوجة ابن الحمودة: ضيع ابن الأحمد بقسوته بناته: جوهرة من أجمل البنات لكنها هربت من والدها وتزوجت رجلاً معمراً، ليحميها ويؤمن لها مصاريفها، وبقيت فترة طويلة لا تزور القرية، ثم سمح لها والدها بزيارة البيت.‏

وأنت يا سلمان ألا تخاف على سمر من أن تضيع مثل جوهرة؟‏

أطرق سلمان إطراقة المحاصر بالأسى والخيبة ولم يتكلم.‏

قال حسان:‏

انظر إلى شجرة أبي يوسف إنها تفرش أغصانها فوق المصطبة وسطح البيت وفوق الدرب، وتكاد أن تصل إلى شجرات التين التي في أرضنا.‏

والأكثر من هذا أنها تجمع الجيران وتلم البعيدين منهم والقريبين.‏

أتصور أن أغصانها ستصل ذات يوم إلى جدار بيت ابن الحمودة الجنوبي.‏

نحن نذكر شجرة التوت وأبا يوسف وبيت ابن الحمودة، وزوجة ابن الحمودة عند أم يوسف تحت التوتة.‏

نظر سلمان إلى جهة التوتة فظهرت لـه زوجة ابن الحمودة بخمارها الضارب إلى السواد وظهر منديل أم يوسف وقد قمطت رأسها به بطريقة هندسية متداخلة، لا يدركها إلا أم يوسف وبعض نساء القرية، وظهرت الدجاجات تسرح في ساحة البيت بحثاً عن حبات القمح، والجرة الكبيرة المستندة إلى حائط الساحة الغربي.‏

قالت أم يوسف:‏

رائحة ماء هذا السد لا تريح البال...‏

-أنا مثلك أشم رائحة سيئة تجيء من جهته...‏

قالت لي زوجة ابن الأحمد إنها رأت فيه أفاعي سوداء.‏

-ماذا يمكننا أن نفعل مع السد والأفاعي إلا الحذر والخوف من القدر؟!.‏

لم تكمل أم يوسف وزوجة ابن الحمودة حديثهما لأن صوت ابن الحمودة قطع عليهما متابعة الكلام إذ نادى زوجته...‏

-أنا سأذهب يا أم يوسف، لأن ابن الحمودة يكون جائعاً أو يكون معه ضيوف... زمّت أم يوسف شفتيها ونطقت كلمة أو أ كثر في وداع زوجة ابن الحمودة، وعادت إلى جلستها... مدت يدها إلى منديلها، لتتأكد من سلامة ربطته... ثم انحرفت قليلاً باتجاه ساحة البيت لتعاين واقع حال الدجاجات.‏

صوت ابن الأحمد أفزع أم يوسف، ومشت عبر دريب البيت المحاط بجذع التوتة وحفاف المصطبة وحفاف الأرض، وانطلقت عبر الدرب المتجه شرقاً... لتخبر زهوة بخبر وصول ابن الأحمد إلى الساقية...‏

وقفت أم يوسف عند طرف البيت الشرقي فلمحت زهوة خارجة من باب السياج الخشبي... قالت في نفسها: سمعت زهوة صوت ابن الأحمد... وهل يبقى أحد في القرية لا يسمح صوته إذا نادى...‏

* * *‏

وجود شجرة التوت في القرية علامة خير لكل الجيران، تحت أغصانها يجتمعون، يحكون حكايات حياتهم... ويشربون الشاي وماء النبع البارد... شجرة التوت البرية ليست شجرة عادية. تتبدى للناس في حالات مختلفة، ولكل حالة دلالة بعيدة ووقع عميق في القرية... إن بدت خضراء، فذلك دلالة خير وإن بدت شاحبة ذابلة فذلك نذير سوء...‏

ابن الصبرة نظر إليها من أرضه المجاورة للساقية فألفى أغصانها ذابلة.‏

قال لزوجته:‏

-يا أم محمود... أنا خائف هذا اليوم.‏

-لماذا أنت خائف... البقرات بخير والدجاجات لم يصبها مرض الخناق... وشجرات الزيتون جيدة الحمل هذا العام؟‏

-لا أدري ما سبب خوفي... منذ شاهدت شجرة أبي يوسف ذابلة؟!.‏

-طول بالك يا أبا محمود واحمد حظك ودنياك.‏

بيت ابن الصبرة يشرف على الساقية القادمة من المراعي، ومن أمام مصطبته يمر الدرب المنطلق من الساقية إلى بيت ابن الصالح وبقية البيوت القريبة...‏

جلس ابن الصبرة على المصطبة، وأسند رأسه إلى وسادة عالية، بينما أم محمود ذهبت بالبقرات إلى الساقية لتسقيها...‏

فكّت حبال البقرات من شجرات التوت والزنزلخت وأطلقت لها العنان شرقاً نحو نبع الساقية... تذكرت كلمات زوجها عن شجرة التوت وأبي يوسف "أنا خائف يا أم محمود من ذبول أغصان التوتة".‏

نظرت أم محمود إلى جهة بيت أبي يوسف فلمحت أبا يوسف قادماً باتجاه المصطبة، ولمحت زوجة ابن الحمودة قرب الدرب، ولمحت أم يوسف وهي تميل ميلاتها المعهودة وسمعت صوتها تنادي الدجاجات:‏

تعاه... تعاه... تعاه...‏

بوزهره... بوزهره... بوزهره...‏

وسمعت صوت زهوة زوجة ابن الأحمد وصوت بنتها سمر ورأت ابن الأحمد وهو يخرج من باب السياج الخشبي ويتجه غرباً إلى مصطبة أبي يوسف... شجرة توت أبي يوسف تظهر جيداً لكل الجيران، ويظهر الجالسون على مصطبتها، وتظهر الدجاجات التي تسرح في ساحة البيت إلى جوارها، لأن أرضها مرتفعة ومشرفة على البيوت والكروم... أم محمود شاقها أن تسقي البقرات، وتربطها وتنطلق بعد ذلك إلى مصطبة شجرة التوت وتقشر بعض القمح في الجرن، وتسمع أحاديث القرية وتطمئن إلى سلامة حال شجرة التوت.‏

غفا ابن الصبرة غفوة سريعة، لكنها قلقة ومزعجة، إذا ازدحمت رأسه بالرؤى المخيفة... رأى نفسه وسط المرعى ومعه بقراته، وإذ بوحش يهجم عليه وعلى بقراته، ولولا أنه رأى أبا يوسف مصادفة لقتله الوحش وقتل بقراته.‏

استيقظ خائفاً، نظر حوله ونظر إلى البقرات، فلم يجدها، فاعتقد أنها سرقت أو قتلت، لكنه اطمأن عندما رأى أم محمود تعود بها من الساقية.‏

أسند ابن الأحمد ظهره إلى الحائط، بعد أن وضع لفافة الدخان العريضة في فمه... قطَّب حاجبيه وقال:‏

-هل تعلم يا أبا يوسف أن رائحة السد قاسية جداً؟!‏

رد ابن الحمودة مؤكداً:‏

-فعلاً رائحة سيئة وصعبة المعاشرة كما يقول ابن الأحمد.‏

قال أبو يوسف:‏

-هذا قدر حلّ بقريتنا.‏

نظر ابن الأحمد إلى جهة الساحة، فرأى بعض دجاجات أم يوسف تسرح في جهات الساحة. نحنحة الحمامات والأفراخ في أعشاشها فوق العتبة كانت تؤنس صمت الجالسين، وتعطي الهاجرة تحت أغصان شجرة التوت نكهة حنونة.‏

قال ابن الحمودة:‏

في الليل الفائت سمعت صوتك وخفت من أن تكون غضبت على بنتك سمر، وفكرت بأن أدق الباب على أبي يوسف من أجل ذلك.‏

-لا لم أكن غاضباً على سمر ولا على زهوة... بل كنت غاضباً على /بوزهره/.‏

قال ابن الحمودة مندهشاً:‏

اوف اوف اوف... من شر /بوزهره)... إنه لعنة لا تنتهي.‏

منذ يومين وأنا أمشي قرب الساقية والمراعي لمحت عدداً من /بوزهره) وخفت على دجاجات أم يوسف يومها وخفت على دجاجات كل الجيران، ويومها عدت مسرعاً إلى البيت لأطمئن على حال الدجاجات. ابن الأحمد نأى بهواجسه عن أبي يوسف وابن الحمودة، عاد إلى كلمات ابن الحمودة: "خفت من أن تكون غاضباً على سمر" وقال في سره: "وماذا يعني ابن الحمودة أغضبت أم لم أغضب على سمر... وما علاقته بذلك؟؟.. وهل يعقل أن غضبي على أولادي صار حكاية الجيران؟!".‏

مد ابن الحمودة يده إلى علبة دخان أبي يوسف، أخذ منها ورقة بيضاء ناعمة الملمس، وملأها بالدخان ولفها، وجعلها بين شفتيه، وأشعلها... سحب منها نفساً عميقاً، ثم حرك عجيزته لتستقيم جلسته على حصير المصطبة:‏

نظر إلى أرض شجرة التوت المزروعة بالتبغ:‏

-دخان أرضك قليل يا أبا يوسف!‏

-أنا وأم يوسف يكفينا أي شيء.‏

-ابن الأحمد لم يزرع هذه السنة إلا البندورة...‏

قال أبو يوسف:‏

-شجرات مشمش ابن الأحمد ترد عليه بموسمها هذه السنة ما يكفيه ويكفي زوجته والأولاد.‏

قال ابن الحمودة:‏

-أنا سمعت من أم يوسف أن جوهرة بنتك الكبيرة ستأخذ سمراً لتدرس عندها في المدينة؟!.‏

-يا ابن الحمودة... أعطني علبة دخانك، لألف سيكارة، واسترح من قصة سمر وجوهرة وغضبي.‏

-تفضل... جرّب دخان علبتي.‏

قدّم ابن الحمودة علبة دخانه... وسكت... لأن كلمات ابن الأحمد جاءت قاسية عليه فأسكتته... لم تستمر جلسة ابن الأحمد وابن الحمودة عند أبي يوسف هانئة مطمئنة، لأن صوت ابن الصبرة جاء قوياً ومباغتاً ومعذباً:‏

ثعلب/ بوزهره/ قتل نصف دجاجاتنا.‏

***‏

أقبل الصبح ثقيلاً حاراً، وشجرات مشمش ابن الأحمد أثقلها اصفرار ثمارها... فراحت تتساقط بفعل الحر الشديد.‏

جمعت سمر ثيابها القليلة في حقيبة سوداء صغيرة، وارتدت ثوبها الزهري فبدت بهية نضرة، وسرحت شعرها الطويل فكاد يصل إلى عجيزتها...‏

قالت لوالدها:‏

-أنا ذاهبة... ماذا توصيني؟‏

-خذي معك سلة المشمش لأختك جوهرة، وارجعي بعد أسبوع إلينا...‏

شاهدت قرية شجرة التوت سمراً وهي تخرج من باب السياج الخشبي وفي يديها سلة ملأى بالمشمش وحقيبة جمعت ثيابها بها... نسيت سمر أن تودع أبا يوسف وشجرة التوت، حتى إنّ أم يوسف قالت لزهوة عندما علمت بعد يومين بذهاب سمر:‏

-تمنيت أن تمر سمر عليّ، لأعطيها البيضات التي جمعتها لتأخذها لجوهرة.‏

-سترجع إلى البيت بعد أيام معدودة.‏

-أبو يوسف ليس هنا اليوم أين هو؟؟.‏

-قد يكون ذهب إلى دكان بوحمود أو يكون قصد بيوت الأولاد في المدينة... ليستطلع أخبارهم.‏

أولاد أبي يوسف عاشوا في البيت الترابي، حتى كبروا، وسارت أمورهم على ما يرام، وتزوجوا، فتركوا البيت الترابي، وسكنوا بيوتاً أو غرفاً ضيقة في المدينة نزولاً عند رغبة زوجاتهم... المصونات... لكن أبا يوسف منذ البدء أكّد لهم أنه لن يترك شجرة التوت والمصطبة والبيت الترابي... وهو غني عن بيوتهم وعيشهم في المدينة...‏

عادت أم يوسف إلى انشغالها بإطعام الدجاجات... وبالبحث عن أفراخ الحمام: أهي موجودة في أعشاشها أو طارت في أرجاء البيت، أو أن أبا يوسف ذبح بعضها وأطعمه لجيرانه، أو أخذه دون معرفتها لأولاده في المدينة؟.‏

زهوة زوجة ابن الأحمد جلست على المصطبة وأسندت ظهرها إلى جذع التوتة... لكنها لم تبقَ وحيدة لأن زوجة ابن الحمودة وصلت...‏

-شايفتك هنا اليوم... ابن الأحمد ليس في البيت.‏

-ابن الأحمد في المدينة يشتري بعض الأغراض والحاجات.‏

-قال لي ابن الحمودة: إن سمراً ذهبت إلى بيت أختها جوهرة؟!.‏

-ذهبت من يومين وستعود بعد أيام.‏

جوهرة لم تأخذ سمراً من أجل الدراسة... بل من أجل أمر آخر رتّبته في ذهنها جيداً... وسلسلت أحداثه قبل حدوثها...‏

الحياة علّمت جوهرة أن الغيوم لا تمطر إلا في الفصول الغنية بالمواسم، وعلّمتها أن العيش في بيت والدها أمرُّ من الشقاء، وأن المرأة الجميلة يجب أن تتزوج رجلاً غنياً لينفق عليها كما تشاء...‏

منذ اليوم الأول قالت لسمر:‏

-اهتمي بنفسك جيداً... واشترت لها بعض الثياب، وحاولت أن تشعرها بأن الحياة في المدينة نعمة لا بعدها ولا قبلها... لكن روح سمر لم تستطع أن تعشق المدينة بسرعة، وبقيت شجرة التوت تشدها بألف خيط... وبقي أبو يوسف وحكاياته وأيامه ملء خيالها...‏

في اليوم الثالث سألت جوهرة أختها:‏

كيف ترين الحياة هنا يا سمر؟؟ ألم تفرحي بحياتنا في المدينة؟؟.‏

صمتت سمر... ولم تجب حتى بالإشارات...‏

-عادت جوهرة وسألتها:‏

-مالك ساكتة هكذا... قولي لي، ألم تعجبك حياتي؟؟.‏

-لا أعرف يا جوهرة إن كانت حياتك تعجبني أو لا تعجبني، أنا الآن أتمنى أن أعود إلى القرية.‏

-أنت لا تعرفين الحياة ولا تعرفين كيف يعيش الناس.‏

-أنا الآن أفكر في حياة قريتنا، وأذكر أبا يوسف وشجرة التوت، وأتمنى لو أنني ودّعته، وودّعت أم يوسف وكل الجيران... أنا خائفة يا جوهرة...‏

-من ماذا خائفة؟؟.‏

-لا أعرف... لكنني أتمنى لو أنني جلست عند أبي يوسف وسمعت حكاياته قبل أن أجيء إلى عندك. سكتت جوهرة، ولم تضف أية كلمة، لأنها تعرف أبا يوسف، وتعرف شجرة التوت الواسعة التي أمام بيته، وتعرف أم يوسف وتزورها كلما قصدت القرية، لكنها لم تألفه ولم تتعلق به كما تعلقت به سمر... قالت في نفسها:‏

"أبو يوسف –فعلاً- عجوز حنون، عشرته حنونة، وشجرته حنونة، لكن الزواج من الأغنياء يخلص المرأة من الحاجة".‏

عادت سمر إلى الحديث:‏

أنت يا جوهرة غبت عن القرية منذ سنوات طويلة، وقد تكونين نسيت أبا يوسف وشجرة التوت، أمّا أنا فلم أنسَ لا أبا يوسف ولا شجرة التوت... أنا أتمنى أن أجلس عند أبي يوسف يوماً كاملاً، استمع لـه وهو يحكي عن أيامه وشغله، وسفره وفلاحته، وعن أم يوسف وأيامها معه، وعن الينابيع والأشجار والطيور.‏

أبو يوسف إلى اليوم يخبئ البيضات عن أم يوسف ويعطيها للأولاد، ويعطيهم الفرنكات... ويجلسهم على مصطبته في الهواجر والمساءات...‏

إنه يشبه نبع الساقية عندما يتدفق في الصيف... وليت أبي مثله... ليته يكون رحيماً بنا، ليته لم يشرّدنا كأوراق غصن يابس... ليته كان كأبي يوسف، وليت أشجارنا كشجرته، لكان رحمنا من البؤس والضياع والعار...‏

قالت جوهرة بحسرة:‏

-آه يا سمر... أراك كبرت بسرعة، وأراك تفهّمت وضع حياتنا مع والدنا بشكل جيد... المدرسة علّمتك ونفعتك...‏

كان البحر لطيفاً كأطفال يلعبون مع الريح، وكانت رائحة ذكريات قرية شجرة التوت ملء أنفاس جوهرة وسمر... وكان الصيف مزدحماً بالناس والمساء، لكن سمراً وجوهرة بقيتا في دنيا شجرة التوت وأبي يوسف وأيام العيش المريرة... عادت جوهرة إلى حديثها:‏

أنت يا سمر تعلمت في المدرسة، ونجحت، أما أنا فلم أقترب من المدرسة، ولم أحمل دفتراً أو كتاباً في حياتي... أيامي مع والدي كانت أقسى من أيامك ويومها كانت شجرة التوت وكان بيت أبي يوسف، لكن أبا يوسف كان مسافراً... مرت علي أيام وليال لم أجرؤ على النوم في البيت خوفاً من والدي، كنت أحاول الذهاب إلى بيت أبي يوسف لأنام عند أم يوسف، لكن أم يوسف ليست كأبي يوسف، لتحميني وتساعدني... أذكر إلى اليوم أنني في يوم من أيام البرد والمطر خفت من والدي، فلم أرجع إلى البيت، وذلك لأمر بسيط يتعلق بسلة مشمش... في الليل ذهبت إلى عند أم يوسف، كانت وحيدة في البيت... نمت عندها على المصطبة الداخلية، لكنها في اليوم الثاني ذهبت إلى والدي وراحت تنصحه وتحضّه على ضربي وإزعاجي وطردي من البيت...‏

قالت سمر:‏

-حياتنا مع والدي صعبة يا جوهرة... لكنك أنت أخذت أكبر نصيب من عذاب العيش معه.‏

عادت جوهرة إلى الحديث:‏

-تصوري يا سمر رغم أن أم يوسف كانت توصي والدي وتنصحه بأن يضربني ويطردني فقد أزورها وأحمل لها الأغراض، ليس من أجلها، بل من أجل شجرة التوت وأبي يوسف...‏

-أنا مثلك أطمئن بالجلسة على مصطبة شجرة التوت، وبالاستماع إلى أحاديث أبي يوسف...‏

قالت سمر:‏

أنا أذكرك وأذكر تعذيب والدي لك، وأذكر يوم تركت البيت وغبت، وراحت أم يوسف تسأل عنك وتبحث، لكنها لم تجد لكِ أثراً... وأخيراً سمعت أنّك تزوجت في المدينة...‏

-تعرّفت إلى زوجي مصادفة، فأعجبته وطلب مني الزواج، وقبلت دون سؤال أو جواب لأنني كنت دون بيت، كنت كغصن مقطوع من شجرة لا أرض لي ولا دار ولا أهل ولا أحد...‏

وزوجي ليس عظيماً أو رجلاً بكل معنى الكلمة، لكنه يحترمني، ولا يتركني محتاجة لشيء... سكتت سمر. لم تتكلم، أخذتها هواجسها إلى حيث شجرة التوت وسرحت بها في دروب القرية ومرت بها على البيوت والساقية وبيت ابن الصبرة، وابن يوسف بوحمود... تساءلت في نفسها: سلمان هل يمكنه أن يتزوج الآن؟ وهل يمكنه أن يؤمّن لي حاجاتي؟ إنه شاب... وحبيب... لكن الحب عند والدي يموت، وتذوي أغصانه... وتنتهي حياته سريعاً...‏

قطعت جوهرة على سمر رحلة تأملاتها:‏

-بماذا تفكرين الآن؟..‏

-بالعودة إلى القرية.‏

-لماذا... للعيش مع الشقاء والغضب والفقر؟‏

-معك حق يا جوهرة... لكنني أحب القرية وشجرة التوت وأبا يوسف، أشعر دائماً بأنها علامة خير وحياة لكل القرية... أراها أحياناً في نومي... أخاف عليها من الرياح القوية ومن العطش الشديد، وأتمنى أن أزورها وأجلس قربها كل يوم...‏

-أنا معك في أن تزوري شجرة التوت وأبا يوسف، لكن ما رأيك في الزواج؟‏

-أوف... أوف... ما أتعس الحياة وأضيقها لا... لا... أنا الآن لا أفكر بالزواج.‏

-بماذا تفكرين إذن؟‏

-لا يوجد تفكير الآن بالزواج... أفكر بالدراسة... وبأمي وبالجيران... الزواج لم أفكر به حتى اليوم...‏

-ادرسي عندي، وعيشي عندي، وعندما تنتهي الدراسة تفكرين بالزواج... ما رأيك؟‏

صمتت سمر... أخذتها ريح التذكر والتأمل وابتعدت بها عن أختها: هل يعقل أنني أفكر بالزواج؟ والدراسة التي حلمت بها طويلاً... وكلمات أبي يوسف: "أنت يا سمر من الجيدات في القراءة والحفظ، وقد وهبتك الدنيا جمالاً وحسناً... لكن والدك صعب والعيش معه مر، وأنا أخاف عليك من غضب والدك".‏

* * *‏

زوجة ابن الحمودة بعد أن أنهت عملها في البيت والأرض المجاورة للبيت.... فكرت بأن تذهب إلى بيت أبي يوسف، لتجلس عند أم يوسف، وتستطلع منها أحوال الناس والدنيا... لكنها ما أن أسندت ظهرها إلى حائط البيت حتى غفت، ولم يوقظها إلا صوت ولدها العائد من المدينة حيث يدرس:‏

-أمي... أمي... أمي... مالك تتكلمين وأنت نائمة؟‏

-بارك الله بك يا ولدي... لأنك أرحتني من حلم مخيف وصعب...‏

-فعلاً... كنت تتنفسين تنفساً ضيقاً، وتتكلّمين كلاماً غير مفهوم... وتحاولين أن تصرخي، فلم تستطيعي... ماهو هذا الحلم الصعب يا أمي؟‏

-أنساني أن أسألك عن نفسك وأمور دراستك.‏

-قولي ما هو؟‏

-صدقني يا ولدي أنني شاهدت شجرة التوت تهوي، تقتلعها ريح قوية. وتهدم بيت أبي يوسف... ورأيت الجيران يحاولون أن يوقفوا انهدام البيت أو يسندوا جذع التوتة، أو أن يحضروا الألحفة ليمنعوا البرد عن أبي يوسف...‏

تصورت نفسي مع الجيران... أحاول أن أساعد أم يوسف... لتجمع الدجاجات، وتحميها من المطر... وكثيراً يا بني حاولت أن أنادي الناس ليأتوا... وأن أدعو للتوتة بالبقاء ولأبي يوسف وبيته بالخير والدوام، لكنني كنت لا أستطيع، كما رأيتني أنت حين وصلت وأنا نائمة.‏

نظر ولد ابن الحمودة إلى أمه فوجدها مبللة بالعرق وخائفة إلى حد بعيد... ووجدها تنظر إلى جهة شجرة التوت بلهفة وشوق، وكأنها لم ترها منذ سنة أو أكثر... ونظر إلى جهة شجرة التوت، فرآها تتسع في الأفق، وتمتد في الجهات ورأى الطيور تسعى إليها، وقد استوقفه الطائر الأخضر الجناحين الكبير الذي خاف من قضبان دبق ابن الأحمد وانقطع أياماً على أثر ذلك، لا يزور التوتة، ثم عاد إلى أفقها وأغصانها وإلى تغريده حتى إن ولد ابن الحمودة مطّ رقبته قليلاً فبانت لـه مصطبة التوتة، وبان عليها ابن الأحمد وابن الصبرة وابن الصالح وأبو يوسف، وحديثهم كان مسموعاً:‏

- هل تعلم يا أبا يوسف أنني كلما نظرت إلى أرض النبع أحزن.‏

-أنت على حق يا ابن الأحمد، في أن تحزن على أرض والدك وأرضك من بعده التي سلبها ابن الحسن منك بالحيلة والمكر والنفاق والرشوة.‏

قال ابن الصالح:‏

-أنا أذكر منذ سنوات بعيدة وكنت حينها طفلاً، أذكر والدك يا ابن الأحمد، وأذكر الكوخ القصبي، الذي كان مبنياً في أعلى الأرض.‏

ردّ ابن الصبرة:‏

-معنى ذلك أنك كنت صغيراً يا ابن الصالح لأن والد ابن الأحمد منذ سنين طويلة غاب...‏

قال أبو يوسف:‏

-والد ابن الأحمد من العتيقين في قريتنا، وكان كريماً ويحب عشرة الطيور وصيدها، وقد بنى منذ بدأ يزرع أرض النبع كوخاً من القصب، وكان يستريح فيه، وفي أيام التين ينام فيه.‏

قال ابن الصبرة:‏

-مرة "ركض ورائي ووراء ابن الحمودة ووراء يوسف بوحمود، لأننا مررنا من قرب دلبة الساقية الكبيرة، ورفعنا أصواتنا، ففر طائر كبير كان قضيب الدبق أمسك به".‏

عاد أبو يوسف إلى الحديث:‏

-عادة ابن الأحمد في إمساك العصافير بالدبق ورثها عن والده.‏

سأل ابن الصبرة:‏

-وعادة الغضب على أولاده والانعزال عن الجيران من أين جاءته؟‏

-إنها نقمة الفقر تجر على الإنسان الشقاء والغضب والتعاسة... ولا ننسى يا ابن الصبرة أن أرض ابن الأحمد أخذت منه بالقوة، ولم يستطع إعادتها...‏

صمت ابن الصبرة ومثله ابن الصالح...‏

قال ابن الصبرة في سره: "أبو يوسف يعرف أسرار الأمور ويفسّرها... كيف غاب عني أن ابن الأحمد أخذت أرضه التي ورثها عن والده؟‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244