شجرة التوت - حسين عبد الكريم

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:56 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

أبو يوسف لم يبعده صوت (الجبيلي) عن الكروم وأيامها، وعن قرية شجرة التوت وحياتها وأهلها: بيته المجاور لبيت عمه إسماعيل، وبيت والد كريم وبيت حمودة الصغير.. بعدها بيوت عائلة أحمد السعيد.

تنتشر البيوت متقاربة، لا تفصل بينها إلا الدروب الضيقة، والأحفة، والتخوم.‏

(الحواكير) ليست بعيدة عن البيوت، تحددها تخوم معلومة، أو أشجار قديمة، أو حجارة مرتفعة بشكل متناسق تناسقاً غير دائم.. وأحياناً تتحدد الحواكير والكروم الصغيرة بأسيجة من عيدان، كما فعل ابن الأحمد.‏

الحكايات تبدأ في جميع البيوت، أو تبدأ في بيت من البيوت، ثم تحلق في أُفق البيوت والحارات، كما تحلق الحمائم من الشرفات والأعشاش، التي تجاور العتبات، فتصير كرسولات البيوت، تحمل الكلام والأحاديث الساخنة سخونة شاي (سبهه وأم يوسف) وتسعى بها إلى كل الجهات.‏

أخذه خياله إلى أيام الحارات القديمة، ولم يرجعه من شروده إلا صوت الفناجين، التي حملتها (سبهه) مع الإبريق.. وقد أكد صوت الفناجين صوت (سبهه) الداعي إلى شرب الشاي، والمرحب بقدوم أبي يوسف:‏

-قدومك مبارك علينا..‏

-ضحك أبو يوسف، وقال:‏

-وقدوم يوسف بو حمود ليس مباركاً؟‏

-هو جارنا القريب، لا يغيب عنا إلا وقت يقصد المدينة، لإحضار اللوازم والأغراض، المطلوبة للدكان.. (شياله) خرجت خلف (سبهه) ومدت يدها برفق، فسلمت على أبي يوسف.. فأشعرته بمودتها.. فكأنها، بتحيتها أذهبت عنه أذى تحية (الجبيلي).. وقد عبر عن ارتياحه:‏

-تحية (شياله) كالظل، أما تحية الجبيلي فهي كالغضب، لا يعرف واحد مثلي أن يهرب منه.. فرحت شياله للإطراء الناعم، كنعومة أناملها، الذي أطراه على تحيتها أبو يوسف، أما الجبيلي، فاغتاظ غيظاً، أزعجه، ثم هجم على الغيظ بابتسامة، هي أشبه ما تكون بالبكاء أو بالاستعداد للسعال العنيف والعالي، علو رقبة حذائه، البائس.. والمقبل على الخراب، إقبالاً شجاعاً.‏

يوسف بو حمود، امتزج شعوره بالسعادة لسماعه الاطرء، على حبيبة روحه (شياله) امتزج بالغيرة عليها، فأحس بمطر خفيف، يداعب عطشه، وظمأ أنفاسه، ثم ينحبس المطر.. وأحس بجرح مؤلم يعذب صدره، ولا يستطيع الخلاص أو الهرب منه، فيستعذب الألم مرغماً وراغباً، في الوقت ذاته، وفي الشعور نفسه، وفي الالتفاته اللهوفة، التي يلتفتها بكامل مشاعره وإحساسه، إلى جهتها..‏

عباءة (شياله) زادتها أناقة، واسترسال شعرها على كتفيها، وظهرها، عنوان واضح لبهاء الأنثى وملاحتها.. وعيناها الناعستان حسناً، أيقظتا في الحاضرين نظرات، كانت غافية في الأعماق والذاكرة.. أبو يوسف لم ينظر ـ عبر حياته ـ نظرات عاشقة، أو مفتتنة، ووجد نفسه ينظر بإسهاب إلى شياله، المليحة التي أعطتها الأيام أناقة وملاحة، ولم ينقص زواجها غير الموفق من حسنها.. الكروم تسرق نظراته حيناً، فيعاين ابن الأحمد في أرضه العالية، وولده الأعرج، وهو يسعى عرجاً وراء والده.. وبيته المتبقي، رغم أنه لا يبين، ظل ينظر إلى جهته لهوفاً.. فيطالعه بيت يوسف وأرضه، وبيت كريم وطرف من بيوت الحارة العتيقة المتبقية.. أما بيته فلا يبين، تخفيه الأشجار الكبيرة المجاورة لأرض كريم وابن الحمودة..‏

لا يرجع أبو يوسف بنظراته إلا ليعاين حسن (شياله) وحكايات العمر الشقي على وجه (الجبيلي) العاطل عن الزواج دائماً، لأسباب لا تجهلها حارات قرية شجرة التوت، وقرية النبع.‏

طعنات العمر بيّنة آثارها على وجهه.‏

عاد صوت الجبيلي:‏

-هل تذكر يا أبا يوسف أيام قراءتنا عند خطيب الحارات (أحمد السعيد) كان يجمعنا تحت شجرة المروج.. ويعلمنا الفصاحة؟‏

-أنت يا جبيلي لا تنسى أمراً من الأمور.‏

-وكانت شجرة التوتة الكبيرة، في مكانها، لكنك لم تكن – بعد – تزوجت الأميرة أم يوسف.. ألا يتكلم صالح بالصراحة والفصاحة؟‏

ضحك الجميع إلا الجبيلي، فبقيت همة الابتسام خائرة لديه.. ومرت زوبعة الضحك، دون أن يضحك.. عقّب أبو يوسف:‏

-أنت لم توفق إلى أميرة مثل أم يوسف، في هذه الدنيا، لعلك في الآخرة توفق إلى أميرة الأميرات، ولعلك تذكر جارك وصديقك أبا يوسف وأميرته السمراء.‏

الجبيلي استبشر خيراً، بأنه قد يوفق إلى أميرة ذات طول وقد.. لكنه تذكر أم يوسف وطبعها الصعب، وملامحها الداكنة كزاوية داخلية، في بيت بعيدة عتبته عن صدره وزواياه، فخاطب نفسه:‏

"إذا كنت سأوفق إلى امرأة كأم يوسف، الأفضل لي أن أبقى عاطلاً عن الزواج وألا أُوفق".‏

يوسف بو حمود، ترك كرسيه لأن بعض الجيران، قصدوا الدكان يريدون الشراء، أو إصلاح بعض الأواني أو يريدون الحلاقة.. ولم يعتذر أملاً منه بالرجوع ثانية إلى المصطبة..‏

أبو يوسف راقه حديث الجبيلي عن أيام القراءة، فتمنى أن يرجع إليها:‏

-هل نسيت يا جبيلي، القصائد، التي علمنا إياها أحمد السعيد؟‏

-أذكر: "جاني البرغوط جنيبي‏

مزق لي كل تيبي‏

جاني هوّي وخياتو‏

وولاد عمو وخالتو..‏

قصيتن لصوفاتو‏

وكم فرشي شديت"‏

-البراغيط كانت لعنة علينا، هي والقمل، وقد قلت اليوم‏

-مد الجبيلي يده إلى رأسه، وراح ينفش شعره، ويحك جلدة رأسه..‏

قال لـه أبو يوسف:‏

-مالك تحك رأسك، كأن (البراغيط) لا تنساك من نعمها؟‏

-تذكرت أيام (البراغيط) السوداء؟‏

-أحمد السعيد كان فهيماً في دنياه وحياته وعلمنا شعراً، يصف واقع حالنا يا جبيلي..‏

-علمنا كل الأمور النافعة.. وعلمنا علم الطيور.. كان يقرأ عن الطيور في كتاب كبير، يتحدث عن الصيد وطباع الطير.. وحكمة العيش معها والاعتناء بها وتربيتها..‏

-هذا الكتاب احتفظ به ابن الأحمد، لكنه لم يتعلم منه معاشرة الطيور، أو تربيتها، أو الاستفادة منها، بل تعلم منه ـ فقط ـ كيف ينشر عيدان الدبق، ويصطاد العصافير، ثم يذبحها، ويطبخها ويأكلها وحيداً..‏

-ابن الأحمد، ليته استفاد من علم أبيه، ومن حياته الطيبة.‏

شجرات دلب الساقية، العالية تبين للناظر من بعيد، وقد رآها أبو يوسف من على المصطبة، ومثله الجبيلي، الذي رافق أحمد السعيد سنوات عديدة.. رافقه في العمل عنده في أرضه المجاورة للساقية، ورافقه في بحثه عن الطيور، وتعلم منه القراءة والكتابة، وتعلم منه حب شجرات الدلب الكبيرة، التي يعيش فيها طائر الساقية الكبير، وتعلم منه الفصاحة العرجاء كعرج قرميد ولد ابن الأحمد.. الجبيلي يفهم ببطء شديد، كمشية أم يوسف.. ولهذا بقيت فصاحته عرجاء.. من حيث لا يدري، وجد أبو يوسف نفسه يردد مطلع قصيدة كان يعلمهم قراءتها أحمد السعيد:‏

"الحمد لله ما أبدى الصباح سفور‏

حمداً مزيداً على عدد الحصى والرمل"‏

نسيم حنون، لامسَ روح أبي يوسف، والجبيلي.. وشياله وسبهه اللتين بقيتا طوال الجلسة، تتحدثان عن أم يوسف، وعن قرية شجرة التوت، ثم انتقلتا للحديث عن (عبدو الشاعر). إنه نسيم التذكر والأيام، يبوح بأسرار، يختزنها البال، فلا يقدر على إخراجها إلى دائرة الإحساس، إلا هكذا نسيم وهكذا جلسات لها علاقة وثيقة بالأعماق.. صوت أسعد المشاغب ـ دائماً ـ والمتعثر.. جاء كصرخة ريح، صفرت فجأة، دون سابق إنذار.‏

"رسول الحب، شايف، ما يجيني‏

شواطئ الحب شايف، ما يجيني‏

رسول الحب سافر بالعباب"‏

صوته سبقه إلى الحارة العتيقة، عاين أبو يوسف درب البيوت العالية، فظهر لـه أسعد، وهو يعبر الدرب باتجاه بيت كريم. سمعت شياله غناء أسعد، فعرفت أنه يغني من أغاني (عبدو الشاعر). أسعد لم يكن يعرف أن قريبه (الشاعر) يزور أخته، ولو عرف ذلك، لكان أكثر من الغناء، ولكان قرأ من أشعاره، التي يحفظها حفظاً لا سلامة فيه.. حفظ أسعد للشعر، يشبه كيسه وثيابه ورائحته، التي لا تحمد معاشرتها، من قِبل أي أنف، مهما اشتد بأسه، وعلا شأنه.‏

كيس أسعد استوقف انتباه أبي يوسف.. واستوقفه أكثر غناؤه الأعرج كفصاحة جاره القديم (الجبيلي).‏

شياله، من حيث لا تدري، وجدت نفسها تبحث من جديد عن حب كاد يمحي من دفاتر عمرها المهترئة منذ البدء، وكيف لا تكون الدفاتر، مهترئة، والحياة ذاتها عابسة شاحبة الملامح موحشة؟‏

شياله التي أحبها (عبدو الشاعر) وأحبته حتى صارا حكاية قرية النبع، وقرية شجرة التوت وحاراتها، لكن الدفاتر المهترئة، لا تستطيع إكمال الحكايات الجميلة. تتمزق أوراقها بقدرة الشقاء، والعذابات الملحة، حتى لا تدع لعاشق مجال هوى، ولا تدع لشاعر مجال غناء حنون..‏

***‏

تمنت زوجة يوسف أن تترك السطح، وتذهب إلى بيت كريم.. تفلش أسرارها وهمومها أمام زوجة كريم، وتستمع إلى الحكايات وغناء (عبدو الشاعر)، الذي عاد صوته إلى الغناء:‏

"بين اليوم وبين الأمس‏

بيصير واحدنا للرمس‏

يا خوفي عالشمسي‏

فوقا شمس‏

وتحتا شمس"‏

أيقظت هذه الكلمات روح الليل الناعس، وأحيت في نفس أبي يوسف تباشير مودة ومحبة.. وقد راق لسمع الزوجة المعذبة بالوحشة والغيرة، أن تسمع هذا الكلام الحنون، وراقها أن تسمع صوت أبي يوسف، ينطلق من الشباك القريب، فيزرع وحشتها بالطمأنينة..‏

قال أبو يوسف لـ (عبدو الشاعر):‏

سمعت هذه الأغنية كثيراً.. سمعت أسعد قريبك يغنيها.. وسمعته يقول: هذه الأغنية غناها ولد عمنا (عبدو) لحبيبته (شياله).‏

قال عبدو:‏

-أسعد يحفظ كل ما أقول وأكتب، لكنه لا يعرف كيف يحفظ.. استاءت لسماعها اسم (شياله)، لكنها من جهة أخرى، استقر بالها، حين سمعت أن (عبدو) يحبها.. قدرت في نفسها أن من يحبها (عبدو الشاعر) وهو الأنيق العارف بأسرار الدنيا، المجرب في الأمور.. لا تستبدله بصاحب الدكان، الذي لا يعرف أن يكتب الأشعار ولا يعرف الأسرار.. ثم إن حاله ليست كحال (عبدو الشاعر).. بيته في قرية النبع قديم وكبير، وحياته ميسورة، أما صاحب الدكان فحاله ليست مستقرة استقراراً واسعاً.. كل حياته في دكانه، يشتري ويبيع، وبالصعوبة يكاد يعيش ويطعم زوجته وعائلته..‏

ضوء بيت كريم كان أقوى أضواء بيوت الحارة العتيقة.. هذا ما رأته زوجة يوسف بو حمود.. وقد آذاها وعذب نفسها أنها حاولت أن ترى ضوء بيت أبي يوسف، فوجدت الظلام، يسد على عينيها المدى.. فلم ترَ البيت وشجرة التوت والضوء..‏

ضوء بيت ابن الأحمد، يبدو ضعيفاً، وأصوات أولاده، على غير عادتها، مرتفعة.. فقالت زوجة يوسف:‏

ابن الأحمد إما أنه قصد بيت كريم هو وزوجته، للسهر ومجالسة (عبدو الشاعر) وأبي يوسف وقد عبّر ابن الأحمد مراراً عن أسفه، لغيابه عن القرية.. وعن حبه لسماع الغناء والأشعار، ومعرفة المخبأ من أمور الدنيا والأسرار.‏

في رحلاته القريبة، إلى الجيران، يصحب ابن الأحمد زوجته (زهوة) ويمتنع عن الصراخ في وجهها، وقد يبادلها القليل من المودات، التي قد يعثر عليها، وقد لا يعثر.‏

سمعت الزوجة المعذبة بعشق زوجها لسواها، صوت سمر، وهي تكلم أختها:‏

-أنت لا يهمك إلا أكل البطاطا وشرب الشاي.. وحين يعود والدك، كيف سنخفي أمر السكر والبطاطا عليه؟!‏

لم ترد رباب.. واستمر سعيها المشكور، أو غير المشكور، لا أحد يعرف عن أمر سعيها شيئاً.. استمر سعيها وبحثها عن أية بقية من البطاطا المقلية بزيت الزيتون.‏

رباب تأكل، وسمر يزداد قلقها وخوفها من والدها، الذي قد يثور على الجميع، وينالهم بالضرب المبرح..‏

قرميد كان في الفسحة الجنوبية المسيجة بالعيدان، وجذوع الأشجار والأغصان، المقبلة على الفسحة والجدار.. سمعت سمر صوت أخيها، فخرجت، تاركة أختها تثأر من البطاطا، بالأكل العجول النهم، الذي يعبر عن موقف رباب المتشدد والسيِّئ تجاه الطعام وخاصة البطاطا، وهو موقف لا يأتي عبر الرفض، بل عبر الإقبال والنهم العجيب..‏

عرفت سمر أن سلمان ولد يوسف بو حمود وحسان ولد كريم جاءا.. فشعرت بالهناءة والسرور.. وشعرت أن خوفها من أبيها، جراء أكل أختها وشربها الشاي، بعنف وكثافة، قد ابتعد.. رمقت سلمان بحب ولهفة، لكنها عاجلت نظراتها، فأخفت الحب ما أمكنها الإخفاء، وعادت إلى حال من الهدوء والتوازن..‏

رحبت مثل أخيها بسلمان وحسان، لكنها لم تعرج مثله، وهما يدعوانهما للجلوس على الكراسي التي على المصطبة.. سلمان فضل الجلوس في الفسحة:‏

-الجلوس هنا قرب أشجار بستان أهل حسان وابن الصالح أفضل من الجلوس على المصطبة.‏

ردّت سمر وتوجهت بكلماتها إلى سلمان:‏

-في النهار، نجلس في الفسحة.. فنرى كل بيوت وكروم (حارة الساقية) أما الآن فالظلام يغطي الأشجار وغيرها.‏

-حين تكونين يذهب الظلام.. أنت يا سمر كضوء بيت أبي يوسف، يخاف منك الظلام.. قرميد لم يفهم كلام سلمان، وبقي منشغلاً بالعرج والبحث عن الكراسي، وحسان ابتعد خطوات يسيرة عنهما، ليفسح لهما المجال.. فهما في حومة الحب، كل منهما يحب الآخر، ويبحث عنه، ويشتاق إليه، لكن جداراً غليظاً ارتفع بينهما، فأفزع فيهما الحب، لكنه لم يقدر على إهدار دمه.. فبقي كشجرة التوت القديمة، يفرع، وتخضر أغصانه..‏

كراسي ابن الأحمد مثل كيسه وصندوقه، خضعت لعمليات تبديل وترميم، كثيرة.. أساسها القش، لكنه لم يترك القش على حاله، فأضاف إليه، ما تيسر لـه من خرق ومزق، بالية على هواها وهواه وهوى زوجته.. بعضها يجمعه من الأرض، وبعضها، يلمه من البيت.. ثم يجمع هذه الخرق في قماشة سمراء أو حمراء أو متسخة أو غير ذلك.. ثم يشبك القماشة مع الخرق، شبكاً جيداً، ويضعها على قش الكرسي.. وحين تصادف عجيزة من كتب عليه أو عليها الجلوس على الكرسي، تصادف العجيزة أولاً، خرق ابن الأحمد، والشريط الناعم الذي شبكها به.. وإذا كانت العجيزة ضخمة ضخامة معتبرة ومسجلة في سجل العجائز الفاخرة والضخمة، لا بد أن تلامسها مسامير ابن الأحمد، التي يستعين بها على تمتين علاقة الخرق بالكراسي.‏

حال الكراسي معروف لدى حسان وسلمان، ورغم أن الثاني سافر إلى المدينة وبدأ دراسته في الجامعة، فلم ينسَ واقع حال الكرسي.. وبقي حذراً حذراً شديداً، من أن يرخي كامل ثقله، خشية أن تصافح رؤوس المسامير عجيزته، فينط كالملدوغ.. وسلمان الذي وقف مع سمر، وبادلها الكلام الحنون، لأول مرة، منذ هربت من زواجها غير الموفق.. ولعله لم يبادلها هكذا كلاماً، قبل زواجها أيضاً..‏

وهي أيضاً لم تجرؤ، قبل هذا اللقاء المشفوع برائحة الحب وصوت أبي يوسف وعبدو الشاعر، لم تجرؤ قبل هذا اللقاء، على البوح لسلمان:‏

-لولا خوفي من عيون الجيران وألسنتهم، كنت سأزوركم..‏

-تعالي أنت ورباب أو أنت وقرميد أو أنت وأمك..‏

-إذا ذهبت رباب، لا بد من أن تحضّر لها أمك البطاطا والشاي..‏

تبسّم سلمان، فبانت أسنانه البيضاء. وأضفت الابتسامة على ملامحه، إشراقاً وألقاً أذاع في سمر شوقاً لا تخفى علاماته.‏

***‏

زوجة كريم اعتنت، ما أمكنها بدجاجات أم يوسف.. لكن اعتناءها، لم يصد هجمات (ابن آوى) صداً محكماً:‏

في الليلة التي سهر فيها أبو يوسف ونام في بيت كريم. هجم (ابن آوى) هجمة لئيمة على دجاجات أم يوسف ودجاجات كريم، لكن صوت (عبدو الشاعر) قد يكون أخافه، فهرب، دون أن ينال من الدجاجات، أو أن هجمته جاءت في وقت خروج ابن الأحمد من بيت كريم، ولا شك أنه سعل سعاله العالي، أو أنه أطلق واحدة من تنهداته الصاخبة صخباً، جديراً بإشاعة الرعب، في روح (ابن آوى). وقد رأت زوجة كريم في نومها المتقطع حلماً: رأت جذع شجرة التوت يفرع فروعاً وأغصاناً لم ترَ مثلها من قبل، ورأت ما يشبه الطائر الكبير، الذي سمعت أبا يوسف يتكلم عنه..‏

ورأت (ابن الحسن) يحاول كسر الأغصان وحرق الجذع، وقتل الطائر، ورأت لأول مرة في حلمها وفي يقظتها، ابن الأحمد يحمل عصاه الضخمة، ويهجم بها، على (ابن الحسن) فيهرب من وجهه.. ويبقى الجذع والفروع والأغصان.. ودّعت السهو، من غير رغبة في الصحو.. فراعها أنها لم تجد ابن الأحمد بين الساهرين.‏

***‏

-هل سمعت مثلي؟‍‏

-عن ماذا؟‍‏

-عن زواج ابن الحسن.‏

قالت زهوة لزوجة ابن الصالح:‏

ابن الحسن، لم يستفد من معاشرة شجرة التوت، ولم يتعلم من الأيام إلا الإساءة للجيران..‏

ردت زوجة ابن الصالح:‏

وهو يسيء لنفسه أيضاً، فها هو تزوج امرأة غريبة ومسنة.. ولا أحد يعرفها أو يعرف عنها شيئاً..‏

دار هذا الحديث بين زهوة وزوجة ابن الصالح، وهما قريبتان من أرض وبيت ابن الحسن.. وقد شاهدا المرأة الجديدة، وهي تمشي وئيدة الخطوات، باتجاه التخم الفاصل بين أرض ابن الحسن وابن الصالح..‏

وكأن جرحاً كان مندملاً، عاد إلى النزف والألم.. استيقظ في روح زهوة، وهي تعاين (الغريبة) تسرح في الأرض التي تعبت فيها، وزرعت، لكنها لم تذق طعم ثمارها..‏

زهوة بقيت واقفة، وعلى كتفها الجرة الفخارية، المملوءة ماء.. وقد أخبرتها زوجة ابن الصالح بأنها قد تتعب من حمل الجرة، ويجب عليها إنزالها:‏

-انزليها.. وتعالي نجلس.. منذ وقت بعيد لم نلتقِ.‏

-كانت الشجرة.. تلمنا يا بنت الكرام.‏

قالت زهوة كلماتها وغصة مَرّة تعذب حلقها ونفسها: تذكرت أرض زوجها التي أخذها ابن الحسن.. وتذكرت شجرة التوت وأيام القرية معها.. تذكرت صوت الحب الذي كان يريح بالها، كلما اقتربت من تخم أرض شجرة التوت..‏

أمسكت زوجة ابن الصالح الجرة من على كتف زهوة، وأنزلتها.. لعلمها الأكيد أن الوقفة ستطول، وأن الحديث لن يختم بسرعة.. ولرغبتها الملحة في الأخذ والرد مع زهوة.. التي تختلف كلياً عن زوجها (ابن الأحمد).‏

قارنت زوجة ابن الصالح غير مرة بين زهوة و(ابن الأحمد).. والآن قارنت أكثر، إذ دقّقت النظر إليها.. إلى وجهها الطافح حياة، وعينيها اللتين تبوحان بحزن عميق لا ينتهي.. واستحضرت صورة ابن الأحمد: الملامح الغاضبة، والوجه المشحون بالغيظ كمن يبحث عن عدو آذاه. وأنف ابن الأحمد الكبير المفلطح كمنقار طائر عجيب.‏

قالت زوجة ابن الصالح لنفسها:‏

"كيف تسمح زهوة لابن الأحمد أن يقبلها، وأنفه كالمنقار، ووجهه كعصفة ريح شتوية هوجاء؟" وتمنّت لو تسألها هذا السؤال.‏

ضاعت زهوة في زحام الأسف والشعور بالتعاسة، ونسيت المهمة الموكلة إليها دائماً، وهي إعداد الطعام، الذي يليق بالمقام على حد تعبير زوجها.‏

ملامح زوجة ابن الحسن، تختزن فظاعات وآثاماً، فلا يبين وجهها: أهو وجه امرأة أو وجه ثعلب أو صورة حافة أصابها الانهدام فصار انهدامها كالفخّ، يسقط فيها الغافل.. زهوة المكبلة بالتعاسات وسوء الطالع، كما قال لها (أحمد السعيد) بعد زواجها من ولده المصون صيانة تامة!! راعتها الوحشة القاطنة في ملامح الزوجة (الغريبة) ولم تقدر على الاستمرار في النظر إليها، خشية أن يزداد خوفها وتزداد آلام نفسها المبرحة.‏

شعرت زوجة ابن الصالح بحال جارتها، وكيف لا تشعر، وقد آذتها ملامح (الغريبة) الموحشة كما آذت جارتها.. إلا أن رصيد زهوة من الشقاء والمتاعب والكآبة يفوق رصيد زوجة ابن الصالح. منذ تزوجت زهوة من ابن الأحمد لم تبتسم لها الحياة، بل عبست ومثلها عبس ابن الأحمد.‏

صوته كالنذير. وملامح وجهه كوجه صخرة عذبها المطر، ومرت عليها الريح فأضرت بها، ثم تركتها في عذابها وسوء حالها.‏

قالت زهوة لجارتها:‏

-ما هذه الزوجة التي تزوجها ابن الحسن؟!‏

-ابن الحسن لا يتزوج هكذا امرأة إلا لمصلحة!‏

-المصلحة..؟!‏

تساءلت زهوة من خلال كلمتها هذه ومطتها، حتى انقطع صوتها.. فأحست زوجة ابن الصالح برغبة جارتها بالإيضاح والشرح وشغف زهوة بالأخذ والرد..، لأسباب كثيرة، أهمها أن ابن الأحمد لا يشرح، ولا يدخل في متاهة الأخذ والرد.. بل يوجز، وإيجازه صاعق وصارخ ومخيف.. يقول لزهوة، إذا أراد أن يخبرها بأمر من الأمور، أو أن يطلب منها أي طلب، يتعلق بالبيت أو الطعام أو الجيران:‏

زهوة اعملي كذا.. أو فلان لا يحب.. أو هذه الأكلة ليست تليق بالمقام..‏

يقول جمله المصحوبة بالسخط، في جميع الحالات.. ولعل الحالات عنده لا تتميز: السخط كالسعادة كالرضى.. صوته مؤذٍ للسمع لا حنان فيه.. ومن أين لـه بالحنان وروحه عذبتها الأيام عذاباً لا نهاية له..‏

أحست زوجة ابن الصالح بما يدور في نفس زهوة فأرادت أن تشاركها في إحساسيها:‏

-زوجة ابن الحسن، لا شك، في أن وراءها حكاية، وإلا لما تزوجها.‏

-أنت تعرفين أكثر مني..‏

أرادت زهوة أن تبقى مع جارتها، إلا أن صوت ابن الأحمد جاء ساخطاً منذراً.‏

-أنت إلى الآن عند زوجة ابن الصالح، وأنا هنا جائع أنتظر طعامك يا بنت الأسود.. الحنطي.. يا بنت حمدان المحجوب؟‏

كل من في الحارة العتيقة والحارة التحتانية، سمع نداء ابن الأحمد وفهم كلماته فهماً، لا حاجة معه إلى الإيضاح. يوسف بو حمود و(الجبيلي) وسبهه وشياله سمعوا صوت ابن الأحمد، وزوجة يوسف بوحمود وزوجة كريم وزوجة ابن الحمودة أيضاً سمعن النداء الجائع، الذي جاء من جهة حارة الساقية..‏

قالت زوجة يوسف بو حمود:‏

-ابن الأحمد صوته لا يتعب.‏

-عقّبت زوجة ابن الحمودة:‏

-الصوت نعمة وخير.. ابتسمت زوجة يوسف بو حمود ابتسامة ضحلة، وكأنها تقول لجارتها: لم أسمع أحداً قبلك، يصف صوت ابن الأحمد بأنه نعمة وخير!!‏

لم ينقطع صوت ابن الأحمد، حتى سمع صوت زهوة وقد لمحها وهي تمشي على عجل وخوف..‏

أجابت زهوة:‏

-تأخرت في ملء الجرة بالماء يا ابن الأحمد.. لكنني لن أتأخر في إرسال الطعام لك مع رباب.‏

في ملاحة زهوة اعتدال.. فلا هي بالطويلة ولا هي بالقصيرة، ولا هي ضخمة الكتفين، رغم شتائم زوجها الدائمة لكتفي والدها.. لكن حياة الشقاء أتعبتها كما قالت في نفسها زوجة ابن الصالح، بعد أن تركتها واتجهت عبر درب الساقية إلى حيث درب المرج والكروم ودرب شجرة التوت وبيت أبي يوسف.. زهوة بقيت ترسم صورة عمرها الأسود، وصارت تمزج، من حيث لا تريد صورة (الغريبة) بصورة عمرها.‏

الأرض التي أخذها ابن الحسن من زوجها، عاشت زهوة أكثر حياتها فيها.. حتى في أيام والده، كانت تساعد والدها (حمدان المحجوب) في نزع الأشواك من جوار الأشجار، وفي حفر الأرض لزرعها، وفي حمل الماء من نبع الساقية.. وقد أحبها ابن الأحمد، حسب تصريحاته، أحبها أكثر ما أحبها، حين كان يراها تحمل الجرة وتصعد من نبع الساقية إلى حيث والدها (حمدان).‏

عاتبت زهوة نفسها وصورة والدها تملأ خيالها، أثناء صعودها باتجاه درب شجرة التوت والحارة العتيقة: "كيف رضيت بالزواج من ابن الأحمد، وكيف نصحني والدي بالقبول به؟! ابن الحسن نفسه طلب الزواج مني.. وغيره كثيرون أحبوا أن يقتربوا مني.. أبي هو السبب.. سامحتك الأيام يا أبي يا من سماك أحمد السعيد (حمدان المحجوب) أضاف إلى اسمك صفة المحجوب وأنت حجبت عن نفسك المعرفة وضعفت عندك الدراية، فرميتني شر رمية.."‏

تابعت خطواتها الكسلى.. وخيالها الكسلان لم تنم مواجعه.. ظلت ترى (الغريبة) وتتخيلها في حالات شتى، وتتخيل معها ابن الحسن الذي اشتهر بالكذب والتصرفات الملغومة والخداع.. مرت بكرم ابن الصبرة، وكان يفلح أرضه، ومعه زوجته فلم تنتبه إليهما.. أخذها انشغالها بخيالاتها وهواجسها، وأبعدها من حيث لا تريد عن رؤية ابن الصبرة وزوجته... ابن الصبرة قامته قصيرة قصراً بيناً، لكنه يُرى جيداً بالعين المجردة.. وقصره لا يبرر لزهوه عدم رؤيته وتحيته.. وزوجته تشبهه في كثير من الأمور: قامتها ليست أطول من قامته.. وعياناها كعينيه تنظران بعناية وإمعان إلى المارين، وإلى الأرض والأشجار.. وسمعها حاذق كسمعه، يسمعان الأصوات ويعرفانها.. وغضب ابن الصبرة لا يتزامن مع غضب زوجته.. واهتمامه بالدجاجات والبقرات لا يرقى إلى مستوى اهتمامها.. وتعامله مع لفافة التبغ يؤذي اللفافة، ويؤذي شفتيه فهو أكثر وقته يحاول عض اللفافة عضاً مؤذياً.. وإذا لم تكن اللفافة، فقد يكون الهواء أو شفتاه.. أما زوجته فلا تضحك في كل الفصول.. ولعل شفتيها مشغولتان باجترار أحزان قديمة تركت آثارها على ملامحها وعلى عمرها كله..‏

عجب ابن الصبرة لأمر زهوه: كيف تمر دون أن تلتفت إليهما بتحية ولو عاجلة كعجلة رباب في التهام صحن البطاطا المسلوقة؟!‏

قال لزوجته بعد أن أوقف عضه للفافة المعذبة:‏

-كيف تمر زوجة ابن الأحمد، ولا تنظر إلى جهتنا.‏

-ابن الأحمد من يعاشره لا يعرف شرقه من غربه.. وزهوة كتب عليها معاشرته، وكتب عليها الشقاء معه.‏

انفرجت أسارير ابن الصبرة، لأنه اعتبر كلمات زوجته عن قسوة معاشرة ابن الأحمد، بمثابة اعتراف منها بأن معاشرته حنونة وغير متعبة..‏

أحب ابن الصبرة أن يستمر في حديثه مع زوجته عن ابن الأحمد وزهوة:‏

-هل تكون تأثرت بشتمه لها بصوت عال؟‏

-إنه لا يشتم ولا يتكلم إلا بصوت عال يا ابن الصبرة.‏

-لقد أخطأت إذ وقفت عند زوجة ابن الصالح، ونسيت أمر الطعام.‏

-ابن الأحمد همه الطعام..‏

آمال يسيرة شغلت زوجة ابن الصبرة عن متابعة الحديث:‏

هل نسيت أن تملأ جرن الماء المخصص لسقي الدجاجات.. والباب الرئيسي المؤدي إلى الغرفة الكبيرة هل أغلقته، خوف أن تدخل الدجاجات إلى البيت وتترك هداياها المتواضعة (مصعات مختلفة القياسات والأحوال) بعضها كبير وبعضها صغير وبعضها لا شكل له.‏

فكرت بولدها البكر محمود الذي انصرف عن متابعة الدراسة إلى شؤون أخرى.. هذه الآمال غير العريضة، شغلت أم محمود عن متابعة الحديث مع زوجها المقبل على الحياة والعمل وفلاحة الأرض القريبة من البيت والساقية أيضاً.‏

***‏

الدرب بين قرية ولد أبي يوسف الثاني، وبين قرية شجرة التوت ليس طويلاً، أو متعباً: تحيط به كروم الحارة الغربية، وكروم (حارة السماق) والساقية قريبة منه..‏

وأبو يوسف يشعر بالألفة والعلاقة الطيبة مع هذا الدرب وهذه الكروم، التي يعرفها جيداً.. يعرف تخومها تخماً تخماً، ويعرف أصحابها، وأشجارها.. يسير عبر هذا الدرب، تؤنسه ذكريات الأيام المريرة التي عاشها مع الكروم، يعمل النهار بطوله وعرضه.. لكن هذه الأيام، وإن كانت قاسية، صارت في عالم التذكر، الذي لا يؤذي كثيراً..‏

باب بيت ولده الثاني (سعيد) مجاور تماماً للدرب.. يفتح الباب ويخرج فيستقبله الدرب، فإما أن يسعى غرباً إلى بيوت (قرية الرمان) ومنها إلى القرى الأخرى، وإما أن يسعى شرقاً إلى كروم وحارات قريته الباقية..‏

بعد جدال لا تحمد عقباه ولا بداياته مع أم يوسف خرجا معاً: أبو يوسف، رغم انحناءة ظهره، التي ازدادت وضوحاً بعد تركه بيته والشجرة الكبيرة.. رغم الانحناء، ظل ينظر بحب وحذق ودراية إلى الكروم وتخومها ومن ورائه أم يوسف تشغل يديها، بشكل مستمر، بربط المنديل الأبيض بعض الشيء، أو بشدّه و بتغيير وضعيته، على رأسها.. وشفتاها لا تنقطعان عن الزم والانشداد والارتخاء، وكأنها تمضغ طعاماً شديداً. قالت أم يوسف:‏

-ألا نفكر بحال ولدنا الكبير وحال زواجه؟؟‏

دون أن يلتفت إلى الوراء أجاب:‏

-أمرك أمر عجيب.. وقفت في وجه زواجه من (عهيده) بنت قريبنا وقريب (عبدو الشاعر)..‏

-أمها لا تعاشر، ترى نفسها فوق الناس، وهي دون الناس.‏

-أمها مثلك تبقى غاضبة على كل شيء وكارهة لكل شيء، دون أن تعرف السبب.‏

ثارت ثائرة أم يوسف، وزادت من زم شفتيها، وشدّت منديلها شداً صعباً، وهمت بالرد على زوجها، لكن لعاباً كثيفاً اعترض صوتها، فتأخرت بالإجابة غير الشافية على كلمات زوجها..‏

أبو يوسف لم يعد إلى الحديث أملاً منه في أن زوجته أقفلت باب الأسئلة والنكد.. لكن أمله قتل شرقتل، حين عاد صوت أم يوسف غاضباً..‏

ابتعدا عن بيت ولدهما (سعيد) لكن صوت زوجته، التي لا تحبها أم يوسف، صوت زوجة (سعيد) ظل مسموعاً، وهي تصب (جام وبرميل غضبها) على زوجها عاثر الحظ.‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244