أحزان السندباد - د.طالب عمران

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:56 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

* 1 *

آه من ذلك الزمن الذي وجدت نفسي غارقاً في أحداثه بكل تفاصيلها المذهلة؟ كيف بدأت تلك الأحداث؟‏

كانت أ شبه بحلم مر بسرعة تاركاً أثراً كبيراً في قلبي لم أنسه رغم مرور السنين حلم غريب أصاب منـي مقتلاً وأنا أرجعه، أستعيد فيه جزءاً من ماض، أتساءل أحياناً هل عشته حقاً؟‏

كنت في زيارة (اندور) وهي مدينة في أواسط الهند، يدرس فيها بعض الأصدقاء وكانت متعتي في السفر هي التي دفعتني أن أغامر بالرحيل في فصل البرد القصير في الهند، في شهر كانون الثاني- يناير- حيث انطلق بنا القطار من (أغرا) إلى (بوبال) عاصمة المقاطعة في نحو خمس عشرة ساعة.. قضينا خلالها ليلاً بارداً في مقصورة في الدرجة الثانية..‏

كان (عمار) رفيق رحلتي، يدرس الطب في (ريبور) في الجنوب الشرقي من الهند وكان في عطلته الانتصافية، يرغب في رؤية قريب لـه يدرس في (اندور)...‏

لم تكن رحلة مزعجة رغم بردها القارس في الليل، ولدى وصولنا إلى بوبال اتجهنا إلى كراج لسيارات (التاكسي) يقع تحت جسر ضخم في مكان غير بعيد عن محطة (بوبال) الرئيسي للسكك الحديدية.. وبعد نحو خمس ساعات وصلنا (اندور) وهي مدينة صغيرة جميلة، يستوطنها الهندوس والسيخ وبها مراكز تبشيرية تابعة للكنيسة البابوية..‏

كان أصدقاؤنا يسكنون منزلاً جميلاً يطل على حديقة واسعة في الطرف الشمالي الغربي من (اندور).. ولم يعكر علينا صفو أوقاتنا المرحة التي قضيناها هناك شيء.. لكن ما الذي يحدث لي؟ لماذا تنتابني مشاعر القلق؟ كأن شيئاً ما ربض على قلبي، ومنعني من الضحك في اليوم التالي من وصولي (اندور) أحب (قتيبة) صديقنا أن يصطحبني وعمار لزيارة بعض المناطق الجميلة في اندور.. من بينها معبد للسيخ وآخر للهندوس.. وحين عرف برغبتي بزيارة أحد مراكز الدعوة لراجنيش، وكنت قد سمعت أنها موجودة في المدينة.. طلب من (السكوتر) الاتجاه صوب محفل (البغوان راجنيش) كان منزلاً صغيراً مكوناً من عدة غرف وقاعة للعرض فيها جهاز عرض سينمائي، وجهاز فيديو.. ومكتبة ضخمة، تحوي خطب وفلسفة (راجنيش).. وقد التقيت مع مدير المركز، وهو كندي اعتنق مبدأ (راجنيش) وأصبح من دعاته.. كان يضع سبحة طويلة حول عنقه في طرفها قلب من الخشب في داخله صورة راجنيش المبتسم..‏

حدثنا الكندي عن فلسفة (راجنيش) وعن كثرة تلامذته وقدرته على التأثير في مستمعيه.. ووضع لنا شريط فيديو يحوي نتفاً من خطبه..‏

تأخر الوقت، فهمس (قتيبة) لي أن نرحل، فالمواصلات ستصبح صعبة بعد قليل.. فقمت أودع الكندي الذي وضع سبحة (راجنيش) حول رقبتي وطلب مني أن أعود غداً، وقد وجدني مهتماً بفلسفة ذلك الرجل الداهية..‏

حالما خرجت نزعت (السبحة) من حول عنقي ووضعتها في جيبي وقد خفت من تأثيرها علي. عاد إلي توتري وقلقي، وحين أصبحنا في البيت، حاول أصدقائي إزالة توتري، دون جدوى. وحتى لا أزعجهم اتجهت صوب السرير لأخلد للنوم..‏

استعدت أحداث يومي قبل أن يأتيني النوم متأخراً..‏

× × ×‏

رأيت في الحلم وكأنني أمر في شارع أعرفه، وفي نهايته تجمع حشد من الناس، وكنت أمشي و (قتيبة) نحو هذا الجمع وصلنا صوت مزمار هندي كان هناك رجل، ينفخ في المزمار وحوله ترقص الأفاعي. ومن بينها لفتت نظري أفعى من نوع (كوبرا) برأسها المجنح. تنظر نحونا بعينيها المتقدتين..‏

استيقظت وأنا ألهث من التعب، جاءني قتيبة ومعه الشاي، لم أخبره عن الحلم، لكن شكل الرجل ومنظر الأفعى المخيفة ظل يتراقص في عيني لوقت طويل..‏

× × ×‏

بعد الظهر خرجنا نتمشى، نتعرف على أماكن جديدة في (اندور) وبعد مدة دخلنا شارعاً، أحسست أني رأيته من قبل وفي نهايته تجمع حشد من الناس..‏

تساءل قتيبة: -ما الذي يحدث هناك؟‏

قال عمار: -ربما تاجر شنطة..‏

وهؤلاء مشهورون بأسعار سلعهم الرخيصة من عطورات وأدوية وأدوات زينة.‏

قلت: بل هو رجل يعزف للأفاعي وهي ترقص.‏

ضحك قتيبة: -كيف؟ ماذا تقول؟‏

لم أجب.. اقتربنا فعلاً من المكان، كان رأسي يدور حين سمعت صوت المزمار المميز. قفز الحلم إلى ذهني، حين طالعت شكل الرجل الذي يعزف، وميزت أفعى (الكوبرا) برأسها المجنح وعينيها المتوهجتين وهي تنظر صوبنا.‏

((يا إلهي، كل شيء يبدو ساحراً في هذه البلاد، حتى الأحلام؟ نفس المنظر الذي رأيته في الحلم، بكل تفاصيله؟)).‏

كنت مذهولاً وأنا أستعيد ما حدث، ولكن مرح الأصدقاء وعنايتهم البالغة بي، أنساني الحدث إلى حين..‏

× × ×‏

قضيت وعمار عدة أيام أخرى في أندور، زرنا مناطق عديدة حول المدينة وقضينا أوقاتاً ممتعة.. وحين أخبرتهم أنني يجب أن أسافر حاول (عمار) تأجيل موعد السفر، ولكني رغم تظاهري بعكس ذلك كنت متوتراً قلقاً، دون أن أفهم سبب ذلك...‏

سهرنا لساعة متأخرة في تلك الليلة التي سبقت سفري، وكنت متعباً حين لجأت للسرير وسرعان ما غفوت..‏

((حلمت أنني وصلت إلى محطة بوبال في الحادية عشرة والنصف ليلاً وأن قطار الثانية عشرة والنصف يتأخر ساعة عن موعده، جلست على الرصيف أتسلى بقراءة كتاب، أنتظر مجيء القطار المتجه إلى أغرا، وبعد فترة أعلنوا في المحطة أن القطار سيتأخر حتى الثانية والنصف.. انتقلت إلى الرصيف المقابل، وجلست على مقعد قريب من عربة رجل يبيع الشاي، طلبت منه كأساً من الشاي بالحليب وتابعت قراءتي.. سمعت بعد فترة وقع خطوات حذاء نسائي فالتفت ليطالعني وجه فتاة مليحة التقاسيم ترتدي سارياً أخضر، إلى جانبها رجل بنظارات سميكة يحمل حقيبة.. طلب الرجل كأسين من الشاي وكانت مقاعد المحطة مكتظة بالمسافرين، أفسحتُ لهما مكاناً إلى جانبي وتبادلت معهما حواراً عرفت أن الفتاة هي أخته وأنه يدرس في جامعة أغرا، وتبادلت الحديث مع الفتاة وعرفت أن اسمها (نيلام) واسم أخيها (راكيش).. كانت قد ضفرت شعرها بضفيرة واحدة امتدت أسفل ظهرها.. وكانت تحفظ أبياتاً من شعر الراميانا.. كنت أحدق بوجهها الصافي وعينيها البارقتين فأحس بمشاعر فياضة من الإعجاب..)).‏

استيقظت على قتيبة يهزني: -تأخر الوقت..‏

تململت محتجاً: -أوه لماذا توقظني الآن؟ كنت مع فتاة جميلة بساريها الأخضر ووجهها الصافي..‏

ضحك: -أنا آسف.. عد إلى النوم الآن وأكمل مغامرتك.‏

نهضت مسرعاً من الفراش وأنا أحس بنشاط غير عادي. وبعد دقائق كنا نتناول الإفطار..‏

* 2 *‏

خرجنا نتمشى في الحديقة المجاورة للبيت، كان يوم عطلة وقد امتلأت الحديقة بأزواج العشاق، والأسر. لم نشعر بمضي الوقت ونحن نتفرج على ما في الحديقة من ألعاب وسحر وموسيقا ورقص.. انتبهت للوقت أخيراً كانت الساعة تقارب الثانية عشرة ظهراً. يجب أن أذهب إلى (الكراج) لأستقل تكسي نحو بوبال. ودعني الأصدقاء، ولوحوا لي بأيديهم والسيارة تتحرك متجهة نحو (بوبال) وكانت عندها الساعة نحو الواحدة والنصف ظهراً.. كان الطريق جميلاً مشجراً، وبعد نحو ساعتين تعطلت السيارة في مكان مقفر تقريباً، كنت أجلس في المقعد الخلفي وإلى جانبي (سرادرجي) من السيخ ومعه زوجته، كان الرجل لطيفاً قوياً رغم تقدمه في السن، وفي المقعد الأمامي جلس شابان كانا يثرثران طوال الوقت مع السائق..‏

حاول السائق إصلاح السيارة دون نتيجة، فتطوع أحد الشابين بالذهاب إلى القرية القريبة لإحضار من يفهم في الميكانيك.. أوقف سيارة شاحنة وصعد بها وهو يلوح أنه سيعود بسرعة..‏

مر الوقت.. جلس السردارجي تحت شجرة مع زوجته التي أخرجت بعض الطعام وبدأا يأكلان في حين قدمت لفافة سجائر لسائق السيارة الذي أخذ يعتذر لي بالهندية عما حصل.. وقد رأى منظري الغريب.. والهنود لطفاء طيبون يعاملون الغريب باحترام.. واقترب مني الشاب الآخر، ولم يمانع حين عرضت عليه تدخين سيجارة. كان من (بوبال) يختص في كلية الطب في جامعة بوبال، أخذ يلقي علي أسئلته الفضولية التي تهربت من الإجابة عنها بلباقة.. ثم طلب مني سيجارة أخرى فقدمتها له.‏

سألني: -أنت عربي؟‏

قلت: -نعم..‏

قال: -اسمي مصطفى، والدي من بوبال وأمي من حيدر أباد.. أستطيع قراءة العربية ولكن لا أفهم ما أقرأ. أنت تعلم أن أحرف العربية مثل أحرف الأوردو تقريباً.. أنا أقرأ القرآن الكريم وأحفظ بعض سوره ولكني لا أفهم شيئاً..‏

قلت له: -يمكنك تعلم العربية بسهولة ما دمت تعرف الأحرف.‏

قال: -والدي يتقن العربية، وقد زار القاهرة..‏

انفتح مصطفى في حديثه معي، وحكى لي قصة حبه لصديقة أخته، والأخت هنا ليست الأخت الحقيقية، فأي قريبة هي في منزلة الأخت، لأن الهنود لا يتزوجون من الأقرباء. وأخته تلك عرفت أنها ابنة عمه وتعيش في أندور حيث يملك عمه متجراً للتحف..‏

وقال لي أخيراً: -المشكلة أن (سلمى) وهو اسم الفتاة –ستتزوج قريباً إن لم أسارع بطلب يدها.‏

قلت: -ما الذي يمنعك من ذلك؟‏

قال: -ليس عندي عمل، أنا أختص بجراحة العين، ولكن عملي في المستشفى مؤقت، قد لا يقبلونني بعد انتهاء دراستي.‏

قلت: -حاول إقناع عمك، قد يساعدك..‏

أطرق قليلاً وتمتم: -يمكن. إنه يحبني كثيراً يعتبرني مثل ولده..‏

وبعد نحو الساعة حضر الشاب الآخر ومعه الميكانيكي الذي قضى يعالج محرك السيارة نصف ساعة أخرى قبل أن ينجح في إدارته..‏

غفوت قليلاً على المقعد بعد أن تحركت السيارة بنا ولم أنزل من السيارة حين توقفت للاستراحة.. ولكن مجيء مصطفى ومعه كأس من الشاي أخجلني فجلست معه فترة الاستراحة، ندخن ونتبادل الحديث..‏

× × ×‏

تحركت السيارة من جديد، كان الظلام يخيم على الطريق وليس سوى حيوانات صغيرة نراها على الجانبين وحشرات تقفز أو تطير أمام مصابيح السيارة.. وصلنا بوبال في الحادية عشرة والنصف، ودعت مصطفى سريعاً بعد أن تبادلنا العناوين، وطلب مني الإجابة على رسائله.. ثم اتجهت صوب محطة بوبال للسكك الحديدية.. حجزت تذكرة لأغرا، وقد نبهني قاطع التذاكر أن قطار أغرا سيتأخر عن موعده حتى الواحدة والنصف..‏

كان هذا طبيعياً. جلست على الرصيف أقرأ في (رواية هارولد روبنس) اليهودي الأمريكي، وكانت بعنوان (القرصان) تدور حول العرب ونزواتهم وملايينهم التي ينفقونها بلا حساب. في أمريكا وأوروبا.. وتحكي بفصولها الأربعة عن ربيع وصيف وخريف وشتاء عام 1973. وبعد مدة سمعت صوت مذيع المحطة، يعلن عن تأخر القطار المتجه لأغرا ساعة أخرى.. وأنه سيأتي إلى الرصيف رقم (2) حملت حقيبتي الصغيرة واتجهت أصعد الجسر الفاصل بين الأرصفة لأهبط على الرصيف رقم (2)، كان الناس ينتشرون على الرصيف ينامون، يتسامرون، يشربون الشاي، جلست قرب أحد باعة الشاي، وطلبت منه شاياً بالحليب.. وبعد قليل وأنا منغمس في قراءتي وصلني صوت وقع حذاء نسائي فالتفت لأفاجأ وقد اشتدت خفقات قلبي بوجه فتاة ترتدي سارياً أخضر وإلى جانبها رجل بنظارات سميكة يحمل حقيبة بيده..‏

وكما في الحلم تماماً وكنت مصعوقاً، طلب الرجل كأسين من الشاي بالحليب وكانت مقاعد المحطة تغص بالمسافرين، فأفسحت لهما مكاناً قربي وقلت دون أن أعي: -أختك؟‏

أجاب مدهوشاً: -نعم، كيف عرفت؟‏

تلعثمت ثم أسعفني لساني: -تشبهك..‏

كانت الفتاة ترمقني على استحياء. ورأت الرواية التي أحملها فطلبتها مني، قلبت صفحاتها قليلاً، ثم أعادتها لي وهي تقول: -إنه رجل يبيع جيداً.‏

كانت تتكلم الإنكليزية بطلاقة. سألت: -من تقصدين؟‏

-هارولد روبنس مؤلف هذه الرواية، ثم هو يحقد على العرب ألا تعرف ذلك؟‏

-بالطبع أعرف، هو ليس يهودياً فقط، وإنما صهيوني النزعة هذه الرواية مليئة بالكذب.‏

-ولكنهم يصدقون أحداثها في الغرب.‏

-صحيح.. إنه تقصيرنا نحن العرب.‏

-ومن أي بلد أنت؟‏

حكيت لهما عن بلادي ثم بدأت أحكي عن جولاتي ورحلاتي.. وأحسست أنني أسرد لهما كل شيء تقريباً عن حياتي في الهند، كأنما تدفعني لذلك قوة خفية..‏

سحبت علبة سجائري وعرضتها على (راكيش) فاعتذر بلطف وأشعلت سيجارة وأخذت أمج دخانها بشغف وأنا مذهول مما يجري، كأنني في حلم..‏

ما الذي يحدث لي وأنا أتبادل معهما الحديث بهذا الانفتاح المدهش قلما كنت صريحاً مع غريب كأنني لا أعتبرهما غريبين..‏

((آه.. أحلم بهما في نومي، فأراهما بشحمهما ولحمهما يتجسدان أمامي يا إلهي ما أعذب عيني نيلام، إنها تنظر إلي كأنها تحاول قراءة أفكاري أحس أنني ضعيف أمام سحر عينيها)).‏

كانت صداقاتي النسائية عابرة وسريعة، ونادراً ما تأثرت بعلاقتي مع فتاة.. ليس حباً أولاً هذا، فقد مضى حبي الأول بذكرياته وأحلامه دون أن يترك أثراً، بعدما تزوجت الفتاة التي أحببتها حباً عذرياً، ملك علي فؤادي في ذلك الحين، إنه حب، نادراً ما يفلت منه من هم في ميعة الصبا..‏

* 3 *‏

كنا نجلس على أحد المقاعد الحجرية في المحطة ننتظر القطار والنسمات الباردة تخزنا وتلسعنا فنتقوقع على أنفسنا ولم نعد نستطيع تحمل البرد في الشتاء الهندي الجاف، فأخرجت بطانية من بين أغراضها وأعطتنا إياها لنغطي بها جسمينا..‏

بدأ أخوها يأخذ رأيها على مسمع مني في مصدر (الراميانا) وهل هي حقاً من إنشاد (فيلمنكي) الذي صاغ أبياتها البالغة ثلاثة وأربعين ألفاً؟ كانت خجلة في بدء مشاركتها لنا ولكنها انطلقت في حديثها وقد أغرتها بطولة (راما) في معاركه ضد الشياطين والجن، وفي قدرته على كسر قوس (شيفا) وفوزه بسيتا الجميلة قرينة له، ثم كيف تمكن من قتل (راوان) وإرجاعها إليه بعد أن خطفها ذلك الملك القادر الذي كان يلقب بذي الرؤوس العشرة، لكون رأسه تعادل عشرة رؤوس من رؤوس أعظم الحكماء في ذلك العصر..‏

وبدأت (نيلام) –وكان اسمها كما في الحلم وكذلك اسم أخيها- تنشدنا بعض أبيات الراميانا- المترجمة للإنكليزية، وهي مأخوذة حالمة.. عرفت منها أنها أنهت دراستها قبل عامين ونصف وفوجئت حين علمت أنها تحمل ماجستير في اللغة الإنكليزية وحين قلت لها: -وكيف تحفظين هذا الشعر الصعب، كنت أظنك تدرسين (الميثولوجيا الهندية) أرى في يدك كتاباً يبحث في هذا الموضوع..‏

قالت: -نحفظ أبياتاً من الراميانا من المناسبات الدينية الكثيرة التي تجري عندنا، حيث يتناقلها المنشدون في المعابد والاحتفالات الدينية، عدا عن أن الأبيات التي أنشدتها، أحفظها من أيام المدرسة..‏

بدأت الاستعلامات في المحطة تبث في الميكرفون جملاً هندية سريعة لم أتمكن من فهمها، وحين سألت عن معناها أجابتني نيلام:‏

-القطار قادم الآن، وسيتوقف على الرصيف المقابل، أي أن علينا نقل حوائجنا من جديد عبر جسر المشاة هذا..‏

ساعدتهما في حمل بعض الأغراض وعلقت حقيبتي الصغيرة في كتفي.. وحين وصلنا الرصيف، كان القطار قد بدأ في دخول المحطة.. كنت أسافر باستمرار في الدرجة الثانية، إذ أن الدرجة الأولى مكلفة جداً وليست مريحة كثيراً، إلا إذا كانت مكيفة، حيث تتضاعف الأجرة حينذاك أيضا..‏

كانت العربة التي صعدنا إليها شبه فارغة، اتخذنا فيها أمكنة متجاورة وتابعنا أحاديثنا والقطار يتحرك بنا في رحلة الثماني ساعات من (بوبال) إلى (أغرا) بعد نحو نصف ساعة بدأ النعاس يسيطر علي. كنت ساهراً طوال الليلة الفائتة وقد تأخر القطار عن موعده، حينها قال لي الدكتور (راكيش): -أنت متعب حاول أن تنام؟‏

صعدت أحد الأسرة العلوية وتمددت بثيابي ورحت أغط في نوم عميق، استيقظت بعد مدة لم أتمكن من تحديدها على أحدهم يمد الغطاء فوقي، حين نظرت نحوه لمحت وجهها يضيء بابتسامة ساحرة.. جعلتني أكثر اطمئناناً ودفئاً، ورحت أحلم ببساتين زاهرة وحدائق غناء وأنا وهي نطارد بعضنا بحب..‏

في نحو العاشرة والنصف استيقظت، كانت الثلاث ساعات التي نمتها كافية لراحتي.. حييتهما وأنا أفرك عيني، وذهبت أغسل وجهي وأسوي شعري، وحين عدت كان أخوها قد أخذ مكاني وهو يقول: -سأنام قليلاً، أعذرني؟‏

-لا بأس..‏

جلست قرب (نيلام) فتحت كيساً إلى جانبها، وأخرجت بيضتين مسلوقتين وخبز محشي بالبطاطا والتوابل يسمونه هنا (باراتا).‏

-كل.. أنت جائع.‏

أحسست بدفء كلماتها، طلبت منها مشاركتي قالت لي:‏

-أنا لا آكل البيض، هذا لأخي، لا يقيم وزناً للعادات والطقوس الهندوسية هو ليس نباتياً وقد تشاجر كثيراً مع والدي من قبل، حتى يئس منه.. حسناً سأتناول لقمة فقط من أجلك.‏

أكلت بشراهة إذ أنني كنت أحس بالجوع فعلاً، وحين توقف القطار في إحدى المحطات، طلبت من بائع شاي جوال كأسين من الفخار تحويان شاياً بالحليب على الطريقة الهندية.. أخرجت علبة سجائري وعرضتها عليها فابتسمت وهي تهز رأسها رافضة.. بدأنا نتحدث في مواضيع مختلفة، عرفت منها أن أخيها متمرد على العادات الهندوسية ويعدها متخلفة خيم علينا الصمت قليلاً، وسحبت علبة سجائري للمرة الرابعة قالت:‏

-تدخن كثيراً؟‏

-أحياناً.‏

-ماذا تعني بأحياناً؟‏

-قد أدخن في اليوم عشرة سجائر وأحياناً ثلاثين.. هذا يرتبط بوضعي النفسي. في الأماكن الخانقة في القطارات العمومية البطيئة قد أدخن علبتي سجائر، للخلاص من الجو المزكوم بالروائح الكريهة، وحينما تشغلني قضية ما قد أدخن ما يقارب ذلك.. وأحياناً أنسى التدخين تماماً لساعات طويلة.‏

-ألا تتضايق من الدخان الهندي؟‏

-كنت أتضايق من قبل..‏

-يقول أخي قد تدخن سيجارتين غير هنديتين، مقابل سيجارة هندية واحدة، إذ تستغرق وقتاً يعادل تدخين سيجارتين غربيتين.‏

-هذا صحيح.‏

-التدخين معيب هنا بالنسبة للمرأة.‏

-ولكني أرى نساءً يدخّن أحياناً.‏

-هؤلاء من الفلاحات أو من طبقة الهاريجان.. يدخّن دخانا رديئاً من أوراق الشجر يسمونه هنا (البيريه).‏

انكشف طرف الساري عن بطنها البديع ولم تحفل بذلك، لم يكن ذلك يستدعي الحشمة.. معظم الهنديات يرتدين الساري ويكشفن من بطونهن وظهورهن. قلت لها:‏

-ألست تحسين بالبرد وأنت ترتدين الساري؟‏

قالت: -تعودت على ذلك..‏

انشغلت بالتطلع إلى مجلة هندية بين يديها، وأخرجت أحد الكتب من حقيبتي الصغيرة وبدأت أتابع سطوره التي شدتني إلى سحر الهيمالايا.. وكان أول كتاب أقرأه عن تلك المنطقة الجبلية الساحرة، بعد أن زرتها في الخريف الماضي..‏

أحسست بجسم نيلام يميل إلي، كانت تغفو وقد مال رأسها نحوي لم أتحرك خشية أن أوقظها، وبعد لحظات كان رأسها على كتفي، أحسست بدفء جسمها الملتصق بي فغمرني حنان عارم، فسحبت بهدوء شالها الملقى قربي، وغطيت جسمها.. أحسست بالحاجة لضمها، إلي، وإراحة رأسها على صدري، وربما لو كنا لوحدنا لفعلت ذلك.. ولكن وجود أخيها، منعني من القيام بأي شيء.. رغم إحساسي بالحرج، إن استيقظ أخوها فجأة..‏

بدأت تحك رأسها بكتفي وهي نائمة.. تأملت وجهها الأسمر قليلاً، وأنفها الدقيق وشعرها الملقى على كتفها والمفروق في وسطه بعناية..‏

"بماذا تحلمين يا نيلام؟ أيمكن أن أشاركك الآن في حلمك، أتحلمين بي كما حلمت بك قبل قليل.. ليت لي مكاناً في أحلامك".‏

حدث ما حدث أن يقع، فقد استيقظ أخوها، لم أستطع القيام بحركة لإيقاظها، تظاهرت بأنني منشغل بالكتاب الذي بين يدي.. سمعت صوته يقول:‏

-ألم نصل (غواليار) بعد؟‏

-لا أعتقد.‏

لم يبد منزعجاً من نوم أخته بلصقي ورأسها على كتفي.. بل قال معتذراً:‏

-أرجو أن لا يكون نوم نيلام يزعجك.‏

-لا.. أبداً.‏

نزل من الأعلى واتجه نحو المغاسل الموجودة في مؤخرة العربة.. أحسست عندها بالراحة، يبدو أن الدكتور راكيش، ليس متزمتاً إلى هذا الحد..‏

تحركت قليلاً وهي مغمضة عينيها وقالت بالهندية جملة فهمتها:‏

-راكيش ألم نصل أغرا بعد؟‏

-قلت لها بالإنكليزية: -أعتقد أننا لم نصل غواليار..‏

فتحت عينيها ونظرت لي ثم سوت نفسها معتذرة.‏

-اعذرني لم أنتبه لنفسي كنت نائمة.‏

رمقتها بحنان: -لم يحدث شيء يستدعي الاعتذار.‏

-أين راكيش؟‏

-في مؤخرة العربة.‏

قالت بتردد خجلة: -أرآني نائمة على هذا الوضع؟‏

-نعم.. لا تقلقي هو ذو شخصية متفتحة.‏

-أعلم ذلك، أنا خجلة منه فقط.‏

توقف القطار في محطة ما متمهلاً.. نظرت من النافذة:‏

-هذه غواليار أزرتها من قبل؟‏

-لا.‏

-هي مدينة جميلة.. بعد نحو ساعة ونصف سنصل أغرا.‏

-أفي غواليار جامعة؟‏

-نعم ولكن طلبتها لا يحترمون كثيراً الأجانب. نادراً ما يتمكن من الصمود ومتابعة الدراسة في الجامعة، طالب أجنبي إن لم يكن ذا قوة بدنية كافية لتلقين من يتحرش به درساً قاسياً.. تسيطر عصابات الطلبة على الجامعة تقريباً.. ولا يحبها الأجانب لكثرة مشاكلها.‏

-وما موقف الحكومة من ذلك؟‏

-الحكومة عاجزة أحياناً عن السيطرة على عصابات الطلبة.‏

-شيء مؤسف فعلاً.‏

عاد راكيش وابتسم لنا محييا بمودة.. ثم قال لي:‏

-نيلام أحب إخوتي إلي.. هي صديقتي الوحيدة في العائلة.‏

ابتسمت خجلة.. ولم تتكلم. قلت: -هي أخت رائعة كما أعتقد..‏

-حين تتعرف عليها أكثر ستعجب بها.‏

ثم وجه الكلام إليها: -أنت متعبة اصعدي وخذي قسطاً من الراحة.‏

نهضت طائعة وصعدت بخفة إلى السرير الأعلى، وقفت قليلاً أسوي الغطاء فوقها وهمست لها وقد لحظت خجلها: -قد تصابين بالبرد.‏

كنت قد تحررت من عقدة وليها الذي ظهر لي إنساناً متفتحاً طيباً..‏

بدوت أ كثر انشراحاً وأنا أبادل الدكتور (راكيش) الحديث، دخلنا في مناقشة مفصلة حول أثر اختلاف الأديان على الهند الحديثة.. كان مقتنعاً أن التزمت والتعصب يؤثران على تقدم البلد، ولكنه أصر على أن التغيير يحتاج لجهد كبير، قد يستغرق وقتاً طويلاً..‏

* 4 *‏

لم أرفض الذهاب معهما إلى البيت الذي يملكه الأخ في الجامعة أمام هذا الإلحاح منهما في اصطحابي.. وكنت ميالاً للبقاء مع عيني نيلام الساحرتين.. لأشبع نظري من لحاظها ووجهها الجذاب..‏

عرفني (راكيش) على زوجته، التي بدت متفتحة مثله، تزوجها بعد حب دام عامين.. وبالغت كثيراً في العناية بي بالمشاركة مع نيلام حتى أحسست بالحرج.. نمت في الصالة رغم إلحاح نيلام علي للنوم في غرفتها.. وكان المنزل مكوناً من غرفتين وصالة واسعة بسطت فراشاً رقيقاً على الأرض ومدت فوقه أغطية نظيفة ولحافاً سميكاً:‏

-قد تشعر بالبرد عند الفجر.‏

سهرنا حتى الحادية عشرة.. استأذن راكيش وزوجته بكل بساطة مني.. وتركا نيلام معي لنكمل حديثنا الذي بدأناه في الأسطورة الهندية.. في نحو الحادية عشرة والنصف استأذنتني في الذهاب للنوم ولم أدر كيف جذبت يدها بيدي، وضغطت عليها بحب وأنا أرمقها بنظرات والهة.. سحبت يدها بخجل ولم تلتفت وراءها وهي تودعني وتتمنى لي ليلة سعيدة.. استيقظت في الليل على أحدهم يسوي الغطاء فوقي، أدرت رأسي فتبينتها تحت النور الأصفر الشاحب الذي ينير الصالة قالت وجله: -آسفة..‏

نهضت جالساً وأنا أشد يدها إلي: -نيلام..‏

تلفظت باسمها كالهمس: -تعالي إلي.‏

-أرجوك.‏

-اجلسي قليلاً.‏

-اتركني أرجوك قد يستيقظ راكيش.‏

قبلت راحتها ووضعتها على وجهي همهمت بارتباك: -أنا آسفة.‏

انسحبت بهدوء وقد غطت وجهها ثم دخلت راكضة إلى غرفتها.‏

ماذا يدور في خلد الفتاة؟‏

دخل القلق إلى قلبي.. لم أستطع النوم.. قمت بعمل متهور لم أتمكن من التفكير فيه طويلاً، سويت وضع الفراش وضعت بعض الوسادات داخل الغطاء، كأنني نائم.. ثم بهدوء اتجهت إلى غرفتها.. لم يكن الباب مغلقاً بالرتاج..‏

كانت ممدودة على السرير نائمة.. أغلقت الباب، ورتجته، واتجهت إليها وقلبي يضرب بعنف مجازفة خطيرة، قد تصرخ الصبية تسبب لي مأساة..‏

بدأت أرتجف.. وصلت إليها، كالملاك كانت نائمة، بدأت أتأملها على الضوء الشاحب الذي يغمر غرفتها الصغيرة كانت هناك صورة ملونة لكريشنا فوق رأسها، وقربه البقرة، التي درت عليه الحليب وأسقته وهو جائع.. همست بحنان: -نيلام.‏

فتحت عينيها مدهوشة: -ماذا تفعل هنا؟‏

-سأشرح لك.‏

-أرجوك اخرج.‏

-لا تخافي لقد رتبت الأمر.‏

-اخرج أرجوك. كيف دخلت إلى هنا؟‏

-اسمعيني دقيقة وسأخرج.‏

-قل ما تريد بسرعة واخرج لا تورطني..‏

-((نيلام)).. تركت لعيني تنطقان لم أستطع أن أردد غير اسمها انكبت على يدي تقبلهما وهي تبكي..‏

-((نيلام.. انظري.. ماذا يدور في رأسك حدثيني؟)) رفعت رأسها كانت الدموع تسيل على خديها:‏

-اخرج الآن أرجوك..‏

-حسناً..‏

شددت على يدها بحب بالغ.. وانسللت خارجاً من غرفتها.‏

× × ×‏

استيقظت متأخراً كانت الساعة نحو التاسعة، لم تكن هناك أية حركة في البيت اعتقدت أنهم ما يزالون في نومهم، ولكن صوت نيلام وصلني: -صباح الخير.‏

تبعها صوت راكيش وزوجته. قال راكيش: -لم نشأ أن نزعجك، كانت رحلة متعبة أمس استأذنتهم لدقائق واتجهت صوب الحمام، وحين عدت بعد دقائق كان المكان نظيفاً مرتباً، وراكيش يجلس على أحد الكراسي باللباس الهندي الأبيض يطالع صحف الصباح. توجه نحوي وقد ألقى بالصحيفة التي كان يقرؤها جانباً:‏

-ما هو برنامجك اليوم؟‏

-سأتجول في المدينة، التقط بعض الصور، وأزور بعض المناطق الأثرية، وقد أسافر هذا المساء إلى عليكار، المدينة القريبة من هنا..‏

-عليكار؟ ولماذا؟ لا تذهب إليها هذه الأيام هناك منع تجول ومشاكل طائفية.. وقد انتشر الجيش في معظم المناطق.‏

-نفس المشاكل الطائفية المألوفة أم أن هناك أموراً جديدة تجري؟‏

-نعم، مشاجرات ومشاحنات وقتال أحياناً بين المسلمين والهندوس.. لا أدري ماذا يدور في خلد هؤلاء الناس البسطاء؟ أتعرف لا يمكن لبلادنا أن تشهد استقراراً حقيقياً ما دامت الديانات هي التي تحكم..‏

-أنا معك.. ولكن لم لا تحاول الدولة سن قوانين صارمة للحد من هذه المشاكل المتفاقمة؟‏

-بلاد ديمقراطية، ولكن الوجه الحقيقي للديمقراطية يبدو الآن زائفاً. الجهل والأمية والفقر، من أهم مسببات الفتن التي يوجهها أفراد الأحزاب المتصارعة بالولوج إلى هؤلاء البسطاء وتسييرهم بطرق الأحلام.. والموت في سبيل قضايا ليس من مصلحتهم الانشغال بها..‏

دخلت نيلام مع زوجة راكيش: -الإفطار جاهز..‏

كان الإفطار شهياً مكوناً من (الباراتا) والبيض والجبن و (الشاباتي) والزبدة المملحة إضافة للشاي والحليب.‏

قال لي راكييش: -ما رأيك لو تتجول في المدينة مع نيلام، قد تساعدك بلغتها ثم تعودان ساعة الغداء؟‏

-أخاف أن أثقل عليها بأسئلتي الكثيرة.‏

-لا تقلق من هذه الناحية هي واسعة الثقافة، وستفيداك في عملك؟ ثم أنك بذلك تريحني من جزء من واجباتي نحوها في اصطحابها لزيارة المناطق الأثرية. من تاج محل إلى (الرد فورت) إلى قلعة أكبر.. تلح علي لزيارتها كل مدة.. تعلم نحن الهنود نحب زيارة المناطق الأثرية باستمرار.. هي جزء من تاريخنا..‏

سحبت علبة سجائري وبدأت أمج الدخان بشغف وقد انتابني سرور لا يوصف.. حين دخل راكيش وزوجته إلى غرفتهما، سمعت صوت الزوجة تتكلم معه، وقد تردد اسم نيلام أكثر من مرة.. نظرت إلى نيلام استشف منها ما يجري فقالت هامسة:‏

-زوجة أخي تعاتبه على السماح لي بالذهاب معك منفردة.. ولكني واثقة من أنه لن يتراجع عن قراره.‏

-سأكون سعيداً بذلك.‏

أطرقت خجلى.. نهضت أجهز (الكاميرا) وأضع فيها فيلماً جديداً واضعاً في اعتباري أن راكيش لن يتراجع عن قراره في إرسال نيلام معي. وبعد لحظات أتى إلينا وهو يقول لنيلام:‏

-استعدا ستغادران خلال دقائق أمامكما مناطق كثيرة تزورانها..‏

نظرت إلي بود وهي تبتسم ثم انفلتت مسرعة إلى غرفتها..‏

قال لي راكيش: -انتبه جيداً قد تثير بعض الفضوليين ونيلام معك.. حافظ عليها..‏

شددت على يده وأنا أشعر بسرور لا يوصف:‏

-لا داعي لهذا الكلام، هي أمانة في عنقي.‏

-لا تتأخرا كثيراً، نحن في انتظاركما على الغداء.‏

× × ×‏

قلت لنيلام ونحن نتجه صوب موقف /السكوترات/:‏

-فعلت جيداً، بارتدائك البنطال.. تبدين من بلاد أخرى.‏

وقبل أن ندخل السكوتر همست لها:‏

-تكلمي الإنكليزية فقط، لا تتركي مجالاً للتقول، بحديثك بالهندية ما رأيك لو نبدأ بزيارة (الرد فورت) (القلعة الحمراء).‏

توقف بنا السكوتر أمام الطريق الحجري الصاعد، المرصوف والمحاط من جانبيه بجدارين عاليين، في حين التف حولنا بعض باعة التحف الأثرية والتذكارات والصور الملونة.. التقطت عدة صور قبل أن نبدأ في صعود الطريق الذي يفضي داخل القلعة.. كنت سعيداً وأنا أسترق النظر إليها قربي. كانت تبدو على أتم نضارة وجمال في بنطالها و(البلوز) الرمادي وحقيبة يدها المعلقة في كتفها..‏

اقترب أحد المتسولين منا قبل أن ندخل الباب، كان كهلاً رث الثياب نحيفاً.. أخذ يهمهم بكلماته.. نقدته بعض المال ونيلام تضحك، ولما سألتها عن السبب قالت:‏

-إنه يسأل فشنو أن يمدنا بالعون، ويمنحنا طفلاً، اعتقدنا زوجاً وزوجة..‏

أمسكت يدها وتشابكت أصابعي مع أصابعها.. وبدأنا نتجول داخل الرد فورت في ردهاته وقاعاته وحدائقه.. قبل أن نستقر في فسحة عشبية واسعة حيث طلبنا من أحد الصبية إحضار كوبين من الشاي بالحليب.. وكنت أنا المتكلم بهندية ركيكة.. استرحنا لدقائق قبل أن ننطلق متجهين إلى تاج محل..‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244