أحزان السندباد - د.طالب عمران

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2002

Updated: Tuesday, September 16, 2003 11:56 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

* 5 *

وصلنا (تاج محل) وحين دخلنا السور المحيط بالمنطقة كانت الأسواق التجارية تنتشر على الجانبين وهي مليئة بالتحف الشرقية والحرير الهندي، وتماثيل العاج والعقود والأساور..‏

اشتريت بطاقتي الدخول قبل أن ندخل في السور الذي يحيط بالتاج، على البوابة الخارجية الضخمة كتبت آيات قرآنية بخط كوفي آيات سورة (الشمس) كاملة وسورة الضحى وآية الكرسي وسور أخرى..‏

وانبسطت أمامي حديقة واسعة، مزينة بالزهور يتوسطها طريق مرصوف بالبلاط في منتصفه قناة مائية طويلة، سرنا على أحد جانبيها نتبادل الحديث، وأمامنا يرتفع تاج محل بقبابه الأربع، وحتى نصل باحته الخارجية كان من اللازم أن نصعد درجاً، حيث انتشر في نهايته الناس، يخلعون أحذيتهم قبل الدخول إلى حرم الضريح، على مدخله الرئيسي كتبت بخط جميل آيات قرآنية من سورة الضحى، وسورة الليل، وارتفع بناؤه المرمري الأبيض الجميل المتناسق، كان المكان يعج بالزوار، تجولنا في ردهاته الواسعة، عرض علينا أكثر من دليل مرافقتنا طمعاً بالبخشيش، ولكننا اعتذرنا بلطف بنى شاه جهان خامس امبراطور مغولي، هذا الضريح الضخم، لزوجته ممتاز التي أنجبت له أربعة عشر ولداً خلال عشرين عاماً من حياتها معه، طلبت منه وهي تحتضر أن يبني لها ضريحاً يخلدها ويخلد حبهما. وظل الضريح يرتفع ببنائه، لسنوات طويلة أمام عيني الإمبراطور المغولي الذي كان يراقب البناء وهو في قلعة جده أكبر، حتى اكتمل، كلف الكثير، وشارك مئات المهندسين والبنائين في تشييده، ورزح تحت ثقل حجارته الضخمة آلاف العبيد، على جدرانه الداخلية رسومات وزخارف ونقوش مطرزة بالحجارة الكريمة وفي القبو داخل التاج، قبر شاه جهان وقبر زوجته، متجاورين، يجلس بينهما شيخ يقرأ القرآن أحياناً ويوزع عقود الياسمين على الناس الذين ينقدونه بعض المال، ونحن نتجول في التاج، خرجنا إلى باحته الرئيسية التي تطل على أرض سهلية جرداء خلفه انتشرت فيها المستنقعات قالت لي:‏

-يا له من أثر بالغ الروعة، كم كان شاه جهان يحب زوجته، وكم وفى في تشييده لهذا البناء، لذكراها.‏

-ما من أثر كبير في العالم، إلا وبناه الملوك على أكتاف العبيد، قد يكون هذا رمزاً للحب، ولكن الناس سواسية في قبورهم بعد الموت. إنه أثر خالد، بني فوق جثتين، تنغل فيهما الديدان، كجثة فقير هندي.‏

قاطعتني: -نحن نحرق الموتى. هو أمر غير قابل للطعن في ديانتنا.‏

-تبدين هندوسية متعصبة؟‏

-لست كذلك، ولكنني مع هذه العملية.‏

نظرت إلى ساعتها: -تأخر الوقت علينا، إنها الواحدة.‏

-حسناً.‏

ارتدينا أحذيتنا، واتجهنا صوب باب الخروج، سألتني في الطريق:‏

-ألا تحب شراء بعض التحف؟‏

-قد أرغب بشراء التحف، ولكنها ستثقل علي تحركاتي في شبه القارة الهندية..‏

ابتسمت: -معك حق..‏

كانت تحدق شاردة فيما حولها ونحن نقطع الطريق المزدحم بالناس وحولنا محلات تعرض التحف والهدايا سألتها: -ما بك تبدين حزينة؟‏

نظرت لي بعمق ولم تجب.. ثم سألتني بعد لحظات: -هل سترحل اليوم؟‏

-أظن ذلك، أحس أنني أثقلت عليكم بإقامتي.‏

-كيف؟ أعجب بك راكيش كثيراً، وقد همس لي قبل أن أخرج أن لا أزعجك وأوفر لك الراحة التامة في جولاتك في أغرا.‏

كنت أفكر بمغزى تلك الكلمات وقد أحسست أن هماً يؤرق الصبية، سألتها:‏

-ألسنا صديقين؟‏

-أظن ذلك.‏

-إن كنت فعلاً تؤمنين بصداقتي رغم قصر مدة تعارفنا، حدثيني إذاً..‏

نظرت إلي بطرف عينها، ثم قالت بصوت خافت: -ماذا تقصد؟‏

-لا تنكري يا عزيزتي، أنت بحاجة لمن يقف معك، أنا متأكد أنك في محنة..‏

ظلت مطرقة وهي تسير بهدوء تابعت كلامي:‏

-أحس بأن في داخلك حزناً عميقاً، تتمنين لو أن أحداً تثقين به يريحك من آثاره البغيضة..‏

قالت أخيراً: -وما الفائدة؟‏

-صحيح، ما الفائدة وأنا سأرحل اليوم، ربما، وأنا الغريب المتجول، قد أحسست بقربي منك رغم ظروف تعارفنا السريع.. اسمعي يا نيلام سأقول لك شيئاً، أنت بحاجة لإنسان تثقين به وتلقين همومك على صدره، لست عابر سبيل منذ أن أحسست بثقل رأسك على كتفي في القطار، هكذا ببساطة أشعر أن لقاءنا ليس عابراً.. آه لو تعلمين.. كأنني أعرفك من سنوات.. حلمت بك قبل أن ألقاك.‏

كنا قد وصلنا إلى موقف (السكوترات) قالت وقد رغبت في قطع الحديث:‏

-لنصعد، أخي ينتظرنا.‏

-حسناً.‏

كان سائق السكوتر يعرف الإنكليزية، تحدث معي بود يسألني عن مقصدي.. أجابته نيلام بالهندية، نظر من مرآته إلينا بفضول قبل أن يدير المحرك وينطلق استغربت منها سبب كلامها بالهندية، كانت في الطريق شاردة.. ويبدو أن شرودها قد أنساها اتفاقنا أن لا تتحدث بالهندية..‏

أيقنت أن أمراً خطيراً يشغل بالها. خلال الطريق حاولت الحديث معها كانت تكتفي بكلمة محاولة عدم فتح باب النقاش".‏

× × ×‏

وصلنا البيت أنقدت السكوتر الأجرة وصعدت خلفها الدرجات القليلة فتح راكيش الباب باشاً كعادته سألني: -كيف؟ أقضيتما وقتاً ممتعاً مع آثار أغرا؟‏

-نعم كان ممتعاً حقاً، نيلام فتاة ظريفة واسعة الثقافة..‏

ابتسم بسعادة وقال: -الغداء جاهز لابد أنك جائع..‏

-فعلاً..‏

أدهشني صمت نيلام وعدم إجابتها عن أسئلة أحببت طرحها، إلا باقتضاب بالغ، أخذت أراجع تصرفاتي معها محتاراً. كان الغذاء مكوناً من (الكاري مع الدجاج) والرز المسلوق، والشاباتي، والخضراوات المطبوخة.. وكانت زوجة راكيش تقدم لي الطعام كل فترة لأنتقي ما أريد..‏

صممت على السفر عصر ذلك اليوم إلى(اليغار) التي تبعد نحو الساعتين ونصف في الباص، حاول راكيش إقناعي بالبقاء لأيام أخرى، ولكني اعتذرت متعللاً بضيق الوقت. إذ أن مهاماً أخرى بانتظاري، أوصلني حتى (الباص ستان) بعد أن ودعت نيلام التي فشلت في حبس دموعها، وضمت زوجة راكيش يديها وأحنت رأسها (رام رام جي) بالوداع المعهود..‏

كان أمامي ثلث ساعة قبل أ ن تنطلق الحافلة أصر راكيش على البقاء معي حتى (حركة الحافلة) حدثني عن عمله في الجامعة، وعن (نيلام) التي يحبها، وطلب مني أن أحدثه عنها، وما الفكرة التي حملتها عنها.‏

-هي فتاة جيدة مثقفة كما قلت لك.‏

-ألم تلحظ أية تصرفات غريبة منها؟‏

-أبداً.. لماذا تسأل هذه الأسئلة؟‏

-ارتبك في إجابته: -لا.. لا.. لا شيء.‏

لم أفهم مغزى إصراره على أخذ رأيي بأخته، وحين تحركت الحافلة في رحلتها البطيئة وبعد أن لوحت له بيدي مودعاً، أخذت أفكر براكيش وسبب كثرة أسئلته حول نيلام.. حاولت أن أشغل نفسي بالتطلع إلى الركاب ومعظمهم من الفقراء، تلوح التعاسة من وجوههم وقد وضع كل منهم صرته الكبيرة أو حقيبته الثقيلة قربه والنساء يحملن أطفالهن وبعضهن يتسلين بتقشير (المونفلي) وأكله.. والمونفلي نوع من الفستق صغير الحب.. وقفت الحافلة عدة مرات في الطريق، والجابي ينتقل بحقيبته الجلدية يجمع روبيات قليلة من الركاب الذين يصعدون والسائق يتحرك بسرعة في طريق ضيق ذي اتجاهين.. حاولت إقناع نفسي بأن تعارفنا كان عابراً، وأنه بعد أيام قليلة قد أنساها كنت أغفو على حركة الحافلة وأستيقظ على ضجة الركاب الداخلين والخارجين، ورنين جرس الأبواب، التي يشدها الجابي الذي يحسب غلته..‏

تعطلت الحافلة في (هاتراس) وهي مدينة صغيرة تبعد نحو (20) كيلومتراً من (اليغار) ظل الركاب ينتظرون وكانت الشمس قد جنحت إلى المغيب.. أحسست بالملل من الانتظار فقررت الاتجاه صوب محطة الحافلات القريبة لأستقل حافلة أخرى، أقلتني (ريكشا) حاول سائقها أن يتبادل الحديث معي وكنت شارداً قليلاً، وهو يقطع الطريق، حين حانت مني التفاته في أحد الشوارع إلى مجموعة من الفتيات على شكل نصف دائرة وقد علت وجوههن الأصباغ المختلفة، وهن يقفن بثياب قليلة نصف عاريات.. سألت السائق (ريكشا) بالهندية: -ما هذا؟‏

فغمزني وخفف سرعته: -فتيات للمغازلة يا سيدي، هل أقف؟‏

كنت أتأملهن وهن في وقفتهن يعرضن مفاتنهن، وبعض الشبان يتفرجون عليهن، وتدور بينهم حوارات عن السعر والمدة...‏

توقف سائق الريكشا وقد رآني أحدق بفضول، والتف عدد من الفتيان الصغار حولي بإنكليزية ركيكة: -أتريد فتاة؟ خمسون روبية فقط؟‏

ربما لو كنت هندياً لوصل المبلغ إلى عشر روبيات..‏

- اختر أي فتاة يا سيدي..‏

قلت بالهندية: -لا.. لا أريد..‏

الفتيات يقفن بذل، كسيرات النظر.. في (هتراس) شوارع صغيرة مليئة بأمكنة الدعارة، ويقصدها الناس من القرى والمدن المحيطة بها.. تحرك سائق الريكشا مسرعاً على صراخي وقد كنت أفكر بالرقيق الأبيض الذي تنتشر تجارته في معظم البلدان الآسيوية الفقيرة، (تايلاند- تايوان- أندونيسيا- الهند- الفيليبيين) وصلت محطة الحافلات أسأل عن (حافلة) تنقلني إلى (اليغار) دلني أحد الشبان على حافلة كان نصف الركاب يقفون في وسطها، كانوا محشورين داخلها تماماً، ((وهذه آخر حافلة)) تعلقت بالباب وقد بدأت بالحركة.. وكأنني حصلت على غنيمة.. وبعد دقائق أخذ الركاب ينزلون من المحطات في قراهم المنتشرة على الطريق وقبل (اليغار) بعدة كيلومترات جلست على أحد المقاعد في المؤخرة وأنا متعب تماماً..‏

* 6 *‏

قال لي محمد أحمد مدير بيت الضيف في جامعة اليغار وقد حدثته عما رأيته في (هاتراس):‏

-الفقر هو سبب البلاء، تلجأ بعض العصابات لخطف الفتيات الصغيرات، ويدربونهن على الرقص والغناء والدعارة حين يكبرن، ما شهدته ليس سوى أمر عادي.. في كلكتا أماكن خاصة تباع الفتاة لتصبح ملكاً لسيدها مدى الحياة.. طبعاً هذا ممنوع ولكن الهند يا سيدي بلد كبيرة غزيرة السكان، فقيرة أيضاً..‏

-ألا يزال التجوال ممنوعاً في المدينة؟‏

-خلال الليل فقط..‏

-وما السبب؟‏

-الفتن الطائفية، منظمة الـ (أر. أس. أس RSS) وهي المنطقة التي اغتالت غاندي، هي سبب هذه الفتن.. منظمة تقول الهند للهندوس، وحكومة (الجاناتا) تدعمها..‏

-كيف تثير هذه الفتن؟‏

-في (اليغار) المحلات متلاصقة، هندوس، ومسلمون.. تعتدي على هذا وتوغر صدر جاره وهكذا..‏

-حسناً في الغد سنزور المدينة إذن..‏

-لماذا تستعجل زيارتها، لن تهرب منك؟‏

أحضر الخادم الملتحي الشاي وهو يسلم. سألني (محمد أحمد): -أتحبه بالحليب؟‏

قلت: -لا بأس..‏

انضمت إلينا نزيلة إحدى الغرف، وهي عجوز في الستين من عمرها، تعتني بولدها الوحيد (موني) الذي يدرس الطب وهي زوجة أستاذ وعالم في ميكانيك الآلات في جامعة (لاكناو) تعارفنا سريعاً- وبدأت تتحدث عن ذكرياتها في لندن بينما كان زوجها يحضر الدكتوراه وهي تعمل في السفارة الهندية هناك.. ثم أخذت تتحدث بود عن (أنديرا غاندي) فقد عاشت الهند في أيام حكمها أياماً لا تنسى، حتى جاء تجمع أحزاب (الجاناتا) اليمينية للحكم، فبدأت الفوضى والاضطرابات تدب في كافة المقاطعات الهندية.‏

قلت لها معلقاً: -ولكنهم نجحوا في الانتخابات..‏

هزت رأسها: -نعم، استغلوا حالة الطوارئ التي أعلنتها، وشنوا عليها وعلى حزب المؤتمر حرباً إعلامية، فصدقهم البسطاء..‏

-ماذا عن سانجي ابنها؟‏

-ربما كانت طريقته في التعقيم غير صحيحة، رغم اقتناعي الشخصي بها، غزارة السكان وتكاثرهم غير المحدود خلق مشاكل كثيرة في بلادنا..‏

-تقول المعارضة أنه كان يوقف حافلة في أي مكان فيدخل كل الرجال إلى مستوصفات ميدانية لتجري عليهم عمليات لا ينجبون بعدها..‏

-كلها أكاذيب، وادعاءات المعارضة لتشويه صورة (أنديرا)..‏

ظل الحديث يدور بيننا حول هذا الموضوع، حتى حضر البروفسور (زيدي) زوجها الذي كان في زيارة رئيس الجامعة في منزله، سلم علي بترحاب.. وشرب الشاي معنا قبل أن يدخل وزوجته إلى الداخل..‏

بقيت في الصالة، أدخن وأكتب بعض اليوميات قبل أن أدخل إلى غرفتي لبعض الوقت حيث جهزت الشبكة الرقيقة فوق السرير وقد ازدحم الجو بالبعوض كما انتشرت في السقف بعض الزواحف الصغيرة من نوع (أبو بريص) تطارد البعوض بألسنتها الطويلة..‏

تمددت لدقائق في السرير- وعاودني طيف نيلام يزيل عني التعب أخذت أراجع ذكرياتي معها واختلطت علي المشاعر حتى غفوت أخيراً..‏

× × ×‏

كنت أجلس في بيت الضيف نتحادث أنا ومحمد أحمد، حين قدم ساعي البريد سلم مدير بيت الضيف عدة رسائل وغادر المكان على دراجته مودعاً بعبارات المجاملة الرقيقة من محمد أحمد، قلب الرسائل ثم ناولني بطاقة ملونة.. كانت من نيلام كما توقعت، تستفسر فيها عن صحتي وأحوالي مع عبارات رقيقة تحمل في طياتها مشاعر الود، وتذكرني برحلة القطار الطويلة والأحاديث التي تبادلناها، وتطلب مني مراسلتها.. وذيلت البطاقة بعبارة (راكيش يذكرك كثيراً وهو معجب بك).‏

كنت ساهماً شارداً أستعيد في ذاكرتي صورة نيلام المشرقة والساعات التي قضيناها معاً حين نبهني محمد أحمد: -أرجو أن لا تكون هناك أخبار سيئة..‏

-إنها من صديق يعاتبني لأنني لا أراسله..‏

بدأ يحكي لي قصة عن أصدقائه وعدد الرسائل التي يتلقاها كل أسبوع، وغرق في تفصيلات شردت عن متابعتها وأنا أفكر ببطاقة نيلام.. كأن الفتاة ترغب فعلاً بصداقتي، ولم يكن لقاؤنا مجرد لقاء عابر.‏

-هي بهي آكيلا آب؟ (أراك تجلس وحيداً يا أخ؟).‏

كانت السيدة (أم موني) زوجة البروفسور زيدي.. جلست على الكرسي المقابل وهي تريح جسمها المتعب.. سألتها: -لم يعد (موني) بعد من الجامعة؟‏

-دروسه تمتد حتى المساء هذا اليوم، سيتغدى في الكلية.‏

ثم تابعت حديثها وهي تتنهد:‏

-الشمس دافئة هذا الصباح، أبلادكم باردة؟‏

-أشهر الصيف ثلاثة فقط، وأشهر الربيع والخريف جميلة جداً.‏

-أتحب الخريف؟‏

-فصل له عذوبته.. لماذا تسألين ونحن على أبواب الربيع؟‏

-أكره الخريف كثيراً، حينما كنت في لندن في سفارتنا هناك أجهضت ولدي الثاني في تشرين أول وكنت أراقب الأوراق الصفر وهي تتساقط من الشجر، لذلك أحس بالكآبة في هذا الفصل..‏

أقبلت على باب الحديقة ريكشا تقل فتاة شقراء ومعها حقيبة ضخمة وراءها.‏

-زائرة جديدة، ترى ما جنسيتها؟‏

قلت ضاحكاً: -ليست هندية طبعاً..‏

كانت الزائرة الشقراء فتاة كندية تشتغل بالبحث وتتقن الأوردو إضافة لثلاث لغات شرقية أخرى هي العربية والفارسية والهندية وأربع لغات أوروبية هي الإنكليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية.‏

كانت (مارسيا هرماتسن) في نحو الخامسة والثلاثين من عمرها عزباء، تتابع بحوثها في جامعة شيكاغو حول الصوفية وقد أتت الهند لنبش الكتب القديمة في مكتباتها والتعرف على منابع الصوفية الإسلامية فيها.. انضمت على العشاء وبدأت تظهر براعتها بالتحدث بلغتنا العربية وبلهجاتها المحلية في مصر وسوريا والعراق لم يخف (محمد أحمد) امتعاضه من وجودها بيننا وقال لي:‏

-إنها مدربة جيداً، قدمت بتخطيط مدروس لسرقة مخطوطاتنا القديمة، ومكتبة (مولانا آزاد) مشهورة بمخطوطاتها الأثرية..‏

ورغم أنه كان كلاماً سابقاً لأوانه فقد دفعني إلى الشك بمارسيا خاصة حينما أوصلتها إلى المركز الأمريكي للمعلومات في دلهي الذي تقبض منه مرتبها الشهري ومكافآتها.. وحينما تأخرت في الداخل وكان السكوتر يقف على بعد أمتار من المبنى رغبت في استعجالها فدخلت اسأل عنها.. وحينما خرجت صاحت غاضبة:‏

-لماذا دخلت إلى هنا؟ المجيء إلى هنا ممنوع لأي أجنبي مهما كانت صفته..‏

نظرت إليها بعمق ولم أتكلم.. وكأنما أحسست بمدى ما تحمله نظراتي من اتهام صريح لها فسارعت للاعتذار..‏

-نبهني مدير المركز والموظفون فيه إلى ضرورة السرية في دخولي وخروجي، وأن لا أصطحب معي أحداً..‏

لم أتكلم طوال الطريق وأنا أفكر بعمل مارسيا، رغم محاولاتها المتكررة أن تبعدني عن التفكير بالموضوع..‏

وفي نفس الليلة أدرت معها حواراً حول الصوفية، اكتشفت من خلاله مدى ضآلة معلوماتها وهذا ما زاد من شكوكي بمهمتها العلمية، كما حاولت أن تفسر بها سبب وجودها في الهند.‏

× × ×‏

رغم أن علاقتي بمارسيا لم تتعد علاقتي بأية فتاة أخرى، علاقة عابرة سريعة.. فقد.. تركت في نفسي أثراً سيئاً عن أولئك القادمين من الغرب الذين يحاولون معرفة سر السحر الشرقي وسرقة آثاره وتزويرها وهذه قضية هامة جداً.‏

أرسلت لنيلام رسالة رقيقة أحكي فيها شيئاً عن نفسي وحوت الرسالة عبارات الإعجاب بها وبشخصيتها.. ربما مجاملة لرسالتها ودعوة للاستمرار بالمراسلة.‏

× × ×‏

كنت مشغولاً في الجامعة، وعدت تعباً في ذلك اليوم الذي لن أنساه، كان يوماً ربيعياً مشرقاً الطيور تغرد، والطبيعة مزدانة بالخضرة في حرم جامعة (عليكرة) الذي يعد من أجمل المناطق الجامعية، فتحت الباب وإذا برسالة موزع البريد داخل الغرفة، كانت رسالة سميكة من نيلام فتحتها بلهفة لأقرأ بذهول سطورها:‏

* 7 *‏

أغرا- في 22 آذار 1983‏

"عزيزي"‏

تلقيت رسالتك اليوم، وأسعدتني عباراتها، كأنك الحنان الذي حرمت منه في حياتي روت رسالتك ظمئي إلى الإنسان في معرفته وشخصيته وحنانه ولكنها أملت علي شيئاً قاهراً، أن أحكي لك كل شيء عن (نيلام) المعذبة، نيلام التي جاءت إلى هذه الدنيا تحمل وزر الأجيال التي عاشتها من قبل.. نيلام التي وجدت فيك الصديق، العزيز على القلب، الأمل النابض بالحياة، نقطة الضوء في ظلام دامس..‏

كنت صبية مدللة لأب يعمل موظفاً في الدولة وأم طيبة ترعى شؤون البيت وكنا وحيدين أنا وأخي راكيش.. وقد أعطانا والدي الشعور بالأمن والحرية التي أحسسنّا استخدامها كما أعتقد، إذ أننا لم نخرج عن الخط المألوف يوماً، وهكذا مرت الأيام أصبحت صبية جميلة وكنت أسمع عبارات الإعجاب في كل مكان، ولكن ذلك لم يجعلني مغرورة متكبرة.. وكان أبي يحبني كثيراً ويبالغ في تدليلي، رغم عدم رضا أخي راكيش الذي قال له يوماً بحضوري: "قد يفسد دلالك نيلام حاول أن تخفف منه" ولكن أبي أجاب حينها: "هذه الابنة الجميلة لن تكون مثل الأخريات، إن وعيها المتفتح يمنعها من أن تغرق في الغرور والفساد" نظر إلي راكيش بعمق" أنت محظوظة كثيراً أيتها الصغيرة، وأرجو أن لا يحدث ما يعكر عليكما صفو هذا الحب الأبوي الممتاز".‏

وكنت في نهاية الماجستير، حين دخل حياتنا شاب، أقام علاقة مع أبي، حيث عرفه على نفسه على أنه ابن أحد أصدقائه القدامى، وكان صديقاً عزيزاً على والدي، عملا معاً في خدمة الحكومة في ولاية تاميلنادو الجنوبية، لعدة سنوات وكانت علاقتهما وثيقة، ومنذ أن انتقل والدي إلى (بوبال) لم يعد يسمع أخباره وكان ذلك قبل عشر سنوات من دخول هذا الشاب إلى حياتنا..‏

كان شاباً وسيماً ومحدثاً لبقاً، يعمل –كما عرفنا على نفسه- في إحدى الشركات الدولية في (بومباي) وهي شركة نقل بحري معروفة.. وأكثر من التردد علينا وكان راكيش عندها يتابع دراسته العالية في مانشتسر في بريطانيا.. ولم أكن أجلس معه إلا فيما ندر.. كان وثيق الصلة بوالدي، ويظهر احتراماً كبيراً له، وكان لطفه وكياسته مثار إعجاب والدي ووالدتي، التي كانت تغمز لي أحياناً من أنه شاب مناسب لي وقد أصبح في بيته زوجة سعيدة.. ولكن كنت أعتبره مجاملاً أكثر من اللازم رغم محاولته جذب اهتمامي بشتى الوسائل..‏

ولم أستغرب يوم أن فاتحني والدي برغبة –سانجي- وهذا هو اسم الشاب، في الزواج مني. وهو ينتظر رأيي على أحر من الجمر.. قلت لوالدي: -وماهو رأيك أنت؟‏

قال: -هو شاب جيد يا ابنتي وعائلته معروفة، وكنا أ كثر من الأخوة أنا ووالده وكان يدللك كثيراً ويصر على جلب الحلوى والهدايا الصغيرة دائماً لك، وفي رأيي لا ترفضي هذه الفرصة، فنحن في حالة جيدة الآن..‏

لم أتردد كثيراً في اتخاذ قرار الموافقة وأنا أرى والدي متعلقاً به إلى تلك الدرجة، وحاز قبولي على استحسان والدي ودعائه لي بالتوفيق. وهكذا تم الزواج، وأعطاه والدي (خمسين ألف روبية)، واشترى له سكوترا من نوع (بجاج) وكثيراً من الهدايا القيمة الأخرى.. وفي حفلة العرس، فوجئنا بعدم حضور أهله، وببرقية اعتذار طويلة من أنهما لم يتمكنا من الحضور لأسباب قاهرة، وأنهما سيأتيان لزيارة الأهل في القريب العاجل، وبرر (سانجي) عدم حضور والديه إلى اشتداد المرض المزمن على والده وأنه حالما يرتاح قليلاً، سيأتي لزيارتنا..‏

كانت حفلة صاخبة، حضر راكيش من بريطانيا خصيصاً، وكان صامتاً لم يظهر الرضى على ذلك الزواج السريع رغم محاولات والدي ووالدتي إدخال البهجة على قلبه، لم أفهم راكيش في تلك الأثناء، وقد انزعج كثيراً لعدم حضور أهل سانجي وبدأ يعامله بفتور إبان حفلة الزواج، ولكنه لم يظهر أي شيء لأهلي.. وكنت حزينة جداً وأنا أزف إلى ذلك الشاب الغريب الذي اصطحبني في مقصورة خاصة إلى بومباي.. وكان في الطريق آية في اللطف والكياسة وهو يحاول بمرح إزالة عبوسي وحزني..‏

وصلنا بومباي، واصطحبني إلى بيته الكائن في منطقة معروفة أشبه بفيلا صغيرة، صرف الخادم الشاب حال مجيئه وصرنا لوحدنا أخيراً.. كان بارعاً في الغزل، وكنت خجلى لدرجة أنه صرح لي بأن خجلي لا يطاق: -نحن زوجان الآن حاولي أن تسايريني..‏

ولكني كنت معذورة، شأن أية فتاة تعيش فجأة مع رجل غريب، دون تجربة سابقة ظللنا على تلك الحال أسبوعاً، وبعد نهاية الأسبوع طلبت منه مرافقتي لعند أهلي، فقال:‏

-تستطيعين الإبراق لهم أننا سنأتي إليهم بعد عشرة أيام، لأن مدير الشركة وهو من أصل إنكليزي، قد أتى الآن، في جولة تفتيشية على كافة الفروع في المرافئ الهندية ويحتاج الأمر لعدة أيام ولن يسمح لي بإجازات إضافية حتى يرحل مدير الشركة..‏

وهكذا أبرقت لوالدي (وكان راكيش قد عاد إلى مانشستر) بأنني سأحضر بعد عشرة أيام كما قال سانجي.. وبعد يومين قال لي سانجي: "سأترك الخادمة العجوز عندك وسأذهب في رحلة عمل إلى كلكوتا لمدة يومين لا تخافي، حين عودتي، سأحاول أخذ الإذن باصطحابك إلى أهلك".‏

ودعني بحرارة وهو يكمل: -"هناك بعض المال في الخزانة، تستطيعين استخدام ماشئت منه إن احتجت..‏

وهكذا سافر سانجي، وفي مساء يوم سفره أتت عجوز كبيرة السن كانت تأتي أحياناً إلينا، وقالت لي إن السيد كلفها أن ترى حاجتي وستنام عندي، وهكذا باتت ذلك اليوم ثم غادرت ظهر اليوم التالي بحجة أنها ستذهب للاطمئنان على ابنها المصاب بحادثة تحطم باص صدمه قطار سريع.. وذهبت وكنت خلال تلك الفترة أحس بملل غريب، وخرجت بعد ذهاب الخادمة إلى أمام البيت أتأمل البيوت المحيطة بنا وكان في الجانب المقابل عيادة طبيب، وخلفها يقع منزلـه، كانت هناك امرأة في نحو الخمسين من عمرها على باب العيادة ترتدي ثوباً أبيض، يبدو أنها الممرضة، حين خرجت نظرت ناحيتي بفضول شديد وكانت العيادة خالية من الزبائن، انسحبت إلى الداخل وأنا أحس بنظراتها تلاحقني وعدت إلى حالة الملل ومر الوقت بطيئاً مزعجاً، ولم تعد الخادمة العجوز، وفي نحو الثامنة وكنت أغفو على الكنبة تحت المروحة والحرارة شديدة في ذلك الوقت من أيار حين دق جرس الباب، تنهدت بارتياح، لقد عادت العجوز أخيراً –فتحت الباب لأفاجأ برجل يحمل في يده صندوقاً وهو يدفعني ويقول:‏

-أنا صديق سانجي، إنه في السوق سيعود خلال دقائق.‏

طمأنتني هذه الكلمات قليلاً والرجل الغريب يتأملني.‏

-جهزي العشاء زوجك جائع جداً.‏

نهضت إلى المطبخ وأنا أرى الرجل الغريب يضطجع على الكنبة وكنت غارقة في العمل حين فوجئت بالرجل الغريب يحيطني بذراعيه من الخلف: -نحن وحيدان يا حلوة..‏

انتفضت بين ذراعيه: -سيأتي سانجي وسأقول له.‏

انفجر يضحك: -سانجي هو الذي أرسلني إليك.. إنه وغد حقير لقد وقعت يا حلوة..‏

لا أستطيع أن أسرد لك تفاصيل ما حدث، كانت ساعات شديدة القسوة تحملت خلالها الذل والضرب والإهانة وكنت أحاول الصراخ في البداية لينقذني الناس في الخارج والضرب ينهال علي قبل أن يغمى علي أخيراً، وحين صحوت كان الرجل راقداً فوقي، وكنت مغتصبة مهانة ثيابي ممزقة، وهو يشخر عارياً ورأسه فوق صدري..‏

دفعته عني وشعوري بالغثيان وصل حد الإقياء وظل نائماً، وأنا أسحبه عني ملوثة بعار فكرت كثيراً أن أمسحه بالموت.. دخلت إلى الحمام ألفظ ما في معدتي وأنا مذهولة لم أعد قادرة على التفكير الصحيح ودموعي تنهمر من القهر.. وضعت ثوباً علي وسرت متحاملة إلى الباب والوقت يقارب الفجر، لم أجد أمامي سوى العيادة كان ضوء خفي ينبعث منها، طرقت الباب عدة مرات قبل أن تفتحه لي المرأة الخمسينية: -ماذا جرى لك خير؟‏

بدأت أجهش ببكاء لم أستطع إيقافه لدقائق وهي تهدئني دون نتيجة حيث أحضرت لي كأساً من الماء وحبة مهدئ.. وهي تمسح على كتفي –حسناً يا بنيتي أخبريني ما جرى لك؟‏

ولم أدر كيف سردت لها قصتي ودموعي تنهمر عانقتني بحزن وهي تقول:‏

-لقد كنت مستغربة وجودك في هذا البيت المشبوه، لم أشك لحظة من أنك مسيرة دون أن تدري إلى هنا، الحياة قاسية يا ابنتي والناس وحوش حين يستشري بهم الطمع ثم ارتدت ثيابها وقادتني إلى الطبيب العجوز في البيت الخلفي كان مستيقظاً ذلك الوقت سألني بعد أن حكت له عني: -أتريدين الذهاب إلى أهلك؟‏

أجابت الممرضة عني: -لا أظن أن هذا مناسباً لها الآن، يجب أن ترتاح بضعة أيام قبل أن تقرر.. الحالة التي مرت بها ليست سهلة قد لا يستطيع والدها أيضاً تحمل ذلك..‏

-حسناً سأرسلها إلى مستشفى الدكتور (غوبتا) حيث تعمل عنده ثم وجه كلامه لي:‏

-انسي كل شيء الآن وحاولي أن تتأقلمي مع الظروف الجديدة.‏

ثم كتب رسالة سريعة إلى الدكتور (غوبتا) نفسه يطلب منه إيجاد عمل لي والعناية بي ما أمكن، لأنني ذات صلة قرابة وثيقة به..‏

× × ×‏

لن أطيل عليك أيها العزيز: أرسلت بعد أن أفقت من الصدمة رسالة إلى أخي راكيش في بريطانيا الذي أقبل على جناح السرعة إلى عنواني يقتادني إلى منزل أهلي وهو في حزن لا يوصف، كانت مفاجأة مذهلة له أن يرى ما صنع معي ذلك النذل (سانجي) وتحت الحاحي لم يقدم شكوى إلى المحكمة.. قلت له: -لا أريد فضيحة لأهلي، يكفي ما تحملته من عذاب، حتى أحمل أهلي المزيد منه.. فرضخ مكرهاً.. كان مجيئنا إلى البيت مفاجأة حاول راكيش تبريرها ولكن بعد أيام علم أهلي بالقصة، فسقط أبي من هول الصدمة ولم يمهله القدر كثيراً حيث أماته عذاب القلب أما والدتي فهدتها الفجيعة أيضاً ولكن قدرتها على التحمل كانت أقوى منه..‏

عاد راكيش إلى بريطانيا ليكمل دراسته التي أوشكت أن تنتهي بعد أن حاول كثيراً اصطحابي معه، ولكن صحة والدتي كانت تعذبني.. نحن يا عزيزي عاطفيون جداً، وشعبنا مسالم وديع ولكن الذئاب تنتشر بين أفراده أحياناً، لأن عقوبة الجريمة عندنا أقل بكثير من مدى فداحتها وتأثيرها..‏

أطلت عليك كثيرا ًواعلم أن اعترافي لك بما أحمله من آلام. ضروري جداً لتتعرف علي ولتدخل إلى عمق حياتي.. فأنا مشدودة إلى نبلك وعاطفتك برباط لست أدري ماذا أسميه كأنك حلم صاف أتى يضيء ظلمة حياتي؟ أم لعله الإحساس بالحاجة إلى إنسانية الإنسان التي فقدتها؟‏

كنت في بوبال في زيارة أهل زوجة راكيش، فوالدها مريض جداً ويحبه راكيش كثيراً، وأحب اصطحابي إلى هناك لأن صحة زوجته وحملها لا يسمح لها بالسفر الطويل.. وكانت مقابلتنا لك صدفة مذهلة..‏

أرجو أن تسمح لي بمراسلتك وأن تجيب على رسائلي مهما كانت الظروف.‏

عيد (الهولي) غداً أتمنى لك السعادة وأطيب التمنيات.. في هذه المناسبة.‏

المخلصة نيلام‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244