من تاريخ الرواية - حنا عبود

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 02:53 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مدخل: كيف نشأت الرواية؟ مقاربة نقدية

مزيد من التحديد‏

لا يطرح سؤال: كيف نشأت الرواية؟ على الرواية القديمة، بل يطرح على الرواية الحديثة. فهناك أسباب وأسباب تجعل من العبث طرح السؤال على الرواية القديمة. ويكفي سبب واحد حتى تعفى الرواية القديمة من هذا التساؤل، وهو أن المراحل الموغلة في التاريخ القديم لم تكن مراحل مؤهلة وثائقيا لتقديم الإجابة. فإذا كنا نجمع قطعة من هنا ولوحا من هناك حتى نحصل على أثر أدبي يظل ناقصا، مثل ملحمة جلجامش، فماذا نقول في المراحل الأقدم التي أنضجت هذه الرواية الفذة؟ ومثلما نعتبر "أوليس" جيمس جويس رواية حديثة بالنسبة إلى جلجامش فلا بد – قياسا – أن نعتبر جلجامش رواية حديثة بالنسبة للمراحل التي سبقتها. إن العوامل التي جعلت تلك المراحل قليلة الجدوى الوثائقية كثيرة: كالحروب وثورات الطبيعة والحرائق وغير ذلك. إن الرحلة في الزمن الماضي شاقة جدا. ولو استخدمنا صاروخ انشتاين في رحلتنا إلى أعماق الماضي لما عدنا بما يرضينا من الوثائق التي تخولنا الإجابة عن السؤال المطروح. وكلما أوغلنا في الماضي كان ضياع الوثائق أكبر.‏

والشيء الآخر هو أن فقدان الوثائقية يفتح الباب واسعا أمام الاجتهادات. فربما تكون الرواية بدأت في مرحلة الصيد. فعندما يعود الصيادون يعقدون حلقات حول نار تضيء الليل، ويروون ما جرى معهم في رحلة الصيد. و"يروون" هنا تعتمد على ما جرى. ولكن الفرق كبير بين "ما جرى" وبين ما يسمعه الملتفون حول الراوي. فيطلق الصياد العنان لخياله فيختلق أشياء وأشياء تنتزع الدهشة من المستمعين، وتجعلهم شاخصي الأبصار، متشوقين لمعرفة ما لا يعرفون. فإن صادف وعرفوا ما سوف يقوله الراوي انقضوا عليه وأكلوه، وقد يعفون عنه، لا لشيء إلا لأنهم يريدون أن يستمعوا إليه في الليلة التالية، فإن فشل قتلوه وأكلوه.‏

من الفرق بين واقع الصيد وصورة الصيد كما يقدمها الصياد، انبثق فن خيالي هو فن جعل المألوف يبدو غريبا، حفاظا على دهشة المستمعين، أو حفاظا على رأس الراوي. هذا الخيال ما زال قائما، ولكن الناس اليوم يسمونه "كذب الصيادين". فصياد اليوم يروي بالطريقة ذاتها التي كان يروي بها سلفه منذ آلاف السنين، سوى أنه يغالي ويبالغ من دون أن يخشى على رأسه.‏

وربما تكون الرواية بدأت من أسمار الملوك. فكان السامر يروي للملك تاريخ أمته والأمم الأخرى، ولكن بطريقته الأخاذة الخاصة. ومن هنا جرى الربط بين الرواية والتاريخ وما تزال كذلك حتى اليوم، وإن تناولت الحياة العادية. فهناك شيء تاريخي فيها chronicle .‏

ربما تكون الرواية نشأت في زمن أسبق من زمن الملوك وعصر الصيد. ففي الميثولوجيا السومرية القديمة جدا، نجد الربة ليليت تنزل كل مساء إلى جانب مهد الطفل الذي يلعب بجدائلها السوداء الطويلة، في حين تروي له حدوتة ينام عليها. وما زالت بعض الأمهات يمارسن هذا السرد فوق المهد حتى اليوم. وهذا ما يفسر وجود المبالغات التي تصل إلى حدود الخرافة.‏

وربما تكون الرواية قد نشأت مع نشأة الحروب. فمهمة الراوي (أي الشاعر أيامئذ) تعزيز أواصر القبيلة بأن يروي الحرب بما يرضي النزوعات القبلية، فيجعل الانتصار شيئا معجزا حققته القبيلة وهو ما تعجز عنه القبائل الأخرى. ويجعل الانكسار مستساغا كأن يقول – مثلا – إن فلانا عندما التحق بالحرب كان قد أغضب الآلهة الذين انتقموا لأنفسهم، فاندحار القبيلة لم يكن بسبب الخوف أو الجبن أو التخاذل، بل بسبب غضب الآلهة. أو قد يخلق سببا آخر يحتفظ للقبيلة بكرامتها.‏

تظل الإجابة عن سؤال كيف نشأت الرواية مفتوحة على احتمالات كثيرة جدا كلما أوغلنا في الزمن الغابر حيث يلعب الخيال التفسيري بحرية أكبر. وكل احتمال يعزز نفسه بظواهر إنسانية متأصلة في النفس كما يعزز نفسه بالظواهر التاريخية التي تؤيده. وقد يستنتج المطلع على هذه الإجابات أن الرواية كانت موجودة في كل شيء، في الطبيعة الإنسانية، في القاع العميق منها مثلما توجد خارج الطبيعة الإنسانية، في الحروب وفي الأسمار وقرب المهود وبعد الـصيد وفي التاريخ، بل قد تنبع من الأمـكنة الغريبة والكهوف المخيفة. . .‏

ولكن إذا كان سؤال كيف نشأت الرواية؟ لا يطرح على الرواية القديمة، فإن ثمة الكثير من الأسئلة تطرح على هذا الفن الذي أخذت أهميته تتعاظم. من هذه الأسئلة: إلى أي مدى "يبدع" الراوي؟ هل تعكس الرواية القديمة موقفا اجتماعيا أم هي للتسلية؟ ما دور الفائدة وما دور التسلية، أو بالأحرى ما نسبة الفائدة الاجتماعية ونسبة التسلية في الرواية؟ ما دور الفرد في هذا الموقف الاجتماعي وإلى أي مستوى بلغ صدق الفرد في التعبير عنه؟ ما الموقف الاجتماعي في جلجامش مثلا، ولماذا نجد فيها الشيء الكثير من المواقف الفكرية الحديثة، كالعبثية في مواجهة الأحداث والحياة؟ وكيف نفسر ذلك؟ وهل تمثل الروايات الملحمية البدايات الأولى للفن الروائي، أم أنها وصلت إلى ذروة التطور، وبناء على أي مقياس محكم؟ هل "شعرية" الرواية القديمة أدنى مستوى من "شعرية" الرواية الحديثة؟ وهل يمكن إنتاج الرواية من دون نظرة إلى العالم أو تكوين رؤية معينة؟ . . .‏

إذن ليس سؤال النشأة المطروح على الرواية القديمة صعبا وحده، فثمة أسئلة كثيرة جدا لا تقل صعوبة عن هذا السؤال. ولا ترجع الصعوبة إلى فقدان الوثائق التراتبية (أي الزمنية المتسلسلة) التي تحيط بهذا العمل أو ذاك فقط، بل أيضا ترجع إلى طروحات فنية تتعلق بهذا الفن الذي بدا متماسكا منذ القديم. صحيح أن الأثر القديم لا يمكن إنتاجه، ولكن الروائيين جميعا يتمنون أن يماثلوه في فنيته. وعندما أعاد جويس إنتاج الأوديسة أذهل العالم بمهارته في وضع الشخصيات القديمة في ظروف العصر الجديدة، فماذا نسمي هذا العمل؟ . . أليس الحق مع كروتشه عندما ذهب إلى أن الفن لا يتطور؟‏

من دون أن ندخل في نقاشات تفصيلية دقيقة نقول إن هناك أشياء مشتركة بين الرواية القديمة والرواية الحديثة، كما أن هناك أشياء خاصة بالرواية القديمة، مثلما أن هناك أشياء خاصة بالرواية الحديثة، لكن ثمة سؤالا لا يطرح على الرواية القديمة وهو كيف نشأت؟ بينما يجد هذا السؤال كل المشروعية في أن يطرح على الرواية الحديثة، إذ لا حجة في فقدان التوثيق ونقص النصوص.‏

آراء في نشأة الرواية الحديثة‏

تختلف الآراء في نشأة الرواية الحديثة اختلافا كبيرا. وأحيانا تضيق الفجوة بين رأي وآخر، إذ قد يقتصر الرأي على إضافة بعض الإضاءات القليلة على الرأي السابق الذي استند إليه. والآراء كثيرة أيضا تكاد تصل إلى عدد النقاد والدارسين الذين دخلوا ميدان نظرية الرواية أو النظرية الأدبية عموما. وبما أنه من الصعب، بل من غير المجدي أيضا عرض كل هذه الآراء، فلا بد من الاختيار، شريطة أن يقدم لنا هذا الاختيار الآراء الأشد تأثيرا في نظرية الرواية، سواء أكانت متقاربة أم متضاربة.‏

لكن قبل أن نطلع على هذه الآراء لا بد من الإشارة إلى أن كل النقاد، من هيغل حتى جون هالبرين، مجمعون أن الرواية الحديثة بدأت في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. في القرن الثامن عشر كانت تحبو، لكنها في القرن التاسع عشر انتصبت على قدميها وفرضت نفسها، وأخذت أهميتها تتزايد مع مرور الزمن حتى أمكن القول إن الرواية هي الجنس المسيطر على عقول القراء في هذه الأيام، فقد ابتلعت بقية الأنواع الأدبية الأخرى أو نحتها أو غطت عليها. فالشعر مثلا لا يكاد يذكر إلى جانبها (تأثيرا لا كمية) مع أنه أصلها وأصل كل الأدب بكل أنواعه. ومعظم الأدباء الذين نالوا جائزة نوبل كانوا من الروائيين. لن نتبع الترتيب الزمني في تقديم هذه الآراء، فليس الغرض التأريخ لنظرية الرواية، بل لإيضاح زاوية نقدية هامة ترصد التحولات المذهلة التي جرت في الأدب، أو بالأحرى ترصد هذا الخرق الذي حققته الرواية، في حين أن المسرحية راحت تتراجع مع أنها الأجمل والأكثر عددا على مدار التاريخ.‏

نظرية هيغل: مسيرة العقل في التاريخ‏

يسير التاريخ عند هيغل في خط تصاعدي، ضمن عملية جدلية شاقة. والتاريخ هو مسيرة العقل المطلق من أجل وعي ذاته. يكون بادئ الأمر غريبا عن نفسه. ثم يبدأ متلمسا طريقه عبر منهج جدلي فيزداد وعيا. وبما أن التاريخ إنساني، فإن كل منتجات الإنسان تخضع لحكم التطور والصيرورة. ومن ذلك الفن الذي يبدأ – حسب تطور العقل – بداية فجة ويمر بمراحل عديدة من رمزية وكلاسية ورومانتيكية. وفي كل مرة ينتقل من مرحلة وعي إلى مرحلة وعي أرقى. وبالتدريج تخف اللامنطقية وتخلي المكان للنموذج العقلاني. وثلاثية الجدل الهيغلي معروفة، وكذلك منهجه الجدلي الضخم, فالارتقاء يتم عبر عملية جدلية معقدة إلى أن يصل العقل المطلق إلى وعي ذاته فيدخل مرحلة الليبرالية، وهي أعلى مراحل تطور العقل. وعندها يتوقف التاريخ. وأي حاجة إلى التاريخ ما دام العقل الكلي وعى ذاته؟ ألم نقل إن التاريخ هو مسيرة العقل المطلق من أجل وعي ذاته؟ في المرحلة الليبرالية لا تكون ثمة حاجة لتاريخ لأن كل شيء بات يتحقق وفق العقل الكلي، أي وفق أرقى طريقة عقلانية، فلا تحدث – وقتها – حروب ولا خلافات. . . ولكن لندع مشكلة نهاية التاريخ جانبا لأنها شغلت وما تزال تشغل النقاد والفلاسفة حتى اليوم، ما عدا ناحية واحدة تتعلق بالأدب سوف نشير إليها فيما بعد. . . وهي أن نهاية التاريخ تعني نهاية الرواية أيضا.‏

وبما أن التاريخ ينتقل، على مراحل، من اللاوعي إلى الوعي، ومن الوعي إلى مزيد من الوعي، إلى أن يعي العقل الكلي ذاته، فإن من العادي جدا أن تنتقل البشرية من الشعر إلى النثر. ومن الطبيعي جدا – وفقا لنظرية هيغل – أن يظهر الشعر قبل النثر، فهو أقل وعيا منه بما لا يقاس. النثر فكر مركز، فيه من العمق ما ليس في الشعر. ولن نقف عند النثر المسجوع كمرحلة انتقال، فلا أهمية لذلك. المهم أن الوعي يحل محل اللاوعي وأن الأوعى يحل محل الواعي وصولا إلى المرحلة الليبرالية، أي نهاية التاريخ.‏

كيف نشأت الرواية الحديثة طبقا لهذه النظرية؟‏

نشأت من الملحمة، كما نشأ النثر من الشعر، انسياقا مع الاتجاه العام: من الشعر إلى النثر. صار العالم أوعى فلم يعد إنتاج الملحمة ممكنا. ونحن مدينون لهيغل في تسمية الملاحم الحديثة من أمثال "الإنياذة" و"الكوميديا الإلهية" و"فتح القدس" و"السيد" بالملاحم الصناعية. وهي كلها ملاحم شعرية. هذه الملاحم الصناعية أو الاصطناعية ليست أكثر من محاولة العقل الاستمرار في شكل من أشكال الأدب قام هو بتجاوزه. وبما أن الوعي لم يكتمل بعد، فلا بد من أن تكون فيه نوستالجيا معينة تشده إلى القديم, وهذا ما يفسر استمرار الأشكال الأدبية القديمة ردحا من الزمن ريثما يكون العقل قد تخلص من مرهقاته ومعوقاته. فإذا نضجت الظروف طرح الأدب الأشكال القديمة (وهي أشكال شعرية) وأخذ بالأشكال الجديدة (وهي أشكل نثرية) انسجاما مع حركة التاريخ العامة.‏

المسيرة هذه حتمية تاريخية لا مفر منها. إن العقل سيكمل الطريق حتى الوصول إلى الوعي الذاتي. لكن هذا لا يعني أن التطور يتحقق في كل الأقطار بدرجة واحدة. إن التطور غير متواز، فهناك أقطار تظل متخلفة لظروف كثيرة (قد تكون البيئة الجغرافية أحيانا سببا لذلك، كالأسكيمو مثلا) ولكن مهما ظلت متخلفة، فإنها سوف تلحق بالركب، لأن العقل يفعل فعله، كما أن المتخلف يستفيد من المتقدم. وعندما يظهر شكل عقلاني في مكان ما فإنه ينتشر في بقية المناطق – طبعا كما قلنا بدرجات متفاوتة.‏

ما نقول عن المرحلة التي تفصل بين الملحمة والرواية؟‏

إنها محاولات العقل في تردده بين شكل يحبه وشكل ينسجم مع مسيرته فقط، و لا شيء غير ذلك. ثم إن العقل لا يقفز قفزا، بل لا بد من تراكمات كمية قد تستغرق ثلاثة آلاف سنة تقريبا حتى تتم القفزة النوعية. فبين الملحمة والرواية زهاء ثلاثة آلاف سنة تغيرت نظرة العقل إلى العالم أثناء ذلك تدريجيا وصارت نظرة أكثر عقلانية. إن الملحمة هي ابنة العقل الذي يتصور العالم مليئا بالآلهة والأرواح الفاعلة المؤثرة. إنه عالم يلفه السحر والأشباح. لا يعني هذا أن الملحمة لم تتحدث عن أفعال وشخصيات واقعية بل يعني أن هذا الواقع كان يعمل ضمن قصور عقلي في فهم العالم أفرزته تلك المرحلة من التطور. فالمسألة ليست مسألة واقعية أو خيالية، بل مسألة صورة العالم في العقل. فقد كانوا يعتقدون أن الآلهة تتحكم حتى في قذف المطرقة أو رمي الرمح، كما في الإلياذة والملاحم القديمة.‏

باختصار أنتج التصور القديم الملحمة وأنتج التصور الجديد الرواية، وفقا للحتمية التاريخية في الانتقال من اللاوعي إلى الوعي، من الشعر إلى النثر. فالرواية الحديثة ليست نتيجة رغبة هذا الروائي أو ذاك. إن فيلدنغ أو ديفو أو رتشاردسون لم يخطر هذا الشكل على بالهم فاخترعوا الرواية الحديثة، بل إن هذه الرواية، هذا الشكل الجديد للملحمة، هي محطة من محطات الحتمية التاريخية. فالعقل الكلي هو الذي اختار ذلك. ونقول اختار ذلك من دون أن نعني أنها رغبة من رغباته، فالأمر نتيجة لعملية جدلية طويلة جدا.‏

استطاع هيغل أن يمنهج المثل الأفلاطونية على نحو مذهل، وأن يشرح حقا كلمة أرسطو في أن السامي إذا ظهر مرة فإنه سوف يظهر كل مرة.‏

نعود الآن إلى الناحية الأدبية في نظرية هيغل عن نهاية التاريخ. فإذا كانت المرحلة الليبرالية إيذانا بنهاية التاريخ، فإن الرواية محطة وليست نهاية نظرا لأننا لم ندخل بعد مرحلة الليبرالية. إذن هي نوع موقت مثل الملحمة، تنتظر أن تتسامى مع العقل في مسيرته نحو الليبرالية. وهنا نسأل: ما نوع الشكل الذي تفضي إليه الرواية الحديثة في المرحلة القادمة قبل الوصول إلى الليبرالية؟ ولنفرض أن العالم وصل إلى المرحلة الليبرالية، ترى هل تستمر الرواية أو أي شكل آخر، أم تزول؟ أو من ناحية أخرى هل يبقى الأدب قائما، ما دام العقل قد وعى ذاته تماما وصار عقلا مطلقا فعلا؟‏

إن هيغل لم يقدم إجابات محددة، بل قدم نظرة عامة تشير إلى أن الإنسان في المرحلة الليبرالية (التي يقول فوكوياما إنها بدأت) يخرج من التاريخ، وبالتالي يتوقف التطور، فلا مبرر له, لأن العقل اكتمل وانتظم كل شيء في أرقى شكل بعد أن أمضى المراحل السابقة بحثا عن الشكل الأسمى.‏

أنهى ماركس التاريخ بطريقة أخرى وهي أن صراع الطبقات يتوقف في المرحلة الشيوعية العليا، فلا ضرورة إلى التاريخ عندئذ، ما دام هو أصلا تاريخ صراع الطبقات.‏

كل شيء منطقي في هذا الكلام. بقي أن نجد من يقتنع بأن الإنسان يمكن أن يصبح عقلا محضا واعيا لذاته حسب نظرية هيغل، أو أن يصبح أخا للإنسان حسب نظرية ماركس.‏

والسؤال هو: هل تصل البشرية حقا إلى هذه المرحلة، أم أنها ستخلق المشكلات لنفسها بنفسها، وعندئذ يكون لا مفر من الرواية، ومن الأدب عموما؟‏

لوكاش وملحمة البرجوازية‏

قام جورج لوكاش بتفريعات في نظرية الرواية على ما جاء به هيغل، مستفيدا من النظرية المادية في التحليل الاجتماعي للطبقات عند ماركس. أخذ الأطروحة العامة من هيغل، وقدم المسوغات والمبررات من صراع الطبقات الماركسي. كما أنه استفاد من الاغتراب الهيغلي (اغتراب العقل الكلي عن ذاته) بعد أن طعمه بالاغتراب الماركسي (اغتراب الإنسان عن إنتاجه) ليخرج من كل ذلك بأطروحته المشهورة بأن الرواية ليست إلا ملحمة البرجوازية التي ظهرت على مسرح التاريخ في أعقاب النهضة الأوروبية، وبالتحديد بعد الثورة الصناعية التي جعلت منها الطبقة السائدة في المجتمعات الأوروبية.‏

إذن الرواية الحديثة ما هي إلا الملحمة ولكن في عصر جديد. وكما للعصر القديم ملاحمه، كذلك للعصر الجديد رواياته. إن الملحمة بيد البرجوازية تحولت إلى رواية لأنه في عصر الثورة الصناعية لا يستطيع الشعر أن يجاري وتيرة السرعة التي ترغب فيها البرجوازية. فالنثر هو الأطوع والأمرن والأكثر ملاءمة للتعبير عن الحياة البرجوازية المتسمة بالسرعة والتعقيد.‏

ولكن ما المقصود بأن الرواية هي ملحمة البرجوازية؟‏

هنا يأتي جورج لوكاش في تفسير أطروحة هيغل. فالبرجوازية الصاعدة التي فرضت قيمها على المجتمع، حملت معها تصورا عن العالم يختلف عن التصور القديم عند اليونان. فصورة العالم في ذهن البرجوازية تتألف من قوى مادية ملموسة، وليس من أرواح وأشباح. ما يتقرر على الأرض يقرره البشر وحدهم من دون تدخل أي قوة من القوى الغيبية. السلعة التي كانت تنتج لسد حاجة محلية صارت قوة عظيمة تجتاز الحدود وتفرض سلطتها. إن القوى التي كانوا يزعمون أنها خافية، ظهرت أمامنا وعايناها بأنفسنا. العالم في نظر البرجوازي يصنع بالعمل لا بالأدعيات. لا ينتظر البرجوازي معجزة بل صار هو نفسه صانع المعجزات، بعيدا عن فولكان أو هرمس أو اسكولابيوس. . .‏

التصور القديم من صنع طبقة النبلاء. أما التصور الحديث فإنه من صنع الطبقة البرجوازية. وكما تجسد التصور القديم في الملحمة، تجسد التصور الحديث في الرواية. وهذا أهم عنصر يميز الرواية من الملحمة، فالمسألة لا تقتصر على مسألة النثر والشعر. فهناك ملاحم شعرية حديثة ولكنها تقدم التصور البرجوازي الحديث للعالم، مثل ملحمة ملتون "الفردوس المفقود" التي تدور حول طرد إبليس من السماء لأنه طالب بالديمقراطية والعدالة. فالمسألة الأساسية عند لوكاش هي مسألة التصور الذهني للعالم، مسألة ترتيب العالم ترتيبا ماديا.‏

وبما أن ترتيب العالم يتم ماديا فإن البرجوازي يواجه العالم وحيدا، من دون إله يقف ضده أو إلى جانبه. كان البرجوازي يرى أنه "وحيد في مواجهة العالم" ولكنه يرى من ناحية أخرى أن العالم لا يستغني عنه. سوف ينهار العالم إن رفع يده عن العمل فيه. ومن هنا ظهرت ثقة البرجوازي بنفسه أكثر من ظهورها بالعالم بما لا يقاس. وظهرت الفردية بأبعد مظاهرها. وفرض الفرد البرجوازي – نظرا لأنه هو الذي رتب العالم ماديا – قيمه على المجتمع بكل طبقاته وفئاته.‏

انطلاقا من هذا الطرح درس لوسيان غولدمان أدب القرن السابع عشر في كتابه "الإله الخفي" وانتهى إلى أن هناك طبقة تملّكها حس المأساة، نتيجة تصورها الخاص للعالم، وهذا التصور قائم على فرضية الإله الخفي أي الإله الذي حرِد من العالم بسبب الخطيئة الأولى، فلم يعد يتدخل في شؤون البشر. وقد استخلص هذا التصور من "خواطر" باسكال حيث يرى الإنسان مثل القصبة في وجه الريح لأن الله تخلى عنه بسبب معصيته. وبهذا تجعل صورة الكون عند البورتروياليين منطلقا لمآسي راسين ومحركا لأدب كبير في ذلك القرن الذي سادت فيه النيوكلاسية.‏

ويطور غولدمان أطروحة أخرى لماركس وإنجلز في كتابهما "العائلة المقدسة" بأن البرجوازية في حالة طموح دائم، فهي ذات وعي قائم، تمارسه في المجتمع، ولكنها في الوقت نفسه ذات وعي طامح أو ممكن ترنو إلى تحقيقه. إنها تريد هندسة العالم كما تتصوره في ذهنها هي. ويرى غولدمان أن الرواية الحديثة ترفع شراعها بين هاتين الضفتين: الوعي القائم والوعي الممكن، أو العمل الفعلي والعمل المأمول أو الممكن. وعلى هذا فإن الرواية الحديثة لا تعكس واقع النشاط البرجوازي فقط، بل أيضا تعكس ذلك الوعي الممكن، أي الطموحات التي ترنو إلى تحقيقها. الرواية تعكس كل مساعي البرجوازية، من خيبات وإحباطات ونجاحات وارتقاء وتقهقر. . .‏

ويبدو أن التنظير يجر خلفه كثيرا من التطبيقات التي لا تكون بالضرورة كلها مقنعة. فغولدمان يعتمد التنظير الماركسي المشهور الذي يرى أن الرأسمالية مرت بثلاث مراحل وهي الليبرالية والاحتكارية والإمبريالية. فالليبرالية هي المرحلة الأولى التي أعقبت الثورة الصناعية وفيها أتيح للفرد المزيد من حريةالعمل والحركة، أأأتيجأتيحأتيح أتيح للفرد المزيد من حرية العمل والحركة، ولكن منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى ما بعد الربع الأول من القرن العشرين ظهرت النزعة الاحتكارية، ليس على المستوى المحلي وحسب، بل على المستوى العالمي أيضا. وأدى الاتفاق بين الاحتكارات منذ القرن الماضي إلى تحقيق الوعي الذي كان بالأمس ممكنا فصار اليوم واقعا وهو الإمبريالية العالمية، بحيث تتم السيطرة المطلقة تحت اسم العولمة أو الكونية أو ما شابه ذلك.‏

يبني غولدمان تطبيقاته الأدبية على هذه الأطروحة النظرية ليثبت أن الرواية الحديثة هي من خلق البرجوازية ومرآة لتطورها وحركتها. فالليبرالية تمثلت في أدب بلزاك وكتاب القرن التاسع عشر. والاحتكارية تمثلت في أدب ناتالي ساروت، أما النزعة التحكمية الإمبريالية فظهرت في أدب ألان روب غرييه.‏

ما طرحه لوكاش وغولدمان يجر خلفه تساؤلات عديدة أهمها:‏

1 – البرجوازية طبقة عالمية، أي انتصرت في أوروبا ولكنها بعد ذلك فرضت انتصارها عالميا. فإذا كانت الرواية الأوروبية من خلق البرجوازية، فماذا نقول في بقية الأقطار غير الأوروبية؟ ماذا نقول في البرجوازية اليابانية التي استقبلت القرن العشرين وهي تقف على قدميها؟ إن الرواية اليابانية ما تزال حتى اليوم تعيش في أجواء بعيدة جدا عن المفاهيم والقيم البرجوازية. وهذا يعني بالضرورة أنه ليس ما قام لوكاش وأنصاره بتنظيره يصدق على كل الأقطار، على فرض التسليم بصدقه في أوروبا.‏

2 – صرع لوكاش رؤوسنا وهو يردد أن الرواية هي ملحمة البرجوازية. لكنه لم يقل لنا ما النوع الأدبي الذي خلقته البروليتاريا. لقد عاصر الثورة البلشفية وعاش في قلب مجتمعها، كما عاش في المجر وهي تحت سلطة البروليتاريا، وصار وزيرا ولكنه لم ينطق بكلمة واحدة عن الأدب في ظل حكم البروليتاريا. الآثار الروائية التي يعتمدها في التحليل والتفسير تعود كلها إلى الأدب الروسي العظيم (وهو أدب برجوازي انسجاما مع رأيه) ولكنه لم يذكر رواية واحدة اشتراكية أو بروليتارية، أو أن البروليتاريا أنتجت نوعا أدبيا غير الرواية. فهل البرجوازية طبقة أبدية لا يمكن أن تزول؟ إذن تكون النظرية الماركسية مغلوطة من أساسها لأنها تقول إن البرجوازية تخلق بيديها حفار قبرها وهو البروليتاريا بقيمها المادية والمعنوية.‏

3 – يقول غولدمان إن ساروت تمثل الاحتكارية وألان روب غرييه يمثل الإمبريالية العالمية. وسوف نسلم بذلك في فرنسا. ولكن هل يصدق ذلك على الرواية الأمريكية مثلا، وأمريكا هي الأبرز والأقوى والأشد نزوعا إلى الإمبريالية العالمية؟‏

ومن جهة أخرى لننظر إلى واقع العولمة، الإمبريالية العالمية، التي ظهرت منذ أواخر القرن العشرين. لقد طبقت كنموذج عالمي اختبارا في البرازيل. فالبرازيل هي أول دولة تطبق فيها أمريكا مبادئ العولمة، مبادئ الإمبريالية العالمية، فهل نجد صورة ذلك في الرواية البرازيلية التي مزجت بين الواقع والسحر، واستقت من الفولكلور الموغل في القدم مادتها، شأنها في ذلك شأن الرواية في كل أمريكا اللاتينية؟‏

على فرض أننا استطعنا تصنيف بعض الروايات حسب المراحل الثلاث، فماذا نقول في بقية الروايات؟ ماذا نقول في رواية ماركيز "الحب في زمن الكوليرا"؟‏

ثمة تساؤلات أخرى كثيرة لكن ليس هنا مجال طرحها ومساءلة لوكاش عنها.‏

باختين وقاع المجتمع‏

بعد ترجمة معظم مؤلفات باختين اتضحت نظريته عن الرواية، وعلى الأخص في كتابيه "أشكال الزمان والمكان في الرواية" و "الكلمة في الرواية"‏

تقوم نظريته على وقائع تنتهي إلى نتيجة تخالف كل المخالفة نظرية هيغل، وبالتالي نظرية لوكاش وغولدمان ومن سار في طريقهم. ومع أن الرجل لا يعادي الماركسية ذلك العداء الصارخ الذي عهدناه من خصومها، إلا أنه يتحفظ كثيرا على علم الأدب الماركسي الذي يربط ربطا محكما بين الصراع الطبقي والأدب. إنه لا ينفي تأثير هذا الصراع، فالقضية ليست قضية إقرار أو عدم إقرار، بل قضية إلى أي حد يمكن الاعتماد على ذلك؟ ألا توجد هناك تقاليد ومؤثرات أدبية خاصة لا علاقة لها بالصراع الطبقي وبالمادية التاريخية؟. . بلى توجد. واعتمادا على هذه التقاليد انتهى إلى أنه ليس ثمة أي علاقة بين الملحمة وبين الرواية الحديثة.‏

يا لها من نتيجة غريبة. كيف؟ وماذا يصنع هيغل ولوكاش وغولدمان بالبرجوازية واعتمادها على ملحمتها الخاصة التي سمتها الرواية؟‏

لا وجود لأي علاقة يعتمد عليها الباحث كركيزة أساسية بين الملحمة والرواية من جهة، ولا بين البرجوازية والرواية من جهة ثانية. وسوف نعرض كل قضية على حدة.‏

فيما يخص العلاقة بين الملحمة والرواية يعتمد باختين على الأطروحات التالية:‏

1 – لم تكن الرواية في القديم نوعا أدبيا لها شخصيتها المستقلة كما كانت الملحمة. فالملحمة نوع أدبي قديم منه أخذت الموضوعات للمسرح وللشعر الغنائي. إنها نوع قائم بذاته مثل التراجيديا والكوميديا والأليجيات وكل أنواع الشعر الأخرى.‏

2 – مزايا الملحمة ظلت كما هي لم تتغير، بينما لا توجد مزايا ثابتة في الرواية. وباختصار إن الملحمة عالم منجز والرواية عالم ينجَز باستمرار، فالملحمة مكتملة بينما الرواية مشروع يتطور، أو قل مشروع منفتح، والمؤكد أنها ستظل مشروعا يتطور ومشروعا منفتحا. إنها غير قابلة للانغلاق.‏

3 – صورة العالم في الملحمة صورة جاهزة. إنها ليست صورة جدلية. إن لدى أندروماك صورة عن العالم لا تختلف عن صورة زوجها هكتور عن العالم ولا عن صورة غريمه أخيل عن العالم، ولا عن صورة باريس، سبب كل الحرب، عن العالم. أما صورة العالم في الرواية فإنها صورة جدلية. ولدينا في العربية رواية صغيرة عنوانها "قنديل أم هاشم" ليحيى حقي تقدم لنا مثالا صارخا عن صورة العالم عند الطبيب المتعلم وصورة العالم عند أسرته التي أخذت أخته لتداوي عينيها بزيت قنديل أم هاشم فتفقد بصرها. لا توجد في الرواية صورة واحدة للعالم.‏

4 – الشخصية الملحمية، من البطل حتى الشخصيات الثانوية، هي شخصية ثابتة. ندخل الإلياذة فيبرز أمامنا أخيل وبقية الأبطال، ونخرج من الإلياذة والشخصية هي ذاتها لم تتغير. ونتعرف على أوليس بعد خراب طروادة، ثم نتعرف عليه وقد وصل إلى وطنه إيثاكا، فلا نشعر أن شيئا تغير فيه. هذا هو بذكائه ودهائه وحيله. فحيلته في القضاء على غرمائه، خاطبي زوجته، لا تختلف عن حيلته في كهف السيكلوب، ولا عن حيلته في التغلب على الساحرة وإكراهها على إعادة رهطه البحارة من خنازير إلى رجال آدميين. أما في الرواية فالأمر مختلف كل الاختلاف، فلا يودع القارئ شخصية مثلما استقبلها. إن الرواية عالم الشخصيات المتغير.‏

أما فيما يخص العلاقة بين الرواية والبرجوازية فإن باختين يعتمد الأطروحات التالية:‏

1 – ظهرت البدايات الأولى بعد أن أخذت اللغات المحكية المحلية والإقليمية تستقل عن اللغة اليونانية الكلاسيكية. وهذه أول ناحية تختلف فيها الرواية عن الملحمة، وبالتالي عن البرجوازية. لغة الرواية ليست رفيعة المستوى على غرار الملحمة، كما أنها من ناحية أخرى ليست من صنع البرجوازية، بل نتيجة إسهام الطبقات والفئات التي تركن في قاع المجتمع.‏

2 – ظهرت الرواية بظهور الشخصيات الناشئة في قاع المجتمع، أو على الأقل إنها شخصيات دون الوسط وليس فوقه. وهذه شخصيات غير برجوازية عموما، وإن كان فيها بعض الشخصيات البرجوازية التي نشأت في القاع. ثم إن الشخصيات البرجوازية في الرواية محدودة، بينما شخصيات ما دون البرجوازية كثيرة، أو كثيرة جدا بالمقارنة مع الشخصيات البرجوازية.‏

3 – في الرواية الإغريقية وهي التي سادت في المرحلة الرومانية (مثل رواية لوسيـبا وكليتوفنت) اعتماد كبير على فولكلور ما قبل الطبقات، أي فولكلور عام مشترك بين كل الطبقات. وهي النواة الأولى لتطور الرواية.‏

4 – في رواية رابليه "غارغانتوا وبنتاغرويل" نقف على مادة كبيرة من الفولكلور الشعبي. ولكنه هذه المرة متخصص. إنه فولكلور ما بعد ظهور الطبقات، حيث جرى الفرز النوعي إلى حد ما. فالفولكلور الشعبي مادة أساسية في الرواية الحديثة. ومثل هذا الفولكلور لا تتعاطاه البرجوازية ذات التقاليد الخاصة.‏

5 – بمقارنة الرواية الإغريقية بالرواية الرابلية نلاحظ أن اليونانية تلفيقية إن صح التعبير، أي فيها الروح الملحمية والرعوية والشعر الغنائي والزمن الأسطوري وصورة الحياة العادية وروح المغامرات، بينما تلاشت الأنواع الأدبية وانكمشت لصالح الجو الروائي الحديث عند رابليه.‏

6 – من الطبقات الشعبية ظهرت شخوص الرواية الحديثة وليس من البرجوازية. فالمعتوه والمجنون والمتشرد واللص والنشال والمهرج والمبروك والديوث، سواء كانت هذه الشخوص من الرجال أو من النساء، إنما ظهرت من الطبقات الشعبية.‏

7 – وبظهور هذه الشخوص ظهرت اللغة الشعبية، مع كل ما تشتمل عليه من شتائم وتلفظات جنسية سافرة، وتشبيهات بالأعضاء الجنسية. إنها لغة جديدة خرجت من قاع المجتمع ولم تأت من الطبقة المتوسطة التي ابتكرت عاداتها الخاصة ومنها لغتها المتحفظة. إنها لا تعرف مثل هذه اللغة العفوية المنفلتة انفلاتا، بلا عقال ولا رقيب.‏

إيان واط: تعليم حديث وجمهور جديد‏

تعتمد نظرية لوكاش على أطروحة صعود البرجوازية. هذا الصعود استوجب قيام شكل ملحمي جديد هو الرواية للتعبير عما سماه لوسيان غولدمان الوعي القائم والوعي المأمول، بحيث تتجسد البرجوازية في الرواية بكل إيجابياتها وسلبياتها. وصعود البرجوازية ذلك الصعود الصاعق حدث في أعقاب الثورة الصناعية التي مكنت هذه الطبقة من السيطرة على المجتمع والدولة سيطرة كاملة وشبه مطلقة تقريبا بعد القرن الثامن عشر. وبما أن إنكلترا هي أول قطر أوروبي يحقق الثورة الصناعية، فلا بد من أن نتعرف على "الرأي الإنكليزي" في نظرية الرواية، خاصة أن إنكلترا في أعقاب الثورة الصناعية غدت الممثلة الأولى لمدرسة الحداثة. فإليها حج كل الكتاب الفرنسيين وكثير من الكتاب الأوروبيين. رابليه – فولتير – روسو . . . بل إن الشعراء الرمزيين حجوا إليها كرامبو وفرلين ومالارميه. ومن يقرأ الآراء السياسية والاجتماعية لفولتير يلمس كيف ينظر هو وأمثاله إلى إنكلترا على أنها قدوة ومثال يحتذى. فالتعريج على "الرأي الإنكليزي" يفيد في إضفاء بعد خاص على نظرية الرواية، خاصة أن إنكلترا هي حاضنة الرواية الحديثة. فيها ظهرت وفيها تطورت ومنها تعلمت أوروبا معنى الرواية الحديثة.‏

أبرز من يمثل هذا الرأي هو الناقد الرزين إيان واط، في كتابه الدقيق "نشأة الرواية" حيث قدم أطروحاته بتوثيقية مفرطة على غرار الأبحاث الأكاديمية. وحرص أن يقف في الخلف، يرصد ولا يتدخل. وبما أن إنكلترا هي ميدان الأحداث، فإنه يقدم لنا مسحا دقيقا، فهو من آل البيت والمستندات بين يديه وفيرة جدا. وأهم أطروحات الكتاب هي:‏

1 – المدارس الحديثة: المدارس قديمة قدم الكتابة. لكن المدارس التي أعقبت عصر النهضة، ثم التي أعقبت الثورة الصناعية، كانت مدارس حديثة بالمقارنة مع المدارس القديمة. لم تعد النصوص المقدسة هي التي تستأثر بالبرنامج. دخلت العلوم التطبيقية والنظريات الجغرافية حول كروية الأرض وحركة الرياح وكذلك ظهر قانون الجاذبية. . . أشياء وأشياء كثيرة يمكن اختصارها بالقول إن الحياة اليومية صارت تظهر في البرامج المدرسية الحديثة. صار هناك اهتمام مباشر بالتجربة الإنسانية الواقعية.‏

ليس هذا وحسب، بل هناك مسألة الانتشار، إذ انتشرت هذه المدارس في كل إنكلترا. والملاحظة الجديرة بالتأمل هي أن المدارس الخيرية (أي المجانية) كانت لا تقل كثيرا من حيث الكمية والنوعية عن بقية المدارس. وهذا ما أدى إلى شيوع التعليم، وعلى الأخص بعد أن صارت الدولة بحاجة إلى متعلمين في أعقاب الثورة الصناعية.‏

2 – الجمهور الجديد: هيأت المدارس جمهورا جديدا من القراء. أقل ما يقال فيه إنه واقعي لا تقتصر اهتماماته على المقدس الغيبي. جمهور يرى الواقعي يحقق معجزات مذهلة لا تقل شأنا عن المعجزات التي تخبر بها النصوص المقدسة. إنه جمهور ذو حضور واقعي.‏

3 – الفردية: كان لما سماه الكاتب الفردية دور في اتجاه القصة. والفردية نشأت مع الثورة الصناعية. كانت الصناعات محصورة بالعائلات الحرفية. لم يكن الفرد حرا في اختيار العمل. فالابن يشب على حرفة الأب ويعرف عمله سلفا. بعد الثورة الصناعية بات في مقدور الفرد أن يختار العمل الذي يريد. فالفردية بهذا المعنى تعني الحرية والاستقلال الشخصيين. وهذا ما نراه في طلائع القصص الحديثة.‏

4 – شخصية المرأة: الظروف التي أنتجت الفردية ساعدت المرأة على احتلال دور جديد. صارت تعمل وتنتج وتحقق نوعا من الاستقلالية. إن مول فلاندرز مستقلة وذات شخصية أكثر بكثير من كونتيسة في قلعة إقطاعية. صارت المرأة ذات كيان وذات إرادة، حرة في تصرفاتها وحرة في توجيه حياتها وسلوكها.‏

5 – الحب: ونتيجة هذا البروز لشخصية المرأة ظهر حب جديد. لنقل إنه حب واقعي. صحيح أنه لا رواية من دون حب ولكن الرواية الحديثة افتتحت الحب الواقعي، لا الحب الكرتوازي ولا الحب كما في الرواية الإغريقية حيث يعتمد على المصادفات.‏

6 – الخبرة الشخصية: الروائي القديم تأسره التقاليد منذ هوميروس وحتى الثورة الصناعية. أما الروائي الحديث فيستخدم خبرته الشخصية. إنه ليس راوية تقاليد وموروثات. إنه مراقب حقيقي للواقع. وهذا عنصر كبير في توجيه الرواية الحديثة نحو الواقعية المقْنعة.‏

أشياء كثيرة يمكن أن نسوقها في هذا الصدد. وكلها ليست في صالح ارتباط الرواية الحديثة بالملحمة. وقد أطلعنا هذا الناقد النبيه على رأيه ولكن بصورة غير مباشرة، إذ اختار الروائيين الأوائل في العصر الحديث وأطلعنا على موقفهم من الملحمة. إنه موقف الاستخفاف والازدراء والمعارضة. ونجد هذا الموقف في المقتطفات التي يسوقها على لسان الروائيين. يقول ديفو: "إن من اليسير أن نخبركم بنتائج الاضطرابات الجماهيرية والمشاجرات الخاصة والحزازات الحزبية دون قراءة فرجيل أو هوراس أو هومر" ويحمل في أعماقه حقدا على الملحمة، فيرى أن حرب طروادة كلها نشبت لإنقاذ "إحدى المومسات". ويدين هومر وملحمتيه ليس من حيث الأخلاق في الملحمة وحسب، بل أيضا من حيث التاريخ، فهو قاصر في ائتمانه على الحقيقة. كان عجوزا ضريرا يطوف أثينا والأمكنة الأخرى لإنشاد قصائده التي نظمها هو. ولكن مع الزمن تكاسل بعد أن أصبح غنيا وصار يمنح الهبات لأندريكوس من إسبارطة وشاعر آخر من أثينا لنظم قصائد جديدة يضيفها.‏

ولا يقل موقف رتشاردسون سلبية عن ديفو فهو يرى أن عالم الحرب في الإلياذة مزيف ومصطنع مما جعله يقول إن الآداب الكلاسيكية هي التي تدمر أوروبا بالحروب. فكل شيء زائف في تلك الآداب.‏

وبعد أن يعرض واط آراء كثير من الكتاب والروائيين الإنكليز والفرنسيين في الملحمة وكيف أن الرواية نشأت نشأة خاصة واتجهت اتجاها لا علاقة له بالملحمة، يقف عند فيلدنغ الذي يقول في مقدمة روايته "توم جونز" إنه استفاد من ملحمة هومر ومن الآداب القديمة في روايته، فيبين أن الرواية جاءت مناقضة لهذا التصريح كل المناقضة، وما هي سوى محاكاة ساخرة للملحمة. فالبطولة التي يظهرها "توم جونز" في معركته الكبرى ضد مجموعة الكلاب، ما هي سوى محاكاة ساخرة لبطولة أخيل في الإلياذة.‏

شيء آخر أشار إليه واط بطريقة غير مباشرة على لسان فيلدنغ، وهو أن القراء لم يقبلوا على الملاحم في عصر الرواد الأوائل للرواية. وهذا ما جعل فيلدنغ يتخذ هذا الموقف بحثا عن قواعد بعد أن رأى الأمور قد انفلتت ولم يعد لها ضابط. وبالمقابل ازداد الإقبال على قراءة الرواية، حتى تجاوزت الطبعة الواحدة مئة ألف نسخة تقريبا. كان ثمة جو عام ينفر من الملحمة.‏

وبهذه الطريقة قطع واط أي صلة بين نشأة الرواية والملحة. وهو يقترب من رأي ميخائيل باختين، فواقعية الرواية الحديثة وصلت إلى حد تصوير البذاءات والممارسات الدنيا للجنس والسلوك المنافي للأخلاق المعروفة من سطو ونشل وتشرد وسرقة واغتصاب. . . أشياء وأشياء كثيرة تدل أن قاع المجتمع هو الذي أنتج الرواية الحديثة وليس قمة المجتمع كما في الملحمة. وهذه ناحية أساسية في التفريق الكبير بين الرواية الحديثة والملحمة.‏

نورثروب فراي: خيال أدبي وقوانين صارمة‏

لا يعترف فراي أصلا بالحدود الفاصلة بين الأنواع الأدبية. فهو يرى أن الخيال الأدبي واحد وذو قوانين صارمة سواء في الملحمة أو القصيدة أو القصة أو المسرحية. . . وهو يرى أن الموقف الأدبي هو الأساس وما التعبير سوى شكل من أشكال هذا الموقف: من الملحمة حتى الرقص، بل حتى المونولوج الذاتي الذي يدور بين المرء ونفسه، من دون أن يسمعه أحد. ويذهب أكثر من ذلك بكثير ففي الكلام العادي أو الدارج في الشارع أو في الصالونات هناك موقف أدبي أو موقف غير أدبي. فالأدب هو الحياة، بالمعنى المطلق، أي الحياة من قبل والآن والمستقبل. كيف نتلقى نسمة الحياة، هكذا نتلقى نسمة الأدب، بعضنا يتقن وبعضنا يفشل، وبعضنا يعادي الموقف الأدبي.‏

ولكن قبل أن نشرح نظرة فراي نشير إلى أنه ليس الوحيد الذي يسقط الجدران والحدود بين الأنواع الأدبية. فهناك لكثير من المفكرين والنقاد، من أمثال برغسون وكروتشه وغيرهما ممن يربطون بين الجمال والحدس وينكرون التطور، ولا يقيمون وزنا للتفريق بين الأنواع. ولكن الفارق كبير بين هذا التيار وتيار النقد الأسطوري الذي يمثله فراي والمعتمد على اللاوعي الجمعي كما قدمه يونغ. ولسنا الآن بصدد متابعة التفريق بين هذين الفريقين، وسنكتفي بعرض نظرة النقد الأسطوري كما شرحها فراي.‏

وأفضل مثال نوضح به موقف فراي هو الداروينية في نظرتها إلى الأنواع الحية. فدارون يرى أن الأنواع برمتها ترجع إلى أصل واحد. وعبر مراحل طويلة من التاريخ يحدث ما يسميه دارون التطور، وما يسميه فراي الانزياح أو التعديل، فكما أن عدد فقرات عنق الزرافة وعدد فقرات عنق الإنسان أو الدجاجة واحد كذلك فإن "فقرات" الرواية هي ذاتها فقرات القصيدة (والملحمة قصيدة طويلة) والموقف الأدبي في السوناته لا يختلف عن الموقف الأدبي في أي ملحمة كبرى. فمهما تنوعت الأنواع يظل الأصل واحدا. وازدياد التنويع يؤكد وحدة الأصل.‏

أحببنا بالمثال السابق أن نتجنب الاعتماد على الأمثلة التي قدمها فراي لإثبات نظريته في كل كتبه تقريبا. إنه يرى أن التنوع ما هو سوى موقف الإنسان انطلاقا من اللاوعي الجمعي، في ترتيب عالمه ومواجهة الكون المحيط به. وفي رأيه أنه لا يوجد نوع سبق نوعا آخر. فكما أن فصول الطبيعة متصلة لا منفصلة، كذلك التراجيديا والسخرية والكوميديا والرومانسة. فالتراجيديا طقس الخريف والسخرية طقس الشتاء والكوميديا طقس الربيع. فأدنى درجات التراجيديا يفضي إلى السخرية وأدنى درجات السخرية يفضي إلى الكوميديا. وأعلى درجات الكوميديا يفضي إلى الرومانسة، وأعلى درجات الرومانسة يفضي إلى التراجيديا. وكما تشكل الفصول سنة متكاملة، تشكل الأنواع موقفا أدبيا. فالقتل بالسيف في التراجيديا هو القتل بالسخرية في الكوميديا. اختلفت الأدوات ولكن الغاية واحدة.‏

أين الملحمة وأين الرواية وأين قصيدة الرثاء أو الغزل أو المدح أو الهجاء أو ما شابه ذلك؟‏

لا يوجد شيء مستقل عن الآخر. إن الكاتب وحده يحدد ما يريد. فقد تكون الملحمة تراجيديا مثل الإلياذة، وقد تكون ساتيرة مثل الأوديسة، وقد تجمع بين التراجيديا والكوميديا والسخرية والرومانسة، مثل "الكوميديا الإلهية" لدانتي. وقد تقتصر على البطولات المتتالية مثل إنياذة فرجيل. وهذه التداخلات ليست مصطنعة بل مأخوذة من الحياة ذاتها. فنحن دائما نسمع أقوالا مأثورة تلخص هذه المواقف في صيغة أدبية. إن قولهم "شر البلية ما يضحك" عبارة عن تركيب لغوي يجسد تجربة حياتية حقيقية. وكذلك قولهم "المضحك المبكي" تكثيف باللغة عما يجري في الحياة. وعلى هذا تكون التسمية نابعة من الكم لا من الكيف، ما دامت المواقف الأدبية واحدة. إن الموقف من الظالم والمظلوم والقاتل والضحية والكريم واللئيم. . . إلى آخر سلسلة العلاقات الاجتماعية التي لا تكاد تنتهي . . . هو واحد، ولا يمكن أن يكون الموقف في الكوميديا مخالفا للموقف في التراجيديا، ولا الموقف في السخرية مخالفا للموقف في الرومانسة. لكن عندما تزداد نسبة العنف وتتدخل الظروف والأقدار بحيث تكون النهاية أليمة نسمي ذلك تراجيديا، سواء في الملحمة أو المسرحية أو القصيدة، أو حتى في قطعة النثر أو الكلام العادي. وكذلك الأمر بالنسبة للمضحك والساخر والبطولي. إنها حلقات متصلة لا منفصلة.‏

ولكن ألا يحدث تطور على الموقف الأدبي؟‏

لا يحدث أي تطور. التطور (والأفضل أن نقول الانزياح أو التعديل) يحدث في الشكل أو في أدوات التعبير المستخدمة، والتي تتغير من عصر إلى عصر، سواء في اللغة أو في المجتمع. فالعالم اليوم يعبر بلغات جديدة كل الجدة عن موقفه الأدبي من الظلم، مثلما كان العالم القديم يعبر عن موقفه الأدبي بلغة باتت اليوم منقرضة. لقد انتهت صاعقة زيوس وحل محلها الصاروخ العابر للقارات، واختفى الرمح وحلت القنبلة محله. . . كل ذلك صحيح ونقر به. ولكن هذا لا يعني أي شيء من حيث الموقف الأدبي. لو أن الموقف الأدبي يتغير لتغير منذ أن حل المنجنيق محل المقلاع والرصاص محل السهام والقنابل محل الرماح. . . فانعكست المواقف بحيث يقف الأدب مع الظالم ضد المظلوم ومع اللئيم ضد الكريم.‏

إذن لا أنواع ولا أجناس. المسألة هي أن الإنسان عرف دورة الطبيعة وأدى طقوسه انسجاما معها. ومن هذه الطقوس ظهر الأدب بألوانه الأربعة المتداخلة، التراجيديا والسخرية والكوميديا والرومانسة. وفي الأثر الواحد قد نجد كل هذه الألوان، أو قل كل هذه الطقوس. وعلى سبيل المثال نشير إلى السوناتة. إنه شكل جديد. الكل يسلمون بذلك. ولكن لن تخرج – لا هي ولا غيرها – عن الألوان الأربعة التي ظهرت من الطقوس وتداخلت كتداخلها. وقد ظهر الشعر الحديث. إنه شكل جديد. ولكنه أيضا لا يخرج عن الموقف الأدبي. وحتى نوضح ذلك أكثر نقول هناك مثلث ذهبي. إذا طلبنا من خمسين رساما أن يرسموا شكل مثلث، كل بطريقته، لكان لدينا خمسون شكلا، كل شكل يختلف عن الشكل الآخر. ولكن نظل أمام الشكل الأساسي وهو المثلث. الزوايا لا تنطبق بالضرورة على الزوايا ولا الأضلاع على الأضلاع، لكن المثلث يبقى مثلثا.‏

عندما ينتقل المجتمع من مرحلة إلى أخرى لا تنطبق الزوايا والأضلاع الجديدة على القديمة في المثلث الأساسي. إنها تنزاح أو تتعدل إلى هذه الدرجة أو تلك. وما يقرر هذه الدرجة أو تلك هو الأوضاع والعلاقات الجديدة المستحدثة. إنها لا تبقي على المثلث القديم كما هو، ولكنها تعمل ضمن إطار المثلث وإن انزاحت الأضلاع والزوايا. وعلى هذا يمكن أن يتفق القارئ مع فراي بأن للأدب بنية عنيدة قابلة للانزياح ولكنها غير قابلة أبدا للإلغاء. إن هامش التجديد تحدده درجة الانزياح فقط. ودرجة الانزياح تحددها الأوضاع المستخدمة والظروف الجديدة.‏

ملاحظة واقتراح‏

ليست هذه النظريات أو النظرات هي الوحيدة، وليس ما قلناه فيها هو كل ما يمكن أن يقال، بل هناك نظريات ونظرات أخرى عديدة، وما قلناه في النظرات السابقة ليس أكثر من تعليق سريع غرضه فرز ما يلزمنا فقط، وإلا فإن نظرة من هذه النظرات تحتاج إلى الكثير من الدراسة حتى لا تبدو مفككة.‏

ملاحظتنا على هذه النظرات أنها ليست مجانبة للواقع. وبما أنه لا توجد نظرة تستوعب الواقع فإن هذه النظرات تضيء الجوانب الكبرى لنشأة الرواية وتطورها، أو انزياحها على رأي فراي. وأي تعامل مع هذه النظرات يجب أن يكون جادا. إن أي استخفاف في التعامل والتفاعل معها يفوت على الباحث الشيء الكثير. فمن ينكر أن تغير العلاقات الاجتماعية وتغير المناخ العام عبر التاريخ لا يؤثر في النوع الأدبي فيطوره، أو قل يجعله ينزاح عن أساسه؟ ومسألة الطبقات هي مسألة مطروحة باستمرار ولا نعتقد أن التغاضي عنها أو الاستخفاف بتأثيرها يفيد الباحث. ولا نشك في أن الروح المطلق الهيغلي يتطور من خلال الصراع بين الذاتي والموضوعي، بين العقلانية واللاعقلانية، فالشعوب دائما وبدرجات متفاوتة تنزع إلى الأمثل والأكثر ليبرالية كما يقول فوكوياما. ولا أحد يرتاب في أن البرجوازية وعت وضعها وأنها تواجه العالم دون معونة إلهية، كما كان الأمر في السابق. إن صورة العالم القديم، كما تمثّـلَها المفكرون والفلاسفة تغيرت على يد البرجوازية، وصار تصور العالم أقرب إلى الواقعية. ولا أحد يخالف هيغل وماركس ولوكاش فيما طرحوه عن الاغتراب والتشيؤ reification.‏

إن كل نقطة من النقاط التي اخترناها وعرضناها عرضا سريعا تضيء جانبا من جوانب مسألة الرواية. وبما أن الرواية تدخل ضمن إنتاج الاقتصاد الأدبي، وبما أن الاقتصاد الأدبي نتاج المجتمع، فإن أي إهمال لتطورات المجتمع ينعكس سلبا على نظرتنا إلى الرواية، على اعتبار أن كل شيء في المجتمع، بل في الكون يدخل ضمن شبكة متواشجة ومتداخلة من العلاقات الفاعلة المنفعلة بموجب العمل والعائد، والفعل ورد الفعل. . . ولكن. .‏

. . . ثمة خصوصية للاقتصاد الأدبي يجب ألا نغفلها، مثلها مثل أي خصوصية لظاهرة أخرى. إن الماء يتفاعل مع الحديد، ومع ذلك له خصوصيته التي ينفرد بها، بل إن الهيدروجين والأوكسجين في الماء ذاته ينفرد كل واحد بخصوصيته التي لا يشاركه فيها الآخر، على الرغم من اتحادهما. وما نريد أن نقترحه بهذا الصدد يمكن إيجازه بالنقاط التالية:‏

1 – عندما ندرس أي إنتاج أدبي علينا أن نراعي أولا وقبل كل شيء خصوصية الاقتصاد الأدبي. فهذا الاقتصاد له قوانينه الخاصة وأنظمته الخاصة وسوقه الخاصة ومنتجه الخاص ومستهلكه الخاص، مثلما له نتائجه الخاصة التي تختلف وتخالف قوانين الاقتصاد المادي أو ما يسمى الاقتصاد السياسي.‏

2 – ضمن هذا الاقتصاد ثمة خصوصية لكل نوع من أنواعه، مع احترامنا لفراي ونظراته الصائبة. إن للمسرحية مثلا خصوصية لا تنطبق على القصيدة أو القصة أو الرواية أو الملحمة، كما ذهب.‏

3 – ولكن هذا يجب ألا ينسينا أن جميع الخصوصيات تدخل في شبكة من العلاقات المتداخلة ذات التأثير المتبادل، مثل أي شيء في الكون، كما سبق وأشرنا.‏

4 – علينا في نظرتنا أن ننتبه إلى السوية القيمية التي قد ننجر إليها، فنفضل مثلا الملحمة على الرواية أو الرواية الحديثة على القصيدة. . . أو نفضل الأثر الأخلاقي على الأثر اللاأخلاقي أو نجعل من ذاتنا وميولنا مقياسا لما ندرسه.‏

5 – علينا في كل ذلك ألا ننسى أن قوانين الأدب أو البنية الأساسية للأدب لا تتغير كما تتغير القوانين العلمية والرياضية. والانزياحات التي تجري إنما تحصل في أشكال الأداء اللغوي أو البلاغي أو الأسلوبي أو الأعراف الاجتماعية الجديدة أو المكتشفات المادية الحديثة. إن الرصاصة أسرع من سهم أخيل ولكنها تؤدي في الحرب الوظيفة ذاتها. والأب القاتل هو ذاته سواء ارتدى البزة الأرجوانية اليونانية أو ارتدى البزة السموكن العصرية. والظالم يبقى ظالما مهما تغيرت الأحوال والظروف وأنماط الثياب وأنواع المآكل والمشارب، وسواء امتطى الحصان الأشهب أم امتطى اللومبرغيني.‏

هذه هي أهم المبادئ التي يجب أن نضعها في ذهننا عندما نتعامل مع الأدب. إنه مؤسسة خاصة بالمعنى الذي شرحناه من قبل. هذه الخصوصية ليست بمعزل عن شبكة العلاقات الاجتماعية بل والكونية، إنما العكس صحيح تماما.‏

المنتج الأدبي‏

من هو المنتج الأدبي؟ إنه ذلك الذي ارتضى المؤسسة الأدبية وخضع لقوانينها من دون إلزام أو غرض شخصي، بغية الارتقاء بالجنس البشري وبث روح المنافسة من أجل الأسمى. والسامي كما يقول أرسطو يبقى دائما حالما يظهر لأول مرة، حتى لو لم يتحقق، لأن الناس وإن لم يجدوه أمامهم، يسعون إليه دائما.‏

لا يمكن أن ننسب المنتج الأدبي إلى طبقة معينة. فهو من كل الطبقات. فهناك الكهنة من أمثال اسخيلوس وسوفوكليس. . .وفنلون وفيون ورابليه. . . ولولا شوي لقلنا إن سرفانتس أوشك أن يدخل سلك الكهنوت. وهناك كتاب وأدباء من الطبقات الدنيا فكان يوربيدس ابن بياعة بندورة بينما كان أرستوفانز وبندار وأفلاطون من الطبقة الأرستقراطية الرفيعة. وسوف نجد الكثير من قاع المجتمع أمثال فيون وجان جينيه. . إن تعامل الأديب مع القيم التي تفرضها الطبقة السائدة، مؤيدا أو معارضا بعضها، لا يعني أنه ينتمي إلى هذه الطبقة أو تلك، حتى لو كان منها. إنه يتعامل مع القيم الاجتماعية التي تفرضها السلطة وفقا لمقاييسه الأدبية الخاصة. فهناك قيم أدبية. لو كان هؤلاء ينساقون وراء القيم الكهنوتية لما صاروا أدباء، بل لما استطاعوا أن يكونوا أدباء.‏

من هنا وجب الحذر عندما يتعلق الأمر بالطبقات كالنبلاء والإقطاعيين والبرجوازيين. بالطبع فرض هؤلاء قيمهم الاجتماعية. وبالطبع تعامل الأدباء مع هذه القيم انطلاقا من القيم الأدبية. ولذا لا بد من توخي الحذر عندما نستنتج استنتاجا يدفعنا إليه الصراع الطبقي أو بالأصح نظرية الصراع الطبقي.‏

إن المنتجين أدباء قبل أن يكونوا أي شيء آخر، ومهما تأثروا بالظروف والأحوال لهذه الطبقة أو تلك. إن القيم الأدبية هي مقياسهم.‏

الخصوصيات الشكلية‏

القيم الأدبية هي قيم معنوية. فالوقوف إلى جانب المظلوم قيمة معنوية. ولكن هناك لعبة أدبية هي لعبة الشكل. فهذا قد يختار الشكل المسرحي لإبراز هذه القيمة المعنوية، وذاك يختار القصيدة وآخر يختار الحكاية ورابع الملحمة. . . فهناك أشكال كثيرة تصل إلى المذكرات والرسائل.‏

ونلاحظ أن هناك أشكالا متشابهة أو متقاربة كالقصة والأقصوصة والرواية والمسرحية والملحمة والرواية. وهناك أيضا خصوصية لكل نوع. ولا يعني ذلك أن بين الخصوصيات حدودا مسلحة. إن أي شكل مهما بلغت خصوصيته مفتوح دائما على الأشكال الأخرى. فمن لا يسلم بأن المسرحية هي نقل الملحمة من الساحات العامة إلى خشبة المسرح وتجسيد الشخوص بدلا من وصفها؟ ومن لا يعترف بأن القصة القصيرة أو الطويلة عزف منفرد على حادثة من أحداث الملحمة؟‏

إن الملحمة التي تتعامل مع الواقعي من جهة، ومع العوالم الخيالية من جهة ثانية قادرة أن تطرح المواد اللازمة أمام الأشكال الأخرى للأنواع الأدبية، وأن ترضي النزوعات البشرية، وفق التصور القديم للعالم. إنها تشتمل بحد ذاتها على جدلية داخلية، جدلية الواقعي والغيبي، الذاتي والموضوعي، التراجيدي والكوميدي، الالتزام والتفلت، الأخلاقي والعبثي.‏

هذه الجدلية موجودة أيضا بين الملحمة والأشكال الأدبية الأخرى. لو نظرنا مثلا إلى الليجندة أو ذلك النوع الجديد الذي يسميه المسيحيون السنكسار والذي ليس أكثر من ليجندة مثل بقية الليجندات، لوجدنا أنها قطعة من الملحمة، كتبت لتقرأ بدلا من أن يرويها هومر على قيثارته.‏

إن متابعة الأشكال الأدبية تشير إلى أن بين هذه الأشكال حدودا سياحية، لا توجد أبراج مراقبة. وهذا ما يعزز النظرة الشمولية عند نورثروب فراي الذي اعتبر حتى الفيلم السينمائي وحتى مسرح العرائس أدبا.‏

ومن هنا نقول إن الرواية لم تهبط من السماء، ولا هي نتيجة الحدس البرغسوني أو الكروتشوي. أي إنها ليست انكشافا مفاجئا، بل هي وليدة أعراف وتقاليد قديمة جدا، خضعت لجدلية الواقع والتاريخ والتفاعل مع الأشكال الأخرى.‏

لا يحق لنا أن نقبل جدلية الرواية وتفاعلها مع الواقع منذ ظهورها وحتى اليوم، ونرفض هذه الجدلية في التاريخ السابق لوجودها. فقد تأثرت الرواية – مثلا – بالطباعة والصحافة والسينما . . . بل تأثرت بكل وسائل الاتصال الحديثة. إنها – كأي شكل أدبي – ليست قلعة مسلحة ومسيجة بالخنادق. إن رواية "الأمل" لأندريه مالرو لا تختلف عن أي سيناريو سينمائي أو تلفزيوني. إن الشكل الروائي شكل قابل للتفاعل أكثر من بقية الأشكال، والرواية مشروع منفتح دائما. ولكن هذا يقتضي التسليم بأنها أيضا نتيجة لمفاعلات سابقة، ومنها لعبة الشكل في الأنواع الأدبية الأخرى.‏

ومن باب آخر لا يظن أحد أن الشكل لعبة محضة يمكن أن يغيره الروائي أو الكاتب ساعة يشاء. إن الشكل تعبير عن عملية تفاعلية تاريخية معقدة. ولو أن الشكل لعبة محضة لكان الكتاب غيروا وبدلوا فيه منذ الزمن القديم. إن الشكل لا يتغير بناء على نزوة أو إرادة فرد, إن الشكل يتغير أو يتطور أو ينزاح، بعد أن تكون التطورات الاجتماعية قد حصلت، بل تكون قد نضجت، بحيث تستدعي تعديل الشكل القديم لاستيعاب المستجدات، بعد أن تكون قد صارت ضرورية للرواية.‏

للوصول إلى الرواية الحديثة لا بد من القيام برحلة من الملحمة فالساتيرة فالرواية الإغريقية فالليجندة . . . إلى آخر ما هناك من أشكال. ومع أن كل رحلة مغامرة، فإن الناس يستمرون بالمغامرة. وسوف نغامر بهذه الرحلة، على مشقتها.‏

هذه الرحلة هي مهمة الفصول القادمة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244