من تاريخ الرواية - حنا عبود

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 02:53 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

من الملحمة إلى الرواية القديمة

مفارقــة‏

في آخر فصل من "إسهام في نقد الاقتصاد السياسي" يقول ماركس "فهل تنسجم طريقة رؤية الطبيعة والعلاقات الاجتماعية التي ألهمت الخيال اليوناني، والتي ألّفت أساس الميثولوجيا اليونانية مع آلات الغزل الأوتوماتيكية وسكك الحديد والقاطرات والتلغراف الكهربائي؟ ومن هو فولكان تجاه روبرت وشركاه وجوبتر حيال مانعة الصواعق، وهرمس حيال ائتمان المنقولات؟" إلى أن يقول "فهل ينسجم أخيل مع البارود والرصاص أو بكلمة موجزة هل تنسجم الإلياذة مع الصحافة أو مع آلة الطباعة؟ ألا تختفي الأغنية والقصيدة والملحمة وربة الشعر بالضرورة أمام مسطرة عامل الطباعة؟ أفلا تزول الشروط الضرورية للشعر الملحمي؟"‏

المقارنة بين العصر اليوناني القديم والعصر الأوروبي الحديث سوف تكون مقارنة حادّة جدا لأنها تقابل بين متباعدين كل التباعد. ومثل هذه المقارنة لا تتيح رؤية التحولات أو لا تسمح برصد الانزياحات الصغيرة والكثيرة جدا، سواء في المجتمع أولا، أو في المنتوج الفني بالتالي. ففي ميدان الفن لا تتغير شروط الإنتاج تغيرا مفاجئا، كما في بعض المـيادين. فقد تغيرت شروط إنـتاج الملحمة، ولكنه تغير بطيء استغرق مئات السنين. ومن هنا حق للنقاد أن يطلقوا اسم "الملاحم الطبيعية" على الملاحم القديمة التي ظهرت طبقا لظروف معينة، واسم "الملاحم الصناعية" على تلك الملاحم التي ظهرت ولكن في ظروف إنتاج أخرى. فمع أن فرجيل حاول في "الإنياذة" الاقتراب من "الأوديسة" و "الإلياذة" معا، فإن ملحمته صنعية لأن شروط الإنتاج بعد مئات السنين تغيرت، فقد حلت طبقة العسكر محل طبقة النبلاء، وحلت التيموقراطية (نزعة الكبرياء العرقية) محل الديمقراطية التي اتفق عليها النبلاء، الذين كانوا في الأصل زعماء القبائل الكبرى.‏

ولكن إذا كان نص ماركس يشير إلى أن شروط إنتاج الملحمة قد انتهت، فإنه لا يحكم عليها بالزوال، بل ربما كان القراء اليوم يتهافتون على قراءة الإلياذة والأوديسة أكثر من أي رواية حديثة. فقد انفصلت الإلياذة عن شروط إنتاجها ولكنها لم تنفصل عن رغبة القراء، وعلى الأخص عندما يقرنون بين القيم الموجودة فيها والقيم التي جاءت بها الرأسمالية. إن النوستالجيا لا تعترف بالتغيرات كما يبدو.‏

إن الانتقال من الأسلوب الملحمي إلى الأسلوب الروائي استغرق مئات السنين. فمن الملحمة ظهرت كل موضوعات التراجيديا المسرحية. ومن الحياة اليومية انبثقت الكوميديا المسرحية. ومن الجمع بين التراجيديا والكوميديا ظهرت الساتيرة المسرحية، متأثرة بفنيهما سواء في الموضوعات أو في الأشكال. وقد استغرق ذلك زمنا طويلا جدا. فهناك مثلا الانتقال من الشفهي إلى الكتابي ومن الكتابي إلى النسخ، ومن النسخ إلى الفن الطباعي. وبين النسخ وظهور الطباعة ظهرت أشكال عديدة مثل الرواية الإغريقية (الرواية القديمة) والليجندة والرومانسة. أما القصة الحديثة فلم تظهر إلا بظهور الطباعة (والصناعة عموما) بيد أنها لم تقطع الصلة أبدا بالتراث الأدبي. . . وهذا ما سوف نبينه في الأبحاث التالية حسب إمكاناتنا وما يسمح به لنا العرض السريع الموجز، على شكل صورة عامة تختفي منها التضاريس الدقيقة.‏

ربما كانت المقاربة بين الملحمة والرومانسة romance مجدية في هذا المجال، لأن الرومانسة هي التي سادت في الحقبة الطويلة التي تفصل الرواية الحديثة عن الملحمة. ولكن بما أن الرومانسة ترتبط في أذهاننا بالعصور الوسطى فقط، لأنها اتخذت اسمها من اللغة الجديدة التي نشأت في تلك العصور، وهي اللغة المحلية التي يطلق عليها الرومانس، فإننا نفضل استخدام مصطلح الرواية القديمة بدلا من الرومانسة، وبذلك نكون أمام ثلاثة أشكال للرواية: الملحمة والرواية القديمة والرومانسة، مع أنه لا يوجد فارق كبير بين الرواية القديمة والرومانسة، فكلا الشكلين يشتركان بعناصر كثيرة، سوى أن الثانية تأثرت بالليجندة المسيحية كما سوف نبين في الأبحاث التالية.‏

الملحمة‏

لا تحتاج الملحمة إلى تحديد، نظرا لتوافرها بين أيدينا، فهي قصيدة طويلة تعالج حادثة معينة، ضمن إطار واقعي/ ميثولوجي يعكس مفاهيم الناس في تلك الأيام. ومن أبرز هذه المفاهيم أن الأرض أو العالم الواقعي رهين صراع الآلهة الأولمبية، فإذا أراد الآلهة أن يتصارعوا استغلوا البشر لغاياتهم. الصراع في الأولمب محظور. لكن استخدام البشر كأدوات من قبل الآلهة مسموح به. هذا هو المفهوم الأساسي للملاحم الطبيعية أي الملاحم اليونانية. وكل حرب طروادة التي أنتجت الملحمتين الشهيرتين تقع ضمن هذا المفهوم. سببها تدخل ربة الشقاق إريس انتقاما من إهانة وجهتها لها ربة أخرى هي هيرا. لكن هذه الميثولوجيا ليست منفصلة عن الواقع الذي يذكر أن باريس في سفارته إلى اليونان عشق أجمل امرأة في العالم ولعب بعقلها، أو لعبت بعقله (فقد كانت طروادة أغنى دولة في الأرض أيضا) وهربا من بيت زوجها منيلاوس. وهكذا التقى الأجمل بالأغنى ضمن إطار التاريخي / الميثولوجي.‏

الرواية القديــمة‏

أما الرواية القديمة فتحتاج إلى تحديد لأن ما ترجم منها لا يكاد يذكر. إلا أن النقاد والدارسين تحدثوا عنها في سجالات واسعة لتحديد ماهيتها ومعرفة امتدادها وفهم دورها. والمتفق عليه أن الرواية القديمة لم تظهر إلا بعد أن دفنت هيلاس (اليونان) تقريبا، وانقرضت تلك الميثولوجيا الذكية والجميلة، ولم يبق منها سوى النزر القليل. لم يعد كتاب الرواية يتقنون فن استخدام العلاقة بين الواقعي والميثولوجي. أو بين التاريخي والميثولوجي. وقد حدث ذلك في الفترة الهلنستية. ويكفي أن نشير إلى الفلسفتين اللتين سادتا في هذه الفترة وهما الأبيقورية والرواقية. فالأولى مادية لا تعترف بوجود آلهة، بل لا تعترف بوجود عالم آخر. بينما الثانية روحانية ترى أن هناك ربا هو الذي يجعل المرء حرا، وليس البشر ولا القوانين. كم تبدو هاتان الفلسفتان باهتتين غير ملهمتين بالقياس إلى المفهوم الميثولوجي القديم الذي يعترف للإنسان بدوره، ويهيئ دوافع السمو والارتقاء أمامه. وأبرز ميزات الرواية هي التالي:‏

العجائبية: هي من نتاج الهلنستية. إذن هي فقيرة بالميثولوجيا. يضاف إلى ذلك أنها لم تعد تلتزم بالشعر بل صارت تمزجه بالنثر، أو بالأحرى صارت نثرية تتخللها بعض المقطوعات الشعرية. يضاف إلى ذلك تضاؤل نزول الإله‏

deus ex machina لحل مشكلة بشرية يعجز الناس عن حلها. صرنا نرى أن الناس يحلون مشاكلهم. أو بتعبير آخر لم يعد الكتاب يدفعون شخوصهم كثيرا إلى مشاكل لا يحلها إلا الآلهة. ومع ذلك لم تنته هذه الظاهرة من الرواية القديمة، وعلى الأخص تدخل الإله إيروس (كيوبيد) إله الحب. والملاحظ أنه كلما تقدم الزمن خفت هذه الظاهرة أكثر فأكثر. فالروايات التي تدور عن الإسكندر كانت تنطلق من معتقد ميثولوجي وهو أن الإسكندر ابن إله زار أمه ليلا وليس ابن فيليب المقدوني. وتؤثر هذه الانطلاقة الميثولوجية في مجرى أحداث الرواية، إذ يذهب الإسكندر بناء على ذلك إلى مصر ويقدم الصلوات للإله أمون ويضع القرنين على رأسه ويطوّب إلها كامل الألوهية. لكن رواية "ليوكيبي وكليتوفون" لتاتيوس تقترب كثيرا من الواقع. ولكن ظلت الآلهة اليونانية، وعلى الأخص إله الحب، تتدخل في الرواية وإنما على نحو محدود جدا. إلى جانب هذه الآلهة صرنا نسمع بآلهة لم يكن الإغريق يكثرون من ذكرها، مثل آلهة الكنعانيين والفينيقيين وآلهة بابل ومصر ولا عجب في ذلك فالأحداث لم تكن محصورة في بلاد الإغريق بل كانت أحيانا كثيرة تدور في عدة بلدان. إلا أن هذه الآلهة تذكر ذكرا عابرا ولا يكون لها ذلك العمل الذي أوكله يوربيدس إليها. صار دور الناس العاديين أكبر، يحتل المساحة العظمى من الرواية. فعلى الرغم من العجائبية التي استخدمها تاتيوس تظل الواقعية (والمبالغ فيها أيضا) سائدة في الأحداث.‏

ولهذا السبب لا يمكن إدراج كتاب "مسخ الكائنات" للكاتب الروماني أوفيد ضمن الرواية القديمة الإغريقية، لأنه كتاب يعيد عجائبية الأساطير القديمة بأسلوبه الخاص. وبالغ في هذه العجائبية إلى حد بعيد، وهذا وحده يكفي لإبعاده عن الرواية القديمة.‏

الغرائبية: إلى جانب العجائبية هناك الغرائبية الإكزوتية exoticفالرومانسة اليونانية، أي الرواية القديمة، كانت تلجأ – ولأول مرة، وقبل ظهور الرومانتيكيين بزمن بعيد – إلى التعامل مع معابد ومدن وأزقة وبلاد جديدة كل الجدة، فتطوف بلاد الرافدين ومصر وفلسطين والساحل السوري، وتصل إلى المدن غير المتشطئة من أمثال حمص وغيرها. وكما استخدمت العجائبية المسيحية كبديل للعجائبية القديمة، كذلك استخدمت الغرائبية الواقعية كبديل للغرائبية الميثولوجية. فهنا لا نجد وصفا غرائبيا لقصر إله النوم، بل لقصر حقيقي في مصر أو الرافدين. وهذا يدل على أن المسيحية لم تكن قد فعلت فعلها ودمرت آثار الديانات السابقة من معابد وقصور حيث ظلت في بعض الأمكنة التي كان دخول المسيحية إليها خجولا إلى زمن يكاد يصل إلى القرن الخامس الميلادي أو قبل ذلك بقليل. والغرائبية في الرواية القديمة هي مزيج من الواقع والخيال الأدبي، فهي لا تعكس الواقع إلا بصفاته الروائية النادرة التي يخلقها الكاتب خلقا كنوع من تجميل الواقع.‏

أما الروائيون الذين ظهروا قبل تاتيوس من أمثال هيلودوروس الحمصي أو زينوفون الأفسسي أو لانجوس اللسبوسي، فقد تابعوا مسيرة التقليد الأدبي كما كان يجسده مسرح يوربيدس، أي مع الأحداث البشرية لا بد من تدخل إله، لكن ممارستهم لهذه اللعبة خفّت أحيانا إلى درجة الندرة، حتى أن بعض الروايات كانت تقتصر على إله الحب إيروس (كيوبيد) الذي بسهامه الناعمة النافذة يوقع الحب حتى في قلب الصخر الأصم. وهكذا تقريبا تبدأ معظم الروايات غير التاريخية.‏

إن امتداد العالم الهلنستي من حدود الهند وفارس حتى مصر أضفى ألوانا جديدة على تفكير الإغريق، فوجدوا أمامهم أشياء غرائبية ما كانوا يعثرون عليها في بلادهم. وقد أغناهم ذلك عن الرحلات الخيالية إلى جبال الأولمب أو حقول الإليزيه أو العالم الآخر، وقد انغمسوا في هذه الألوان الجديدة وبهروا بها فجعلوها مادة أساسية في رواياتهم، إلى درجة أنهم كانوا يصفون المدن وصفا تفصيليا كأنهم يصفون إحدى قمم جبل البرناس. وسوف يظل هذا العنصر الروائي مرافقا للرواية حتى العصر الحديث وعلى الأخص في الرواية الغوطية.‏

التطور اللغوي: لا شك في أن التطور الروحي الذي جعل الأديان السابقة واهية التأثير في النفوس إلى درجة بعيدة – وربما بسبب كثرة الخلائق أو ربما بسبب كثرة الاختلاط مع الشعوب الجديدة في البلاد الجديدة – فتح الباب عريضا أمام التطور اللغوي. فلا بد والحالة هذه من أن تزول بعض الكلمات والتعابير القديمة من أسلوبهم، كما زالت كلمة الجمل أو تعبير "أحشفا وسوء كيلة" من تعابيرنا. كلمات وتعابير أخذت تنحسر من الاستخدام في العصر الهلنستي، فلا يوجد مواطن يعرف أسماء الآلهة والعذارى والحوريات وربات الفنون كما كان اليوناني القديم يعرفها. صحيح إن إله الحب بالدرجة الأولى وربة الجمال بالدرجة الثانية ظلا مستخدمين بمحدودية، لكن ديمتر ذهبت وكذلك بلوتو وديونسيوس وهلفستيوس وغيرهم. صاروا كلمات مهجورة. وعندما تطير الكلمات تأخذ معها وظيفتها، فحذف الناقة من لغتنا أخذ معه بالتالي الرحلة ومشاقها والطريق وأهواله. . . عندما ذهبت ديمتر ذهبت معها أحاسيس وخيالات تتعلق بالإنبات، وعندما ذهب ديونسيوس قل استخدام الخمرة والاهتمام بالكروم والحدائق وغير ذلك.‏

مثل هذا الإهمال للغة الفخمة القديمة فتح الطريق لدخول النثر الواقعي فاقترب الأسلوب من العامية اقترابا كبيرا، ودخلت فيه اللغة اليومية العادية، التي انحطت فيما بعد إلى اللغة المبتذلة. وشبيه بذلك ما حدث لألف ليلة وليلة، بعد أن تكاثرت الشعوب واختلطت واتسعت رقعة الجغرافيا. ففي هذا الأثر نجد المكان ينتقل من الهند وفارس حتى بغداد وسورية ومصر كما نجد اللغة التي يمكن أن نقول إنها شعبية منحطة في الأقسام التي كتبت مؤخرا في الكتاب. إن اللغة الفخمة التي اعتدنا عليها في الأدب الإغريقي القديم، أي لغة المسرح وقد انتهت إلى الأبد على ما يبدو حتى في الرواية الحديثة مع بعض الاستـثناءات. ويبدو أيضا أنه لا عودة للغة الفخمة القديمة إلى الأسلوب الحديث.‏

المغامرات: الرواية القديمة تقوم على المغامرات، وهي مغامرات عنيفة جدا. كان الكاتب القديم يعتقد أن استخدام العنف في المغامرات هو مادة تستدر عاطفة القارئ أو المستمع. لكن الواضح أن هذا العنف في المغامرات كان من صلب التقليد الأدبي القديم. فجاسون يصارع التنين ويقبع يونان في جوف الحوت أياما ويرمي الأعداء دانيال في جبّ الأسود، ويتحارب المهلهل مع السبع حتى ينهكه فيحمل عليه قُرَب الماء ويعود إلى ديرته مظفرا. وما مغامرات السندباد البحري سوى لون من هذه الألوان التي كانت في صميم التقليد الأدبي القديم. وما أكثر الابتكار في هذه المغامرات كابتكار تسلق سور أو الخروج من نفق أو عبور حاجز مائي يعج بالتماسيح وغير ذلك من الإبداعات التي تظهر في كل مغامرة جديدة. فالمغامرة تبقى ولكن أسلوبها يتغير.‏

الحب: ولكن من أجل أي شيء يقوم البطل بهذه المغامرات؟ من أجل الحب في الرواية الإغريقية القديمة، من أجل الحبيبة الجميلة والمخلصة رغم المحن التي تتعرض لها ورغم المغريات الكثيرة. طبعا المغامرات التوراتية ذات هدف ديني ولكن بقية المغامرات تقع عادة من أجل الحب. وما الافتراق والتعرض لعذاب مرير، وما الوحوش وغيرها من المخلوقات المريعة سوى ابتكارات المراد بها تعظيم مكانة الحب بوضع العراقيل أمامه. وقد حل الحب محل المقدس، أو بالأحرى كان هو وحده المقدس الذي بقي من الآداب القديمة التي سبقت الرواية الإغريقية. لم نعد نعثر على كائنات مقدسة بعد أن تلاشى الدين القديم من النفوس. لم نعد نعثر على الثور المقدس الذي يقتله بحارة أوليس فتعاقبهم الأرباب.‏

كل هذه المغامرات من أجل امرأة؟ وهل تستحق – مهما كانت جميلة – كل هذا العذاب الأليم؟ إن هيلين تتكرر بنسخات جديدة. ربما لا تستحق ولكنه الأدب. فمنذ قديم الزمان كان الذكر يتوجه عاشقا إلى المرأة التي مرت عصور تسنمت فيها سدة الألوهية. فالموت في سبيل المرأة يرجع إلى عصور سحيقة بالغة القدم. ولا نجد في الآداب القديمة نتاجا أنثويا تتوجه فيه الأنثى إلى الذكر. الأدب من اختصاص الذكر. ولكن هل يعكس هذا واقعا فعليا؟ . . من يدري؟ ربما كان واقعا حقيقيا في عصر كانت فيه المرأة الربة تتقبل الأضاحي البشرية ثم انقضى العصر وبقيت المهابة والتضحية بالذات. . .‏

هنا نتذكر كلام ماركس. فعلى الرغم من زوال عصر سيادة الأنثى، ظلت المرأة في مكانتها المقدسة المرموقة في الأدب وما تزال حتى الآن، يبدو أن هذا النمط الأولي عنيد جدا استمر على الرغم من غياب شروط إنتاجه. ومع ذلك يبقى كلام ماركس صحيحا لأن الشكل الجديد يختلف أو ينزاح قليلا أو كثيرا عن النمط الأولي السابق لأن شروط إنتاجه زالت زوالا شبه تام. لقد ساد الذكر في كل شيء على أرض الواقع، إلا في الأدب فقد ظل المعذب المستعد أن يقدم حياته من أجل امرأة. قد نجد شيئا من هذا في المجال الواقعي ولكنه استثناء نادر في هذه الظروف كما تدل على ذلك الرواية الحديثة. إن الذكر الذي يبسط سلطته على الواقع ظل في الأدب منصاعا لسلطة المرأة. هل هذا تناقض؟ ربما. ولكن لو سميناه التقليد الأدبي لكان أفضل وإلا لما استطعنا أن نفسر كيف تعامل المرأة في الأدب غير ما تعامل في الواقع.‏

القصة الإغريقية واحدة أو تكاد تكون واحدة. قد تختلف الرواية عن الأخرى في اللعبة والمكان والزمان والأحداث ولكن الأسلوب الروائي واحد لا يتغير. يجب أن يهيم الذكر بأنثى جميلة (في نظره) بعدها يحول القدر أو الأحداث الطارئة بينه وبينها، فيطوف مكرها أو تطوف مكرهة في مغامرات غريبة بلدانا عجيبة. ويتعرض – تتعرض – لأحداث وعذاب أليم، قبل أن يلتقي الذكر بالأنثى. فقد يخطفه القراصنة أو قد يستحوذ عليها عاشق آخر، ثم تدور الأحداث متنقلة من مكان إلى آخر، إلى أن تأتي النهاية السعيدة. ففي الرواية الإغريقية لا توجد تراجيديا كما في المسرحية الإغريقية. كما لا توجد كوميديا مثل المسرحية الإغريقية، وإنما يوجد نص درامي أو ميلودرامي ينحدر أحيانا إلى اللغة المبتذلة. لم نعد نعثر على أنتيغوني، ولا على فصاحة تسيوس ولا على ذكاء أوليس ولا على مناعة أخيل ولا على شجاعة هكتور ولا على مراهقة الأمير الطروادي ونبوءات كاسندرا بريام. . . إن الجو الملحمي قد انتهى كما أن اللغة الملحمية الفخمة والبسيطة معا قد انتهت.‏

الساتيرة: انتهت المواقف التراجيدية والكوميدية من الرواية الإغريقية. ولكن إذا جردنا الرواية من المواقف التراجيدية والكوميدية والجو الملحمي أو الجو الكوميدي فماذا يبقى أمامنا؟ . . يبقى أمامنا ما بقي عن الملحمة. إن الملحمة هي التي أنتجت التراجيديا والكوميديا والساتيرة أيضا. وللأسف ليس لدينا اليوم سوى ساتيرة واحدة هي "السيكلوب" ليوربيدس. أما ساتيرة سوفوكليس "متتبعو الأثر" فلا أثر لها.‏

تحدرت هذه الأنواع الثلاثة من الملحمة. ولكن في الإلياذة لا وجدود إلا للتراجيدي. أما الكوميدي والساتيري فموجودان في الأوديسة ولكن ما المقصود بالموقف الساتيري؟‏

الموقف التراجيدي هو موقف الصدام للصعود إلى الأعلى وهذا ما يؤدي إلى الانهيار أو الموت. والموقف الكوميدي هو موقف الصدام نحو الأدنى الذي يؤدي إلى نقد لاذع كبديل عن التطهير في التراجيديا. أما الساتيرة فتجمع بين الموقفين، فتبدأ بالمشقات وتنتهي نهاية سعيدة، تبدأ كالتراجيديا وتنتهي كالكوميديا. ويمكن تلخيصها بمثل شعبي معروف وهو "الفرج بعد الشدة" وهذا ما نجده في "الأوديسة" فكلها فرح بعد شدة، سواء في جزيرة الثور المقدس أو في جزيرة السيرينات أو في جزيرة السيكلوب. . . كما أن النهاية العامة هي نهاية سعيدة إذ يعود الزوج إلى زوجته المخلصة.‏

من هنا خرجت المسرحية الساتيرية التي كان يمارسها كتاب المسرح. ولكن التسمية لا تنطبق عليها تماما. فقد سميت ساتيرة لأن الجوقة ظلت محافظة على ثياب الساتير (جلد الماعز وحوافره). أما الخط البياني للساتيرة فلا علاقة له بالتسمية. الساتيرة حادثة مكفهرة يظنها المرء بادئ الأمر مفضية إلى الكارثة فالموت. لكنها تأتي بالفرج بعد أن يتلاعب الكاتب بأعصاب المتفرج. إن الخط التراجيدي لا يكمل مسيرته بل ينقطع ليتحول إلى حظ سعيد باستخدام أحابيل كثيرة مثل التعرف والانكشاف واللقاء المفاجئ والمصادفة السعيدة. . .‏

فلسفة التراجيديا هي التطهير عن طريق الحزن. وفلسفة الكوميديا هي التطهير عن طريق التهكم والسخرية، فهل هناك فلسفة تكمن وراء الساتيرة التي تحولت إلى رواية نثرية؟ نعتقد أنها فلسفة التنفيس عن الكرب التي لجأ إليها فيما بعد علماء النفس الذين يكاشفون المريض بكل المخاوف التي يشعر بها قبل الوصول إلى معالجته.‏

خط التطور: إن الخط البياني الذي نتصوره للتطور الأدبي يسير على النحو التالي: الميثولولجيا فالملحمية فالتراجيديا فالكوميديا فالساتيرة، وبعد أن غابت الساتيرة ظهرت الرواية. الميثولوجيا هي الأدب المكرس للأبطال الحضاريين الكبار الذين وصلوا إلى مصاف الآلهة. والملحمة هي الأدب المكرس لعظماء تاريخيين. أما الساتيرة فهي أدب الناس بعد أن ذهبت الأيام المجيدة والتاريخ العظيم. قد تستنجد بالتاريخ العظيم مثل قصة الإسكندر. ولكن العمق يأتينا بشخوص عاديين. وأما الرواية الإغريقية فإنها ساتيرة النثر والقالب السردي بدلا من أن تظل أسيرة الشعر والقالب المسرحي. وقد حققت بذلك شعبية واسعة، بل إن قسما منها دخل في الفولكلور. لكن هذا الانتشار لا يعني رفعة الأسلوب وفخامة الأداء بل بالعكس إذ انتشرت بسبب أسلوبها المتداعي أو العامي الذي أحبه الناس.‏

كانت مسرحيات ميناندر الكوميدية قد احتلت الساحة المسرحية وطردت التراجيديا الفخمة والكوميديا القديمة، كوميديا أرستوفانز، وصارت أقرب إلى التهريج الذي لا معنى له. . . كان لا بد أن يظهر نوع أدبي جديد مقابل ذلك فظهرت الرواية الإغريقية في العصر الهلنستي، معتمدة على النثر ومحافظة على شيء من الخط التراجيدي المعقد الذي يقوم على التحولات الكثيرة فتنقل القارئ بسرعة من مكان إلى مكان ومن حادثة إلى حادثة، حتى إذا نضج هذا الاتجاه جاءت الخاتمة السعيدة. لقد ظهرت الرواية بعد أن غابت الساتيرة على المسرح.‏

ولكن يظل التاريخ تاريخا والأدب أدبا. ساميراميس (أو شاميرام) شخصية تاريخية مثل الإسكندر وغير الإسكندر، ولكنها عندما تدخل الأدب تصبح لها سيرورة خاصة. يرافقها التاريخ ولكنه لا يأسرها ولا يكبلها. إن الشخصية التاريخية تكون أكثر تحررا من التاريخ في الأدب، والشخصية الأدبية أكثر تقيدا عندما تدخل التاريخ. إن الأدب يهتم بالدلالات أكثر من الحقائق على النقيض من التاريخ. ثم إن الشخوص في الأدب لا تعامل كلها بسوية واحدة، ففي حين تبتعد سميراميس ابتعادا كبيرا عن التاريخ في بعض الأحيان نجد القائد الأرمني يظل قريبا من التاريخ.‏

التاريخ في الروايات الأولى متسع يشمل البحار والبلدان والموانئ. ففي رواية خاريتون الأفروديسي "خارياس وكاليرو" يتجول التاريخ بين سيراكوزا وأثينا والبحر المتوسط ومصر. والشخصيات التاريخية واضحة المعالم.‏

لكن التاريخ في الروايات اللاحقة طفق يتراجع ويتقلص مفسحا المجال أمام امتدادات عذاب العشق ومغامرات الحب والتضحية بالذات من أجل الآخر. ولكن حتى حين يتضاءل التاريخ يبقى الكتاب الأوائل ماثلين في أذهان كتاب الرواية، فقد نجد أقوالا لهوميروس وسوفوكليس أو يوربيدس أو سواهم. وهذا دأب كل أسلوب جديد. إنه يبدأ مضطربا، يحار بين ما ض معجب به وواقع يفرض نفسه عليه. إنه يكتب بأسلوب النثر العادي ولكنه في حنين دائم إلى فخامة الأسلوب القديم.‏

البقع الأرجوانية: قلنا إن الرواية الإغريقية ترجع في نشأتها إلى الساتيرة، التي تجمع بين التراجيديا والكوميديا من حيث الأساس. وكانت الساتيرة في الأصل المسرحية الرابعة التي يجب أن يتقدم بها المتسابق مع الثلاثية. ويبدو أن غرضها استبار قدرة المؤلف على التنفيس عن المتفرج، فلا يجوز أن يختص كاتب بالتراجيديا وحدها. الإغريق يكرهون الحزن ويشغفون بالسعادة، وربما كانت كل مؤلفاتهم عبارة عن بحث عن السعادة للإنسان، وليس للإغريقي وحده. وقد يكون هذا هو سبب فرضهم الساتيرة كمسرحية رابعة. من هنا نجد أن لغة الساتيرة حتى في قسمها التراجيدي أو الأصح في قسمها المغامراتي، تختلف عن لغة التراجيديا الفخمة.‏

لغة الساتيرة أسهل وأخف من لغة التراجيديا المضروبة أصلا على لغة المعابد الفخمة. ويكفي القول إنها منسوخة عن طقوس المعابد المصرية، حتى نعرف مدى فخامتها وأهميتها، ناهيك عن موسيقى المعابد الرائعة التي كانت تصاحبها. لكن الساتيرة حتى تكون نوعا مميزا، لا بد أن تتخذ لنفسها أسلوبا خاصا، لتفرد نفسها عن التراجيديا. وليس هذا اختيارا بل ضرورة نظرا للفرق القائم بين القدر الخفي والمغامرات الإنسانية، بين التراجيديا والساتيرة. في هذه الحالة لا بد من أسلوب خاص للقسم الأول المتصف بالمغامرات، ليس تراجيديا ولكنه ليس كوميديا سعيدا كالقسم الثاني من الساتيرة.‏

إذا كان الأسلوب هنا يختلف عن الأسلوب التراجيدي، فإنه يأخذ منه شيئا ما بحيث يوفر الرهبة لدى السامعين. فنلاحظ كيف يتوهج الأسلوب هنا وهناك في القسم الأول، بينما يصبح عذبا سهلا منطلقا في القسم الثاني. وهذا ما نلاحظه في ساتيرة يوربيدس "السيكلوب" حيث نرى الأسلوب في القسم الأول الذي يحبس فيه أوليس ورفاقه (يجعلهم يوربيدس هنا من أنصار سيلينوس معلم ديونسيوس، مع ثلة من رفاقه الساتير) مرتفعا عن المستوى العادي. فيه بقع من الجمل البلاغية الفخمة، وهي التي سماها الإغريق "البقع الأرجوانية". إنه ليس أسلوبا تراجيديا فخما في كل أرجائه، بل هناك تلك البقع الباقية من الأسلوب التراجيدي. فإذا حل القسم الثاني شاهدنا سيلينوس ورفاقه يتعاطون الكلام بأسلوب سوقي إلى حد ما يتقرب من الكوميديا.‏

الرواية الإغريقية عبارة عن ساتيرة نثرية ولكنها مقتصرة على القسم الأول. ونلاحظ أنها استخدمت هي الأخرى البقع الأرجوانية، وعلى الأخص في قسمها الأول الذي يتحدث عن المغامرات التي تقع أثناء انفصال العاشقين، من أمثال وصف الطبيعة أو الحزن أو الفرح الغامر. مثال ذلك ما نجده في رواية تاتيوس "ليوكيبي وكليتوفون" في المناجاة التي تناجي بها ليوكيبي حبيبها كليتوفون ووصف الخريف والصيف والربيع وشروق الشمس في رواية لونجوس اللسبوسي، وكما في كثير من أسلوب زينوفون الأفسسي في روايته "السيرة الأفسسية" كوصف الصيد ومناجاة الحبيب ووصف أعراض الحب. بينما تقل البقع الأرجوانية في "السيرة الإثيوبية" لهليودوروس الحمصي، لأن أحداثها كثيرة ومعقدة, وفيها تداخلات غريبة، فهو لا يكاد يخرجنا من حدث حتى يرمينا في حدث آخر. شخصياتها كثيرة متنوعة، من الملوك والقادة وحتى المنحطين والسفلة. يبقى لونجوس الأكثر استخداما للبقع الأرجوانية من رفاقه.‏

لا نعتقد أن الانتقال من الأمكنة اليونانية إلى الأمكنة الشرقية هو الذي يكمن وراء هذه البقع. إن هذا الانتقال لا يفعل شيئا سوى إدخال نوع من الغرائبية كما سبق وأشرنا. إن وصف شروق الشمس – مثلا – أو وصف العاصفة أو وصف الربيع لا يحتاج إلى تغيير أمكنة، وإنما يرجع إلى أن الرواية انحدرت من الساتيرة وسلكت سلوكها واتخذت أسلوبها، ولكن بطريقتها الخاصة، إذ على الرغم من كثرة البقع الأرجوانية (وعلى الأخص عند لونجوس) يظل الأسلوب النثري العادي هو الأغلب والأكثر سيطرة. أما اللغة فقد تدنت كثيرا كما سبق وأشرنا.‏

البقع الأرجوانية في الرواية من النوافل التي يمكن أن نستغني عنها، فالمناجاة أو شروق الشمس أو أوراق الخريف الصفراء، أو الأرض التي ترتدي حلة خضراء أو ما شابه ذلك من البقع – وما أكثرها – لا يؤثر في الأحداث على الإطلاق. كما أنها لا علاقة لها بالسرد ولا بالشخصيات. إنها تختلف عما هي في التراجيديا كما أنها تختلف عما هي في الساتيرة. في التراجيديا يكاد النص كله يكون بقعا أرجوانية. إن التراجيديا أشبه بقصيدة. في الساتيرة يختلف الأمر، فالبقع الأرجوانية فيها عبارة عن أماكن ترتفع فيها اللغة لتجاري الحادث الفاجع. أما في الرواية القديمة فإن الكاتب يستخدم وسائل أخرى كمظاهر الطبيعة ووصف العواطف والمبالغة في سرد حادثة من الحادثات. فالبقع الأرجوانية هنا تتوسل أدوات أخرى كوصف الخريف مثلا، فتوفر لـه شيئا من فخامة اللغة فقط. إنها لا تستخدم اللغة الفخمة إلا في هذه الوسائل، بينما الساتيرة تستخدمها من دون هذه الوسائل. التراجيديا لا تحتاج لشيء فهي بحد ذاتها كتلة من البقع الأرجوانية أحداثا ولغة وأسلوبا.‏

تريثنا بعض الوقت في مسألة البقع الأرجوانية ولنا غرض من ذلك وهو أن هذه البقع صارت تقليدا أدبيا شبه صارم منذ الرواية القديمة وحتى اليوم. ففي كل رواية نجد بقعا أرجوانية. وكثيرا ما نسمع قراء الروايات يرددون هذا المقطع أو ذاك من البقع الأرجوانية. بل أحيانا قد تطغى هذه البقع عندهم على غيرها، وربما يعجب بعضهم بالرواية لبقعها الأرجوانية. ولا يخفى أن الرومانتيكيين عموما انجرفوا وراء البقع الأرجوانية وعلى الأخص في وصفهم للمقابر والكهوف والأنهار والغابات والأبنية الخربة وبقايا الأطلال ولواعج النفس الحزينة وغير ذلك مما هو معروف عنهم.‏

ولو انتبه المحللون النفسانيون لهذه الناحية لاستخدموا البقع الأرجوانية في استبار الأعماق النفسية. فلو طالبنا خمسة أشخاص أن يختاروا أجمل مقطع من الرواية ذاتها، للاحظنا أن كل واحد يختار بقعة أرجوانية تتناسب مع تكوينه الشخصي أو حالته النفسية الراهنة. ويعترينا العجب كيف يختار كل واحد بقعة مختلفة كل الاختلاف عن الآخرين، فصاحب الشخصية الانبساطية يختار المبهج والمفرح وصاحب الشخصية الانطوائية يختار ما هو كئيب يلامس العمق الحزين للوجود البشري. ومرة اختار أحد الرسامين مقطعا أقرب إلى الشعر، فيه إيقاعات أخاذة فعلا، ولكن من ناحية أخرى لا علاقة له بالصورة الفنية والرسم والزخرفة. ودهشنا لذلك. ولكن تبين لنا أن هذا الرسام من أشد هواة الموسيقى ولعا بالإيقاعات والأنغام المتسربة الداخلية حتى أنه يلتقط هذه الإيقاعات من بين ضجيج القطعة الموسيقية الصاخبة. لكن لم يجر اختيار المقاطع التي تهبط من الحب إلى الجنس أبدا. المقاطع التي تتحدث عن الحب حديثا هفهافا هي التي اختيرت أكثر من غيرها.‏

وبما أن وظيفة البقع الأرجوانية في فن الأساليب محدود جدا، كالتمهيد للمواقف: من حزن وفرح وفجيعة وما شابه ذلك، فإن التعامل معها يكون حذرا جدا، لأنها إن طالت أفسدت وإن أسيء استخدامها كبحت السياق الأسلوبي، وإن اقتصرت على بضع جمل لم تعط التأثير المطلوب. . . إن استخدام البقع الأرجوانية يشكل معضلة قائمة بذاتها. ألان روب غرييه وناتالي ساروت وفرجينيا وولف وميشيل بوتور وبقية كتاب "الرواية الجديدة" ظنوا الظنون في البقع الأرجوانية، وزعموا أنها نوع من التغطية للسرد الروائي. ولهذا قل أن نجد في رواياتهم مثل هذا الإقبال المتهافت على البقع الأرجوانية كما عند الرومانتيكيين. هذا إن كان في الرواية بقع أرجوانية على الإطلاق. وقد عدوا اللجوء إلى الأرجوان دليل ضعف، مع أن النقاد حتى اليوم لم يتفقوا على شيء فيما يخص الأرجوان، لا من حيث تفسير ظهوره في الآثار النثرية ولا من حيث وظيفته وهل هي لإبراز الجو النفسي للشخوص أم لاسترواح الكاتب، ولا من حيث المدة الزمنية التي يجب أن يستغرقها الأرجوان، ولا من حيث الكمية التي يجب أن تنثر في ثنايا الرواية. . . إنهم في خلاف يصل إلى حد التناقض أحيانا. ولكن الشيء الوحيد الذي اتفقوا عليه أن الكاتب المخضرم وحده يعرف كيف يحسن استخدام الأرجوان، وعندئذ يكون مستحبا وجميلا حقا.‏

خــطوط عامة‏

أطلنا في الأرجوان لأنه أوضح الظواهر في الرواية على مسار تاريخها منذ الرواية القديمة وحتى الرواية الحديثة. ولكن من باب آخر سوف نرى أن بقية العناصر ظلت مستمرة إلى هذه الدرجة أو تلك. يبدو أن الكمية لها تأثير بعيد في الكيفية. وكأن المسألة في نهاية الأمر هي مسألة موازين تتغير بتغير الأزمان أما الهيكلية فتبقى واحدة من حيث الفن السردي العام، مثل البيوت السكنية التي تقوم على أساسات وجدران وسقوف، سوى أن التنوعات – كالسقف المسطح أو المقبب أو المائل – لا تؤثر في الهيكلية الأساسية. فالطراز مثل قبة جمالية على عناصر أساسية.‏

في هذه الناحية لا تعود قاعدة ماركس في غياب شروط إنتاج الملحمة قادرة على تفسير استمرارية الفن السردي منذ الملحمة حتى الرواية الجديدة. إن المتغيرات ستظل في تغير أبدي بيد أن المرتكزات الأساسية تظل ثابتة. وسوف نثبت فيما يلي الخطوط العامة للرواية القديمة حتى نرى المؤتلف والمختلف بينها وبين الرواية الحديثة، وما اعتراها من تطور في العصور الوسطى:‏

1. الموازاة مع الساتيرة: فهي تتألف من قسمين، الأول طويل جدا ومتنوع أيضا يقوم على المغامرات، والثاني موجز، وأحيانا يكون شديد الإيجاز متوجا بالفرج بعد الكروب والمحن خضناها مع البطل أو البطلة، أو مع الاثنين معا – وهو الأرجح – في القسم الأول.‏

2. تقع الأحداث خارج الساحة النفسية. إنها أحداث خارجية تقريبا، تفرضها المصادفات أكثر مما تفرضها الظروف الاجتماعية الثابتة.‏

3. الآلهة محدودة التدخل. ويحتل إله الحب المرتبة الأولى في التدخل. والعادة أن يتدخل منذ بداية الرواية. وبعد تدخله لا يعود له أثر يذكر إلا في حالات استثنائية. إنه يطلق سهمين على المحبين ويمضي بعيدا. وبذلك يعرف القارئ مسبقا أن الحبيبين سيظلان مخلصين حتى نهاية الرواية وهذا الإخلاص هو الذي يدفع إلى النهاية السعيدة.‏

4. الأمكنة كثيرة متنوعة: مصر وإثيوبيا وما بين النهرين واليونان وإيطاليا وقبرص وبلاد الشام. ويختلف وصف المكان من كاتب إلى كاتب ولكن القاعدة العامة أن يكثر الكاتب من وصف الأمكنة الجديدة.‏

5. العذاب المادي أو الجسدي كثير ولكن النفس تظل ثابتة لا تتأثر بهذه الأحداث، فالعاشق يظل مخلصا لعشيقته رغم تقلب المحن، ويبقى الصديق صديقا والعدو عدوا، إلى حد ما.‏

6. وجود الأرجوان مؤكد في جميع الروايات، لكن طريقة الاستخدام مختلفة، فبعض الكتاب يكثر منه في الأحداث وبعضهم في وصف الطبيعة أو الأمكنة الجديدة. الأرجوان النفسي يكون عادة في مناجاة البطل أو البطلة.‏

7. تستخدم العجائبية في بداية الرواية، فيفعل إله الحب فعلته في البطلين ثم ينسحب. أما الغرائبية فكثيرة، وعلى الأخص عندما يصف الكاتب الأمكنة الجديدة.‏

8. عنصر التشويق يتخلق من الأحداث الصارخة القاسية، وليس من الحبكة السردية. فالأوراق مكشوفة منذ البداية.‏

9. الأسلوب اللغوي غير رفيع المستوى باستثناء الأرجوان. أحيانا تصل بعض الأجزاء إلى مستوى الساتيرة ولكنها أدنى مستوى.‏

10. يقوم الكاتب في الرواية مقام أعضاء فرقة الساتير، فيمهد للأحداث أو يعلق عليها. وكما كانت فرقة الساتير تعرّف عن نفسها وعن دورها في الساتيرة، كان الكاتب يعرف عن نفسه أحيانا في بداية الرواية، ويعلن أنه بصدد تقديم رواية مؤثرة عن كذا وكذا، كما فعل هليودوروس الحمصي وغيره.‏

11. ظل الملوك والملكات والأمراء وكبار القوم يحتلون مكانة لا بأس بها في الرواية وإن كثرت الشخصيات العادية.‏

12. لم يكن للمسيحية تأثير في الرواية القديمة. بل استمرت الآلهة القديمة في العمل.‏

13. الروائيون إغريق من العصر الهلنستي إلا إذا اعتبرنا أوفيد كاتبا روائيا في كتابه "مسخ الكائنات" مع أنه صياغة جديدة للقصص الميثولوجية التي كانت شائعة، سوى أن أسماء الآلهة هي أسماء رومانية.‏

هذه هي أبرز الخطوط العامة للرواية القديمة. ومما لا شك فيه أن دراسة الساتيرة المتبقية وهي "السيكلوب" ليوربيدس يكشف كيف انبثقت الرواية منها،وكيف أنها أخذت تتلاشى بعد أن اتسعت رقعة الرواية القديمة حتى حلت محلها. والأصح أن موت الساتيرة هو الذي أتاح ظهور الرواية القديمة.‏

هذا هو الإرث الذي استلمته العصور الوسطى وحولته إلى الرومانسة بعد أن مرت بفترة المسيحية الأولى حيث سادت الليجندة سيادة لا مثيل لها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244