من تاريخ الرواية - حنا عبود

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 02:53 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

تمهيد وتحديد

كانت الرواية القديمة، أي الرواية الإغريقية التي ظهرت في العصر الهلنستي، تشمل كثيرا من العناصر. هذه العناصر توزعت فيما بعد على عدة أنواع أدبية. ويهمنا في هذا الصدد نوع ظهر في بدايات العصر المسيحي وتداوله الناس شفهيا قبل أن يسجل ويكتب. هذا النوع هو الليجندة legend .‏

لم تكن كلمة ليجندة تعني ما تعنيه اليوم. اليوم نقول ليجندة عن الأشياء الخرافية والميثولوجية، حتى لو كان في هذه الأشياء بعض الواقعية، أو حقائق تاريخية. لو قرأنا اليوم قصص هرون الرشيد في ألف ليلة وليلة لقلنا على الفور إن هذه القصص عبارة عن ليجندات لا يمكنها أن تقدم لنا الملامح الحقيقية لهرون الرشيد مع أنه شخصية تاريخية. وعندما يحضر العفريت ويمثل بين يدي البطل، من دون أن نعرف من أين أتى ولا كيف أتى نقول عن القصة إنها ليجندة، أي أسطورة أو خرافة.‏

الأرجح أن تكون الليجندة من اختراع المسيحية، فهي التي أعطتها معناها في العصور الوسطى. ترجع الكلمة إلى كلمة ليجن اليونانية وتعني المعلومات التي تجمع من شتى المصادر. مثلا عندما يمثل الشهود أمام القاضي كان الكاتب يسجل منهم شهاداتهم. وهذا السجل يسمى ليجن أي المعلومات المجموعة.‏

تغيرت الكلمة عندما أخذها الرومان عن اليونان فتغيرت من ليـــجن legein إلى ليـــجندوم legendumالتي تعني كتاب القراءة أو جمع ما يجب أن يقرأ. فإذا اخترت نصوصا حتى تضعها بين يدي الطلاب لقراءتها سمي الكتاب الليجندوم. أما المسيحية فجعلت الكلمة تعني مجموعة الأعمال التي يقوم بها شخص وتسجل في كتاب، فهي في اعتـقادهم سيرة حقيقـية، حتى لو لم تحرق النار جسدا آدميا، بعد أن يلقى فيها.‏

عندما انتقل الناس من الأديان القديمة إلى المسيحية كانوا يحملون بين ضلوعهم قصص الحب المشوقة، أي الرواية اليونانية التي ليست في نهاية التحليل سوى ساتيرة نثرية satyr .‏

ولـيد جـديـد‏

انتشرت الروايات القديمة انتشارا واسعا في العالم المسيحي. وأقبل عليها الناس إقبالا شديدا، وكانت تسرد في الأماسي والأسمار على أيام متوالية. ويمكن من ناحية أخرى أن يطلق على هذه الروايات اسم ليجندوم لأنها معلومات جمعت عن أشخاص. لكن الفكر المسيحي الغربي الذي حارب الفن والشعر والأدب، كان مضطرا إلى ملء الفراغ الذي يحدثه منع هذه القصص التي اتهم بعضها بأنه من القصص الماجن. وبما أن القسم الثاني هو النهاية السعيدة التي بها تزاح الكروب عن قلوب العاشقين، فإنه قسم لا يمكن أن تستفيد منه الكنيسة، خاصة وأن التربية المسيحية مغرمة بالحزن منجرفة إليه، حتى قيل فيها إنها تعليم النواح المقدس، فاكتفوا من الرواية اليونانية بالقسم الأول الذي يتحدث عن المتاعب والمشقات، بعد تحويله دعائيا لصالح الدين الجديد.‏

ومثل أي شيء شعبي، طفق المسيحيون يروون قصص أبطالهم من القديسين. وكانوا يتلون هذه السيرة شفهيا لتكون عبرة لمن يعتبر وتقوّي الإيمان في نفوس الأتباع. وإذا كان الراوي من هواة الحزن فإن سرده للسيرة يترافق بإيقاعات صوتية تبعث الشجن في النفوس، وتعدها لممارسة النواح المقدس. وفي جنوب لبنان ممارسة متقنة للنواح المقدس. وكان الرواة يستفيدون من المغامرات التي كانت تملأ القسم الأول من الرواية، أو الساتيرة النثرية، فيختلقون المغامرات مقابل مغامرات الأبطال القدامى، تصل إلى حد التضحية بالروح من أجل الدين الجديد. . . ومع تعاظم هذه الروايات صارت كلمة ليجندة تعني بالضبط سيرة القديس.‏

الليجندة المسيحية الأولى‏

أول ليجندة مسيحية كانت ليجـندة المسيح نفسه. وقد ظهرت قبل ظـهور أول إنجيل، أي في القرن الأول للميلاد. كانت هذه اللجيندات تسري وتنتشر بين الناس على نحو مذهل. يتداولها الناس شفهيا. ولكن أبرز هذه الليجندات كانت ليجندة المسيح، مع أنها لا تنفصل عن ليجندات الرسل الذين اعتمد عليهم في الكرازة. وكانت سيرة المسيح هي الأقوى والأغرب، بل كانت ثورة في حد ذاتها، فكم يدهش الناس ويعجبون عندما يسمعون أن الميت ينهض من القبر وأن الكسيح يمشي وأن الأبرص يشفى وأن الأعمى يبصر وأن المرأة المصابة بنزيف تعود كما كانت بمجرد ملامسة ثوب هذا الرجل. . . الخ‏

أول معجزة حققها كانت تحويل الماء إلى خمر، أمام حشد من الناس المحتفلين في باحة دار العريس. قال لهم املؤوا الخوابي ماء، وحولها إلى خمر وطالبهم أن يوزعوها على أهل المتكأ. ولاقت هذه المعجزة رواجا لكونها خرقا للمألوف اليهودي. كانت العادة أن يعين صاحب المتكأ ساقيا يشرف على توزيع الخمر حتى يتم الاحتفال بسلام. والخمرة غير مستحبة في الديانة اليهودية، فلا يسمح بها إلا للكهان أثناء إقامة الصلاة. ويبدو أن هذه العادة من بقايا الديانة الديونيسية التي كانت تقدس الخمرة. لكن من المستهجن أن يتعاطاها الناس. كان يسمح بها في الأفراح شريطة أن يشرف عليها الساقي الذي يقدر الكمية لكل شخص. وهذه عادة رومانية كانت شائعة في كل العالم الروماني. فالمعجزة تعني خرقا لقانون الكمية المعمول به. وشاعت هذه المعجزة بين الناس غير اليهود الذين كانوا يحتفظون بأديانهم القديمة، وهي أديان تقوم على تقديس الخمرة، وعلى الأخص في أعياد الإله دموزي أو تموز. وقد رأوا في هذه المعجزة عودة لمجد أديانهم السابق.‏

وفي قانا ذاتها شفى ابن خادم ملك قانا. وفي كفرناحوم شفى رجلا من روح نجسة داخلة فيه. كما شفى حماة بطرس ذاته، والكثير في هذه المدينة. ثم توالت المعجزات كشفاء الأبرص والمفلوج ومريض بيت حسدا وصاحب اليد المتيبسة وعبد قائد المئة، ثم أقام ابن أرملة نايين وشفى مجنونين معا، والمرأة نازفة الدم وأقام ابنة بايروس وشفى أعميين، كما شفى الأخرس والمجنون وأطعم خمسة آلاف نسمة بقليل من الخبز والسمك ومشى على الماء. وشفى امرأة فينيقية وأصم وأخرس، كما عاد وأطعم أربعة آلاف نسمة وشفى الأعمى وأقام أليعازر من القبر بعد دفنه. . . لكن المعجزة الكبرى كانت موته على الصليب وقيامته وصعوده إلى السماء. وهي المعجزة التي أعادت إلى الأذهان التقليد التموزي الذي كان سائدا في فلسطين بل في كل بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين. فتموز يموت ويروي الأرض بدمه ليهب الخير للأرض فتخرج نبتها وعندها، وبعد أن يطمئن أن الأرض قد أخرجت نبتها ينهض من بين الأموات ويعود إلى مجده في السماء.‏

تعتبر هذه الليجندة عالمية، فقد ابتكرتها معظم الشعوب. إنها تدل على دورة الحياة أو دورة الطبيعة. بعض الشعوب لا تؤمن بذلك – وهي قلة – وبعضها ممن لا يأخذ بهذه الليجندة يرى أن دورة الحياة تتم عن طريق التقمص، وهي من أقدم عقائد الأرض كما نظن، ولا تقف عند فيثاغوراس، كما يذهب بعضهم. إنها ترجع إلى البدايات البشرية والتجمعات الأولى.‏

جاءت ليجندة المسيح تتويجا لليجندات سابقة. وهي ليجندة غير متصالحة مع الموت، سواء أكان موت الجسد أم موت النفس بالخطايا. فهي تتابع سيرورة العقائد السابقة في الانتصار على الموت، بالقيامة أو بالتقمص. والانتصار على الموت يجد هوى بعيدا جدا في النفس البشرية. وكان اليهود فريقين، كل فريق في واد. وربما كان للعصر الهلنستي تأثيره الكبير في هذا الانقسام. كان الصدوقيون من جهة متأثرين بالفلسفة الأبيقورية التي ترى موت النفس بموت الجسد، وأنه لا شيء يعقب الموت، لا قيامة بالجسد ولا قيامة بالروح. كان الصدوقيون متصالحين – إذن – مع الموت فوقفوا ضد الليجندة الأولى للمسيحية، ووجدوا فيها استخفافا بالعقل البشري. لكنهم كانوا قلة. أما الأكثرية فكانوا من جهة ثانية من الفريسيين، أي النساك أو المنعزلين الذين يؤمنون بالقيامة، بل بالقيامة عن طريق الجسد نفسه، وبخلود الروح، كما في تعاليم أفلاطون. ويرون أن القضاء والقدر إنما يتجمدان أو يفصحان عن نفسهما في الإرادة الإنسانية.‏

وهذا يعني أن هناك خلافا كبيرا بين الفريقين حول المسيح نفسه، فالصدوقيون يتصورونه قائدا زمنيا خاصا باليهود، يأتي لإنقاذهم وتخليصهم من المعاناة، وتحريرهم من الرومان، أو من الأمم. أما الفريسيون فعلى نقيضهم تماما، إذ يتصورون المسيح مخلصا سماويا، يقودهم إلى الخلاص الأرضي والخلاص السماوي.‏

حارب الصدوقيون ليجندة المسيح بكل ما لديهم من وسائل. وقد نجحوا في التخلص من المسيح لأنهم كانوا من الكهنة والأغنياء، ومن ذوي النفوذ الكبير عند الرومان. وكان قيافا من أشد المتحمسين ضد المسيح يسخر من ليجندته ويكرز بين اليهود بأن هذا القادم لا علاقة له بالمسيح الذي تحدثت عنه كتبهم وأسفارهم.‏

ليجندة الانتصار على الموت‏

ليجندة المسيح استمرار لليجندات السابقة. والليجندات السابقة عبارة عن رواية مقدسة فيها قليل من البشر، مثل ليجندة تموز، بينما كانت الرواية القديمة دنيوية فيها القليل من القداسة.‏

لم تكن ليجندة المسيح غريبة عن الأجواء الثقافية في العصر الهلنستي، من إغريقية ومصرية ورومانية وهندية وفارسية، ونجد كل ذلك، إلى هذه الدرجة أو تلك في ليجندة المسيح كما سجلتها الأناجيل فيما بعد.‏

إذا أردنا تصنيف هذه الليجندة لقلنا إنها ليجندة الانتصار على الموت المعروفة من قبل سكان المنطقة. لكن هذه الليجندة تظهر الانتصار على الموت في مواضع تكسبها شيئا من الجدة، أبرزها ثلاثة: المعمودية والتجربة والقيامة. فالمعمودية ولادة ثانية، فالماء ينظف الجسد ويجدده. وإذا كان مقدسا (بالصلاة عليه) جدد الروح، وجعلها تولد ولادة ثانية. والمعمودية أشبه بعقيدة التنسيب عند الشعوب القديمة، حيث يدخل العضو مرحلة جديدة. وفي الهند يقوم الغانج بهذه المهمة، كما تقوم بحيرات التطهير الخيالية في الفكر اليوناني (وتكون هنا من النار وليس من الماء) بعملية التطهير لتعود النفس إلى سيرورة جديدة، كما يخبرنا أفلاطون.‏

أما تجربة المسيح مع إبليس فهي انتصار على الموت في الحياة. حرض إبليس المسيح على شيئين مغريين هما السلطة والثروة، فترفع المسيح عنهما. ولو تصفحنا تاريخ الأفكار البشرية، منذ العهود السحيقة وحتى نمط الحياة الأمريكية، للاحظنا أن المفكرين في كل مكان يحذرون الناس من مفسدة هذين الشيئين: الثروة والسلطة. وهما في حقيقتهما حلقة متكاملة، لأن السلطة مدخل إلى الثروة والعكس صحيح. ولم يعرف التاريخ شيئا أشد إماتة للنفس منهما، ولهذا السبب يستحيل منذ القديم وحتى اليوم أن نعثر على رواية لا تدور حول السلطة والثروة.‏

أما القيامة فإنها الانتصار الأكبر على الموت. وهي عقيدة الديانة الروحانية، سوى أن المسيحية تابعت عقيدة الفريسيين أن القيامة تتحقق ليس بالروح وحدها بل بالجسد أيضا.‏

في العالم الهلنستي كانت تسود فلسفتان واسعتا الانتشار: الإبيقورية والرواقية. الأولى ملحدة لا تعترف برب ولا تؤمن بمعجزة، والثانية أقرب الفلسفات إلى المسيحية. بل يمكن القول بأنها أقرب من فلسفة أفلاطون. ولهذا حوربت الأبيقورية على يد المسيحية محاربة شديدة، بينما كان الموقف مختلفا بالنسبة إلى الرواقية والأفلاطونية. وقد كانت أقوال أفلاطون منتشرة في ذلك العهد فالتقط المسيحيون قوله في الكتاب الثاني من الجمهورية: "في مثل هذا الظرف يجلد العادل ويعذب ويوثق بالأغلال وتسمل عيناه بأسياخ النار، وبعد أن يكابد كل صنوف العذاب يصلب" وعززوا بذلك ليجندة المسيح تعزيزا قويا، كما التقطوا كلمة فرجيل في رعوياته عن الطفل الصغير الذي سيأتي ليحكم العالم بالعدل ويخلصه من الظلم، لتعزيزها. وهكذا جعلوا شهودا موثوقين يعترفون بحقيقة هذه الليجندة، وأنها لا تمت إلى الأسطورة والخرافة بصلة، بل هي واقع ملموس ومعاين، بل تنبأ به السابقون.‏

لم يقتصر التعزيز على أفلاطون وفرجيل، بل امتد إلى التراث القديم كله، كما هي العادة في كل دين جديد، حيث يفرز المفاهيم، ويستل منها أي شيء لا يروقه ولا ينسجم مع سيرورته، ليثبت رسوخه وتجذره في القديم، وكيف أنه جاء ضمن السياق الطبيعي، وقد فعل المسيحيون بالتراث القديم مثلما فعلوا في العهد اليهودي القديم، إذ راحوا يستنبطون النبوءات من سفر أشعيا وبقية الأسفار، كيف أن مجيء المسيح كان تحقيقا لهذه النبوءات، فجاء مصدقا لما نطقت به.‏

لا يمكن أن تعتمد المسيحية سوى هذا النوع من الأدب أي الليجندة، لأنه يلبي مطالبها ونزوعاتها العجائبية ويتعامل مع العالم الفوقي المقدس غير الخاضع للمعاينة والتجربة. ولو لم تعتمد المسيحية على فن الليجندة لكان لها تاريخ آخر. فقد ســرَتْ ليجندة المسيح بأسرع من إعصار المحيط، بين جماهير أميّة مهمشة. ومما ساعدها على الانتشار أن البلاط الروماني نفسه كان ينشر ليجندات مماثلة عن حلول الرب في الإمبراطور، أو بالأحرى أن الإمبراطور مرسل من قبل الرب أو هو الرب بعينه. وقد ادعى بعض الأباطرة الألوهية، فتقبلها كثير من الشعب.‏

عندما انتشرت هذه الليجندة شفهيا لم تكن الأناجيل قد ظهرت بعد لتسجلها. فظهور الشفهي سبق الظهور الكتابي بقرن من الزمان تقريبا. بل نقول إن الأناجيل ما كانت لتكتب لو لم تنتشر هذه الليجندة بين الناس انتشارا صاعقا. لقد عرف المسيحيون الأوائل بفطرتهم الفن الأدبي الذي يلائم دينهم، فكان لهم خير وسيلة حققوا بها انتصارا على أضخم جيش في العالم وأقواه. بل إن الليجندة هذه كانت أعظم أداة للاستيلاء على قلوب الناس. كانت الليجندة الوسيلة الوحيدة لتحويل الناس إلى مؤمنين بالدين الجديد.‏

ليجندة من نوع جديد‏

هذا الانتشار السريع والصاعق لليجندة المسيح استمر شفهياً طيلة قرن من الزمان وأكثر. وفي القرن الثاني، عصر السيادة التامة لهذه الليجندة على ألسنة الناس، بدأ بعضهم يكتبها ويتفنن في صياغتها. ومن الطبيعي أن تختلف الليجندة الشفهية بين الناس من مكان إلى مكان ومن مزاج إلى مزاج، فبعضهم يغالي فيها وبعضهم يبرز هذه الناحية ويهمل تلك، والآخر يسير بالعكس فيروي الجانب الآخر وهكذا. وعندما أخذ الكتاب يسجلون هذه الليجندة، كان لا بد من أن يتأثروا بالمنطقة التي تروى فيها.‏

هذه الكتابات سميت الإنجيل أو البشارة. إنها بالفعل ليجندة جديدة، وقد بلغ كتابها العشرات، إن لم نقل المئات، ولكن بعد أن توطدت الكنيسة اختارت أربعة أناجيل، كل إنجيل يسجل الليجندة على طريقته الخاصة، فمرقس رواها كأنه يريد أن يقنع بها الرومان، ومتى رواها كأنها موجهة لليهود ولوقا رواها كأنها موجهة للإغريق. أما يوحنا الذي كان في التسعينات من عمره عندما كتبها فكلها متأثرة بالأسلوب اليوناني حتى يخال المرء أنها ليجندة يونانية بأسماء فلسطينية. وبداية إنجيله كلام يوناني أسلوبا ومضمونا: في البدء كانت الكلمة. . . أي اللوغوس الذي عليه بنوا كل فلسفتهم.‏

هذه أول مرة تكتب الليجندة باتجاهات مختلفة تعد بالعشرات، مما يدل على مدى تأثــير هذا اللون الأدبي. كانت الليجندة سابقا تروى بأساليب مختلفة ولكن تكاد تكون باتجاه واحد. فليجندة عشق ربة الجمال لرب الحرب اشتملت على تفصيلات تختلف من كاتب إلى آخر، لكنها في النتيجة ذات اتجاه واحد. وربما كان أوفيد أكثر من لعب في زخرفة الليجندة إلى درجة أنه أحيانا كان يطيل إلى درجة الملل، لكنه، وهو في العصر الروماني، يعيد صياغتها في الاتجاه ذاته الذي كانت عليه قبل مئات السنين لتوحي بارتباط الجمال بالحرب أو الحب بالموت. لكن يبدو أن ليجندة المسيح ظهرت في ثقافات متعددة، مما جعلها على هذا النحو. إن ثقافات العصر تفسر سبب هذه الاختلافات وعلى الأخص في الأناجيل الأخرى التي لم توافق عليها الكنيسة كإنجيل يعقوب وإنجيل توما وسواهما من الأناجيل التي لم يطلع عليها سوى أعضاء المجمع المــسكوني على ما يبدو.‏

وهي فريدة من نوعها حتى في الشكل الذي اتخذته. إنها تخالف القسم الأول من الرواية القديمة المبنية على الساتيرة، لأنها لا تقوم على مغامرات ولا على مخاطرات، بل تقوم على ذلك الجزء الضئيل جدا الذي تشتمل عليه الرواية القديمة في قسمها الأول وهو العجائبية، حتى أنها لا تعدو أن تكون سلسلة من المعجزات. والعادة أن تكون الليجندة مشتملة على معجزة عجائبية واحدة كإشعال نار الحب بين اثنين متشامخين على الحب. أما في الليجندة المسيحية فالعجائبية تلعب الدور الأكبر، بل الدور الأول والوحيد تقريبا.‏

الشيء الآخر أنها أعادت التدخل الإلهي أكثر مما نجده في الساتيرة والرواية بكثير. ففي الرواية يكون في البداية أو عند أزمة خانقة، ولا يتكرر، بينما هنا نجد أنه هو المهيمن الوحيد، وبشهود عيان، كما يروون. فالتدخل يكون مباشرة بمعجزات ظاهرة في أمراض مع معظمها أمراض جسدية ظاهرة كالبرص والعمى وصولا إلى الموت، بينما كان التدخل في الرواية القديمة يقتصر على المعنويات غير الجسدية وغير المرئية كالحب مثلا.‏

وهناك فارق كبير بين الليجندة الجديدة والرواية القديمة، وهي أن النهاية السعيدة تكون بشرية نابعة من مجرى الأحداث نفسه ولا تكون عجائبية. في الرواية القديمة، وفي أصلها الساتيري نجد أن النهاية يصنعها البشر ويصلون إليها من خلال عمل طويل معقد. وأغلب النهايات تكاد تقتصر على الخروج من المأزق في الساتيرة ولقاء المحبين في الرواية القديمة. أما في الليجندة الجديدة فالخاتمة إلهية من جهة وغير منبثقة من الأحداث من جهة أخرى. إنها القيامة والصعود إلى السماء. مثل هذه النهاية لا سابق لها، حتى أسطورة تموز حيث تكون النهاية أرضية، إذ يعود في الربيع لتزهر الأرض من جديد. النهاية هي العودة من العالم السفلي. وقد أخذت الليجندة المسيحية شيئا من ذلك عندما جعلت المسيح يهبط إلى الجحيم قبل أن يصعد إلى السماء، ويصحب معه الأتقياء الذين سبقوا عهده.‏

في القرن الثاني كانت الليجندة المسيحية تشق طريقها بنجاح، مما جعل بقية المحاولات تتضاءل ولا يعود لها تأثير يتيح لها مجال التطور. من ذلك مثلا "الحمار الذهبي" للوكيوس أبوليوس حيث جمع بين البورلسك والسرد الشخصي وقصة الآلام passion محاولا الانتقال من السرد المجاني إلى السرد الهادف. فهو يروي قصته الشخصية. كان ينوي أن يصبح عصفورا يجوب السماء ويراقب أفعال البشر. ولكن الساحرة اضطربت على أثر مشاغبة في الشارع وأخطأت في الدرج الذي يوجد فيه مرهم التحويل، ففتحت الدرج الذي يحول الإنسان إلى حمار. وبعد أن دهنته حتى الرقبة فطنت إلى خطئها فلم تكمل. فصار الرجل حمارا ولكن بعقل إنسان. وبدلا من أن يجوب السماء صار يجوب الأرض ويتعرف على البشر من لصوص وأفاقين ومزارعين وفلاحين. . . ويكابد الآلام كما في الرواية تماما، وليس كما في قصة الآلام المسيحية، فطريق الآلام على الجلجلة لا يستغرق عنده يوما واحدا فقط، بل يستمر عدة أشهر. وبذلك تكون المكابدة مئات الأضعاف من رفس وطعن وتجويع وضرب وأحمال تنوء تحتها البغال. . . وبعد أن يطلعنا على أحوال المجتمع في تلك الظروف، يستعيد شكله البشري.‏

هذه الليجندة الساخرة – إن صح التعبير – لم يكتب لها النجاح، فتراجعت أمام الليجندة المسيحية، ونامت حتى أيقظها رابليه بفنه الكبير الذي جمع الغروتسك إلى البورلسك إلى البيكاريسك كما سوف نرى. . . وبدلا من أن يعاني ما عاناه لوكيوس أبوليوس، انطلق ساخرا منتقدا لم يترك زاوية تنجو من لسانه. لقد نام أبوليوس أكثر من أربعة عشر قرنا حتى عاد على لسان رابليه، بسبب الليجندة المسيحية.‏

ليجـندات الرسل‏

ليجندة المسيح صارت قدوة للرسل ولـتلاميذهم أيضا. ومن هنا كانت الرسامة الكهنوتية، فهم الذين يختارون الكهنة ويكلون إليهم المهمات. وفي أعمال الرسل نجد سيرورة هؤلاء مضروبة ضربا على حياة المسيح من عذاب وموت، باستثناء الولادة العجائبية والقيامة والصعود. . . لكن سفر أعمال الرسل أقرب إلى القسم الأول من الرواية القديمة، إذ تخف العجائبية كثيرا وهذا منسجم مع طبيعة الفارق بين مهمة المسيح ومهمتهم. لكن سيرة الرسل كانت عبارة عن مجموعة من المغامرات في سبيل الدين والكرازة للخلاص الجديد. إن النهاية في أعمال الرسل نهاية قاتمة، فبعضهم قتل وبعضهم صلب مثل بطرس وبولس في روما. إنه موت بلا قيامة، مغامرة بلا نهاية سعيدة. ولكن سفر أعمال الرسل لم يشبع – على ما يبدو – تطلعات الناس إلى المزيد من الليجندات، فظهرت الليجندات الشفهية التي تشرح سفر أعمال الرسل. من أمثال ذلك ما روي أن الناس في روما ألحوا على بطرس في أن يترك روما سريعا، فلم تكن الظروف مواتية، وكانوا يشعرون أنه ملاق حتفه، فكرروا ضغطهم عليه بالرحيل، لكن بطرس كان يعدهم ولا يفعل إلى أن روى لهم حلما خلاصته أن بطرس نوى مغادرة روما، وهم بالمغادرة، ولكنه عند بوابة المدينة رأى معلمه المسيح يحمل صليبه ويدخل المدينة، فسأله إلى أين يا معلم، فأجابه بأنه جاء إلى هذه المدينة حتى يصلب مرة ثانية، فخجل بطرس وعاد إلى روما. وبسبب هذا الحلم لم يغادر بطرس روما، بل مكث فيها مكرزا إلى أن صلب. وعـندئذ طلب من الجنود أن يصلبوه مقلوبا لأنه أقل مرتبة من المعلم ولا يليق أن يصلب بالطريقة التي صلب بها معلمه.‏

ليـجندات الشهداء‏

كانت ليجندات الشهداء تُتداول شفهيا وتفعل فعلها من التأثير في الناس المتلهفين لكل عجيب غريب. لكن في أواخر القرن الأول أزمع البابا كليمانس الأول أن يسجل أعمال هؤلاء الشهداء على غرار أعمال الرسل، لأن سيرتهم لا تقل روعة عن سيرة الرسل، فقسم روما إلى أربعة أحياء، وعين كاتبا لكل حي لتسجيل اسم الشهيد ونبذة عن حياته، فكان أول من اخترع علما جديدا سمي علم الشهادة martyrology.‏

ليجندات القديسين‏

الشهداء هم الذين يموتون في سبيل دينهم بطريق ما: كالصلب أو الشنق أو التقطيع أو ما شابه ذلك من ألوان الموت التي دونت في سجلات الشهداء. ولكن ماذا نقول بمن لا يحظى بهذه الميتة، مع أنه قام بأعمال مشرفة؟ إنه قديس غير شهيد. ولا بد أن تدخل ليجندته سجل الشهداء، مات ميتتهم أم لم يمت.حدث هذا في العصور الوسطى حيث كثر تطويب القديسين العاملين بالبر فظهر علم جديد هو علم القديسين halioliogy. وبما أن الشهداء قديسون أصلا، فقد صار الكتاب يجمع الفريقين اللذين تجمعهما القداسة وإن افترقا في الموت. وفي أواخر القرن الثالث عشر جمع سير القديسين يعقوب الفوراجيني وسماها "السير الذهـــبية" legenda aurea. وكان هذا الكتاب أول كتاب في العالم تخرجه المطبعة التي اخترعها يوحنا غوتنبرغ، مما يدل على الأهمية التي كان يحظى بها.‏

لكن الطوائف الشرقية- بعد أن ظهرت الطوائف – فضلت إطلاق كلمة يونانية على سير القديسين وهي السنكسار synaxary التي كانت قد شاعت في أوروبا وتفوقت على كلمة haliography أو غيرها. وهكذا صار لكل طائفة سنكسارها نظرا لاختلاف التقاويم، وبالتالي اختلاف مواعيد الأعياد. فهناك سنكسار للملكيين وضعه مكاريوس الحلبي عام 1638 وهناك السنكسار الماروني الذي وضعه بطرس مخلوف 1707 وتخضع السنكسارات باستمرار لتمحيصات وتدقيقات، كما جاء في مقدمة السنكسار الماروني للأب بولس ضاهر: "وقد بذلنا كل ما في وسعنا ليكون هذا العمل وافيا بالمراد، ممحصا من الأساطير، مقتصرا على الجوهر دون العرض في سيرة كل قديس". ويبقى السنكسار سجلا مفتوحا لكل شهيد جديد ففي السنكسار المشار إليه آنفا نجد إضافات لقديسين ظهروا في القرن التاسع عشر. وفي هذا السنكسار بالذات نقرأ الليجندة، ولكن هذه المرة على نحو مختصر. وهي تشبه أي ليجندة قديمة سوى العجائبية الجديدة والشديدة جدا. فرغم تمحيصها من الأساطير نجد سيرة القديس الشهيد جرجس على النحو التالي: قبض عليه الوثنيون فشووه أولا، ثم ألبسوه خفا من حديد مسمرا بقدميه وسحبوه وراء خيل غير مروضة، فخلصه الله من كل ذلك. ثم أخذ ديوقليانوس يلاطفه لأنه شجاع وابن صديقه، فتظاهر جرجس بالاقتناع وطلب أن يذهب إلى معبد أبولو بحضور الملك والأعيان وحشد غفير من الشعب. قال جرجس لتمثال أبولو بعد أن رسم إشارة الصليب: أتريد أن أقدم لك الذبائح كأنك إله السماء والأرض؟ فرد عليه التمثال بصوت جهير: كلا لست إلها. إن الإله هو من تعبد أنت. وفي الحال سقط التمثال على الأرض وسقطت معه كل التماثيل الأخرى. وهنا اتهم جرجس بالسحر فصلبوه ورموه بالسهام. . .لكنه في هذه المرة مات فعلا (؟).‏

صار السنكسار يجمع ليجندات العهد القديم، أو بالأحرى يستخدمها استخداما جديدا. ففي السنكسار هذا نقرأ ص 234 كيف هبط مار ميخائيل رئيس الأجناد السماوية الذي حارب بجنده الملائكة الذين تمردوا وصاروا أبالسة، وأنقذ المسيحيين من مضطهديهم، حيث فلع الصخرة فابتلعت الماء ونجت المؤمنين الذين رأوا هذا الملاك الرئيس يفعل معجزاته.‏

ثم صار السنكسار يخرج إخراجا جديدا برسوم وصور وعرف شعبيا باسم السواعي أي الصلوات المتعلقة بكل القديسين والشهداء على مدار النهار ساعة بساعة، طيلة العام. وبلغ من شعبية السواعي أنه صار هدية لا بد أن يقدمها العريس – من جملة الهدايا الأخرى – لعروسه عند الزفاف ليكون الكتاب رفيق عمرها تقرأ يوميا الصلوات والسير المخصصة لليوم. وهذا ما سد مسد القراءات الأخرى من التراث القديم.‏

كانت الليجندات تختلف من كتاب إلى كتاب. وقد حقق شهرة لا مثيل لها بين الكتب، وبذل الفنّيون جهودا كبيرة في تزيينه وزخرفته مما حدا بجون – دوق دوبري – إلى تكليف بول لمبورغ وأخويه، وهم من كبار الفنانين، بزخرفته وتوفير الصور والرسوم الإيضاحية له، فأمضى الأخوة الثلاثة سنوات لجعل السواعي كتابا لا مثيل لـه صورا وزخرفة، متفائلين بالخير وطول العمر والسعادة نظير عملهم المقدس هذا. لكن الدوق الغيور توفي في عام 1416 قبل أن يكمل الفنانون عملهم في الكتاب القدسي. بيد أن الأخوة الثلاثة أنفسهم توفوا كلهم في السنة ذاتها، إما على أثر حادث أو على أثر وباء، ولم يكن أحدهم قد تجاوز العشرين من عمره. وظلت هذه النسخة من كتاب "السواعي" غير مكتملة، لكن الكثيرين يؤكدون أنّها تحفة فنية.‏

خصائص ومميزات‏

هذه الليجندة التي هي أصلا القسم الأول من الساتيرة أو الرواية، سارت من الشفهية إلى الكتابية، إلى تحفة فنية ذات أشكال ورسوم ملونة حول الصلاة أو سيرة قديس. لكن الأمور تطورت أبعد من ذلك، فقد صار هذا الكتاب مقدسا مثل بقية الأناجيل والأسفار المقدسة. صار مقدسا بحد ذاته، وصار الناس يتداوون به من التشويش الروحاني أو المس الشيطاني أو الجنون، وكذلك يتطببون به في الأمراض الجسدية كالحمى والزحار والسعال وأوجاع الرأس وكسور اليد وتشنج الأمعاء أو تقفع اليد والأصابع. وكان المعجلون في الشفاء يضعونه بحيث يلامس جسدهم في المكان المريض استعجالا للشفاء.‏

كانت الليجندة أشبه بملاط البناء الذي يمسك الأحجار، فقد جمعت المؤمنين، ولولاها لكان للمسيحية تاريخ آخر. فما مواصفات هذه الليجندة وإلى أي درجة تشترك مع الليجندات القديمة؟‏

1 –العجائبية التي لم تعد وسيلة فنية يستعين بها الكاتب لحل معضلة، فيستخدمها مؤقتا ثم يتابع – بعد حل المعضلة – سرده للأحداث البشرية. العجائبية هنا أساس الليجندة وجوهرها وليست وسيلة فنية. لم ترد العجائبية في الليجندة المسيحية باعتبارها شيئا متخيلا أو متصورا، بل باعتبارها حقائق واقعية أبصرها شهود عيان. فنيا لا يجوز أن تناقش. ولكن أيضا لا يجوز أن تناقش واقعيا باعتبارها معجزة. مثلا لا يجوز التساؤل: لماذا جرجس أو غيره من القديسين لم يمت في المحن الشديدة السابقة، وإنما مات في آخر محنة؟ ولا يجوز التساؤل لماذا تطرد القديسة بربارة الفئران من بيوت المؤمنين، ولا لماذا تعود الفئران كأن مفعول الماء المقدس قد انتهى ليومه. ولأول مرة نجد أنفسنا أمام عجائبية لا فنية ولا خيالية وإنما تسعى إلى خدمة قضية إيمانية، ولأول مرة يقال بأن العجائبية تحققت واقعيا بالمعنى الملموس الواقعي وليس بالمعنى الفني. وسوف نرى فيما بعد كيف استغلت هذه العجائبية "الواقعية" في رومانسات العصور الوسطى بحيث يسلم الكاتب سلفا بواقعية العجائبية واختراق القوانين الطبيعية.‏

2 – لا يهم ترتيب الأحداث فيمكن أن ترتب بأي طريقة ممكنة. فقد تسبق حادثة النورج والمسامير حادثة تجرع السم أو العكس، في ليجندة جرجس. فالأمور واحدة ما دام القديس لا يتأثر بما ينزلون فيه. فالغرض من الليجندة إقناع المؤمنين أن الله معهم.‏

3 – لإضفاء الواقعية يجري تحديد المكان العام والخاص، وخاص الخاص، وقد نجد تفاصيل يعجز فلوبير أن يصورها بقلمه، لا لغرض فني بل لإضفاء الواقعية، وتقديم الحادثة كأنها حقيقة، فنجد أحيانا وصفا للثياب أو التنقلات بأسلوب رفيع إلى حد ما. لكن هذا الأسلوب نادر. إن العجائبية تسرد من دون اهتمام فني أسلوبي.‏

4 – الليجندة المسيحية نثرية لا تختلف في ذلك عن الرواية القديمة ولكن المهتمين بأمورها رأوها فجة بهذا الأسلوب فراحوا يوفرون لها قبل السرد أو بعده شيئا من الشعر أو النثر الأرجواني، وهذا ما كان يرتل مثلما ترتل مزامير داود، فقد ضربت عليها ضربا، وروعيت الإيقاعات. ونعتقد أن الليتورجيات نشأت من هذه الناحية بالذات. فالصلاة في البداية كانت كلاما عاديا وكانت السيرة تسرد سردا عاطفيا مؤثرا في المغاور والكهوف. لكن مع تطور هذا الفن الأدبي، برزت قطع أرجوانية في المسيح والعذراء والرسل وفي الشهداء والقديسين. ومن هذا الأرجوان نشأت ترتيبات خاصة وألحان أخاذة لتشكل الليتورجيات المختلفة التي يقوم الخبراء بصياغتها من جديد، كما فعل يوحنا الذهبي الفم.‏

5 – بظهور الليتورجيات ظهر الشعر أو الأرجوان الضارع، فقد صار الرسل والقديسون والشهداء شفعاء إلى الله، وكما كانت المزامير تتجه بالضراعة إلى الله كذلك كان هذا الأرجوان يضرع من أجل الشفاعة. وقد تكون الشفاعة مضاعفة بالعذراء والمسيح: "بشفاعة والدة الإله يا مخلص خلصنا" وهكذا. وكلما جرى تطويب قديس صار له الحق في أن يكون صاحب شفاعة وإن كان حديث العهد بالتطويب.‏

6 –القداسة طاغية على كل شيء، أو بالأحرى أن كل شيء كتب ليضفي القداسة. والعجائبية نفسها إنما تظهر من أجل القداسة. وباسم القداسة كانت تدار شؤون البشر. ولتوطيد هذه القداسة كان لا بد من إشاعة الليجندات. وبالفعل شاعت شفهيا ثم كتابيا إلى درجة حالت دون طرح أي سؤال منطقي واقعي حول هذه الليجندات التي وظفت توظيفا جديدا.‏

هذه هي أهم الخصائص التي تميز بين الليجندات القديمة والليجندات الجديدة والليجندة المسيحية، التي لم تقف عند حد المرويات الشفهية أو المجموعات الكتابية، كما سوف يأتي.‏

هذه الليجندة سدت مسد أي تطور أمام كل الآداب القديمة التراثية. إن ادعاءها القداسة أكسبها شيوعا خاصا عرقل بقية الأنواع الأدبية.‏

الليجندة تعتلي الخـشبة‏

وقفت المسيحية ضد المسرح وقفة متشددة لا تعرف المساومة. لكن ذلك كان في العصر الروماني. أي في العصر الذي تحول فيه المسرح إلى نوماخيا أو إلى حلبة يدفعون إليها بالأسرى للوحوش أو للمجالدة حتى الموت. وكانوا يبنون مدارس خاصة لإعداد المصارعين بشتى أنواع السلاح، فيدخلون الحلبة ويتجالدون حتى الموت، إلا إذا أعطى الإمبراطور أو من ينوب عنه إشارة العفو. كان الرومان قد ألغوا بالتدريج المسرح اليوناني الرفيع، وعلى الأخص التراجيديات. أما الكوميديات فاقتبسها تيرنس وبلاوتوس وبقية الكتاب، أو بالأحرى عدلوا بعضا منها تجنبا للبنود الاثني عشر التي كانت عقوبتها تصل إلى الإعدام بحق كل كاتب ينتقد الإمبراطور أو رجال الدولة أو العائلات العريقة أو مهمات الدولة. . .‏

وبما أن المسيحية أصلا معادية لهذا الفن وغيره من الفنون، فقد استغلوا السمعة السيئة للمسرح الروماني ووظفوها لصالح دينهم الجديد. كان يكفي أن يتحدث المسيحي أمام الوثني عن الجرائم التي تقع في المسارح حتى يحرجه ويبين له مدى شناعة دينه الذي يسمح بهذا. ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم صار يسمح للمسيحي بتطليق امرأته إذا ذهبت إلى المسرح أو الحمام – كانت الحمامات أسوأ سمعة في تلك الأيام من المسارح – من دون إذنه، أو إعلامه وأخذ موافقته. وهذا يدل أن المسرحيات الراقية كانت قليلة، إن لم تكن نادرة كل الندرة. وقد أطلق المسيحيون على المسارح والحمامات "الأماكن التي تستوطنها الشياطين".‏

ولكن لماذا نقدم هذه المسوغات لكراهية المسيحيين للمسرح، وأمامنا حجة تكفي وحدها لتكفير المسرح الروماني، وهي أن كل مسرح كان فيه مزار لفينوس. فالذهاب إلى المسرح كما يقول ترتليان، أبرز الشخصيات المسيحية في ذلك الوقت، يعني تماما الانتقال من كنيسة الله إلى كنيسة الشيطان (فينوس). وكان المشاهدون يأتون إلى المقاعد بأبهى الحلل وأعظم التزاويق على الوجه. فكل الداخلين إليه يقعون تحت خطر الشيطان. ويروي هذا الرجل قصة امرأة دخلت المسرح بكامل زينتها فأغواها الشيطان فعشقت وفسقت. وعندما حل يوم الدينونة أمسك الملائكة بالشيطان وحققوا معه، وعندما أوقعوا فيه التعذيب (هذا التعذيب الذي صار قدوة عند محاكم التفتيش فيما بعد) اعترف بأن الذنب ذنبه وأنه هو الذي أغوى هذه المؤمنة. وحين أزمعوا الإجهاز عليه صرخ مستغيثا: لا ذنب لي، لماذا تبرجت وجاءت إلى كنيستي: لتصلي أم لتفسق؟ عندئذ أطلقوا سراحه واعتقلوا المرأة وأخضعوها لأقسى أنواع التعذيب المخصص لهذه الخطيئة المميتة التي لا شفيع لها. . . كان الذهاب إلى المسرح أو الحمام يعني الوقوع في هذه الخطيئة التي لا تغتفر.‏

كانت "المانيفاكتورة" المسيحية تنتج الليجندات يوميا وفقا لأهدافها وغاياتها. ويمكن للقارئ أن يجد الكثير من هذه الليجندات في العصر الروماني بعد ظهور المسيحية، في أي كتاب عن تاريخ المسرح، وعلى الأخص تلك الكتب التي تنحصر في فترة ظهور المسيحية. وبالفعل – وقد فعلت الليجندات التي هاجمت المسرح فعلها في نفوس المؤمنين – دمرت المسيحية معظم المسارح في الشرق والغرب، مع أن هذا عمل شاق نظرا لضخامة الحجارة. ولكن إيمان المسيحيين كان أضخم بكثير. فاليوم لم يبق من هذه المسارح سوى أطلال، وقلما رممت للاستفادة منها. واليوم أيضا لن تجد في أعلى المسرح معبدا لفينوس ولا تمثالا لها، فهذان الشيئان كانا الضحايا الأولى للتدمير.‏

وفي خرائب المسارح كان لصوص الليل يختبئون ويمارسون أعمالهم، فظهرت أيضا الليجندات التي تقول إن الشيطان صار حزينا لأن كنيسته خربت، فهو ليس بحاجة إلى لص وقاطع طريق، فهذان أخواه بطبعهما، بل هو بحاجة إلى المؤمنين والمؤمنات.‏

ولكن بعد مرور عدة قرون راحت السكرة وجاءت الفكرة. فالليجندات التي كانت تسري شفهيا أو كتابيا أسرع من النار في الهشيم، لم تعد تفعل فعلها السابق – قل تأثيرها ولا بد من إنعاشها والاستفادة منها. وبما أنها استنفذت الشكلين السابقين: الشفهي والكتابي، فهل يبقى أمامها سوى المسرح؟‏

وهذا ما حصل بالفعل، فقد أخذت الليجندة تعرف طريقها إلى المسرح وبنيت المسارح في الكنائس – لا يجوز استخدام المسارح القديمة لأنها كنائس الشيطان – وزينت وصار لها مخرجون ومدراء واشترك فيها اللاهوتيون والعلمانيون.‏

إن تقصير "مانيفاكتورات" الليجندات في الإنتاج اقتضى اللجوء إلى المسرح. ولكن لماذا قصرت المانيفاكتورات في إنتاج الليجندات؟ لأن الظروف لم تعد تقدم القديسين والشهداء كما كانت في البدايات الأولى. كانت الظروف المتأزمة تنتج في اليوم من القديسين والشهداء ما يزيد عن عدد عمال شركة فورد الحديثة. بعد انتصار المسيحية تغيرت الظروف وانتهى عصر الشهداء. إذن من الطبيعي أن يتقلص إنتاج المانيفاكتورة المسيحية لليجندات. وهذا ليس في صالح الدين ولا رجال الدين.‏

كانت المسارح السلاح الثاني بعد الليجندات. فاستخدمته المسيحية حفاظا على الإيمان الذي راحت تعصف به الظروف الجديدة.‏

ربما لم تبق ليجندة من الليجندات المسيحية لم تعرف طريقها إلى المسرح. إن حصر الليجندات الممسرحة يحتاج إلى كثير من الوقت وكثير من المراجع وكثير من هدر الوقت، من ليجندة آدم وحتى آخر قديس في القرن العشرين والمسرح (العام أو الكنسي) يقدم الليجندات. وفي العصور الوسطى قدمت المسيحية كل ليجنداتها السابقة كليجندة آدم وحواء وأيوب ونوح وامرأته وابنه وإبراهيم الذي أراد أن يضحي بابنه الوحيد الذي حبلت به سارة وولدته وهي في العقد التسعين من عمرها فقط. وقد أحدثت هذه الليجندة تأثيرا كبيرا في النفوس، فليس سهلا أن يضحي الأب بابنه الوحيد الذي من سارة اليهودية، ولكن رحمة الرب كانت أوسع، فقد جاء الملاك بكبش كبديل لهذا الابن المطيع الذي كان يسير مع أبيه طيلة الطريق من دون أن يعرف إلى أين يقوده هذا الأب وماذا يريد منه، على الرغم من الأسئلة التي أمطره بها مشيرا إلى ما سيفعله.‏

أما ليجندة اسماعيل فعليها السلام، لأنها لم تعتل المسرح حسب معلوماتنا، من دون أن نعرف السبب، مع أنه ابن إبراهيم وأخو اسحق. الأنبياء القدماء وكل الشهداء والقديسين، من قدماء ومحدثين في الليجندات نطوا من الليجندة إلى خشبة المسرح المسيحي، وهكذا تجسد الغائب وشاهدته العيون. لكن أعظم الليجندات التي جسدها المسرح المسيحي، أو مسرح العصور الوسطى، كانت مسرحية آلام المسيح في الدرجة الأولى - passion play. وكان النسوة وكثير من الرجال أيضا يتزودون بالمناديل لمسح الدموع المنهمرة انهمارا في الأوقات الحرجة وعلى الأخص عندما يرفع المسيح على الصليب. وعندما صار الممثل يصلب على المسرح – وكان الصلب يرتب خارج الخشبة ثم ينقل الصليب والمصلوب إلى الداخل – كان صوت اللطم على الخدود والساقين يطغى على صوت الممثلين، وكانت ضعيفات القلب يصبن بالإغماء، وكثيرا ما يتدخل النطاسيون لإنعاشهن – ومعهن بعض الرجال أيضا – وإقناعهن بأن هذا محض تمثيل. ولا تزال مسرحية الآلام تمثل في كل البلدان التي يكثر فيها أمثال هؤلاء المؤمنين. وإذا كان الممثل عميق الإيمان فإنه يصر بأن يكون الصلب حقيقيا وليس بتربيط الأذرع ورسم نقاط الدم فقط. وبسبب عناده ينصاع المشرفون ويدقون المسامير في يديه ورجليه. ويمكن لمن يرغب أن يشاهد هذه المسرحية في كرنفال واقعي أن يذهب إلى الفيليبين حيث تطوف الكرنفالات وفيها بعض المؤمنين المصلوبين. كما يمكن أن يشاهد تمثيلها فنيا في "الكرستال كاتدرال " في كاليفورنيا، طيلة صوم الفصح.‏

أما مسرحيات الأسرار ومسرحيات المعجزات فتأتي ليجنداتها في الدرجة الثانية. ومن الليجندات التي استأثرت بالمسرح أكثر من غيرها ليجندة القديسة أبولونيا، حيث كان يتم تعذيب الممثلة على خشبة المسرح. وحتى الآن لا يحدد الدارسون بالضبط الوسائل التي كان المخرج يستخدمها حتى يجعل الناس تقفز من الصالة إلى الخشبة انتصارا لأبولونيا. وأحيانا كان المخرج لا يستطيع إخراج الليجندة إذا كان فيها شخصية منفرة، ولذلك كان الممثل الذي يقوم بدور يهوذا يخضع لعمليات تمويه حذرة كما كان يحصّن جيدا خشية إصابة سكين طائشة أو عصا ثقيلة على رأسه أو ظهره. طبعا كانت هناك ليجندات تجد طريقها بسهولة إلى المسرح من أمثال معجزة القديس نيكولاس وقيامة أليعازر ودانيال.‏

لا يوجد مؤلف معين، فقد يحول هذا الخوري أو ذاك ليجندة من الليجندات إلى مسرحية من دون أن يذكر اسمه. وقد يشترك عدة خوارنة أو قسس أو علمانيون في التأليف. ولكنهم ما كانوا يعلنون عن أسمائهم لأن الليجندة جاهزة، فهي إما في العهد القديم أو العهد الجديد أو في السنكسار، وكل ما يعمله المؤلف/ المؤلفون، هو توزيع الأدوار وكتابة الحوار القريب جدا من الأصل. لكن هذا لا ينفي أن يقوم بعض الرهبان بكتابة المسرحيات الأدبية، ففي القرن العاشر مثلا كتبت راهبة من دير غاندرسيم في سكسونيا واسمها "روزفيتا" ست مسرحيات كوميدية تقلد فيها تيرنس. ولكنها وإن كانت كوميدية، تدور حول موضوعات دينية. لكن لا نعثر في أي مرجع من المراجع أنها مثلت أو أنه كان لها تأثير يذكر. لكن اختيار الاتجاه الكوميدي كان شيئا طارئا وجديدا. وربما لأنها كانت ذات اتجاه كوميدي لم تصل إلى خشبة المسرح. فقد رمز ظهر هذا التوجه إلى استخدام الكوميديا في "مسرحية الحمقى" وهي مسرحية كان يقوم بها صغار الكهنة المقموعين من رؤسائهم. وحصلوا على إذن بتمثيلها، وهي عبارة عن محاكاة ساخرة لبعض مشاهد ليجندة "أحد الشعانين". ففي قلب الكنيسة كانوا يمثلون مشهد "أحد الشعانين" ويدخلون الحمار الذي يقوم بدور الحمار الذي ركبه المسيح في ذلك الأحد إلى الكنيسة ويحتفلون به ويكرمونه ويرفعون إليه أسمى آيات التبجيل والابتهالات حتى يكون شفيعهم باعتباره نال القداسة من راكبه، ويسقونه الخمرة وهم يطوفون به حول مذبح الكنيسة ويبدو أن الشعبية الكبيرة التي حظيت بها "مسرحية الحمقى" هي التي جعلت البابا يصدر مرسوما بمنعها، إذ كان الناس يتهافتون عليها أكثر من تهافتهم على إقامة الليتورجيا.‏

تفردت الليجندة المسيحية في العصور الوسطى. سيطرت سيطرة كاملة على الحياة: سيطرت في البيت والكنيسة، في الصلاة وفي الكتب، في الكاتيشيزم (كتاب التعليم الديني بطريقة السؤال والجواب) وفي المسرح أيضا. كانت الليجندة تساوي المسيحية، إن لم نقل إنها هي التي أوجدت المسيحية بعجائبيتها وغرائبيتها وقدسيتها.‏

لكن ثمة ملاحظة لا بد من الإشارة إليها وهي أنها في الشرق لم تعتل المسرح إلا في العصر الحديث، أي بعد أن نشأت المدارس الطائفية، حيث نشط المسرح المدرسي كثيرا.‏

وعندما ظهر المسرح العربي لم يأبه بالليجندة المسيحية أبدا، بل عمد إلى ليجندات ألف ليلة وليلة ورومانسات الأدب العربية منذ بداياته الأولى. وقد استغل ذلك مارون النقاش وأبو خليل القباني وكان لليجندة عنترة ومجنون ليلى حصة الأسد وحضور مميز. أما ليجندات وحكايات ألف ليلة وليلة فظلت معينا لكتاب المسرح من النقاش حتى سعد الله ونوس.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244