من تاريخ الرواية - حنا عبود

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 02:53 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

من الليجندة إلى الرومانسة

المقدس والمدنس‏

يرى ميرسيا إلياد في كل كتبه، وبالأخص في كتابه "المقدس والمدنس" أن معتقدات الناس هي التي تخلق صورة المكان. فالمكان مدنس إذا اعتقدنا أنه مدنس أو مقدس إذا اعتقدنا أنه مقدس. فقد كان المؤمنون المسيحيون على يقين بأن المسرح هو معبد فينوس. وبما أن الجمال الجسدي مستهجن عندهم، فإن فينوس ليست ربة الجمال بل ملكة الغواية والفسق. ومن هنا أطلقوا على المسرح اسم "كنيسة الشيطان" وكل ما يمثل على خشبته – مهما كان – مدنس. ولو ذهبت امرأة تقية إلى صالته فسوف تتدنس لأن الشيطان يكون في انتظارها هناك. وهذه العقائد كانت راسخة بحيث لا مساومة فيها.‏

ولكن كل ما يقام في المكان المدنس إذا أقيم في المكان المقدس اعتبر مقدسا، لا لوم فيه ولا دناسة. ولذلك انتقلت التمثيليات من المسرح – كنيسة الشيطان – إلى الكنيسة – بيت الرب – فصارت محترمة، بل يدعون الناس إلى مشاهدتها لأنها تثبت الإيمان في النفوس. صار المسرح جزءا من الدين الجديد – بعد تطويعه طبعا.‏

كانت صلاة المسيحيين في تباشير المسيحية تقتصر على "أبانا الذي في السموات" بإمكانك أن تصلي أينما كنت، في السهل أو الجبل أو الكهف أو البرية أو أي مكان. لكن المسيحيين فيما بعد استولوا على المعابد الوثنية الضخمة، فدمروها إلا أقلها. حولوا ما بقي سليما إلى كنائس ثم عادوا ورمموا ما أمكن ترميمه ثم بنوا كنائس جديدة على غرار المعابد الضخمة ولكنها أصغر بكثير. وكانوا في الريف والقرى يصلون في أي منزل، لكن سرعان ما شيدت الكنائس الفخمة. وهكذا تحول بيت الشيطان إلى بيت الرب بسبب الصلاة التي تنتقل قدسيتها إلى المكان.‏

استيلاؤهم على المعابد الضخمة وترميمها وبناء كنائس على غرارها جعلهم لا يكتفون بـ "أبانا الذي. . " بل يبتكرون دعوات وصلوات وفق ترسيمات خاصة أطلق عليها اسم ليتورجيا. وفي هذه الليتورجيا كانوا يتلون الصلاة التي وضعها المختصون ثم يحيون ذكرى القديسين الذين توفوا أو قتلوا في هذا اليوم. فجاءت الليتورجيا شبيهة بالمسرحية، لكنها تتغير بتغير المناسبات. والمناسبات تتغير يوميا حسب السواعي الكبير أو السنكسار. وعلى هذا فقد صار المعبد القديم مقدسا بعدما كان مدنسا، وصارت الطقوس أشبه بالتمثيلية على المسرح. وهذا ما فسح المجال لاعتلاء الليجندات المسيحية مسرح الكنيسة ولاقت قبولا حسنا.‏

بالنسبة للمسيحية، أو غيرها من الأديان المشابهة، يجب أن يكون المقدس حيث تكون هي. فالمعابد الوثنية كانت مدنسة، لكنها بعد أن حولتها إلى كنائس صارت مقدسة. المسارح لم تحول إلى كنائس فدمرت. والليتورجيات القديمة كانت مدنسة، لكن ما أخذته المسيحية منها صار مقدسا وإن انتقل بحرفيته أحيانا بعد حذف اسم الآلهة القديمة حيث وجد.‏

كل مكان تحل فيه المسيحية يتحول إلى مكان مقدس. إذا أقام ناسك صومعته من حجارة أو جعلها في مغارة صارت مكانا مقدسا وتحول إلى مزار. وإذا ارتدى أحد عباءة القديس أصابته بركة القداسة مثل عباءة إيليا التي صار إليشع يصنع بها المعجزات. كل أداة من أدوات المسيحية تتحول إلى أداة مقدسة. وسنرى فيما بعد كيف تحولت الكأس التي شرب منها المسيح مع تلاميذه في "الأفخارستيا" إلى السانغريل أي الكأس المقدسة، وكانت أساس رومانسات الملك آرثر المتأخرة. وإذا تأكد مؤمن أن قديسا مر من هنا فإنه يبحث عن آثار أقدامه ويقبلها.‏

ستلعب الأمكنة والأشياء المقدسة دورا كبيرا في رومانسات العصور الوسطى. ولكن بالمقابل كان كل ما لا ترضى عنه الكنيسة مدنسا. وفي مقدمة هذه المدنسات الحب الدنيوي، الحب الجسدي بين الذكر والأنثى، فلا يجوز للذكر أن يحب وكذلك الأنثى. وفي سن الزواج يقوم الأهل باختيار الزوجة المناسبة. وفي معظم الأحيان يهتدون بمعرفة الكاهن للفتيات، فقد كان الكاهن في تلك الأيام أشبه بالسجل العدلي في أيامنا. إنه يعرف كل شيء عن الشاب أو الفتاة. كان كرسي الاعتراف سجلا خطيرا يعزز سلطة الكهنوت إلى درجة بعيدة، فكلا الطرفين: الفتاة وأهلها والفتى وأهله، يتوددون للكهنة وينشدون رضاهم حتى لا يغشهم في "سجله العدلي" إلى جانب أشياء وأشياء أخرى كانت منوطة به وحده. إنه كاتم الأسرار ولكنه أيضا كان الوحيد القادر على إفشائها.‏

قلنا إن الحب – وعليه تبنى الروايات – كان مدنسا في العصور الوسطى. لكن هذا التدنيس لا يقتصر على الحب وحده، بل يشمل كل ملحقاته بلا استثناء، فإذا احتفظ الشاب بمنديل الصبية أو بأي أثر من آثارها كخصلة من شعرها أو مزقة من ثوبها اقترف بذلك خطيئة شنيعة تحتاج إلى كرسي الاعتراف فالصوم والصلاة للحصول على التوبة والعودة إلى حظيرة الإيمان المسورة جيدا بآلاف الوصايا والنصائح حتى يتجنب الناس الطريق المؤدية إلى الجحيم. ومن الصعب أن يتوب المرء أو تقبل توبته إلا عن طريق الكنيسة.‏

من الطبيعي أن يكون شعر الغزل والعشق – بغير الله وأنبيائه ومقدساته – مقموعا إلى درجة بعيدة جدا. أتحب الشعر ؟ ها هي أشعار الكنيسة التي لا تحصى مطروحة أمامك فاختر ما شئت. إذا لم تعجبك طوباوية مار يعقوب فخذ طوباوية مار جرجس أو العذراء أو مار يوحنا المعمدان. اختر ما شئت فأمامك ميدان واسع وطريقه سهل بسيط.‏

تريد أن تحب؟ هناك جروحات المخلص وآلامه وهناك توبة المجدلية وصبر مريم العذراء وقيامة أليعازر. . . هناك أشياء وأشياء كثيرة إلا الحب الإنساني. وقد كثرت عادة أن تخطب الفتيات قلب يسوع فيضعن في إصبعهن خاتما يدل على ذلك. أشياء كثيرة لا يمكن إلا إن تجد ما تحبه وتهواه منها. وإذا أردت أن تغني وتتغزل فها أمامك االمزامير وما أكثرها. كلها تتغزل بقدرة الله وعجائبيته وجبروته ودعمه لأنصاره. . . هنا يوجد كل شيء، ولا بد أن يعجبك شيء.‏

لم يكن الحب وحده ممنوعا أو محرما بل حتى إذا نظرت إلى فتاة بعين الشهوة واستملحتها عليك أن تهرع إلى كرسي الاعتراف فتعرف كيف تصلي وماذا تصلي، حتى تخلص نفسك من الإثم الذي اقترفته عينك. كانت الكنيسة مهيمنة حتى على النوايا.‏

والغناء مستقبح وممنوع إلا إذا توجهت به إلى المقدس، وبدأت الموسيقى الكنسية تظهر وتستقل وتتطور. وبرزت معزوفات خاصة بالقداس (الريكويم) تنتشر وتحرز شعبية. وتنوعت الألحان لجذب المؤمنين. لكن كل شيء كان يدور ضمن إطار المقدس والمدنس وقسمة الأشياء والأفعال والأمكنة والشخوص الغيبية (الملائكة والشياطين) إلى مقدس ومدنس لم تكن قسمة حاسمة. هناك ما لا يمكن إزالة الشر والدناسة عنه كالشيطان مثلا مع كل أجناده المتنوعة ذات الوظائف المختلفة. وهناك ما يمكن إزالة الشر والدناسة عنه إذا كانت الخطايا عرضية أو عفوية. وهناك نصوص تحدد كل هذا. لكن بإمكان الكاهن أن يزيل عن الإنسان كل أنواع الخطايا مهما كانت.‏

الليجندة تلبي الحاجة‏

ظهرت الحياة أو النظرة المسيحية التي وصفناها سابقا في شخصيات واقعية نذرت نفسها للعفة المسيحية. وما كان بمقدور نوع من الأنواع الأدبية أن يستجيب لذلك إلا الليجندة، لأنها ذات عجينة طرية لما فيها من شطط الخيال الوهمي وهيمنة الدعاية الدينية. لبت الليجندة ما كانت الكنيسة بحاجة إليه. وبما أنها منحدرة من الساتيرة فإنها لم تنس أصلها إذ ترتكز على قصة واقعية بيد أنها تنتهي بفاجعة. إن كل شخصيات الليجندة ترتبط بالسياق الزمني، فيقال حدث في أيام أوغسطس أو بيلاطس أو ديونسيوس وهكذا. ويحددون الأمكنة بدقة، ويذكرون وقائع جرت فعلا مثل التقديم إلى المحاكمة وغير ذلك. وهنا تبدأ العجائبية وتظهر المعجزات، ومع ذلك تنتهي الليجندة، وبعد عذاب كثير، باستشهاد البطل.‏

أخذ عدد الشهداء يخف كلما اقتربت المسيحية من السلطة، ولكن عدد القديسين لم يتقلص، فكانت تمر أزمان يكثر فيها القديسون جدا. والراجح أن تضرب الليجندة الأنثوية على النمط المجدلي، فتنشأ الفتاة كما نشأت مريم المجدلية، مستهترة بالقيم والأخلاق منجرفة وراء الملذات الجسدية. وبعد أن تعدد الليجندة خطورة هذه الآثام تأتي التوبة ويشرق في النفس نور الهداية. قد يكون على يد رجل دين أو على يد راهبة أو على يد ناسك في البرية أو على يد راهب في مغارة أو كوخ أو بوساطة مكان مقدس، ككنيسة أو مزار أو مبنى من المباني المقدسة. وربما كانت ليجندة ماريا القبطية (مريم المصرية) من الليجندات المسيحية النمطية، بعد أن انصرم عصر الشهادة والشهداء، وبسطت الديانة الجديدة سلطتها شعبيا ورسميا. يقع عيدها حسب سنكسار الروم الكاثوليك في الأول من نيسان إبريل. تقسم حياتها إلى حياتين: حياة الطيش وحياة التكفير. وهذا ملخص شديد الإيجاز لهذه الليجندة النموذجية:‏

الحياة الأولى: ولدت في أواخر القرن الرابع، أيام كانت الديانة المسيحية في أبهى ازدهارها، والصحارى الشرقية والغربية ملأى بالأديار والرهبان ومن تلاميذ بولس وباخوميوس وأنطونيوس. لكن جمالها الرائع جعلها منذ حداثة سنها قبلة الأنظار. فافتتنت بالدنيا ومالت إلى الطيش والزهو والزينة. فردعها أبواها فنفرت وأتت مدينة الإسكندرية تطلب الحرية وتنشد الملاهي. وكانت الإسكندرية منارة العلوم والمعارف بمكتبتها الشهيرة ومدارسها العالية ومحط رحال الألوف من الطلبة من جميع العناصر والأمصار ومجتمع رجال الشرق والغرب من التجار والصناع. دخلتها مريم ولم تتجاوز الثانية عشرة فبهرها – وهي بنت ريف – ما رأت فيها من جمال ومال. أسرع الشبان يتملقونها فاستسلمت لهم وبدأت حياة الطيش والخلاعة والزهو. غرقت في الفسق والفجور فسببت هلاك الكثيرين من الرجال والفتيان الأغرار. وقضت سبعة عشر عاما في طريق الإثم والرذيلة ورحمة الله صابرة على شرورها(؟) تنتظرها لعلها تتوب. وكان عيد رفع الصليب قد اقترب، وهو عيد عظيم تحتفل به مدينة القدس بكل مظاهر الفخامة والإجلال. وكان المسيحيون يأتون ألوانا من كل أنحاء البلاد. فخرجت جماعة كبيرة من الإسكندرية تريد القدس لحضور ذلك العيد فقالت مريم: اذهب وأتفرج معهم وأمضي أيام سرور وانشراح. وبدل أن تذهب مريم لزيارة الكنيسة والأماكن المقدسة ذهبت كعادتها وراء المعاصي. وجاء يوم العيد ودخلت مريم بين الجماهير لا تبغي سوى التمتع برؤية الناس وتحويل أنظارهم إليها. ولما أتت باب الكنيسة شعرت بقوة خفية تدفعها وتمنعها عن الدخول إلى بيت الله. حاولت مرارا أن تدخل فلم تقدر مع أن الناس كبارا وصغارا يدخلون، عندئذ تذكرت حياتها الأثيمة وفهمت أن معاصيها هي التي حالت دون دخول بيت الله. فراحت تبكي وتقرع صدرها وتطلب الغفران.‏

شاهدت على باب الكنيسة صورة العذراء فتضرعت إليها أن تسمح لها بدخول الكنيسة وتعد بألا تدنس جسدها بالملذات الدنيوية، وأن ترشدها إلى طريق الخلاص. وعندئذ فقط استطاعت الدخول من باب الكنيسة. فبكت بتوبة أمام الصليب، فسمعت صوت العذراء يقول لها بأن تذهب إلى الأردن فتعبره وهناك تجد الراحة والطمأنينة. فقامت لساعتها وأخذت ثلاثة أرغفة وودعت القدس، المدينة المقدسة، وخرجت من الباب الشرقي وقطعت وادي قدرون ومرت بالقرب من بستان الزيتون، وسلكت طريق الصحراء سالكة الطريق التي سلكها من قبلها داود الملك لما هرب من وجه أبشالوم. وهناك ظهرت كنائس الأديار الفلسطينية. وقبل أن تغيب الشمس على جبل الزيتون كانت راكعة عند شاطئ نهر الأردن وقضت الليل متضرعة للبتول تكفيرا عن ماضيها المخجل.‏

الحياة الثانية: مرت السنون ولم يعد أحد يسمع بمريم المصرية ونسيتها الإسكندرية ولم يبق من خلانها وعشاقها من يسأل عنها. وخرج الرهبان في صوم الأربعين كما هي العادة لقضاء فترة الصوم في الصحراء، ومنهم زوسيموس الذي رأى وهو يصلي شبحا بعيدا فظنه وهما. رآه يتحرك فناداه فهرب فلحق به فإذا الشبح يقول: أيها الأب زوسيموس إني امرأة خاطئة وأنا عريانة (؟) فإذا أردت أن تحدثني فارم لي بجبتك فرمى إليها فإذا هي امرأة قد تجعد وجهها وأحرقت الشمس جسمها واسترسل شعرها الأبيض الكثيف على صدرها وكتفيها.‏

بعد أن دخلت مريم في القداسة أصبحت قادرة على الخوارق. ومن هذه الخوارق التي أذهلت الأب زوسيموس أنها تحفظ الكتاب المقدس (القديم والجديد بما يعادل ألفا وخمسمئة صفحة من البنط الصغير) من دون أن تتعلمه. وتدلي بنبوءاتها وكلها تتحقق. وتطلب من الأب زوسيموس أن يناولها القربان المقدس في السنة التالية.‏

وفي الخاتمة نقرأ أن الله اكتفى بتوبة تلك المجدلية فدعاها إلى أخداره العلوية، ولها من العمر سبع وسبعون سنة. عندئذ نقلها الملائكة إلى جوف الصحراء وأقامت أسدا يحرس جسدها ويمنع عنه الوحوش ريثما يأتي الأب زوسيموس بعد سنة ويواريه التراب. وبعد سنة يأتى الأب زوسيموس إلى المكان المتفق عليه فرأى في الرمل كلمات تقول له: ادفن جسد مريم البائسة وأعد إلى الأرض ما هو منها ولها وصلّ لأجلي. إني رقدت ليلة الجمعة العظيمة، بعد أن تناولت القربان الأقدس.‏

هم الأب بحفر قبر، لكن الأسد سبقه وراح ينبش الأرض بمخالبه حتى حفر حفرة كبيرة. . . الخ. فتقدم الأب ووارى جثمانها في الحفرة.‏

إنها ليجندة نموذجية للأدمغة المغسولة. ولو دققنا في ليجندة قديس في هذا العصر، أي العصر الذي أعقب عصر الشهداء، لرأينا أنها تسير في الخط ذاته. فالشاب ينشأ على اللهو والمتعة الدنيوية، وملاحقة الجميلات، أو يقترف خطيئة كبرى، ثم يستيقظ وعيه الديني بعد ذلك فيعمد إلى تأديب جسده الخاطئ ليكون هيكلا للروح النقية. وقد مرت فترة في ذلك العصر يحق لنا أن نسميها فترة العموديين، من سمعان العمودي في أنطاكية حتى الصحراء المصرية، حتى إثيوبيا. كان كل هدف العموديين إهانة الجسد لأنه أصل الخطايا. ويقومون إلى جانب ذلك بالصيام والصلاة. إنهم يشبهون الهنود الذين يجاهدون الجسد للوصول إلى حالة النرفانا.‏

لبت الليجندة حاجة المسيحية وغيرت خاتمة الرواية الإغريقية (أي الرومانسة الإغريقية وهو العنوان الأصح لنتاج الإغريق في العصر الهلنستي) تغييرا معاكسا تقريبا. فالبطل لا بد أن يموت ميتة محزمة تبعث في النفس مشاعر الشفقة من جهة والإعجاب من جهة ثانية. ويتركز الإعجاب في هذا الحب الروحاني الذي يجعل البطل ينسى ذاته ويتماهي فيمن يحب، ولا يعود جسده يهمه، إن لم نقل إن اضطهاد الجسد طريق للوصول إلى الحب الصافي، الحب الروحاني، الحب الإلهي. . . هذا ما سنجده حتى في رومانسات الملك آرثر. . .‏

هذا الحب الذي قدمته الليجندة المسيحية، بعد تحويله إلى حب إنساني بين الذكر والأنثى، هو الذي سيبقى في ذاكرتنا طيلة العصور الوسطى، بل طيلة عصر النهضة (بعد رفده بتيارات حسية) وربما حتى هذه الأيام، إذ نجده في بعض تيارات الرواية الحديثة. إنه اليوم ليس التيار السائد، ولكنه باق إلى هذه الدرجة أو تلك، كتأثير تركه الحب السامي أو حب البلاط (الكرتوازي) أو الحب الرفيع العذري، أو ما شئت من التسميات التي تشير إلى روحانية العلاقة والإخلاص المتفاني. سوف يكون مؤثرا جدا في رومانسات العصور الوسطى. ولكن ما الذي حدث حتى تغيرت الليجندة وصارت رومانسة؟‏

تغيرات بطيئة ولكنها حاسمة‏

قرابة القرن الثاني بدأت تظهر مجموعات مغولية في أوروبا، سرعان ما تماسكت وصار لها وزن كبير في تطور التاريخ الأوروبي. وكان وجودهم الأكبر متمركزا في هنغاريا. لم يلمس الدارسون أسبابا حقيقية لنزوحهم. قيل القحط وقيل الطوفان وقيل إن قوة الإمبراطورية الصينية منعتهم من التوغل فيها فاتجهوا إلى الشمال الغربي. كانوا من البداة الذين يستملحون سكنى الخيام. إنهم بداة وبدائيون تفوح منهم رائحة البصل والثوم, كانوا يغيرون على الدوقات والسلطات المحلية. ومع مرور الأيام اختلطوا بالسكان وبعد أجيال من التناسل اعتدلت معالمهم المميزة واقتربوا من السكان الأصليين قليلا. وكانوا أشداء في القتال إلى درجة مخيفة ويجيدون المصاولة السريعة التي تسبق بطشهم الأكبر. وقد أطلق الناس عليهم اسم قبائل الهون، فعلى الرغم من الاختلاط ظلوا متميزين في الشكل والعادات. وقد انساحوا حتى تمكنوا من الاستيلاء على الفندال.‏

صاروا أسياد أوروبا الوسطى. وفي كثير من الأمكنة كان السكان يهاجرون إلى روما، مما جعلها خليطا غير متجانس . وفي أواسط القرن الخامس ظهر زعيم جديد للهون هو أتيلا، جعل دأبه إسقاط روما والاستيلاء عليها بأي ثمن. بسط سلطته على الأقاليم ومتّع جنده بشيء من الترف لكن من دون أن يؤثر ذلك في طبيعتهم القتالية. كان يغير على الأقاليم ويبيحها لجنوده. ويعود إلى الأقاليم المحيطة بروما. كانت الإمبراطورية الغربية نهاية الرحلة بالنسبة إليه. كانت إغاراته على الأقاليم البعيدة توفر له الكثير من الثروة.‏

عندما انتشرت شائعة "أتيلا على الأبواب" كانت الإمبراطورية الرومانية الغربية شبه مستسلمة. والمعتقد أن أتيلا – لو هجم على روما – لن يجد مقاومة تذكر. لكن المسكين عنّ على باله أن يتزوج فتاة صغيرة. وفي ليلة الدخلة مات. فقام المسيحيون يشكرون ربهم، ويعتقدون انه هو الذي حماهم، فأخذ أتيلا إليه إكراما للمؤمنين وحرصا على سلامة إيمانهم، لكن بعد ربع قرن بقليل نهض أحد خلفاء أتيلا وقضى على الإمبراطورية الغربية وأعلن للقسطنطينية أنه لم يعد هناك إمبراطور للقسم الغربي بعد أن سمى نفسه رومولوس أوغسطولوس تمشيا مع أبهة الأسماء الرومانية.‏

منذ ذلك الوقت وحتى أيام جيبون، بل حتى أيامنا، والدارسون يبحثون عن أسباب سقوط هذه الإمبراطورية العظيمة التي استطاع أكلة البصل والثوم أن يدكوا عرشها. بل صار بعض المؤرخين يسخر منها فيقول إنه في الوقت الذي كان فيه أتيلا على الأبواب كانت المجامع الكهنوتية في روما قد انخرطت فيما سمي "الجدل البيزنطي" من أمثال: هل الملاك ذكر أم أنثى؟ وما جسم الملاك؟ مادي أم نوراني؟ وما عدد الملائكة الذين يمكنهم أن يقفوا على رأس دبوس؟... بدلا من الاستعداد لمواجهة الغزاة.‏

لكن مهما كانت الأسباب فإن قبائل الهون كانت تحكم كل أوروبا تقريبا، الغربية والوسطى وبعض أجزاء من الشمال، قبل أن تسقط روما. لذلك لم تقم أي محاولة لاسترداد روما. كان الزعماء الأوروبيون من الحكام يعلنون الولاء للإمبراطور، لكن هذا كلام في كلام. لقد بدأت الدوقات تستقل، وبدأ مشروع الدولة القومية يظهر بالتدريج في أوروبا.‏

الظاهرة التي تهمنا هنا والتي كان لها تأثير كبير في مسيرة الرواية هي أن اللغة اللاتينية التي كانت لغة الإمبراطورية لم تعد كذلك، فقد تزاوجت هذه اللغة مع اللغات المحلية وعلى الأخص في إسبانيا وفرنسا وإنكلترا والبرتغال وإيطاليا نفسها. وكان هناك تمايز في كلمة "نعم" بين الشمال والجنوب، بين "الدوك" و"الويل" فميزوا بين لغتين، لكن هذا لم يمنع من أن يطلقوا على اللغة الجديدة اسم الرومانس. فهي باعتقادهم لغة رومانية وليست لغة لاتينية، وهذا هو أساس الاشتقاق اللغوي لكمة romance .‏

لكن هذه الكلمة تعني في الوقت نفسه التجديد والتمرد على اللغة الأم. وعندما يظهر كتاب بهذه اللغة الجديدة كانوا يقولون إنه romance بغض النظر عما يوجد فيه، رواية أم قصة أم مسرحية أم مواعظ أم صرف ونحو. . . الخ. لكن في القرون المتأخرة، في القرنين الثالث عشر والرابع عشر صاروا يطلقون على الرواية اسم romance . ونرى أن تعريب هذا المصطلح خير من ترجمته فنقول رومانسة وليس رواية تمييزا عن الرواية الحديثة، كما أنه أفضل من أن نقول "رواية العصور الوسطى" وقد اخترنا أن نقول "الرواية القديمة" أو "الرواية الإغريقية" لأن الإغريق هم الذين أنتجوها خارج بلادهم، في العصر الهلنستي. إنها رومانسة ولكن بسمات معينة. أما الرومانسة في العصور الوسطى فلا تميزها اللغة الجديدة وحسب بل لها سمات تجعلها تختلف عن الرواية الإغريقية، وإن ارتبطت معها بسمات كثيرة.‏

لكن معنى التمرد والثورة كما عرف في العصور الوسطى ظل ملتصقا بالكلمة. فكل romance تعني المخالفة للسائد، سواء أكانت كتابا أم رواية. وحدثت نهضة لغوية وطفقت اللغات المحلية تزداد ابتعادا عن اللاتينية وتتحول إلى لغات قومية. وفي أواخر القرن الثامن عشر ظهرت الحركات التجديدية في ألمانيا وإنكلترا فاختارت كلمة romance واشتقت منها كلمة رومانتيكي romantic أي المجدد أو الثائر على ما هو كلاسيكي وصار مذهبهم يعرف بالرومانتيكية romanticism أي الثورة على الكلاسيكية. وانتقلت هذه الثورة إلى فرنسا في القرن التاسع عشر، ثم انتشرت في العالم كله.‏

وقد أصر ستندال – وهو كاتب واقعي جدا – على هذا المعنى فرأى أن كل كاتب يجب أن يكون بحكم الضرورة رومانتيكيا يخالف الأعراف الأدبية السائدة، حتى إذا مرت الأيام تحول إلى كلاسيكي. وغرضه من ذلك هو التجديد، فعلى الكاتب ألا يستسلم للمألوف الجاري حتى يكون له اسم مرموق في عالم الأدب. لكن مع الأيام يصبح هو نفسه مألوفا وعلى الأجيال القادمة من الكتاب ألا تستسلم له.‏

الرومانسة إذن هي رواية العصور الوسطى. ولكن لماذا صار اسمها يطلق على روايات سابقة وروايات لاحقة حتى اليوم؟ . . لا لشيء إلا لأنها مزجت بين الواقع أو التاريخ أو ما شئت من الحقائق الملموسة وبين الخيال أو الأسطورة أو الخرافة أو ما شئت من تلك الإضافات التي يستخدمها الكاتب كأنها توابل تجعل الطعام زكيا. ومع اقتراب الرواية من الواقعية صارت تسمى رومان roman فقط من دون أن نعرف سببا لذلك سوى أن التطور اللغوي هو الذي جاء بهذه الكلمة التي هي تخفيف عن romance عند الفرنسيين الذين يهربون دائما من الألفاظ الثقيلة. أما في الإنكليزية فقالوا novel كأنهم يترجمون معنى الرومان roman فاعتمدوا الترجمة وتخلوا عن الأصل.‏

أما الرومانسات في شمال أوروبا فسميت الساغا saga وهي الملاحم القديمة التي أحياها الكتاب بلغتهم الجديدة. وعندما اقتربت من الواقعية صارت تعني قصة العائلة أو قصة المجموعات أو القصة النهر التي تروي سيرة أكثر من جيل، من دون أن يتغير لفظها.‏

السيف والقسم‏

كل أمراء أوروبا الوسطى الغربية يخضعون اسميا للإمبراطور البيزنطي. لكن الواقع أنهم كانوا مستقلين إلى درجة بعيدة. ونظرا لكثرة عددهم، فقد نشأت الإقطاعيات وصارت كل إقطاعية تدعم نفسها بشتى الوسائل. ومن الطبيعي أن ينخرط الإقطاعيون في حروب محلية – بين إقطاعية وإقطاعية أو بين تحالف الإقطاعيات وتحالف معاد. وكانت التحالفات في الغالب عابرة لا تمكث زمنا طويلا. ومع مرور الزمن ظهرت أعراف بين الإقطاعيين ، أو ما يشبه القوانين المرعية تقريبا. مع أن خرقها كان في غاية البساطة. منها مثلا أن يعاد الرقيق إذا فر من إقطاعية معلمه. كان الإقطاعيون يتوهمون أن نظامهم أبدي، ولذلك شادوا القصور والقلاع الحصينة وسوّروها بالخنادق، واستقدموا المدربين لتخريج الفرسان الموالين لهم.‏

من القرن السادس تقريبا بدأت الفروسية تظهر بكامل معانيها التي نعرفها اليوم. والفارس هو الذي أتم تدريبه واستلم سيفه وأقسم يمين الولاء. والفارس منسوب إلى الحصان كما تدل الكلمة الفرنسية شيفالييه ولو قلنا الخيّال لما ابتعدنا عن الحقيقة ولكنه خيّال بعد استلام السيف وأداء القسم.‏

كان الفارس في أيام السلم يقوم بخدمة سيده الإقطاعي. يأتمر بما يكلفه مهما كان. طبعا لم تكن أعمال الفلاحين تسند إليه، لكن أعمال حراسة القلعة والسور والخندق من أولى واجباته. وفي أيام الحرب يخاصم من يخاصمه سيده. كان الفارس عندما يتخرج يضع سيده فوق رأسه سيفا ويربت به على كتفه ويرسمه فارسا بعد أن يؤدي قسم الولاء لسيده، فيستلم السيف ويصير تابعا. كان له لباسه الخاص في السلم والحرب. ولكن الأغلب أنه منذ بداية الصباح يكون شاكي السلاح، بدرعه وسيفه وخنجره. أما الخوذة فيضعها أثناء الحرب أو "المبارزة" التي كانت الألعاب المفضلة في العصور الوسطى، فكانت الساحات تغص بالمتفرجين ويقف كل فارس في جهة ويترامحان وهما ممتطيان حصانيهما. فإذا أوقع فارس آخر، نزل من على ظهر حصانه وامتشق سيفه. ويظل الفارسان يتسايفان حتى يغلب أحدهما الآخر. وهنا إما أن يعفو عنه ويجز غرة شعره أو يقتله إن كانا متعاديين.‏

لكن الفروسية تطورت وصار يظهر فرسان جوالون (سوف يسخر منهم سرفانتس بشخصية دون كيشوت العظيم) ليس لهم من غرض سوى إحقاق الحق وإنصاف المظلومين. وعندما يحل فارس جوال في أي بيت فإنه يجد الترحاب والإكرام والتقدير. هنا جرى تغير قليل في نظام الفروسية وهو أن القسم للفارس الغر أو الذي أنهى فترة تدريبه يتم أمام أستاذه الفارس المخضرم ويكون بأن يتلو مبادئ الفروسية ويقسم ألا يحارب أستاذه. ومن مبادئ الفروسية أن يضحي بنفسه من أجل "الليدي" لإنقاذها إن كانت في ضيق، إلى جانب المبادئ الأخرى التي تدل على الشهامة والعفة والشرف. وكان الفارس الذي يلتزم بمبادئ الفروسية يحظى باحترام أكبر بكثير من الفارس الذي يخرقها، والذي قد يفقد كل احترام ولا يستعيده إذا كانت المخالفة مشينة.‏

كان خرق المبادئ معدوما أول الأمر، ثم ظهر ظهورا خفيفا، ثم صار الخارقون أكثر من الملتزمين مع تحلل النظام الإقطاعي. ولكن كانت الفروسية تلفظ آخر أنفاسها، حيث صار الفرسان يغتصبون الليدي وينهبون ويتسلطون إلا قلة قليلة. . . كانت حاضنتهم قد فسدت وتمزقت في كثير من جوانبها، وصار الفارس يستخدم للغدر والتآمر وكل ما يخالف مبادئ الفروسية الأصيلة.‏

ربما كانت الفروسية الأوروبية قبلة من يريد أن يقدم مثالا واضحا للقراء، لأن ما كتب فيه أكثر بكثير مما كتب عن النماذج الأخرى. ولكن مما يلفت النظر أن الفروسية لم تكن خاصة بالإقطاعية ولا محصورة في أوروبا، ففي اليابان ظهرت طبقة الساموراي، كما ظهرت في الصحراء العربية طبقة الشعراء الفرسان مثل عمرو بن معديكرب وعلقمة الفحل وقيس بن الخطيم وعنترة العبسي والمكدم بن ربيعة وأبي محجن الثقفي ومتمم بن نويرة. . . واللافت للنظر أن الفروسية ظهرت في القرن السادس كنظام له قوانينه وأعرافه، وإلا فإنها فرديا موجودة منذ أن ظهر استخدام الحصان على مسرح التاريخ. واللافت للنظر أيضا أن هذا النظام ظهر في عصر واحد في أوروبا والشرقين الأدنى والأقصى – وما أدرانا فقد يكون ظهر عند الهنود الحمر في هذا القرن الذي يمكن أن نسميه عصر الفروسية العالمي.‏

مرت فترة كان فيها الفرسان الجوالون نقلة نوعية في النظام الفروسي الأوروبي، إذ صار الولاء للفروسية لا للإقطاعي. وهذه ناحية خطيرة أسهمت في تفكيك هذا النظام الإقطاعي. ولكن هذا أيضا أضعف الفرسان أنفسهم فلم يعد أحد من الإقطاعيين يأبه بهم. كان الفرسان الجوالون مصدر ثقة في بداياتهم الأولى. إذا أدلوا بقسم لليدي فإنهم ينفذون ما أقسموا عليه ولو كلفهم حياتهم. وكان الفارس عف اللسان لا يتفوه بكلمة نابية، لا في المجالس العامة ولا المجالس الخاصة، بل يقول ما يجب أن يقوله الفارس المثالي. ثم صار الفارس لا ينزل إلى ميدان المبارزة، من مرامحة ومسايفة، إلا إذا قدمت له إحدى الليديات اللواتي يشاهدن المبارزة منديلا أو وردة.‏

لعبت الوردة دورا كبيرا في إذكاء الفروسية. إنها رمز الليدي، رمز الحب. وكما عصف المغول البداة بالإمبراطورية الرومانية الغربية، عصفت الوردة – إلى حد ما – بالنظام الإقطاعي رويدا رويدا، لأن طبقة الفرسان بدأت تفضل الإخلاص للوردة عن الإخلاص للإقطاعي الذي ضعضعته الظروف الجديدة. كان الفارس يمحض الوردة (الحب - الليدي) غاية الإخلاص والتفاني كأنها بديل عن العذراء. وقولك إن الفارس مخلص للوردة يعني أنها موالاة إلى الأبد، لا يثنيه سوى الموت, ومن هنا نعرف لماذا اتخذت الأسرتان الكبيرتان في إنكلترا شعار الوردة عندما انخرطتا في حرب من أجل العرش. كان شعار أسرة لانكستر الوردة الحمراء، وكان شعار أسرة يورك الوردة البيضاء. وكان كل فريق من الفرسان يلتزم بالوردة التي يقاتل تحت رايتها بعد أن يقسم لها يمين الولاء. كانت الوردة أطول بقاء من الزعماء والإقطاعيين الذين جعلت حروبهم فيما بينهم أعمارهم أقصر من عمر الوردة التي كانوا يقسمون لها يمين الولاء.‏

الوجه الآخر‏

لكن العصور الوسطى لم تكن على هذه الصورة فقط، بل هناك صورة أخرى ظلت مستمرة بعد أن سقطت الإمبراطورية. هذه الصورة هي الكنيسة التي قامت بعدة أدوار:‏

الدور الأول للكنيسة هو أنها حافظت على اللغة اللاتينية التي انحسرت عن الشارع والحياة اليومية واكتفت بالمدارس والمعاهد والجامعات، وبالتأليف الأكاديمي وكان آخر فيلسوف كتب بها هو ليبنتز. لم تكن اللغات المحلية لغات كتابة إلا بعد مرور فترة طويلة من الزمن, وأول كتاب ظهر باللغة المحلية في إيطاليا هو على الأرجح "الكوميديا الإلهية" لدانتي فقد كتبها باللغة الإتروسكانية. لكن المرويات الشفهية كانت كثيرة ومتنوعة وإن لم تدون إلا في القرن الثاني عشر وما بعد. بل إن الساغات الشمالية تأخرت حتى القرن الرابع عشر. فما نراه اليوم من رومانسات الملك آرثر وشارلمان والوردة وساغات الشمال، وقد ظهرت في كتب، إنما كانت في الأصل مرويات شفهية، بل إن أسطورة فاوست الحديثة جدا استمرت عدة عقود تروى شفهيا قبل أن يتناولها فيما بعد أكثر من سبعين كاتبا من مختلف اللغات، وربما صار عددهم اليوم سبعمئة. كما أن سيرة عنترة عندنا ظلت مئات السنين تروى شفهيا قبل تدوينها.‏

والدور الثاني أنها باتت متشددة كثيرا حتى في الهوامش الدينية الصغيرة. فهي من جهة تقدس العذراء مريم ولكنها من جهة ثانية تنظر إلى المرأة نظرة دونية، فهي – أي المرأة – صاحبة الخطيئة الأولى التي صار البشر يتوارثونها، وهي مسكن الشيطان، يلبسها ليغوي بها الناس.‏

والدور الثالث أنها غدت – كما ينتقدها دانتي – قوة مادية تحارب من لا ترضى عنه من الزعماء الإقطاعيين فساهمت بصورة مباشرة أحيانا في تفكيك الإقطاعية وبالتالي نظام الفروسية. ولم تكتف بالمؤسسة العسكرية وتسيير الجيوش ضد الكفار والمرتدين، بل صارت لها مؤسسات أخرى تشرف على الحياة اليومية من أمثال ديوان التفتيش الذي انتشر في كل بلدان أوروبا الجنوبية والوسطى.‏

لكن هذه المواقف كانت ترافقها باستمرار الدعوة إلى الطهر والتعفف والتمسك بالفضائل والابتعاد عن حبائل المرأة الشيطان باعتبارهما مبعث الفتن والشرور. ومع كل الانتقادات التي يمكن توجيهها إلى الكنيسة، فلا نكران أن الدعوة إلى الحب الإلهي والترفع عن مطامع هذه الدنيا ومغرياتها، كانت دعوة مستمرة، على الرغم من تهافتها على المادة والاكتناز. كانت دائما تدعو الناس إلى الصوفية والتنسك والحب الروحاني.‏

الــــصراع‏

كانت الكنيسة تخوض صراعا ضد الإقطاعيين الذين حققوا استقلالية فعلية في مقاطعاتهم. وبالطبع كان الولاء للكنيسة مقياس التحالف أو الصراع. وكانت الكنيسة تستغل لجوء بعض الإقطاعيين إليها لاستصدار مرسوم كنسي بتأييدهم وبتكفير خصومهم لاستخدام الدين كسلاح في المعركة. لكن هذا الصراع بينها وبين الإقطاعيين الذي يخف ويزول ويتحول إلى تحالف أحيانا، قد يتحول إلى صراع حربي أحيانا أخرى، ولم يكن الصراع الوحيد، بل هناك صراع صامت كان يدور بين الكنيسة ونزوعات البشر الجسدية. والكنيسة في موقف المحارب دائما لهذه النزوعات. فالإنسان ابن الخطيئة الأولى وعليه أن يتطهر منها بالمعمودية. ولا يعني هذا أنه صار في حرز من الخطيئة، بل عليه أن يتبع تعاليم الكنيسة وإلا هلك. كانت الكنيسة باختصار تطالب بجنس بشري أقرب إلى الملائكة. لكن البشر يدركون بحسهم الفطري أن هذه الخطيئة هي سبب وجودهم. وكل ما يصدر عنهم ينبع من طبيعتهم التي إن لم تتغير فسيبقون يتخبطون في علاقاتهم من حب وكراهية ومن استئثار وتضحية. . الخ. لهذا فإن كل الليجندات المسيحية تقوم على إذلال الجسد وقمعه بشتى الوسائل كما فعلت ماري القبطية. لكن كل هذه الليجندات لم تفعل شيئا. ظل البشر يقترفون الخطيئة الأولى والثانية والثالثة. . . إنهم يقترفون الخطايا السبع بل السبعين على الرغم من صراخ الكنيسة. وعمدت الكنيسة إلى كرسي الاعتراف وتقديم القربان لمغفرة الخطايا. كان هذا يحدث في العيد الكبير وفي المعمودية والوفاة. ثم صار يحدث في كل الأعياد، ثم صار يتكرر يوميا. وأدركت الكنيسة أخيرا أنه لا خلاص من الخطيئة إلا بالاعتراف والقربان، كأن هناك عقدا بينها وبين الناس بأن يخطئوا وأن تغفر. لكن لا بد من أن يكون هناك صراع ولو كان يتلوّن حسب الظروف بينها وبين الناس. وأخطر صراع كان موقفها ضد النزوعات الفكرية والفنية للإنسان. كانت ضد الأدب والفن والرقص والغناء، ومنعت تعليم الفلسفة. أما الإمبراطورية البيزنطية فقد تأخرت في إغلاق مدارس الفلسفة حتى أواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع، ثم منعتها منعا باتا. وظلت الفلسفة في نظر الدين موقفا تشكيكيا لا تقبل به الكنيسة، مثلما أن الغناء والرقص وقصص الحب والفن عموما رجس من الشيطان، ومدخل إلى الفسق والفجور والانغماس في الرذيلة. إن الكنيسة أرادت إنسانا بلا رسم ولا رقص ولا غناء ولا موسيقى ولا فلسفة ولا أدب ولا شعر. . . إلا ما سار على ترسيماتها هي. كانت تطلب من الناس المستحيل. أرادت أن تسد هذا الفراغ الكبير والخطير بالصوم والصلاة والليتورجيات الموسيقية والغنائية التي لم تشبع الناس، فظلوا يتهافتون على "الخطيئة" حسب مفهومها.‏

بدأت الثورة على الكنيسة بعد القرن السادس، ليس عل يد عامة الناس، بل على يد الكتاب، ومعظمهم إن لم نقل كلهم كانوا من الكهنة، يخدمون في الكنائس والأديرة، باستثناء قلة قليلة.‏

فجرت النهضة الأوروبية برياحها اليونانية عهدا جديدا، كما سوف نرى. لم تعد الكلمات تهمس همسا، بل صارت تقال جهرا واستمر ذلك حتى القرن الثامن عشر، حيث انتهت سلطة الكنيسة. ففي هذا القرن على سبيل المثال، يظهر كاتب كاهن هو القس أنطوان فرانسوا بريفو الذي سنعرض له في الأحاديث القادمة، ليعلن صراحة: إن الحب وإن كان يخدعنا كثيرا، إلا أنه يعدنا على الأقل بألوان من الرضى والسعادة بينما يطلب منا الدين أن نزاول ألوانا من الحزن والعذاب.‏

الجهر بالحب وتمرده على التعاليم الكنسية هو الذي جعل الرواية القديمة أو الرومانسة اليونانية تعود إلى الظهور ولكن بحلة جديدة، ابتداء من القرن السادس بمرويات شفهية أول الأمر، حتى عصر النهضة الذي كان له زخم خاص، حيث بدأ عهد الطباعة يعطي تأثيره الكبير. كانت في بدايتها عبارة عن مرويات شعبية ولكنها سجلت فيما بعد، وتعتبر حلقة هامة جدا بين الليجندة المسيحية والرواية الحديثة.‏

الهدف الأول للناس هو السعادة. وهذا هو السبب في تهافتهم على أي مذهب أو عقيدة أو دين جيد. فما إن يظهر مذهب حتى يسعى الناس إلى اعتناقه، سعيا وراء السعادة. ولكن بما أنهم ينتجون البؤس اليومي في علاقاتهم وتصرفاتهم، ولا تستطيع العقيدة الجديدة تلبية نزوعاتهم إلى السعادة فإنهم يأخذون بتصفية حسابهم مع ما كانوا يعتقدون ويؤمنون. قد يستغرق هذا أزمانا طويلة، لكنهم في النتيجة يصفون الحساب. لقد حدث هذا منذ تباشير التاريخ وحتى عصر التكنولوجيا. إن التكنولوجيا اليوم تلعب الدور الذي كانت تلعبه الكنيسة من قبل. إنها دين جديد يعد الناس – كما اعتقد المستقبليون الطليان والروس – بالسعادة والرفاه والنعيم المقيم. إنه دين يعد بإقامة الفردوس الأرضي. وراح الناس يؤمنون به كما آمنوا بما سبقه من أديان، فإذا لم يجدوا ما يرضيهم صفوا حسابهم معه.‏

صحيح أن الليجندات الكنسية قد انتهت، أو بالأحرى قد انحصرت فقط بمراسيم كنسية، لكنها – وهي التي تنقل بصدق مطالب الكنيسة – لم تمر عبثا، بل كان لها تأثير بعيد كما سوف نرى. فهي من جهة كانت فاصلا اعتراضيا بين الرومانسة القديمة (الرواية اليونانية) والرومانسة الوسطوية، ولكنها من جهة أخرى أثرت في الخواتيم التي كانت متبعة في الرومانسة التي ظهرت في النصف الثاني من العصور الوسطى.‏

على جانب الليجندات الكنسية كانت هناك ليجندات مدنية من أمثال لوكريسيا وآل بورجيا. . . لكنها لم تكن توازي الليجندة الدينية في الكمية والانتشار.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244