|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 02:53 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الرومانــسات الشــعرية ظاهرة عالــــمية كان الفارس قديما يتدرب في مدارس العسكر على نوع أو أنواع من الأسلحة. فقد يختص بالرماية أو المرامحة أو المسايفة وركوب الخيل، وقد يتدرب على هذه الأشياء كلها إذا كانت الخيول متوافرة لجميع المحاربين. وفي بعض البلدان كان الفارس يصاحب فارسا فيتدرب على يديه، وأحيانا كان يدرب نفسه بنفسه، كما فعل عنترة وكثير من فرسان العرب. ابتكار اليونان للرياضة: من الجري حتى سباق الخيل والملاكمة والمصارعة، جعل الفتى يعد إعدادا بدنيا خارج المؤسسة العسكرية. إسبارطة وحدها كانت ذات نزعة عسكرية، تتشدد في تدريب الفرسان. وفي هذا الشأن لم تلتفت روما، وريثة اليونان، إلى الطريقة الأثينية، بل سارت على الطريقة الإسبارطية مع إضافات كثيرة جدا، إذ أن الرومان حولوا المسارح إلى حلبات صراع حتى الموت لإشاعة الشجاعة، فقد كانوا يريدون خلق شعب مقاتل بكل أفراده. وبالفعل كان الرومان شعبا أعد للغزو، لذلك انتشرت في أرضه مدارس التدريب على المصارعة والمجالدة والقتال. وظهرت طبقة من متعهدي حفلات المصارعة حتى الموت في قلب المسارح الكبيرة التي تتسع لأكثر من ثلاثين ألف نسمة. لكن عندما سقطت الإمبراطورية الرومانية الغربية وقامت القلاع الإقطاعية في محاولة للاستقلال، صارت الحاجة إلى طراز رفيع من الفرسان أشد بكثير من حاجة الرومان. والسبب أن الإقطاعي كان بحاجة إلى الفرسان حفاظا على كيانه ووجوده. وأي تهاون يعني أنه قد تطير منه إقطاعيته، وقد يطير رأسه من بين كتفيه. هذا الوضع، أو هذا الخوف، هو الذي أنشأ نظام الفروسية الصارم. وهو نظام – أظن – مقتبس من الحياة الخشنة للقديسين المسيحيين الذين كانوا يهينون جسدهم ويخضعون لشتى أنواع التعذيب، مثلما هو مقتبس من الفروسية الرومانية الشهيرة. وعندما شاع نظام الفروسية لم يتوان بعض الكهنة عن تعلمها. فالكاهن جان أو يوحنا ليس كاهنا فقط في رومانسة رابليه "غارغانتوا وبنتا غرويل" بل إنه من أشجع الفرسان، وقد حارب ببسالة نادرة. يؤخذ الصبي وهو في السابعة إلى القلعة ولكنه لا يتخرج فارسا إلا في الثالثة والعشرين من عمره. يمضي أكثر من عقد ونصف العقد وهو يتدرب على أنواع الفروسية، قبل أن يصل إلى حفلة التخرج المهيبة. في القلعة كانت تربية الفارس تسير في خطين متوازيين: القتال والدين. وفي كل قلعة يوجد كاهن أو أكثر لزرع الإيمان في النفوس فيضمن السيد مزيدا من الولاء له من فرسانه. ومعظم الحروب كانت تحصل باسم الدين، ولو لم يكن للدين يد فيها. فالسيد يتهم خصمه بالمروق من الدين قبل أن يشن عليه الحرب، ليدب الحماسة في نفوس فرسانه. طبعا تعتبر الرماية والمرامحة والمسايفة من الأمور البديهية لتدريب الفارس. إلى جانب ذلك لا يبقى شيء نابع من طبيعة البلاد لا يتعلمه. القتال في الغابات الأراضي المكشوفة والأراضي الوعرة ونصب الكمائن وتسلق الجبال والحبال والأشجار وعبور الأنهار والقفز فوق الحفر والطرق المختلفة لعبور خندق القلعة. . . وهناك تدريب لكل أداة من الأدوات التي تكون لازمة للفارس. أما السباحة وركوب الخيل ومصارعة الوحوش (التي قد تعترض الفارس في الغابة) فهي تدريبات هامة ومستمرة. إلى جانب ذلك كانت هناك تدريبات خاصة على الاحتمال كالتعرض للتعذيب والجوع والعطش. . . باختصار لم يكن هناك شيء يحتاجه الفارس من دون أن يتدرب عليه، من أمثال مثوله أمام السيد أو تحيته للسيدة أو دخوله المنزل. وكانت دروع التدريب وكذلك السيف والترس أثقل مما هي عادة، والغرض أن يجيد التحرك تحت هذه الأثقال الحديدية التي يضطر لاستخدامها عندما يحين زمن التدريب على ركوب الخيل (في الرابعة عشرة على الأغلب) حيث يقوم بتعلم حركات خاصة متقنة. ليس في مقدور أي شخص أن يصبح فارسا. فالفرسان يأتون من البيوتات العريقة من "المحترمين" أو من "أبناء الذوات" كما نقول في هذه الأيام. لكن في حقل التدريب لا ينظر إليهم مدربهم إلا باعتبارهم تلامذة صغارا لا بد أن يقسو جدا في تدريباته حتى يكونوا جاهزين تمام الجاهزية لمهامهم المقبلة. إلى جانب ذلك كانت القلعة موئلا أيضا للصبايا الحسان، فإذا تخرج الفارس في حفلة مهيبة لها تقاليدها وطقوسها وصلى وتناول القربان، كان عليه أن يختار حسناء من الحسان المقيمات في القصر، وبذلك يكون لكل فارس ليدي يظل مخلصا لها طيلة حياته، ويفديها بروحه إذا اضطر إلى ذلك. إنه خادمها الأمين الذي يكرس لها جهوده كلها ولا يتوانى لحظة عن تلبية مطالبها. وبذلك يضمن الإقطاعي إلى جانب الولاء لشخصه وللدين ولاء جديدا للمرأة. لم تكن هذه الظاهرة موجودة في العصور السابقة. إنها وليدة تلك العصور التي نسميها العصور الوسطى، عصور السيادة الدينية المتشددة. كانت مصالح الإقطاعي فوق كل اعتبار. وفي المبارزات كان كل فارس يدفع برمحه إلى سيدته التي أدى يمين الإخلاص لها، فتعقد حوله منديلا أو شالا أو تربط به وردة أو أي أثر منها، ليبارز بحماسة. وإذا حضر فارس غريب فإنه يطوف على رواق المتفرجين مادا رمحه، فإن لم يجد من تـقدم له أثرا منها يموت من أجله، رفض الفارس الآخر مبارزته لأنه يصبح في مرتبة منحطة، فهو مهزوم أصلا، ما دام لا يجد الليدي التي تبسط عليه بركتها وتمنحه حبها. إنها ظاهرة جديدة لم تعرفها الفروسية خارج أوروبا، لا عند اليابانيين ولا عند العرب. كان للفرسان درجات ومراتب. وليس هذا خاصا بأوروبا. وكانت لهم عادات مشتركة كجز الناصية أو الاستحواذ على الخوذة أو قتل الفارس الذي يتأبى عن تلبية طلب المنتصر. أخلاق الفروسية ظاهرة عالمية: من صدق وإخلاص وحرص على العهد واحترام الوعد، وإنقاذ المظلومين والوقوف دائما إلى جانبهم. والفارس لا يكذب، ليس أمام أصدقائه فقط، بل أمام أعدائه أيضا. لكن لندع هذه الظاهرة العالمية ولنعد إلى أوروبا العصور الوسطى. لا يختلف الفرسان في الدرجات والوظائف وحسب، بل يختلفون في الموت أيضا، فتحل اللعنات إن كانت الميتة من أجل سبب سخيف، لكنه يصبح ممجدا إن مات فدى لليدي التي أقسم لها يمين الوفاء. وبعض الفرسان لم ينالوا الشهرة إلا بعد مقتلهم من أجل الليدي. طبعا إلى جانب هذه الميتة هناك ميتتان ممجدتان: من أجل القلعة أو من أجل الدين. تخرّج الفرسان لا يعني أنهم ضمنوا العيش الرغيد والحب السعيد، وبعد اختيار الليدي لا يعني أن الليدات حصلن على السعادة وإن كن فخورات باختيار الفرسان لهن. فقد يغضب السيد لأتفه الأسباب فيزج بالمغضوب عليهم في غياهب سجن القلعة، وهو قبو تحت الأرض dangeonيزنخ فيه الهواء ولا يرى نور الشمس. ويقبع فيه الفرسان والليديات، في انتظار فارس شهم يحررهم. وقد انتشر الدانجون كنموذج في الأديرة والكاتدرائيات والقصور، وسيلعب الدانجون دورا في الرومانسات، حيث يكون نزلا لكثير من مشاهير الفرسان والعشاق والليديات، بل للأدواق والدوقات وسواهم أيضا. من دون فهم هذه الظروف التي تجمع بين الحياة الرومانية والكنسية والإقطاعية والفروسية والحب والمفاهيم الأخرى... لا يمكن أن نفهم معنى الليجندة والرومانسة والساغا والبورلسك...، بل قد ننفر من قراءة هذه الأنواع. انبـــــعاث عندما سادت الليجندة المسيحية تخلفت الرواية القديمة أو الرومانسة الإغريقية، في سوق التداول. لكن عصر الفروسية تقبلها بل اعتبرها من أرقى الآداب، لأنها تلائم المزاج السائد في هذا العصر، وهو مزاج الحب والحرب. وقد شمل الانبعاث كل الروايات القديمة التي تحولت إلى قصائد شعرية طويلة. من الروايات التي انبعثت من جديد مثلا رواية الإسكندر المكدوني التي تحدثنا عنها من قبل وفيها الكثير من البطولات والعشق. لكنها لم تنبعث في شكلها القديم، بل نظمت شعرا وبلغت عشرين ألف بيت، وممن اشتهر بنظمها لامبرت دي تور وألكسندر دي برناي. كما أنها لم تنبعث في مضمونها القديم تماما. صحيح أن البقايا التاريخية العامة ظلت كما هي لكن الإضافات كانت كثيرة جدا، واختلقت أحداث جديدة وبشكل خاص أحداث ذات أجواء سحرية. وإذا كان الرومان حافظوا على رواية الإسكندر اليونانية، فإن العصور الوسطى صاغتها حسب ذوقها ومزاجها. وكمثال على ذلك نشير إلى قصة أرسطو مع الإسكندر كما جاءت في الرواية الشعرية الجديدة، أو الرومانسة الشعرية. فقد لام هذا الفيلسوف تلميذه لأنه تدله بحب غانية هندية، فحذره ونصحه بأن يهجرها فذلك خير من أن تسلبه عقله. وبما أن الحب الجسدي في العصور الوسطى مقموع دينيا، مطلوب فروسيا، فقد جعلت هذه الرومانسة الشعرية الحب يتنصر انتصارا كبيرا. فلاحظت الغانية شرود الإسكندر فسألته فاعترف، فقالت له أنظر غدا صباحا من النافذة. ونظر من النافذة صبيحة اليوم التالي فذهل لما شاهده: رأى معلمه يسير على أربع والغانية تمتطيه فيطوف بها في الجهة التي تشير إليه. يقف ويتحرك بأمرها. والغرض من إدخال هذه القصة في رواية الإسكندر (التي صارت الآن رومانسة شعرية موزونة) إظهار أن الجمال هو الأقوى، أقوى من أي شيء في الوجود. إنه أقوى من أعظم قائد في العالم، وأقوى من أكبر فيلسوف في البشرية. وهكذا كل رواية إغريقية قديمة تتلاءم مع روح العصور الوسطى، أي مع الفروسية، تنبعث من جديد وتسمى الرومانسة الشعرية، وليس الرواية ولا الملحمة. أما إن لم تتلاءم فإنها تعدل أو يضاف إليها حتى تتلاءم مع العصور الوسطى. . . مع روحها الفروسية، مع الحب والحرب. وقد كتبت رواية الإسكندر شعرا عدة مرات، لمؤلفين مختلفين. ازدادت الرومانسات الشعرية في هذا العصر حجما وعددا. وقد انتشرت بين الشعب رومانسات مجهولة المؤلف مثل "رومانسة طيبة" التي تبلغ عشرة آلاف بيت. والأرجح أن يكون التأليف جماعيا، أي إن كل شاعر كان يضيف قصة مثيرة على الرومانسة الكبيرة. وكالعادة نجد لطيبة وجها تاريخيا وواقعيا ولكنه مطمور بقصص العشق والفروسية، وكذلك رومانسة "طروادة" التي بلغت ثلاثين ألف بيت على يد الشاعر بنوا دي سانت مور. وهي مثل غيرها من الرومانسات: أي حب ومغامرات متتالية بشكل عجيب. كل الروايات القديمة تقريبا انبعثت من جديد ولاقت رواجا كبيرا، حتى أن بعض الناس كان يحفظ منها أكثر مما يحفظ من الصلوات أو الكتاب المقدس أو الوصايا الكنسية. كان الحب قد ظهر قويا على الساحة. ويمكن الإشارة إلى أبرز ميزاتها كالتالي: 1 – كلها نظمت شعرا مما يدل أن الشعر كان مرغوبا ومطلوبا. وكانت القافية خفيفة لطيفة قد تقتصر على بيتين أو أكثر بقليل. وكان بعض الناس يحفظ معظم الأبيات الجميلة. وكانت تروى في الأماسي بين تجمعات السكان. والشعر أقرب إلى الغنائية. إن الدرامية التي فيه تخدم الغنائية، أكثر مما تخدم الغنائية الحركة الدرامية. ففي المواقف التي يتوهج فيها الحب تتريث الرومانسة لينطلق الشاعر متغنيا بالعشق الساحر الذي يأسر قلوب الناس. 2 – العجائبية التي نراها في الرومانسات الشعرية تتحقق – كما في الرواية القديمة – على يد آلهة قديمة إغريقية أو رومانية، وفي المقدمة طبعا فينوس وكيوبيد. وهكذا نلاحظ أن الناس، وبعد مئات السنين من الكرازة المسيحية، ظلوا متمسكين بالتراث الأدبي القديم، كأنهم لم يسمعوا بالمسيح أو العذراء أو القديس اســتيفانوس أو الـمبارك بين الـشهداء جاورجـيوس. قرون وقرون انـصرمت والناس تعيش في الأجواء الروائية القديمة. 3 – الضعف السردي واضح في كل الرومانسات، وكثيرا ما يسترسل الراوي في جزئيات لا تخدم السياق الروائي، مما أدى ظاهريا إلى تشويه الروايات القديمة. ولكن من باب آخر، كانت هذه الجزئيات، وهي تتركز حول الحب، تدل على اتجاه الناس نحو الرومانسة العشقية، وعزوفهم عن الليجندة المسيحية التي لم يجدوا فيها إلا العذاب والموت. . . كانوا يبحثون عن نهاية سعيدة ولو في القصة. 4 – ومع ذلك صرنا نجد ميلا إلى الواقعية في هذه الروايات فالدور الذي تلعبه الآلهة القديمة ينحسر كلما تقدمنا في الزمن من رومانسة إلى رومانسة. 5 – ربما كان الاختباء وراء الآلهة القديمة نوعا من النوستالجيا للدين القديم، والاحتجاج على الدين الجديد الذي أدار ظهره للحب البشري. ومما يرجح ذلك أن النهضة الأوروبية كانت نهضة إنسانية عادت إلى الحق والخير والجمال وليس إلى الإيمان والمحبة والرجاء أو الآب والابن والروح القدس. لقيت الروايات القديمة، بعد أن تحولت شعرا إلى رومانسات تلائم ظروف العصور الوسطى رواجا كبيرا ويكفي أن تترجم رواية "طروادة" إلى ثلاث عشرة لغة أوروبية حتى ندرك أهمية الرومانسات الجديدة عند الناس. رومانسة الوردة: احتجاج حقيقي ربما كانت "رومانسة الوردة" أول رومانسة من إنتاج العصور الوسطى. وتأثير الفروسية واضح فيها على الرغم من الرموز التي استخدمتها. إنها تعكس موقف العصور الوسطى من الحب، ومن المفاهيم الكنسية أيضا. لم ينظم مؤلفها الأساسي غيلوم دي لوريس غير 4266 بيتا، أما جان دي منغ فوصل بها إلى أكثر من 22500 بيتا. ربما استلهمها غيلوم من المرويات الشعبية، وربما كانت قصة فارس ناضل كثيرا حتى أنقذ الليدي من سجن القلعة. لكنه ارتفع بها من مستوى السرد النثري إلى الأجواء الشعرية، ومن القصة الواقعية إلى القصة الرمزية. رومانسة الوردة من حيث السرد بسيطة جدا، فهناك فارس اسمه المحب أو العاشق. يريد أن يدخل حديقة غناء فيها المجد والعظمة والسرور والمتعة والغنى وإله الحب كيوبيد وكل ما يتمنى الإنسان لتحقيق الحياة السعيدة. ولكن هناك أسوارا تحيط بهذه الحديقة. وهذه الأسوار اسمها الحسد والغيرة والخسة والنميمة وكل الرذائل التي يرفضها القلب النبيل. وعلى هذا الفارس أن يبذل كل جهد حتى يتغلب على هذه الأسوار ويدخل الحديقة التي هي رمز للحب والسعادة والحياة الناعمة الرضية. وسط الحديقة يرى قلعة فيها وردة أي الليدي التي ينشدها قلب الفارس. إلى جانب هذه الوردة هناك فتاة اسمها العفة. والقلعة تطبق أبوابها وتغلقها تماما حفاظا على الوردة. وهناك وحش هائل على البوابة اسمه الخطر. ويستطيع الفارس الشهم، بمساعدة شخص اسمه الصداقة أن يتغلب على الأسوار: أي على الغرور والغطرسة والنميمة. . . وبقية المفاسد. ويدخل الحديقة. وعلى الرغم من أن الوردة موجودة في داخل القلعة إلا أنه بحسه أو بحبه يتخيلها كما هي تماما. هنا ينتهي ما نظمه غيلوم ويبدأ دور دي مينغ فيتابع السرد، ولكن هذه المرة بلهجة ساخرة منتقدة العادات التي فرضها الدين الجديد، ويتهكم على الاتجاه النسكي الذي فرضه، والذي يرفضه القلب البشري. وبعد مغامرات عديدة يتغلب الفارس العاشق على الخطر، أي الوحش الذي يحرس بوابة القلعة. وبمساعدة المرأة العجوز يتغلب على حارسة الوردة وهي المرأة التي اسمها العفة. وبالانتصار على العفة يتمكن الفارس من شم عبير هذه الوردة الجميلة التي ترمز إلى الليدي. يبدو تأثير الثقافة القديمة ليس في وجود فينوس وابنها كيوبيد الذي ما إن يدخل العاشق إلى الحديقة حتى يشك قلبه بسهم الحب، بل أيضا في كلام المرأة العجوز. إنها تذكرنا تماما بالشاعرة اليونانية "سافو". إن نصائحها للوردة هي نفسها النصائح التي كانت تقدمها "سافو" للفتيات اللواتي كن يأتينها. إن المرأة العجوز قهرمانة خبيرة بشؤون العشق والحب والتضحية والمغامرة. فتقدم النصائح لكل فتاة تريد أن تكون معشوقة، فتعلمها كيف تميس وكيف تأكل أمام حبيبها بلطف وهدوء وكيف تتحدث وكيف تجمل عينيها وخديها، وماذا تلبس وكيف تغير ألوان ثيابها وكيف تبتسم. . . إنها نصائح عجوز مخضرمة مرت بكل تجارب الحب. تختلف رومانسة الوردة عن كل الرومانسات الشعرية الأخرى التي حولت الروايات القديمة إلى رومانسات. إنها تختلف عن رومانسة الإسكندر أو رومانسة إنياس (وهي مأخوذة من ملحمة فرجيل "الإنياذة") أو رومانسة "طيبة" أو رومانسة "طروادة". صحيح أن تلك الرومانسات أولت الحب اهتماما خاصا ولكنها لم تكرسه كما كرسته رومانسة "الوردة". في تلك الرومانسات كثير من المغامرات، بينما رومانسة "الوردة" لا وجود إلا لمغامرة واحدة هي الحصول على الوردة. طبعا ينظر النقاد اليوم نظرة استخفاف لهذه الرومانسة، ولغيرها من الرومانسات أيضا. فالقارئ اليوم يمل من قراءة تفصيلات مرهقة لا تخدم السرد الفني للرواية. حتى أن ول ديورانت يعجب كيف أتيح لهذه الرومانسات أن تحظى بهذه الشهرة الواسعة. وطبعا هذا حكم صادر عن ذوق جديد بعد أن قطعت الرواية شوطا بعيدا من التطور واقتربت من الواقع كثيرا. لكننا لو أخذنا بالحسبان ظروف العصور الوسطى وكيف حاولت المسيحية محاربة نزعات العشق، وحبس الإنسان في كشتبان الحب الإلهي الذي يقوم على احتقار الجسد وإدانة كل توجه حبي، لرأينا أن هذه الرومانسات لم تظهر عبثا. فلمناوأة النظرة المسيحية استدعيت الرواية القديمة وحوّلت إلى رومانسات، وظهرت رومانسات جديدة أكثر جرأة إلى درجة أنها اقتصرت على الحب وحده. ورومانسة الوردة هي من هذا النوع. والناس لم تقبل عليها لسردها المفكك أو شعرها العامي، بل أقبلت عليها نظرا للحب الرفيع الذي يرضي نزعة عميقة في قلوبهم التي ملت احتقار الجسد والانكباب على الصوم والصلاة. لقد انجرف الناس في الاتجاه الذي لا ترغب فيه الكنيسة. وما الانتصار الأخير الذي يتحقق في رومانسة الوردة سوى انتصار على الكنيسة. إنه انتصار الفارس، بمعونة المرأة الخبيرة على العفة. وهو شرط الوصول إلى الوردة. ومن الواضح أن المؤلف اختار العفة (أو قل النسك والتبتل) لتكون رمزا للكنيسة، ولتكون العقبة الأخيرة التي يجب أن يتغلب عليها الفارس حتى ينال الوردة. وما لجوء مؤلفها الأول إلى الرموز سوى دليل آخر على خوف الناس من التكفير وما يتبعه من محاكم تفتيش وأقبية تعذيب. من المتوقع أن يكون القسم الثاني من الرومانسة قلقا مضطربا ومتناقضا في بعض الأحيان، لأن المؤلف ذو عقلية مختلفة ونظرة معاكسة أحيانا للمؤلف الأول، حتى أنه راح يسخر من المرأة وينكر دور الحب. . . وقد استمر اللعب بالرموز طويلا مما أفسد اللغة ودفع القارئ إلى الدخول في مزيد من التحذلق والحشو والتناقض. لكن هذا القسم أجرأ من القسم الأول بكثير، وفيه سخرية من العادات والتقاليد التي أشاعتها الكنيسة، فليس سهلا أن تسخر وليس بين يديك من أدوات سوى الرموز. ننظر اليوم إلى هذه الرموز نظرة استخفاف، فنراها فجة مضطربة متناقضة. ولكن الناس في ذلك الزمن كانوا يفهمون هذه الرموز فهما خاصا. ولو لم يفهموها لما استطاعت رومانسة الوردة أن تنتشر مثل هذا الانتشار المذهل. ولكن حتى في القسم الثاني المضطرب نجد أن المؤلف – وهو دي مينغ – يصدر عن فلسفة بعيدة الدلالة وعميقة، وترجع إلى الفلسفة الإغريقية. ولكنها أيضا فلسفة بسيطة وخلاصتها أن الأشياء تنطق بطبائعها. يعني أن الأشياء تسير على قوانينها الخاصة. والمقصود بالأشياء الطبيعة وكل ما تشتمل عليه. إذن للطبيعة (بأي مظهر تجلت: بالإنسان والأحياء أم بالنبات والجمادات، أم بالشمس والكواكب والأقمار والنجوم) قوانينها الخاصة. وكل مخالفة لهذه القوانين لا تجلب إلا الكوارث في الطبيعة المادية أو في الطبيعة الإنسانية. واحترام قوانين الطبيعة هو المدخل الحقيقي للتحرر والسعادة. وبما أن الكنيسة غير متصالحة مع الطبيعة الإنسانية، بل تعتبرها نتاج الخطيئة الأولى، فإن هذه الفلسفة تعتبر من أخطر خصوم الكنيسة. إنها أخطر من أي مخاصمة جدلية في مبادئ الدين. والحب؟ إنه طبيعة بشرية. إنه وجود اجتماعي. لو لم يكن هناك ذكر وأنثى لما كان هناك حب. . . ولا مجتمع أو أدب. لا أحد يغامر اليوم بإعادة طباعة رومانسة الوردة. ولكن عندما ظهرت المطبعة كانت من جملة الكتب التي كان لها أولوية في الطباعة مع الكتاب المقدس والكتب الأخرى. وقد أعيدت طباعتها عشرات وعشرات المرات. بل كان الناس يقتنون أكثر من نسخة من نسخ الطبعات المتتالية التي لا تكاد تنزل إلى الأسواق حتى تختفي. قد نعتقد أن رومانسة الوردة فريدة من نوعها، ولكنها في حقيقتها ليست أكثر من صياغة روائية لما كان يعرف بالحب البلاطي أو الكورتوازي أي الحب الرفيع، أو ما يسميه العرب الحب العذري. أو يمكن القول إن رومانسة الوردة هي فلـسفة موسـعة ومفـصلة لـما يـسمى الحب الرفيع الذي يحتاج إلى وقفة وإن كانت عابرة. الحـــب الرفــيع الشعراء الذين أشاعوا هذا الحب يسمون الشعراء الجوالين. وكانت الأسبقية لشعراء فرنسا الذين يدعون في الشمال التروفير ويدعون في الجنوب التروبادور. في الشمال كانوا يستخدمون لغة شمالية تسمى لغة "الدوك" وفي الجنوب يستخدمون لغة جنوبية تسمى لغة "الويل". والدوك والويل معناهما "نعم" ولكن استخدمت هاتان الكلمتان للتفريق بين لغتين. قيل ما قيل في أصل هذه التسمية. فقيل إن تروبير تعني المبدع وأن تروبادور تعني الجوال أو البروفنسالي (مواطن إقليم برفنسال) ولكن ول ديورانت يرجع الكلمتين إلى كلمة طرب العربية. فالتروبادور وكذلك التروفير (وأصلها تروبير) هم الشعراء المطربون، أي الغنائيون الذين يجيدون الطرب، أي "التغني بالحب". كل ما في الأمر أن الكلمتين اختلفتا بين الشمال والجنوب نظرا لاختلاف لغة الويل عن لغة الدوك فقط. لكن أصل التسمية لا يهم لأنهم كانوا ظاهرة عامة ليس في فرنسا وحدها بل في كل أوروبا وكانت لهم تسمياتهم الخاصة في كل بلد. ذهب النقاد كل مذهب في تفسير الحب الرفيع، فذهب بعضهم إلى أنه الحب المتأثر بالكنيسة وحبها الروحاني للعذراء، وكل ما فعله حب البلاط (الكورتوازي) أو الحب الرفيع هو أنه وضع الحبيبة (المسترس أو الليدي) مكان ملكة السماء مريم العذراء. فهو حب عذري نقي بعيد عن الجنس مجرد من الأهواء الجسدية. ولهذا السبب يضحي الفارس بحياته من أجل الليدي التي حلت محل ملكة السماء. لا هدف عنده إلا أن ينفذ طلباتها ويحقق رغباتها مهما كانت، إلى أن ينالها أخيرا. هذه "العفة" ذاتها هي التي فرضتها الكنيسة أو دعت إليها وهي ذاتها التي تغلب عليها الفارس في رومانسة الوردة. ولكن مع ذلك ظل الحب عفيفا عذريا لم يتطور إلى حب دنيوي حقيقي. أو بالأحرى إن القصة تنتهي هنا بحب ناعم هفهاف يمسك بالقلب البشري ويمنحه الدفء. ولا وجود لأي تبذل. قد يكون للعفة التي دعت إليها الكنيسة ذلك التأثير الذي يشدد عليه بعضهم. لكننا نعتقد أن الحب الرفيع أبعد من ذلك بكثير للأسباب التالية: 1 – لم يكن له وجود قبل المسيحية، لأن وضع المرأة في المجتمعين اليوناني والروماني كان وضعا ممتازا. فأكثر آلهة اليونان من الإناث، وكذلك الرومان. كانت المرأة ذات مكانة محترمة. فالمرأة ليست مسؤولة عن الخطيئة الأولى التي لم يؤمن بها اليونان أو الرومان. بل إن مكانة المرأة الرومانية ارتفعت إلى درجة كبيرة في كل المجالات، فكانت زوجة الإمبراطور ذات كلمة لا تقل عن كلمة الإمبراطور. أما في المسيحية فصارت المرأة مجموعة من الإغواءات والشرور يسكنها الشيطان. وهذا يدل أن الحب الرفيع كان ردا على موقف الكنيسة من المرأة أكثر من كونه استجابة للعفة المسيحية التي حاربها فارس رومانسة الوردة للحصول على حبيبته التي كانت سجينة القلعة وأسيرة سيدة يقال لها العفة. 2 – لو كان الحب الرفيع مرتبطا بمفهوم العفة المسيحية لظهر من التخلص من الفراغ القرون الأولى ولكننا نجد أنه لم يظهر إلا في القرن السادس أي بعد أن انتصبت القلعة في مواجهة الكاتدرائية. والأرجح أنه رد على القلعة مثلما هو رد على الكاتدرائية، كما سيتبين لنا. 3 – حارب فارس الوردة العفة المسيحية ولكنه لم يحارب العفة اليونانية. كان عند اليونان ثلاث فضائل معنوية هي الحق والخير والجمال وأربع فضائل مادية هي العدالة والحكمة والشجاعة والعفة. والعفة اليونانية هي الترفع عن الطمع والجشع والمكاسب المادية، والإخلاص للصديق والحبيبة، والصدق في المعاملة. أما العفة المسيحية فليس المقصود بها سوى احتقار الجسد البشري واعتبار مشاعره مرجل الشرور والآثام. وهذا هو ما حاربه الحب الرفيع أو الحب الكورتوازي. 4 – المرأة التي اشتهرت في العهود المسيحية هي المرأة التي يجب أن تنظر إلى جسدها باعتباره مستودع الخطيئة وترى أن الخلاص لا يكون إلا بإهانة الجسد وإخضاعه لكل صنوف التعذيب، كما نجد ذلك في ليجندة ماري القبطية، بل في أي ليجندة أخرى، سواء أكانت لقديسة أو لقديس، لشهيدة أو شهيد، فمدخل القداسة يكون بإهانته وإذلاله استخفافا به وانتصارا عليه كرمز للانتصار على الخطيئة. ولا غرابة حتى في القرن الثامن عشر أن يرى فولتير أن الدير قدم خدمة للبشرية بإيوائه القبيحات المشوهات المعوقات اللواتي امتلأن بالتشوهات والعقد النفسية. هذا النوع من المرأة لا يمكنه أن يحل محل النمط اليوناني أو الروماني وهو المرأة الجميلة التي تتباهى بجمالها، ولا تشوهه أو تخضعه للنبذ والاحتقار. إن المسيحية التي طرحت جمال الروح مكان جمال الجسد لم تستطع أن تقنع الناس بإحلال نموذج محل نموذج آخر. ولهذا السبب تشبث الناس بالروايات القديمة ثم أعادوا صياغتها على شكل رومانسات بعد انفصال القلعة عن الكاتدرائية. إنهم لم يفعلوا ذلك إلا كرد على المفهوم الجديد للمسيحية. 5 – لكن للقضية ناحية أخرى تتعلق هذه المرة بالقلعة لا بالكاتدرائية، أي تتعلق بالإقطاعية كنظام. فالزواج الإقطاعي كان فريدا من نوعه، أو بالأحرى كان نموذجه في القديم قليلا جدا. فالإقطاعي يريد باستمرار أن يزيد من مساحة إقطاعته أو إقطاعاته. وهذا يعني أن يتحين الفرص لتزويج ابنه من فتاة تأتيه بدوطة قد تعادل نصف أرضه أو قد تعادل أرضه كلها، أو ربما تأتي بثروة من الذهب والأحجار الكريمة تؤمن له ضم مساحات قد تبلغ ضعف ما يملكه من أرض. وقد يكون الزواج من ابنة إقطاعي ضعيف وسيلة للخلاص منه وضم إقطاعاته، إن لم يكن له وريث، أو كان الوريث ضعيفا. فيكون الحب الرفيع ردا واعتراضا على هذا الزواج المستهجن في تلك الأيام والذي عاد من جديد مع الرأسمالية. الحب الرفيع في تلك الظروف كان تنزيها للحب بالتزام الليدي الواحدة من أجل جمالها هي لا جمال الدوطة، ومن أجل ميزاتها لا ميزات أبيها وأخيها. مهما كانت الأسباب فإن الحب الرفيع – والأمثلة كثيرة في الرومانسات وشعر الجوالين – حب أرضي احتل مكانة الحب السماوي، وحلت الليدي الأرضية محل ملكة السماء. حتى اليوم يؤكد الدارسون (راجع كتاب "الحب والغرب" لدي رجمون، ترجمة عمر شخاشيرو، وزارة الثقافة، دمشق) أن الأدب الحديث وريث الحب الكورتوازي (حب البلاط أو الحب الرفيع) ولكنهم لم يتفقوا على أصله. أهو متأثر بالمانوية أم بالكاتارية (النزعة التطهرية) أم بالصوفية العربية، أم بمفهوم الأغابي agape (المحبة) الذي احتل في القرون المسيحية الأولى مرتبة مرموقة، أم بعبادة المحبة التي كانت منتشرة بين الألبيجيين (الذين أجهز عليهم البابا بحملات عسكرية) أم بشعراء الطرب العرب؟ عرضنا رومانسة الوردة باعتبارها إبداعا جديدا يختلف عن رومانسات الشعر التي بعثت الروايات الإغريقية القديمة، ثم عرضنا للحب البلاطي الرفيع كما تجلى في شعر الشعراء الجوالين أو المنشدين أو المغنين (حسب كل إقليم) قبل أن نعرض لبقية الرومانسات، لنرى كيف يتم التزاوج بين الفروسية والحب الرفيع. ولكن استكمالا للحب الرفيع سوف نعرض موقف دانتي منه، عسى أن يلقي ذلك ضوءا على هذا الحب الذي ما زال الناس يختلفون حول نشأته ونوعه. الكوميديا الإلهية: رومانسة الحب الرفيع كتب دانتي كوميدياه في القرن الرابع عشر، وهو القرن الذي شاعت فيه رومانسات العصور الوسطى وأخذت تطغى على الليجندات المسيحية. ولو انتبهنا لما فعله دانتي في هذا الأثر العظيم لوجدنا شبها بينه وبين رومانسة الوردة، من حيث تقديس الحب الأرضي. بالطبع هناك انتقادات مريرة وجهها دانتي للعقائد المسيحية، وسخرية عميقة جدا من الأركان الثيولوجية التي كانت الكنيسة تروج لها مثل الإيمان والرجاء والمحبة في "المطهر" بمشاهد كوميدية، بعد عبوره الامتحانات الخاصة على يد بطرس ويعقوب ويوحنا رمز الإيمان والرجاء والمحبة. ولكن التيار العميق يكمن في هذا الحب الرفيع الذي أظهره لبياتريس والذي أظهرته له بياتريس. وقد تجلى على النحو التالي: 1 – في "الجحيم" يضل عن الطريق في الغابة. والطريق هو طريق الحب الذي يؤدي إلى بياتريس. فرحلة دانتي الخيالية مبنية أساسا على الحب الكورتوازي الرفيع. إنه يحن إلى بياتريس، ويذهب للقائها في العالم الآخر. وكاد دانتي أن يقفل راجعا وقد تملكه الخوف بل الرعب من هذه الحيوانات التي ظهرت له: الأسد والذئبة والنمر رمز الجشع والشهوة والخداع. وفجأة يظهر أمامه فرجيل ويخبره بأنه جاء لينقذه من ضلاله. وعندما يسأله كيف عرف مكانه، يجيب بأن بياتريس التي تتربع في العرش السماوي هي التي أرسلت إليّ رسولا وطلب مني إرشادك. فالحب الرفيع هو الدافع الأول لدانتي في كوميدياه، لا رسالة الغفران ولا أي أثر آخر. 2 – قال فرجيل لدانتي بأنه للوصول إلى بياتريس يجب أن يمر بالجحيم أولا ثم بالمطهر، وعند المطهر ينتهي دور فرجيل ويبدأ دور بياتريس، لأنها ستأتي إليه بموكبها السماوي وترفعه إلى السماء. وبياتريس هي الفتاة التي أحبها دانتي في صباه، ثم تزوجت فرآها ثانية ثم ماتت. هذه هي العلاقة بينه وبينها، ولكنه في الكوميديا خلق علاقة من الحب الرفيع المخلص تربطهما، مما جعلها تهتم به وهي في السماء. لم يذكر زوجها ولا زواجها وإلا خرق القانون الأدبي في الحب الرفيع، وإنما جعل إخلاصها له، وبالتالي إخلاصه لها، أساس البناء الأدبي، كجاري عادة الرومانسة. والحب الرفيع وحده هو الذي جعلها ترتفع إلى مصاف الوردة السماوية. فالمقياس للدخول في نعمة السماء ليس الصوم والصلاة، بل الحب والجمال. 3 – عندما تهبط بياتريس في أواخر المطهر، أو في الفردوس الأرضي، تنزل بموكب تحيطها جوقة من الملائكة وحولها الحوريات الأربع (وهي الفضائل اليونانية من شجاعة وعفة وعدالة وحكمة) والعذارى الثلاث (وهي الفضائل المسيحية من إيمان ورجاء ومحبة) مما يعني أن الحب الرفيع يتبوأ مرتبة أسمى بكثير من جميع الفضائل. إن الكوميديا الإلهية تعكس في كل مراحلها ذلك الحب الكورتوازي الرفيع الذي كان سائدا بالمعنى الذي أشرنا إليه من قبل. 4 – في النشيد الخامس من "الجحيم" يحدثنا دانتي عن المحبين، ومن هؤلاء فرانشيسكا وباولو. وخلاصة قصتهما أن أهل باولو خطبوا فرانشيسكا له، ولكنهم زوجوها من أخيه الأعرج، أي ذهب بدلا من أخيه في طلب الخطوبة.وقد وافقت فرانشيسكا عليه، وليس على أخيه الذي لم تره. وقعت الخطيبة في حب باولو، وظلت مخلصة له حتى بعد الزواج، فقتلهما الأخ معا. ودانتي يحتج لوجودهما في الجحيم، لأن الحب الرفيع أسمى بكثير من الزواج. وهذا ما أشرنا إليه من قبل من أن الحب الرفيع حب أرضي يقوم على الحرية لا على القسر كما كان الزواج في العصور الوسطى. 5 – عندما سأل فرانشيسكا عن سبب فعلتها تقول له بأنهما كانا يقرأان المقطع الذي يقبل فيه لانسلوت الملكة جنيفر، في رومانسة الملك آرثر. وعندما وصلا إلى هذا المقطع قام باولو وقبلها تعبيرا لها عن حبه. وعندئذ لم يقرأا ولم يناما أيضا. فدانتي يعتبر هذا النوع من الحب حبا رفيعا. 6 – في "المطهر" تعاتب بياتريس دانتي على خيانته لها، فهو لم يحافظ على إخلاصه لحبها، وزاغت عينه إلى الجميلات الأخريات. فالحب الرفيع بهذا المعنى هو الإخلاص ولو كان من طرف واحد، لأن بياتريس في الحقيقة لم تر دانتي ولم تسمع به. ولكنها نقلت إلى السماء كملكة سماوية لأن دانتي أحبها، فعرفت هناك أنه هو الذي بحبه الرفيع رفعها إلى السماء، فتخلص له في سمائها. هذا التشخيص للحب بهذه الطريقة، هو أسمى ما يمكن أن يعبر عن الحب الرفيع. فالحب، أو الإخلاص في الحب، هو الذي يرفع الليدي أو الفارس إلى أعلى مصاف القديسين المسيحيين حيث راحيل ومريم العذراء ويوحنا. . .الخ وحيث الله نفسه. انتقادات دانتي للتصرفات والعقائد الكهنوتية أرقى وأعمق بكثير مما وجهته "رومانسة الوردة". لكن ما يربطهما معا هو الحب الرفيع، وإن كان القسم الثاني من الوردة مشوشا ومضطربا وفيه آراء متناقضة عن الحب والمرأة والقضايا الأخرى. . . آراء تقول عنها إنها بقلم أنصار تيار العبثية والنهلستية. هذا ما كان سائدا في العصور الوسطى. إنه ردة فعل على المكانة المتدنية التي وضعت الكنيسة فيها المرأة. ونعتقد أن أعظم ناظم لأناشيد الكوميديا الإلهية هو هذا الحب الرفيع. ففي كل طبقة من طبقات الجحيم وفي كل مرقى من مراقي المطهر يستخدم دانتي الحب كمقياس للحياة. إنه الوحيد الذي يجنب المرء الحسد والجشع والطمع والكسل والبخل وبقية الخطايا التي تدك الإنسان في الجحيم أو المطهر. فالذي يحب لا يحسد ولا يطمع ولا يشتهي ولا يتوانى ولا يتباخل ولا يقتر. ولكن على الحب أن يكون رفيعا مخلصا، فهو دائما بحاجة إلى الأدب، ففي الأدب فقط يشيع الحب الصافي، لأن الأدب عبارة عن عملية لإنتاج نماذج السمو التي يجب أن يحتذيها الناس في الحياة. وبهذا المعنى يمكن القول إن الكوميديا هي رومانسة الحب الرفيع، وهي أرقى ما وصل إليه الخيال الأدبي. إنها إنجيل الحب الحقيقي الذي لا يزال يفعل فعله في النبلاء، وإن كانوا قلة في ديننا الجديد: دين التكنولوجيا. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |