من تاريخ الرواية - حنا عبود

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 02:53 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الرومانسات النثرية

عودة إلى النثر‏

رفع دانتي حبيبته بياتريس وأنزلها مرتبة في الفردوس تعتبر من أسمى المراتب. وبذلك ساوى بين الحب الأرضي والحب السماوي. ليس هذا وحسب، بل إن بياتريس كانت شفيعته في دخول الفردوس. كأنه يقول إن من لا يحب لا يدخل ملكوت السموات. كان دانتي يعبر عن الثقافة الشائعة في العصور الوسطى، وعن الانجراف الكبير نحو الحب الذي كانت له تقاليده الأدبية المختلفة عن الواقع، إلى هذا المستوى أو ذاك. ومن هذه التقاليد التي كانت سائدة في القسم الأول من العصور الوسطى أن الرومانسة يجب أن تكون شعرية، جديدة كانت أم قديمة: أي سواء كانت رواية قديمة أو قصة جديدة. كان الشعر كل شيء بالنسبة لرومانسات القسم الأول من العصور الوسطى. يبدو أن شعراء التروبادور، المتأثرين بالشعر الطربي العربي أشاعوا هذا النوع من الشعر الغزلي، حتى صار أسلوبا في التفكير تقريبا. وقد لاحظنا كيف أدخل الشعراء قصة عشقية في الرواية القديمة التي صاغوها شعرا كرومانسة الإسكندر وطيبة وإنياس وطروادة. . . وعندما ظهرت الرومانسات الفروسية غير التاريخية ظهرت شعرا أيضا مثل رومانسة الوردة.‏

صحيح أن الرومانسات الشعرية هي الأسبق والأشيع، ولكن إلى جانب هذه الرومانسات الشعرية كانت هناك رومانسات نثرية تروى شفهيا وتتداول شعبيا. إنها رومانسات نثرية عموما ولكن ذلك لا يعني خلوها من الشعر، هنا وهناك حسبما يقدر الكاتب، وبالأخص في المواقف العشقية والحماسية التي تستدعيها الفروسية. ولا بد من الإشارة إلى أن الرومانسات الشعرية ظلت تتابع سيرها على الرغم من ظهور الرومانسات النثرية. إن أنشودة رولاند وكل الرومانسات التي تعود إلى شارلمان هي رومانسات شعرية، وإن كانت أقرب إلى الملحمة.‏

كانت الفروسية العنصر المشترك بين كل الرومانسات. بل حتى في القرن السادس عشر وما بعد ظلت الفروسية ظاهرة، وإن كانت قد خضعت لكثير من أساليب السخرية والتهكم. وسوف نلاحظ أنه في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر صارت هناك عودة كاملة إلى الفروسية بوجهها المشرق لا بوجهها الساخر كما عند سرفانتس، مما يدل على مدى الشعبية التي حظي بها هذا اللون من الأدب.‏

وكما توجد رومانسات شعرية تاريخية وأخرى غير تاريخية، كذلك هناك رومانسات نثرية تاريخية وأخرى غير تاريخية. وسوف نأخذ مثالا عن هذه الرومانسات التاريخية مقتصرين على رومانسة الملك آرثر. وسوف نأتي بمثال عن الرومانسات غير التاريخية مقتصرين على رومانسة "أوكسان ونيكوليت”‏

المـلك آرثر‏

نشأت هذه الرومانسة كغيرها من الرومانسات التاريخية من حقيقة تاريخية غائمة وهي أنه كان يوجد في أواخر القرن الخامس أو أوائل القرن السادس ملك أو قائد اسمه آرثر وقف في وجه الغزاة السكسون الكفار وغيرهم من الغزاة.‏

هذا ما جاء في كتب تاريخ بريطانيا. ولكن ماذا يفعل الأدب بهذه الحقيقة الجامدة؟ سيلعب بها ويصوغها من جديد ويدخل فيها العشق، لا في مكان واحد، بل في كل الأمكنة التي يراها مناسبة. ليس العشق وحده، بل الأسطورة بكل أبعادها أيضا. وهذا ما أنجزه كاتب "تاريخ ملوك بريطانيا" جيوفري الماغوثي. وإنجازه هذا أقرب إلى الترجمة، لكن هناك كتابا قديما بعنوان "تاريخ ملوك بريطانيا" ظهر في فرنسا وفي إقليم بريتاني وفيه جاء ذكر الملك آرثر. وبما أن هجرة البريتانيين من فرنسا بسبب الغارات المستمرة كانت شبه دائمة، فقد تحولت بريتاني الفرنسية إلى بريطانيا الإنكليزية، والملك آرثر البريتاني الأصل صار بريطانيا يجول في كل أنحاء إنجلترا. فيمكن القول إن الماغوثي ترجم الكتاب ولكن بطريقته الخاصة. وترجمته أو تأليفه للتاريخ البريطاني يعيدنا إلى كتابة التاريخ التي سبقت هيرودوت أبا التاريخ ومؤسس علمه. فقبل هيرودوت كان الأدباء هم الذين يضعون التاريخ، مثلما يضعون الأشعار والمسرحيات ومبادئ الديانة والأناشيد وكل شيء له علاقة بالنشاط العالي عند البشر. والسيد جيوفري الماغوثي أعادنا إلى طريقة الإنياذة في كتابة التاريخ. فكما تبدأ الإنياذة بعد دمار طروادة كذلك يبدأ تاريخ جيوفري بعد أن استقر إنياس بطل الإنياذة في إيطاليا.‏

من هنا يبدأ تاريخ جيوفري فبعد أن استقر إنياس في إيطاليا رزق بغلام هو أكانيوس الذي خلفه سلفيوس. وسلفيوس هذا هو والد بروتوس. وفي رحلة صيد أصاب سهم بروتوس الطائش أباه فقتله فنفته العشيرة فاختار مكانا في اليونان كان هلينوس وأتباعه المنفيون من طروادة قد استقروا فيه. وبعد موت هلينوس اضطهد ملك اليونان بندراسوس جماعة هلينوس وكلهم طرواديون.‏

استغل بروتوس ظرفا مناسبا يذكر بالظرف الذي اختاره موسى لقومه في مصر، وهرب بالطرواديين إلى الغابات والجبال، واليونان كلها غابات وجبال، تاركا رسالة للملك كلها فخر واعتزاز. يقول له فيها "يرى الطرواديون أنهم غير جديرين بأسلافهم إذا خدموا في بلاد أجنبية فانسحبوا إلى الغابات مختارين الحياة الوحشية على حياة العبودية. ومن هناك سوف يرتحلون إلى بلاد أخرى" قرأ الملك الرسالة فجهز جيشا – كما فعل فرعون مصر – ولاحقهم يريد أن يبطش بهم، لكن ساء حظه وخاب فأله فوقع أسيرا فأجبره الطرواديون أن يزوّج ابنته لبروتوس وأن يجهز أسطولا ينقلهم، فأذعن وفعل. وهاجر الطرواديون بحرا، وبعد ثلاثة أيام رأوا جزيرة خالية فعرجوا عليها، وبين خرائبها ينتصب معبد ديانا فصلى بروتوس ونحر الأضاحي على مذبح الربة العظيمة مستشيرا الوحي. لكن الوحي لم يأته إلا في الحلم حيث جاءته ديانا نفسها قائلة:‏

يا بروتوس، بعيدا في الغرب، وفي عرض المحيط‏

خلف مملكة الغال، هناك توجد بلاد‏

يحيط بها البحر ويقطنها قدماء العمالقة‏

وهي الآن خالية وتلائم شعبك فاتخذ إلى هناك‏

طريقك، فسوف تجد مقرا دائما‏

وسوف تظهر طروادة جديدة لأبنائك‏

منك تنحدر الملوك الذين بقوة عظيمة‏

ينقذون العالم ويغزون الأمم بشجاعة‏

يبدو أن كاتب هذا التاريخ ضليع بوحي يهوه لموسى. وقد رضخ للوحي الإلهي، لكنه في البحر وجد طرواديين آخرين بقيادة كورينوس، فانضم إليهم وسار الجميع معا وحطوا في جزيرة يقال لها ألبيون، هي بريطانيا اليوم، فواجهوا العمالقة وقضوا عليهم (مثل رواية التوراة) وقد استبسل كورينوس في المعركة وقضى على آخر العمالة، فكانت هذه الأرض من نصيبه وسميت باسمه، وتدعى اليوم كورنول. أما بروتوس فبنى عاصمته "تروجانوفا" أي طروادة الجديدة. ومع الأيام سماها الناس ترالي نوفان ثم تحولت مع الأيام إلى لندن، وما تزال. وقد أخذ الشعراء والأدباء بهذه الرواية فسبنسر يقول:‏

شيدت طروادة الجديدة من الرماد البارد لطروادة القديمة‏

هذا التاريخ الأسطوري لا يكتفي بالمعالم الكبرى بل يتغلغل في التضاريس الدقيقة، فيروي لنا كيف تزوج ابن بروتوس واسمه لوكرين، بغندولين ابنة كورينوس. لكن إله الحب (كما هي العادة في الرواية القديمة) يصيبه بسهمه فيعشق فتاة جميلة تدعى استريدس. ومع أنها كانت من ضمن الأسرى الألمان، فقد شغفته حبا فتزوجها سرا حتى توفي كورينوس فطلق زوجته وتوج استريدس ملكة إلى جانبه وجاءه منها فتاة رائعة الجمال أسمياها سابرا. لجأت غندولين إلى أنصار أبيها وانتصرت على لوكرين الذي قتل في المعركة. ورمت بسابرا وأمها في النهر الذي ما يزال حتى اليوم يحمل اسمها "سيفرن" بعد أن خضع لعدة تحريفات كما هي العادة. وبعد مئات السنين يصف ملتون في قصيدته "كاموس" كيف غرقت سابرا في النهر وتحولت إلى حورية بشعر قل نظيره في الأدب العالمي:‏

كانت حوريات الماء يلعبن في أعماق النهر‏

فمددن قبضاتهن الماسية وأخذنها إليهن‏

ورحن بها إلى قاعة العجوز بيريوس‏

الذي أشفق على نواحها، فجعل لها رأسا نحيلة‏

وأعطاها لبناته لتستحم بجرن النكتار‏

وفيه نقعت أوراق الغار‏

ومن خلال مخارج أحاسيسها ومداخلها‏

يسكب زيت الإمبروزا حتى تحيا‏

وخضعت لتغير سريع خالد‏

فصارت ربة النهر.‏

وتتابعت سلسلة الملوك، ومنهم الملك لير وبناته الثلاث، وهو الذي جعل منه شكسبير موضوعا لمسرحيته التي يعتبرها بعضهم أعظم مآسيه. وبعد لير حكم المملكة أخوان تنازعا على العرش. فقام بوركس بطرد أخيه بعد أن استعان بالفرنكيين. وتابع الفلول بعد مصرع فيكس، الذي كانت أمه تحبه وتفضله كثيرا على أخيه بوركس. فلما سمعت بمقتله، جمعت نساءها واستغلت ساعة قيلولته، وانقضت عليه ومزقته إربا عسى أن يهدأ حقدها ويسكن غضبها. عدة كتاب حولوا هذه الحبكة إلى مسرحية، كان أولهم توماس ساكفيل. ويقال إنها أول تراجيديا في اللغة الإنجليزية، إذ ظهرت عام 1561.‏

وتتوالى الملوك والأخوة المتنازعون على العرش حتى جاء دور أوثر الذي اعتمد على الساحر ميرلن المشرف على كل شؤونه، والذي سعى إلى تزويجه من إيجرني، وهي زوجة دوق وشت لزوجها بحب الملك ومغازلته لها. وحتى يحصل أوثر على الزوجة، دعا الدوق إلى بلاطه فرفض المثول فاعتبره متمردا وقتله وتزوج زوجته التي منها جاء آرثر.‏

من هنا تبدأ الرومانسات الآرثرية انطلاقتها، فتروي أنه قامت في وجه آرثر معارضة قوية تريد إبعاده عن العرش لأنه صغير السن في الخامسة عشرة من عمره وأوشك الاجتماع أن ينفض من دون الوصول إلى نتيجة، وفجأة شاهدوا صخرة عجائبية أمام باب الكنيسة تحتها سيف نقشت عليه الكلمات التالية: أنا إكساليبر كنز الملك العظيم، فقال المطران إن الله حل لنا القضية (تماما مثلما في مسرحيات يوربيدس) فمن استل السيف من تحت الصخرة صار ملكا. وراح كل فارس يجرب حظه والسيف لا يتحرك من مكانه. واستمر ذلك حتى عيد العنصرة، وهو العيد الذي يجتمع فيه الفرسان للمبارزة السنوية. وحضر إلى الميدان الفارس كاي واصطحب معه أخاه في الرضاعة آرثر. بارز كاي الفرسان ببسالة حتى تهشم سيفه، فأرسل آرثر إلى أمه ليحضر له سيفا جديدا. أسرع آرثر إلى السيدة فلم يجدها في البيت، ولا يعرف مكان السيف، فما كان منه إلا أن ذهب إلى باب الكنيسة وانتزع السيف وأعطاه لكاي الذي انتصر به، وادعى أنه له، فثارت الشكوك وأعيد السيف إلى مكانه وحاول كاي انتزاعه فلم يفلح، فاقترب آرثر وانتزعه بسهولة وصار ملكا.‏

ما كتبه جيوفري الماغوثي صاغه شاعر الطرب الفرنسي الشهير روبرت ويس Wase شعرا وسماه "قصة بروتوس الإنكليزي" عام 1155. ويخترع هذا الشاعر في قصته شيئا مدهشا وهو "المائدة المستديرة" فيضع قواعد الفروسية وأصول الجلوس إلى المائدة المستديرة التي ترمز إلى المساواة بين الفرسان، واخترع يمين الأخوّة بين الأبطال وقوانين التعاون فيما بينهم، بل كيف يدخلون قاعة المائدة المستديرة ويخرجون منها. ومنذئذ صارت هذه المائدة – في الأدب طبعا – أساسا لكل رومانسة آرثرية.‏

إذن تحول التاريخ الأسطوري الذي كتبه جيوفري عن إنجلترا إلى رومانسة شعرية على يد ويس. لكن ويس لم يفعل غير هذا. صحيح أنه أضاف بعض الأحداث العجائبية، لكن العجائبية لم تكن بالقليلة عند المؤلف الأساسي جيوفري نفسه.‏

كريتيان دي تروي‏

بدأت رومانسات الملك آرثر بداية شعرية، فلم يعثر الباحثون على نص يسبق نص ويس. كما أن من جاء بعده كان يكتب الرومانسات شعرا. بيد أن أهم من أبدع في الرومانسات الآرثرية على الإطلاق هو كريتيان دي تروي‏

(1140-1191) وهو شاعر غزير الإنتاج. كان في البدء يؤلف الرومانسات الشعرية المنفصلة مثل رومانسة تريستيان التي وقعت بيد إحدى الكونتيستات فطار عقلها بها وطلبته ليكون شاعرها فكان، وفي ظل رعايتها ألف عدة رومانسات شعرية تفيض بالفروسية والحب. كل هذه الرومانسات تدور في مملكة الملك آرثر. بل إن الملك آرثر كان من الشخصيات التي لا بد من وجودها في أي رومانسة. كان كريتيان يجيد التشويق في السرد، مع أن الرومانسة مفعمة بالتشويق أصلا. ألا يكفي أن تجتمع الفروسية والحب حتى يتوافر التشويق في أي فن درامي؟‏

في رومانسة "إريك وأنيد" يبدأ بالتشويق مباشرة، فيخبر القارئ أنه في عيد الفصح دعا الملك آرثر إلى اجتماع بلاطي ضم أجرأ الفرسان وأشجعهم، طبعا إلى جانب الجميلات من بنات الذوات والملوك. قبل أن ينتهي الاجتماع بقليل أعلم الملك آرثر فرسانه أنه سيخرج في رحلة صيد صباح الغد. ولكنها رحلة من نوع خاص، تهدف إلى صيد الغزال الأبيض، على جاري العادة منذ قديم الزمان. ويطرح كريتيان المشكلة مباشرة عندما يعترض الفارس غاوين على هذا طالبا من الملك إلغاء صيد الغزال الأبيض لأن الأعراف منذ القديم تقول بأن من يحصل على هذا الغزال يمكنه أن يطلب الفتاة التي يريدها. فقال الملك آرثر وماذا في ذلك؟ ليطلب الفتاة التي يريد، فهن كثيرات هنا، أكثر من خمسمئة فتاة. لكن غاوين أجابه: يا مولاي عندئذ سوف يفـتديها فارســها بروحه، وهذا ما سيبذر الشـقاق بين فرسان المائدة المسـتديرة. إنها يا مولاي عادة قديمة فلنقلع عنها.‏

هكذا يضع كريتيان القارئ أمام المشكلة منذ اللحظة الأولى. وبعدئذ يستخدم مهارته في إخفاء ما يريد إخفاءه حتى يجعله مفاجئا، ويعلن ما يريد أن يعلنه حتى يمسك بانتباه القارئ، بشعر عذب دفاق. . . ولكن فيه كثيرا من التراخي والشطط والأشياء النافلة.‏

ويعتمد على السحر وأفانينه عندما تتعقد الأمور ولا تستطيع شخوص القصة أن تحلها. ولا شك أن كريتيان يحتل مكانة مرموقة جدا في الرومانسات الشعرية وله الفضل في أشياء سار عليها أكثر من كاتب بعده. من هذه الأشياء مثلا:‏

1 – وضع المثل العليا للفروسية، أو قل وضع دساتير الفروسية الطويلة والمقعّدة تقعيدا دقيقا. ولنضرب مثلا لذلك: إذا صادف الفارس إحدى الجميلات وحيدة بلا فارس فإن من المعيب أن يهاجمها ويخطفها ويخضعها لمشيئته. إن هذا يعني أنه انتهى كفارس. ولكن إذا قبلت هذه الحسناء بأن تكون تحت حمايته، فإنه يصبح مسخرا لها. لكن إذا حاربه من أجلها فارس آخر وتغلب عليه، جاز لهذا الآخر أن ينتزع منه الحسناء وأن يفعل بها ما يريد، فلا يكون طوع بنانها، لأنه أخذها من حاميها عنوة. فلا لوم عليه في هذا، لأنه حازها بفروسيته، وليس بطلب منها لحمايته. أما إذا استجارت حسناء بفارس ليخلصها من فارس أساء معاملتها فإنه – إذا نجح وأنقذها – يصبح حاميها والمنفّذ لكل ما تطلبه منه.‏

2 – معظم ألقاب الفرسان التي نجدها في الرومانسات اللاحقة هي من ابتكار كريتيان. مثلا أطلق على برسيفال لقب برسيفال الويلزي Gallois وأطلق على لانسلوت لقب فارس العربة. . . وأطلق على إغريفين فارس الأسد. . . وهكذا. وقد استخدم هذه الألقاب بعض من جاء بعده، أو بالأحرى معظمهم.‏

3 – أدخل على الرومانسات شيئا لم يكن موجودا من قبل، ولا فكر أحد به وهو الكأس المقدسة أو السانغريل، وأطلق على برسيفال نفسه لقب فارس الكأس المقدسة. فأحدث بذلك انقلابا خطيرا في الرومانسة. أو الأصح أنه أحدث انعطافا في "فن" الرومانسة. فقبل ظهور الكأس المقدسة كانت الميثولوجيات القديمة هي المسيطرة، كما رأينا في تاريخ بريطانيا، كما كان للسحر دور كبير في الأدوات والأفعال التي نجدها في الرومانسة. لكن ظهور الكأس المقدسة جعل الرومانسات تتجه في طريق آخر. ويعتبر وصف تنيسون لتاريخ هذه الكأس أفضل تلخيص لما كان سائدا في العصور الوسطى بعد كريتيان:‏

الكأس التي شرب منها سيدنا ذاته‏

في العشاء الأخير مع تلاميذه‏

هذه التي من الديار المقدسة‏

وبعد اليوم الأسود. . .‏

. . حملها يوسف الرامي وطاف بها‏

وأحضرها إلى غلاستونبري حيث براعم‏

الشتاء الشائكة في عيد الميلاد تذكر بسيدنا‏

وحيث فيها استقرت. ولو استطاع أن يلمسها‏

أو يراها أي إنسان لشفي بإيمانه من كل‏

أمراضه فورا. لكن الزمن وقتئذ‏

ساء كثيرا وانتشر الشر فرفعت‏

الكأس المقدسة إلى السماء، واختفت.‏

لقد أحدث انعطافا كبيرا في فن الرومانسة بعد إدخاله الكأس المقدسة. فنهايات الرومانسات لم تعد انتصارا للفارس وإنقاذا للسيدة الجميلة، بل صارت البحث عن هذه الكأس العجائبية. من بحث عن هذه الكأس من الفرسان؟ كل الفرسان. فهذه رومانسة تجعل لانسلوت يبحث عنها، وأخرى تجعل غالاهاد وثالثة تجعل برسيفال وهكذا انكب الشعراء على الكأس المقدسة يتفننون بهذه المادة فأبدعوا الشيء الكثير. لقد حولوا الرومانسة من رومانسة نوستالجيا الحنين إلى العهود الوثنية العظيمة إلى رومانسة مسيحية بعد اختراع أسطورة الكأس المقدسة.‏

4 – صحيح أن كريتيان جمع الحب الكورتوازي إلى اللجندات التاريخية للملك آرثر، وصحيح أن شعره كان غنائيا مطربا، لكنه كان مهذارا إن صح التعبير، لم يغص إلى أعماق الأشياء في ليجندة آرثر. وصحيح أن له قدرة على تبسيط الأشياء، ولكنه تبسيط مهلهل يجعل الأشياء نفسها غير متوالفة وغير مفهومة.‏

مالوري والملك آرثر‏

على الرغم من أهمية كريتيان دي تروي ودوره الكبير في إبراز الليجندات الآرثرية في رومانسات شعرية، فإن أحدا لا يستطيع أن يحدد تحديدا قاطعا من اخترع شخصية تريستيان أو غالاهاد أو لانسلوت أو برسيفال. لكن هناك ما يشبه الإجماع على ثلاثة أشياء: الرومانسات الآرثرية هي حب وفروسية وكريتيان هو الذي عرج في إحدى رومانساته على الكأس المقدسة فشاعت بين الكتاب، وإن توماس مالوري بعد ذلك بأكثر من قرنين جمع الرومانسات كلها تقريبا في عمل نثري واحد تحت عنوان "موت آرثر". ولم يغير هذا الإجماع ادعاء شاعر ألماني هو ولفرام فون اسشنباخ بأن ما كتبه عن الكأس المقدسة لم يأخذه من كريتيان الذي سبقه بربع قرن، بل أخذه من شاعر برفنسالي اسمه كيو. فتشوا عن كيو بين الوثائق فلم يجدوا له اسما. إن ما فعله ولفرام هو تغيير اسم برسيفال إلى برفيزال وقد شاعت قصته الضخمة عن فارس الكأس المقدسة ليس في ألمانيا وحدها بل في كل أوروبا. والمعتقد أن توماس مالوري أخذ صورة برسيفال النقي من شعر ولفرام الذي كان أميا، يملي على الكتبة، ولا ندري إن أضاف هؤلاء على ما أملاه عليهم شيئا مما تفيض به قريحتهم وقد هزتهم قصة برسيفال أو برفيزال كما سماه ولفرام. كما عن ولفرام نقل مالوري قوانين الفروسية بالإضافة إلى قوانينها التي أشار إليها كريتيان من أمثال هذه العظة التي قدمها الفارس الذي درب برسيفال على الفروسية: أشفق على المحتاجين وكن رحيما كريما متواضعا. الكريم المحتاج لا يسأل فتقدم أنت بالعون قبل أن يسألك. لا تكثر من السؤال ولا ترفض الإجابة عن سؤال خليق أن تسأله. أعف عمن يستسلم لك مهما كانت إساءته.‏

أما بقية العظة فهي: احترم النساء وأحببهن، فذلك مما يزيد في شرف الفتى – كن ثابتا غير متردد فالثبات من شيم الرجال. ولا ينال الثناء شخص يخون الحب الرفيع. . . وكلها تتفق مع قوانين الفروسية التي جمعها كريتيان دي تروي.‏

ولكن من هو توماس مالوري (1394-1471)؟ لا أحد يعرف. كل ما في الأمر أنهم وجدوا اسمه على "موت آرثر". فتشوا فتعرفوا على سجل شخص اسمه توماس مالوري رسم فارسا في حرب الوردتين (قبل عام 1442) وصار عضوا في البرلمان (1445) لكنه فيما بعد مارس حياة غير فروسية من اغتيالات وسرقة أديرة وابتزاز واغتصاب وانتهاكات حرمة الصيد واقتحام السجون. دكوه في السجن عام 1451 وظل عشرين عاما يدخل السجن ويخرج منه إلى أن توفي في سجن نيوغيت.‏

لكن كل هذه السيرة لا تهم. المهم أن مالوري – هذا أو مالوري آخر – جمع القصائد الإنكليزية الآرثرية الطويلة، وكذلك الرومانسات الفرنسية، مهما كانت: شعرية أو نثرية، وجعل من كل ذلك "موت آرثر". يمكن اعتبار كتاب مالوري "موسوعة أرثرية". فلا توجد رومانسة آرثرية تقريبا إلا وجدناها في هذا الكتاب. قصة ترسترام وبرسيفال ولانسلوت وغاوين وميرلن وغالاهاد وجنيفر وإيسولت. . . وكل ما كان قد كتب نجده في هذا الكتاب. وكان لهذا الجمع مخاطر عدة أهمها أنك تقرأ الكتاب أو الفصل فتراه كأنه رواية قائمة بذاتها ترصعها الأشعار الجميلة هنا وهناك مثل نجوم السماء. وحتى يجعل هناك ربطا بين شخوص الرومانسات، حتى الذين كانوا لا يعرف بعضهم بعضا، عمد إلى جعل بلاط الملك آرثر أساسا لكل هذه الرومانسات. وفي حال لم يمر الفارس على البلاط مثل ترسترام، فإنه لا بد من أن يلتقي فارسا من بلاط الملك آرثر ويصبح صديقا له، وبالتالي ينضم إلى عصبة الفروسية الآرثرية.‏

آداب الفروسية وأخلاقها والحب الكورتوازي الرفيع وكل المزايا الأدبية التي كانت في العصور الوسطى، أو التي سعت إليها العصور الوسطى، نجدها في "موت آرثر" الذي هو من انتقاء مالوري وحده. هو الذي اختار نوع السحر وكميته ونوع الحب وغلواءه وطرائق الفروسية وشهامتها. . . إنه المسؤول عن هذا الكتاب بكل ما فيه. لكن أهم ما فيه هو السحر. إنه يأخذ حيزا أكثر من العجائبية، وأكثر من الآلهة القديمة التي كنا نراها في الرومانسات الشعرية المبكرة.‏

طبعا لم يشر مالوري من أين استقى أحداث رومانساته ولا شخوصها. وربما كان حديثه عن الساحر ميرلن نموذجا لعمله في إعادة صياغة الأحداث بطريقة خاصة به.‏

مــــيرلن‏

لم يكن ابن الكائنات الأرضية، ولا ابن الكائنات الهوائية، بل كان ابن أنكوبوس المخلوق الهوائي وامرأة مسيحية تقية أسرعت فور ولادته إلى الكاهن ليغطسه في جرن المعمودية حتى لا يشبه أباه في شيء. لكن السحر الهوائي كان أقوى من المعمودية، لقد ظل ميرلن محتفظا بقوة السحر التي لا تحدها حدود.‏

كان صغيرا عندما استولى فورتيجرن على العرش فقتل الملك وطرد أخويه أوثر وبندراغون. لكنه ظل يخاف عودتهما فبنى قلعة ضخمة لمزيد من الأمان. إلا أن الأسوار والجدران كانت تنهار كلما بناها البناؤون. استشار المنجمين فقالوا له: ابحث عن طفل وليد فيه صفات عجائبية، واذبحه في الأساسات ثم أقم الأسوار والجدران. أرسل الجند بحثا عن الطفل فجاؤوه بميرلن، فقد عرفوه منذ أن رأوه. وقبل أن يسيّح دمه قال له ميرلن إن هذه الطريقة لا تفيده شيئا والمنجمون مخطئون في كل ما قالوه. دهش الملك وسأله: ماذا أفعل إذن؟ فأشار عليه بأن يحفر تحت القلعة حيث يوجد تنينان يتصارعان، الأول أحمر والثاني أبيض. ففعل وبالفعل ظهر أفعوانان ضخمان فهرب الحشد إلا ميرلن الذي راح يصفر ويصفق ليزيد من شدة المنافسة، وكان أن الأحمر جرح ومات، بينما انسحب الأبيض بعيدا. وعندئذ شاد الملك قلعته. ولكن ميرلن حذره بأن الأفعوانين رمز للوريثين اللذين سيعودان لمحاربته. وبالفعل هذا ما جرى.‏

عندما استولى بندراغون على العرش أبقى ميرلن مستشاره الخاص. وكذلك فعل شقيقه أوثر وكذلك ابنه آرثر. وفي عهد هذا الأخير اختفى ميرلن عند سيدة البحيرة فيفيان. أحبها بشغف وأدركت ذلك فاستغلت حبه وطلبت منه أن يبقى معها بطريقة سحرية. فقال: هذا أمر سهل وسأقوم به. لكنها قالت له: لا تزعج نفسك بل علمني ذلك وجاءت بقلم وورقة وكتبت الطريقة السحرية. وفي أحد الأيام كانا يتعاطيان كؤوس الحب في داخل أجمة في غابة كبيرة، فوضع رأسه في حضنها وراح في غفوة عميقة، فما كان منها إلا أن خلعت وشاحها ودارت به حول الأجمة وحول ميرلن سبع دورات وبذلك صار ميرلن أسيرا خلف الدخان والضباب لا يستطيع اجتياز الأسوار، ولم يعد أحد يراه أو يسمع أخباره.‏

لم يعد آرثر يراه في بلاطه. انتظر طويلا دون فائدة، فطلب من فرسان المائدة المستديرة القيام بالبحث عن ميرلن، فتوزع الفرسان في كل اتجاه. وكان الاتجاه المؤدي إلى ميرلن من حظ الفارس الشهير غاوين، ابن أخت آرثر.‏

سار غاوين يقطع الوديان والأكمات والتلال العالية وهو يفكر في أمر ميرلن واختفائه وهو الساحر العظيم الذي لا يعلو على سحره سحر في الدنيا ولو كان سحر الهند. إنه أعظم من سحرة مصر. هل يعقل أن يكون هو نفسه مسحورا؟ لا ومن ذا الذي يقهره بالسحر أو بغير السحر؟‏

وهنا وقعت حادثة مشؤومة جدا، فقد مر غاوين بمسترس (ليدي أو فتاة في مقتبل صباها) وكان شاردا فغفل عن تقديم التحية والإجلال لها. وهذه أكبر غلطة يمكن لفارس أن يقع فيها. بل إنها العار نفسه الذي – إن لم تعف عنه الليدي – سيلاحقه طيلة العمر. هذه الغفلة منحت السيدة الجميلة قوة سحرية، كما هي العادة، فمسخته قزما صغيرا يتوقل في الدروب الوعرة، ويخال الحصى حجارة أهرامات مصر. لم تمهله السيدة الجميلة حتى يعتذر وإنما أسرعت وابتعدت عنه، فكان عليه أن يحظى بسيدة جميلة أخرى تقبل عذره وتعيده فارسا، فلا فارس من دون سيدة جميلة.‏

راح المسكين يتعثر في طريقه فسمع صوتا من قلب أجمة يلفها الضباب وعرفه: إنه صوت ميرلن. لم يستطع غاوين اختراق الحاجز الضبابي المسحور، وهو ما هو، فراح يندب حظه ويروي لميرلن ما جرى له، وكيف – من دون قصد والله – ارتكب غلطة رعناء بحق الليدي. وبالمقابل روى له ميرلن ما جرى له مع فيفيان التي عشقها وانصاع لطلباتها فعلمها ما يجب ألا يعلمه لأحد فاحتفظت به مسحورا وأبقته عندها. أخيرا وبعد حوار طويل بين الفارسين طلب ميرلن من غاوين أن ينصح آرثر بالبحث عن الكأس المقدسة التي أحضرها يوسف الرامي إلى إنكلترا. وحالما يعثر الفرسان على الكأس فإن السحر الذي فيه سوف يذهب عنه ويزول.‏

لا أحد يعرف ماذا أضاف مالوري في رومانسة غاوين وماذا استعار من غيره. وهكذا الأمر في كل الرومانسات الأخرى التي يجمعها كتاب "موت آرثر" الذي ظل أثره حتى ظهور السينما. وقد استفاد كثير من الكتاب من هذا الكتاب من أمثال ألكسندر ديماس الكبير وميشيل زيفاكو ووالتر سكوت وغيرهم. وقد مرت فترة في القرن العشرين،وبالأخص في النصف الأول، أعادت دور النشر طباعة كثير من قصص الفروسية مثل فارس البلاط وفارس العربة وفارس البحيرة وفرسان المائدة المستديرة، والفرسان الثلاثة والفرسان الأربعة وباردليان وفارس الملكة. . . وقد غذت هذه الرومانسات السينما، لم ينافسها منافس لا الأفلام المأخوذة من الكتاب الجدد ولا من الكتاب الكلاسكيين. لكنهاسرعان ما انحسرت من السينما حينما أخذت تظهر أفلام الوسترن وأفلام طرزان.‏

الحب سيد السرد‏

ما حظ التاريخ في رومانسات آرثر؟ إذا كان التاريخ أسطوريا فلا شك أنه يحتل قسما كبيرا. لكن من الأفضل أن يعتبر من جملة التأليف الروائي وليس من جملة التاريخ. كل الشعراء الإنكليز فيما بعد تغنوا بشخصيات التاريخ الأسطوري لا بشخصيات التاريخ الواقعي. ويدل هذا على نزوع الإنسان إلى المرويات الجميلة وليس إلى المرويات التاريخية. وعلى هذا يمكن اعتبار الرومانسات غير التاريخية ماهدة حقيقية لظهور رومانسات جديدة كل الجدة. كان الحب سيد السرد. إنه جوهر كل الرومانسات. فليس من الضروري أن تكون الشخصيات العشقية غير تاريخية أو تاريخية. ولكن من الضروري أن تكون بلاطية، وإن كانت من بلاطات ليـس لـها ذلك الدور الذي نجده لـبلاط آرثر في العصـور الوسطى أو بلاط آل مديـتشي في عصر النهضة.‏

إلا أن الفارق الكبير بين رومانسات آرثر ورومانسات العشق أن الثانية لم تعد تأبه بالقيم الدينية التي ظلت محترمة في الرومانسات الآرثرية، وعلى الأخص بعد ظهور الكأس المقدسة كعنصر أدبي حول نهايات الرومانسات وخواتيمها.‏

لقد صار الحب وسيلة للنيل من القيم الدينية والاستخفاف بها. وهذا ما يفسر لنا تلك المبالغة المتحمسة في إظهار الحب وتضخيم دوره إلى درجة أنه صار الهدف الأكبر الذي يسعى إليه السرد كما نرى في رواية "أوكسان ونيكوليت" Aucassin et Nicolette.‏

أوكسان ونيكوليت‏

عنوان هذه الرومانسة يشير إلى التحدي. وعنوانها الأصلي هو "هذان هما أوكسان ونيكوليت" كأنما يقول هذه بضاعة جديدة ستخزي بضاعتكم. إنه عشق جديد وسرد جديد وأشياء أخرى كثيرة. وربما كان مؤلفها الفرنسي المجهول أراد أن يتحدى قصّة ألمانية هي "هنريك المسكين" كتبها هارتمان فون أيو Von Aue وشاعت في بداية القرن الثالث عشر وتركز اهتمامها على الحب. وخلاصتها أن هنريك يصاب بالجذام، ويقول له العرافون إنه لا شفاء له إلا بدم عذراء جميلة طاهرة. ولكن كيف يحصل على هذه الفتاة وكيف يعرف أنها طاهرة؟ ثم من تلك الفتاة الطاهرة التي ستضحي بنفسها من أجله، حتى لو منح أهلها نصف ثروته – وما ثروته بقليلة؟ ولكن فجأة تظهر العذراء الطاهرة وتقول إنها ستضحي بنفسها من أجله. إنه فتى في مقتبل العمر وقد قررت أن تنقذه. وافق أهلها على الفور لاعتقادهم أن مثل هذه الأشياء تأتي وحيا من الله، فلا يجوز الاعتراض. تتقدم العذراء وتكشف عن صدرها ليقتلها هنريك فيرفض بكل إباء وكرامة أن يقتل هذه الفتاة النبيلة، ويفضل أن يكابد جذامه بصمت وصبر على اقتراف جريمة نكراء بحق بريئة. بيد أن هنريك يشفى من قروحه ويكون أول عمل له أن يتزوج من هذه الفتاة، ويعود إلى ما كان عليه من عزة وثروة.‏

أراد هارتمان مناهضة رواية أيوب كما وردت في التوراة، فالذي يشفي من السقام والجذام هو الحب الرفيع، وليس القدرة السماوية. والآلام التي يكابدها هنريك تشبه في شدتها ويأسها ما أصاب أيوب من أمراض ومحن. لكن الشفاء مختلف كل الاختلاف عن أيوب. إنه الشفاء بالحب. إنه العلاج العجائبي الذي حل محل العلاج الديني الذي انكمش عدد المؤمنين به انكماشا كبيرا جدا.‏

لكن حتى هذا النوع من الحب لم يعجب الكاتب الفرنسي المجهول. ففي روايته يسخر من هذا الحب وأمثاله، لما فيه من موحيات غيبية لا تقنع العقل. أما الرواية الفرنسية فأرضية تماما لا تؤمن على ما يبدو لا بأحكام السماء ولا بموحياتها، فهي تسخر من غراميات هارتمان وأمثاله. فالمجذوم يسكن بعيدا عن الدروب وليس في القلوب. والتي تحب مجذوما وتضحي من أجله تكون خرقاء. الحب في نظر المؤلف الفرنسي جمال وسعادة وجسد طافح بالصحة، إنه حب أرضي. إنه رفيع ولا شك يقوم على الإخلاص والتضحية، ولكن يجب أن تكون التضحية لا من أجل مجذوم بل من أجل فتى فارس كريم شهم شجاع نبيل. . . جميل ولذلك جاء العنوان متحديا لهذا النوع من روايات الحب: "هذان هما أوكسان ونيكوليت" أي هذا هو الحب الحقيقي أو هكذا يحب أن يكون الحب.‏

أوكسان هو ابن كونت بوكير أما نيكوليت فهي ابنة مجهولة النسب يتبناها فيكونت بوكير. يخطط الكونت لتزويج ابنه حسب العادة الإقطاعية من فتاة يكون أبوها إقطاعيا كبيرا يمكن الاعتماد عليه في الدفاع عن نفسه أو في الهجوم على أعدائه. كان يتقصى أخبار الإقطاعيات وأحوالها ليقع على إقطاعي مقتدر يخطب ابنته لابنه أوكسان. لكن أوكسان كان يعارض هذا الزواج ويرى أنه لا توجد متعة ولا جمال في عروس تتباهى بقوة أبيها وإن كانت لذيذة وجميلة. إن اللذة تطير والجمال يهرب حالما تتصرف معك كابنة إقطاعي. إنها تأتيك لترعبك لا لتمتعك ولتذلك لا لتلذك. إنها تستغل الفرصة لتشعرك أنها فوق وأنك تحت، وما تهافتك عليها إلا من أجل قوة أهلها ومنعتهم. قد تغازلها فتتهمك بقلة الحشمة، ولا تقربها إلا عندما تريد هي، لأنها مستقلة بكل شؤونها. . . كان اوكسان نافرا من هذا الزواج. والحقيقة أنه كان غائصا حتى الذقن في حب نيكوليت التي تتوهم أنها ابنة فيكونت بوكير الذي يرتب هو الآخر لهذه الفتاة زواجا من النوع ذاته حتى يزيد في منعة بوكير. أما زواج أوكسان بنيكوليت فلا يجلب للإقطاعية منعة ولا يزيدها ثروة.‏

يطرح الأبوان قضية أوكسان ونيكوليت على بساط البحث ويتداولان الأمر جيدا. يتفقان أن يقنع الفيكونت أوكسان بالتخلي عن نيكوليت. ويدور نقاش بينهما فيحاول الفيكونت إقناعه بأن عمله عقوق بأبيه، لأنه بذلك يخالف وصايا الله في طاعة الوالدين، كما أنه بإصراره على حب نيكوليت يخسر الجنة إلى الأبد. وإنها خسارة فادحة لا يدركها عقل أوكسان.‏

ويرد أوكسان بأن حبها ربح كبير بالضبط لأنه يبعده عن الجنة التي لا مأرب له فيها. بل لو منح الجنة منحا لرفضها وأبى أن يدخلها. ويدهش الفيكونت: هل من أحد يرفض الجنة؟ فيرد أوكسان: أنا أيها الفيكونت النبيل. إنها مكان لا يطاق فليس فيها إلا العجوز الدرداء والقسيس الشيخ والخوارنة الذين لا يعرفون العشق والمصلون الذين لا ترى لهم وجها من كثرة الركوع والسجود،والمقعدون والمخصيون والمرضى الذين لا يفارقهم السعال والمشوهون والقبيحون. . . ومثل هؤلاء ماذا تظنهم يفعلون في الجنة؟ إنهم يصلون ويرتجفون ويبكون، فلا رقص ولا مغنى ولا طرب ولا كأس نبيذ يفرج الكرب. . . إن القبيحات يخجلن أصلا أن يرقصن، بل يسترن جسدهن المترهل ووجههن الدميم بحجة الحشمة. وبحجة الصلاة لا يظهرن على أحد. إن هذه الجنة مأوى العجزة والمنكوبين والمفجوعين، ولا مصلحة لي بدخولها.‏

ويدهش الفيكونت: لم يبق أمامك يا أوكسان سوى جهنم. وأنت لا تريد أن تكون من رواد الجحيم التي يمكن تجنبها بالأفعال الطيبة وطاعة الوالدين. فيجيب: إنك جاهل بهذه الأمور أيها الفيكونت فهي أفضل مكان يتمناه المرء. يكفي أن فيها كل العلماء والفلاسفة والظرفاء والشعراء والمغنين، كما فيها الفاتنات الجميلات اللواتي لا يرضين بأقل من ثلاثة عشاق لهن فوق الزوج، يرحن ويجئن بقوام ممشوق ومشية مياسة وغنج يخلع القلب من بين الضلوع، إذا تحدثن سحرن وإن رقصن سبين وإن غنين فتن، حيثما تسرح الطرف تجد الرقص والمرح والمسرة، تجد الحبور والضحك والابتهاج. لا حزن ولا مرض ولا سعال ولا استيقاظ للصلاة قبل بزوغ الفجر. إني أرضى بالجحيم إذا كانت معي حبيبتي المغناجة نيكوليت.‏

يجتمع الوالدان مجددا فلا يجدان طريقة ناجحة تمنع الكارثة وتحقق طموح الوالدين سوى سجن الاثنين. نيكوليت في الطابق العلوي وقد أُغلقت عليها أبواب مقصورتها، وأوكسان في القبو، في الدانجون المعتم. وراح الأبوان يسعيان حثيثا لتأمين زوجة مناسبة لأوكسان وزوج عظيم مرهوب الجانب لنيكوليت على جناح السرعة حتى لا يطول حجزهما فتفلت الأمور منهما.‏

السجن يصنع الرجال والعشق يصنع الشعراء. وهذا ما صار مع أوكسان الذي غدا شاعرا وراح بالشعر يغير العالم والتاريخ والأشياء، فنظم قصيدة لنيكوليت يذكرها بأيام الصبا وبعجائبها المدهشة التي حققها جمالها الباهر، وكيف مرت بكسيح مكرسح في طريقه إلى روما يريد أن تشفيه قداستها مما هو فيه، فمررت أنتِ بقربه وكشفت له عن أجمل ما جسدك فقفز على الفور وقد شفاه جمالك الفتان وعاف رحلة الحج وقفل راجعا من حيث أتى. إن جمالك المقدس هو الذي شفاه. وهذا مقطع من هذه القصيدة التي رصعت الرومانسة النثرية مع غيرها من القصائد، والتي سارت على لسان جميع شبان أوروبا تقريبا، من دون أن تطبع هذه الرواية:‏

أتذكرين يا زهرة الزنبق البيضاء‏

كيف مررت بحاج عاجز‏

وقد استلقى على نقالته من عجزه‏

ويخشى أن تصعد روحه مع كل نسمة‏

من أنفاسه الضعيفة.‏

كان على شفير الموت والهلاك‏

لكنك برشاقة ريم الجبال‏

جئت ومررت بقربه‏

فوجه أنظاره إليك‏

فأشفقت على المريض المدنف‏

وشمّرت معطفك‏

ورفعت ثوبك المنسدل‏

وبكل خفة كشفت له‏

عن كل عضو جميل فيك.‏

فتحققت الأعجوبة التي عايناها‏

إذ نهض الكسيح مثل الوعل‏

وعاف فراشه، ورفع صليبه‏

وعاد من حيث أتى‏

ولم يكمل حجته، فقد تحققت المعجزة.‏

ما إن سمعت نيكوليت ذلك حتى هبت واقفة ومزقت الأستار والأغطية ووصلتها وقد صدّقت كل كلمة في القصيدة، وآمنت أنها صاحبة معجزات فعلا، بل آمنت أنها تشفي الحجيج وتقيم المقعدين وتعافي المرضى وتبرئ المجذومين، وجعلت ما وصلت بعضه ببعض يتدلى من الشباك، ونزلت متدلية عليه ببطء حتى لامست قدماها الحديقة. وهناك وقفت أمام القبو حيث أوكسان يراقبها من النافذة، وكشفت له عن محاسنها العجائبية، وقالت له بأن حبها له لا يقل عن حبه لها، وأن جمالها صانع المعجزات، ولذلك تقص خصلة شعر وترميها إليه كنوع من التعويذة تحميه وتساعده، وتخبره أنها ستهرب إلى الغابات فليلحق بها فإنها بانتظاره.‏

ويجتمع الفيكونت بالكونت ليخبره أن ابنته قد هربت من مقصورتها بعد أن ربطت مزق الأقمشة وتدلت إلى الحديقة. وهو لا يعرف أين ولت، فقد أرسل الأتباع فلم يعثروا لها على أثر، والأرجح أنها رمت نفسها في النهر. فيشفق الكونت على ابنه ويطلب من الفيكونت أن يطلق سراحه، فلا مسوغ لإبقائه في القبو. وهكذا اعتقد أوكسان أن خصلة الشعر قد فعلت فعلها.‏

في الغابات تعيش نيكوليت مع الرعيان والصيادين إلى أن يصل أوكسان ومن هناك يبرحان إلى شمال إفريقيا، وتفرق بينهما الظروف (كعادة الرواية القديمة) ثم يلتقيان ويتحقق أوكسان أن نيكوليت هي ابنة ملك في شمال إفريقيا (تمشيا مع الحب البلاطي: أي يجب أن تكون الليدي ذات حسب ونسب حتى تستحق كل هذا العذاب والمغامرات الفروسية) وبعد كل هذا الضياع يأتيهما نبأ موت كونت بوكير وفيكونتها فيعودان ليكون هو كونت بوكير وهي كونتستها ( على جاري عادة النهاية السعيدة)‏

جــسر عــبور‏

تعتبر هذه الرومانسات جسر عبور بين الرومانسة الشعرية والرواية الحديثة، فنجد أنها تشترك مع الرواية الحديثة ببعض الصفات، وتتفق مع الرومانسة القديمة بصفات أخرى ويمكن إيجاز ذلك بالنقاط التالية:‏

1 – ليس ثمة وجود لتلك العجائبية القديمة، أي الإله الذي ينزل ليساعد على حل المشكلة. فالعجائبية هنا تنبع من الثقة بالنفس. ولكنها عجائبية فنية مقبولة ومحببة فهي نوع من البورلسك المخفف. باختصار باتت مقبولة فنيا وهي أقرب إلى الترميز النفسي.‏

2 – تراجعت التاريخية بمعناها القديم. أو بالأحرى يمكن القول إننا انتقلنا هنا من الشخصيات الكبرى في التاريخ إلى الشخصيات المحلية، أو من التاريخانية إلى الواقعية. فكونت بوكير ليس الإسكندر. إنه محدود محليا. وربما لا يكون لـه وجود لكن المؤلف الفرنسي المجهول أبدعه بطريقة واقعية فنية لإيهام القارئ بواقعية الشخصيات.‏

3 – صار الحب ينبع من الجمال الحقيقي، من اللطف والإشراق وليس من سهم كيوبيد أو من كيد فينوس. لقد عشق أوكسان نيكوليت عشقا واقعيا، لم يكن للآلهة دخل في ذلك كما في الرواية القديمة.‏

4 – لأول مرة نرى الحب الكورتوازي الرفيع على هذا الشكل. فقد خفت الناحية الفروسية كثيرا، بل صارت البطولات الفروسية موضوعا للغمز واللمز، وهذه بداية وتمهيد لظهور روايات الهزء من عصر الفروسية.‏

5 – تضخمت المشاهد الرعوية في هذه الرومانسات، فكأنها كانت تجاري بذلك المسرحيات الرعوية التي طفقت تظهر على المسرح.‏

6 – ظل الحب جسديا أرضيا. وهو الحب الذي ينشده الرجل. وهذا الحب هو الذي حطم المشروع الكنسي في الوعد الأخروي. فأوكسان لا يرغب في أن يسمع سعال المرضى والعجزة في الجنة، ويفضل على ذلك مجموعة العازفين والراقصين، ويفضل العلماء والمتفلسفين على المصلين والتوابين، إذ لا يجد فيما يعملون شيئا مجديا. لقد بدأ الحب يقرض كالجرذ أطراف العفة الكنسية والبتولية الدينية الزائفة، ومعهما الصورة التي كانت الكنيسة تتباهى بها وهي صورة الآخرة.‏

7 – لكن من جهة أخرى ظل نسق الرومانسة القديم واضحا في هذه الرومانسات، فالبطل والبطلة يلتقيان ويتحابان، ثم يفترقان مدة تطول أو تقصر. يعانيان أثناء ذلك الكثير من المتاعب والمشاكل والآلام، ثم يلتقيان على نحو ما يحدث في المسرحية الكوميدية، أي نهاية سعيدة.‏

8 – لم تعد أوصاف الشخصيات مثالية، فقد كان الكاتب القديم إذا أراد أن يصف جمال ليدي جاء بأرفع السمات والصفات، بحيث يمكن جمع كل ليديات الرومانسات تحت أوصاف واحدة. في الرومانسات النثرية بدأت الأوصاف الجالية تهدأ أو تخفف من غلوائها وتقترب من الواقع.‏

لماذا حدث هذا التطور؟ لا أحد يقدم إجابة شافية. كانت الرواية القديمة نثرية، واستخدمت الليجندة المسيحية النثرية. أما الرومانسة فأعادت صياغة الروايات القديمة شعرا، ثم أنتجت رومانسات شعرية تصل أحــيانا إلى ثلاثين ألف بيت. ثم عادت واستخدمت النثر.‏

هل حدث ذلك بسبب تغير الأمزجة؟‏

وإذا كانت ثمة أسباب فهل من يحصيها تماما؟‏

ليجندات شارلمان‏

ظهرت أيضا حول شخصية شارلمان وعصره ملاحم شعرية ونثرية،ولكنها تختلف عن رومانسات الملك آرثر. ومن أشهرها أنشودة رولاند وملحمة السيد. ونعتقد أن الرومانسات الآرثرية والرومانسات العشقية النثرية تغني عن ليجندات شارلمان وملاحم الفولسونغ الشمالية. فكلها تقوم على السحر والحب والفروسية، لكن النزعة الدينية المسيحية لا تظهر إلا في رومانسات شارلمان، نظرا للتعصب الديني الذي كان في إسبانيا ضد الساراسين الذين يدينون بالإسلام. ومع ذلك نجد أن تقاليد الفروسية تتغلب على التعصب الديني من الطرفين، كما في ملحمة "السيد". كانت تقاليد الفروسية في تلك الأيام لا تقل احتراما عن أي تقاليد.‏

أما ملاحم الفولسونغ، فإنها مخزن للميثولوجيا الإسكندنافية القديمة التي جرى تسجيلها مؤخرا بعدما غزت المسيحية ديارهم في القرن الرابع عشر. إنها هويتهم القومية التي يتمسكون بها حتى هذه الأيام.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244