|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 02:54 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
البورلسك: رومانسة فلسفية الذائقة الجديدة لو لم تكتسح الليجندة المسيحية العالم المتوسطي لكان للرواية منحى آخر. لقد سدت المنافذ أمام كل تطور ممكن للرواية. ولولاها لكان لرواية لوكيوس أبوليوس "الحمار الذهبي" وقع آخر ولكان لها شهرة كبيرة في القرن الثاني، وما بعده. كانت هذه الرواية متابعة لتراث أرستوفانز البورلسكي. لكن الرواية القائمة على الحب عادت لتقاوم الليجندة المسيحية. ومع ذلك فإن هذه المعارضة كانت تشتمل على شيء كبير من الشطط والمغالاة. ولو نحينا جانبا أولئك المختصين، لقلنا إن أحدا في هذه الأيام لن يتجلد ويقرأ سيرة عنترة أو سيف بن ذي يزن أو الزير أبو ليلى المهلهل. . وإذا أكره نفسه فإنه لا يستطيع أن يرغمها على قراءة أكثر من صفحات قليلة جدا. فسوف تصده المبالغات التي يقوم عليها أسلوب السرد وتلك اللغة التي تؤثر فيها المبالغات وتؤثر هي في المبالغات بحيث يضج رأس القارئ، إلا إذا كان مختصا متلهفا لمعرفة هذا النوع. أما "الحمار الذهبي" فإنها رواية ما تزال تقرأ اليوم كأنها رواية حديثة. يبدو أن المنتصر هو الذي يتحمس ويبالغ كثيرا ليفرض أسلوبه. ولذلك طمس الأسلوب الفني الذي اتبعه أبوليوس، فقد جرفت الليجندة المسيحية في طريقها هذا الأسلوب، ثم جاءت الرومانسة وجرفت الليجندة المسيحية. إن الأمزجة تغيرت. قد تتغير ببطء شديد، ولكن ما إن يحدث التغير حتى يكون ثمة رفض شديد. . . وهكذا. وهذا ما حصل في النهضة الأوروبية التي وضعت حدا لعصر الإقطاع الذي بدأ يتهاوى بسرعة حتى تقوّض بعد قرنين من ظهور هذه النهضة فقط. ويرجع انهيار النظام الإقطاعي إلى شبكة من العوامل الكثيرة المعقدة التي درسها بإسهاب كبير الاقتصاديون والفلاسفة. فهيغل يرى الإقطاعية مناقضة للروح المطلق بعد أن قطعت شوطا أدت فيه مهمتها، وماركس يرى أن علاقات الإنتاج لم تعد متناسبة مع أدوات الإنتاج الجديدة. ومالتوس يرى أن تزايد السكان بنسبة مذهلة يعصف بأي نظام مهما كان متينا متماسكا. والناقد الإنكليزي أرنولد كيتل يرى أن الشكل الأدبي الذي شاع في العصور الوسطى (وهو الرومانسة) لم يعد قادرا أن يلبي الحاجات الجديدة، ولذلك نبذته الأجيال التي وجدت أنها أمام ظروف جديدة. . . قيل الكثير والكثير في هذا الموضوع، بحيث أن بسط الآراء يقتضي مجلدات ومجلدات. والمرء لا يستطيع أن يجيب عن كل الأسئلة التي تطرحها تأملاته. فمن يجيب عن: لماذا استمرت الرومانسة منذ العصر الهلنستي (أي منذ الرواية اليونانية القديمة) وحتى القرن التاسع عشر، وهي تتلون بشيء هنا وشيء هناك، ولكن شكلها لم يتغير، فهي دائما حب وافتراق وعذاب فلقاء؟ لقد تغيرت الظروف كثيرا من العصر الهلنستي وحتى بداية القرن العشرين، ولكن الرومانسة ظلت محتفظة بشكلها العام، حتى عصفت به مذاهب الأدب الحديث. نحن نقر بأن الرومانسة عرفت كثيرا من الاختراقات، وإن ضمن الإطار العام، من دون أن ندخل في تفسير ذلك. وهو تفسير عسير. فقد يكون اكتشاف جديد أو آلة جديدة أو تغير بالعلاقات الاجتماعية. . . وقد يكون عنصر الزمن بالنسبة إلى القارئ هو السبب الأكبر. ففي العصور الوسطى يجد القارئ وقتا كبيرا للتعامل مع النصوص التي تقوم على المبالغة والشطط، بينما يضيق صدره بها إذا كان زمنه مضغوطا. والفرق كبير جدا بين الزمن الممطوط والزمن المضغوط في تلقي النصوص الأدبية. ليس هذا السبب كافيا. ولكنه سبب وجيه يفسر لنا كيف يقبل نص في عصر ويرفض في آخر. فلسفة الرومانسة كانت الرومانسة في حقيقتها – سواء المبتكرة أو المحولة عن الإغريقية القديمة – صرخة احتجاج على الأدب الكنسي في المرحلة الأولى من العصور الوسطى. إن الألفة الطويلة مع "السلام عليك يا مريم" وغيرها من الصلوات والتراتيل التي تتكرر في اليوم خمس مرات، عدا صلوات النوم والطعام والاستيقاظ وأعياد القديسين . . . أدت إلى ردة فعل نفسية، وجعلت الناس مستعدين لقبول الاحتجاج على السائد المألوف. المسألة ليست إذن مسألة معارضة رومانسة بليجندة فقط، وإنما هي مسألة قناعة تتشكل عبر زمن طويل. وعندما يرفض الواقع ذائقة معينة، فلا بد من أن يلجأ الكتاب إلى ذائقة جديدة يستوحونها من الجو العام. وقد جاءت الرومانسة تلبي التوجه الجديد. وقد أسهم في إنتاج الرومانسات بعض أبناء السلك الكهنوتي أنفسهم. والمرجح أن معظم ما ظهر مغفلا من الاسم كان من تأليف قسيس ساخط أو خوري في منطقة نائية عن مركز القرار الكنسي. ونجد هذا في البورليسك والبيكاريسك أيضا، فمعظم المؤلفين من السلك الكهنوتي من أمثال رابليه وسويفت وبريفو. . . إذن هناك إحساس عام بمعارضة الليجندات المسيحية، ليجندات القديسين المملة والتي لم يعد لها أنصار، بعد انصرام الفترة الأولى من بواكير انتشار المسيحية. ومن الممل يظهر الاشمئزاز فالرفض فالمقاومة. في الرومانسات ظهر أبطال جدد. أبطال من البشر. ظهر حب بشري حقيقي. الإخلاص من شخص لشخص مرئي يدب على الأرض ولا يعيش في السموات العليا. لقد تحول الإخلاص من مريم العذراء، من هيكل الرب، كما تلقب، إلى الليدي الحقيقية التي يراها الفارس بأم عينه، والتي ينصاع لأوامرها أكثر مما ينصاع لأوامر قس يعظه بما لا يقنعه. لماذا – إذن – اعتمدت الرومانسة على المبالغة، ما دامت تتعامل مع الواقع؟ لأنها أداة فقط، لا لشيء آخر. إنها أداة لمناهضة الكنيسة، فهي لا تستطيع أن تقابل مبالغات الكنيسة ومعجزاتها في ليجندات القديسين إلا بمبالغات تخدم الواقع. وقد كانت هذه المبالغات كثيرة وشديدة في بداية القرن السادس ولكنها في القرن الرابع عشر أو الخامس عشر، بدأت تخف كما وكيفا وتبتعد عن التاريخ – الأسطوري والحقيقي. إن رومانسة "أوكسان ونيكوليت" المجهولة المؤلف، والتي يعتقد أن أحد الرهبان وراءها، تقترب كثيرا من الواقع. والمعجزات التي تقوم بها نيكوليت هي معجزات أدبية، إثباتا أن الجمال الدنيوي قادر أن يشفي كسيحا يحج إلى المدينة المقدسة روما، فيبعث في جسمه الهزيل الحياة والحركة. ليس بحاجة إلى معجزة سماوية. ولكن لماذا قبل الناس تلك المبالغات من الرومانسة – التاريخية وغير التاريخية؟ لماذا قبلوا وجود الآلهة القديمة داخل الرومانسة الجديدة؟ لماذا قبلوا كل هذه الكثرة من البقع الأرجوانية التي تكاد تستولي في بعض الأحيان على كامل النص الأدبي؟ عندما كانت الكنيسة سائدة، أو عندما كان الإقطاع خاضعا، بكل إخلاص وإيمان، للكنيسة، سادت الليجندات المسيحية بين كل طبقات الناس واستمرت السيادة من دون منازع أكثر من ستة قرون. حتى الكافرون بعجائبية الليجندات ما كانوا يجهرون بذلك، وإنما كانوا يتعاملون معها باعتبارها نوعا من فلسفة المجاز allegory ومن قلب هذا النسق ظهرت الرومانسات وسارت على النسق الليجندي، كان هناك منافسة شديدة بين ذائقة وذائقة. إن رومانسة"الوردة" قائمة كلها على الرموز. بقية الرومانسات لا تخلو من الرموز مثل الفارس الأخضر أو فارس البحيرة، أو سيدة البحيرة. . . وغير ذلك. بل إن بعض المجازيين ذهب إلى أن الكأس المقدسة، السانغريل، ما هي إلا مجاز يدل على حجر من الأحجار الكريمة التي تجلب الحظ والثروة لصاحبها. وبهذا المعنى تكون السانغريل مجازا للخلاص الأرضي وليس الخلاص السماوي. هل كان في مقدور الرومانسة في العصور الوسطى أن تتخذ لنفسها غير طريق المجاز؟ أنى لها أن تتخذ سبيلا آخر غير المجاز، والناس كلهم يعيشون في قلب الليجندات التي تحيط بهم ويسمعونها في كل يوم، بل قد يكون نصيب اليوم الواحد أكثر من ليجندة. على أي حال إن الليجندة المسيحية نفسها اتخذت أسلوب المجاز الذي كانت عليه الرواية الإغريقية القديمة وهي رومانسة ولكن بطريقتها الخاصة. فالمجاز أداة أدبية يلجأ إليها الكاتب لأغراض شتى. وقد استخدمتها المسيحية استخداما واسعا. فلما ظهرت الرومانسة الوسطوية، اعتمدت هذا الأسلوب الشائع بين الناس والكتّاب، ولكن بتوظيف خاص للشؤون العشقية البشرية. وما كان لهذا أن يتم لو لم ينشأ العداء بين الكنيسة والقلعة، بين الإقطاع والـلاهوت، أو لـنقل الانفصال أو الاستقلال بدلا من أن نقول العداء. فالرومانسات لم تظهر إلا بظهور القلاع الإقطاعية ونظام الفروسية، كما أشرنا من قبل. وقد بلغ الإقطاع من القوة إلى درجة اجتياح سور القداسة للفاتيكان والإساءة لرئيس الكنيسة نفسه. . . حتى وصل الأمر إلى السخرية من المقدسات الكبرى والتقاليد الكنسية الراسخة. إن الرومانسة الوسطوية، في جوهر فلسفتها هي بعث للرواية اليونانية القديمة واستنجاد بها أيضا للوقوف في وجه الليجندة المسيحية. وهي بنت الأوضاع الجديدة التي نشأت عن استقلال الإقطاع عن الكنيسة، حيث صار الإقطاع مساوما بدلا من أن يكون خاضعا وتابعا. وبالتالي فإن الرومانسة، بعد مرحلة من التطور قامت بمساومة الليجندة، إذ أخذت منها الكأس المقدسة كنوع من المساومة حتى تجد طريقها إلى قلوب المؤمنين. وإلا فإنها في غير ذلك ليست سوى الرد على الكنيسة بكل أدبياتها. وقد بلغ المكر إلى حد استعانة الرومانسة بالآلهة الوثنية القديمة، وعلى الأخص فينوس وكيوبيد، وتمجيد العشق الأرضي وقتل العفة المسيحية التي باتت مرفوضة كل الرفض في الظروف الجديدة. أهمية الرومانسة يفسرون تفسخ نظام الإقطاع بنهوض الطبقة الثالثة، وهي الطبعة التجارية والحرفية التي تمسك بمفاتيح الإنتاج المادي، ويفسرون تفسخه كذلك بالصراع الذي دار بين الكنيسة وبينه، وهذا ما جعل الطبقة الثالثة تجرف الطرفين معا وتناضل فترة طويلة منذ عصر النهضة إلى القرن الثامن عشر حتى استطاعت أن تثبت سلطتها المطلقة أو شبه المطلقة. ويفسرون تفسخه أيضا بالعداء الذي نشب بين القلعة والكنيسة، ويفسرون تفسخ القلعة والكنيسة بانهيار القسطنطينية في أواسط القرن الخامس عشر، وحيث انتقل التراث اليوناني إلى إيطاليا فأوروبا، فقضى على السلطتين معا. . . وما أكثر التفسيرات، فكلها تصدق في هذه الناحية أو تلك، ولا شأن لنا بها، فهناك مئات المجلدات حول هذا الموضوع – موضوع النهضة والإقطاع والكنيسة – وحتى الآن يقال إن الموضوع لم يستوف حقه من الدراسة والتفسير. لندع كل هذه التفسيرات، على أهميتها، ولننظر في الدور الذي قامت به الرومانسة. لا يدرك المرء أهمية الرومانسة إلا إذا اطلع على موقف الكنيسة الكاثوليكية من المخالفين لتعاليمها، الذين أطلقت عليهم اسم المرتدين وشنت عليهم حملات قاسية. ففي ظروف الحروب الصليبية ظهرت بعض الاحتجاجات عليها، وكذلك على غيرها من تصرفات الكنيسة. فهناك الكتاري ( من اليونانية أي التطهر) وهناك الألبيجيون (سكان مدينة ألبي) وهناك الباتاريون (سكان حي باتاريا في كل بلدة، أي الحي الفقير) بغض النظر عن المذاهب التي انشقت مثل الأريوسيو والمانوية. . . الخ وقد ظهرت حركات احتجاجية في أكثر المدن: فيتربو وأرفيتو وفيرونا وفيرارا وبارما وبياسنزا وريميني ومونبلييه ومرسيليا وتولوز وأورليان. . . وكثير من المدن الأخرى. لم تكن هذه الحركات الاحتجاجية وليدة الحروب الصليبية، بل تمتد بجذورها إلى أبعد من ذلك، إلى نشأة السلك الإكليركي الذي استولى على الأملاك والنفوس معا وصار يتصرف كما يحلو له باسم سلطة الغائب الذي في السموات. كان الصراع مريرا بين الكنيسة وهذه الفئات الكثيرة المتكاثرة في كل المدن. بدأ الصراع بالمناقشات والمساجلات العلنية، فكانت لهم حججهم القوية وامتدت جذورهم في الناس أكثر فأكثر. كان هناك انقلاب تدريجي في الشعب. لكن الإقطاعيين رأوا في هذه الانقسامات فرصتهم الذهبية، وعلى الأخص أولئك الملوك والأمراء الذين صدر فيهم قرار الحرمان. وينتهز أحد الأمراء هذه المعارضة فيهاجم أحد الأديرة ويضم أملاكه إليه ويسجن رئيسه، وعندما يموت هذا السجين ينصب جثته على المنبر ويأمر الرهبان باختيار رئيس لهم يرضى عنه. أما الأمير الآخر وهو ريموند روجر فقد جعل صورة المسيح هدفا لتدريب فرسانه على الرماية، وأمر جنوده أن يستخدموا أذرعة الصليب لهرس الحبوب. إنها فرصة للانتقام من الكنيسة التي كانت تحد من سلطتهم، بل كانت تصدر مراسيم الحرمان الكنسي ضدهم. رفع المعارضون – أو المرتدون – مطالبهم إلى البابا وهي بسيطة جدا تقضي فقط بطرد الكهنة مع أبنائهم غير الشرعيين الذين يقدرون بربع البلدة، وإعادة أملاكهم للمدينة، وبعدم اعتبار البابا خليفة بطرس لأن بطرس لم يأت إلى روما ولم يـعرفها أبدا، وبعدم منح الغفران لأن هذا يعود إلى الله وحده. . . وأشياء أخرى كثيرة. هنا انتبهت الكنيسة إلى أن حروبها الصليبية الخارجية تعتبر تافهة ولا قيمة لها أمام هذه الردة التي تهدد وجودها، فعمدت إلى حرب صليبية على هؤلاء في كل المدن، فاتفقت مع الإقطاعيين، ومنهم ريموند روجر نفسه، بأن أعادت إليهم أملاكهم، وكل الأملاك التي ينتزعونها من أعداء الكنيسة. واجتمع المؤمنون من كل الأرجاء، وأنشأ البابا منهم جيشا وجعل عنه مندوبا يفتش عن الهراطقة والمرتدين، ومنذ ذلك الوقت بدأت تظهر محاكم التفتيش. كانت حرب الردة مريرة إلى أقصى حد، فعندما يهاجم الإقطاعيون المدينة يسألون مندوب البابا فيما يفعلون بالسكان الكاثوليك المؤمنين، فيكون الرد "اقتلوا الجميع والله بعدئذ يفرز أصفياءه والمؤمنين به" فكانت حروب الردة عبارة عن حروب إبادة حقيقية. ما أراد المعارضون الوصول إليه، وهو التحرر من القيود الكنيسة، وصلت إليه الرومانسة كفن أدبي من دون حروب ومن دون إراقة دماء. إن سخرية أوكسان من الجنة ومن سكان الجنة سرى على كل لسان واستخفافه برجال الدين وبروما لا يختلف عن استخفاف الكاتاريين أو سواهم. بل إن النقد الذي وجهته الرومانسات إلى تصرفات الكنيسة ورجال الدين يفوق بما لا يقاس كما ونوعا النقد الذي عرف عن المعارضين (أي المرتدين كما سمتهم الكنيسة) بهذه النظرة أو بهذه العلاقة تبدو لنا أهمية الرومانسة، فهي تشكل إحياء للرواية الإغريقية القديمة ولكنه إحياء من نوع خاص يحمل سمات المعارضة الحقيقية التي استطاعت في العصور الوسطى أن يكون لها استهداف خاص، فقد وقفت مع أخلاق الفروسية عبادة الليدي والموت في سبيلها. . . لم تكن الرومانسة شكلا للحب البلاطي وحسب، بل كانت أيضا شكلا لتأييد البلاط ضد خصيمته اللدود: الكنيسة. كانت شكلا من أشكال النضال، ولكنه شكل بلا دروع ولا سيوف، أي ليست كالشكل الذي اتخذته المعارضة من الكنيسة. وقد فعلت الرومانسة فعلها على المدى الطويل وليس كانتفاضة المدن التي اشرأبت نارها سريعا وهمدت سريعا مثل الهشيم. إن استقلال القلعة عن الكنيسة حمى الرومانسة ولكن الرومانسة عززت الإقطاع (في وجه الكنيسة) ولما زالت سلطة القلعة بهتت الرومانسة وصارت إما مادة للنوستالجيا أو للبورليسك أو البيكاريسك. البحث عن منديل عشرة قرون كافية لزعزعة أي نظام ولو كان حديديا. وقد مر ألف عام على النظام الإقطاعي، لم تهدأ الحروب والصراعات في هذه الفترة، لا بين الكنيسة والقلعة ولا بين القلعة والأخرى. اتسعت المدن وتكاثر الخلق، وبدأ السكان يفرون من حاميهم الإقطاعي ليكونوا أحرارا في المدن، يعملون لحسابهم من دون أن يعانوا ما كانوا يعانون عند سيدهم القديم. وكانت مكائد الإقطاعيين فيما بينهم قد أضعفت جميع الأطراف. وبسبب الهجرة إلى المدينة أقفر الريف ولم تعد القلعة قادرة أن تحصل على ما يعيل هؤلاء الفرسان الذين من دونهم لا يكون للقلعة مهابة ولصاحبها وجود. وكان الإقطاعي يلجأ إلى التحايل والمكائد للحصول على المال للإبقاء على وجوده، فقد يستدين ولا يسدد، وقد يزوج ابنه عدة زيجات للحصول على دوطات تقوم به وبأنصاره. ولا يتوانى في كثير من الأحيان وعلى الأخص في الأوقات الحرجة من طرد بعض أنصاره وفرسانه لأنه لم يعد قادرا على إعالتهم والوفاء بواجبه تجاههم. وبدأت القرى المحيطة بالمدن تستقل عن القلعة أكثر وأكثر، وأخذت الضائقة تشتد على أسلوب الإنتاج الإقطاعي، ولم يعد في القلعة من الفرسان ما يكفي لحماية بوابتها وجسرها، ولا من الخيول ما يكفي للاستيلاء على بقعة أرض لا تتعدى الهكتار. الفرسان الذين أفنوا صباهم وشبابهم في التدريب حتى يصبحوا فرسانا، وهم من أرقى البيوتات، لم يجدوا من يأويهم ولا من يعيلهم. وهم فرسان. والفروسية ليست أخلاقا وحسب، بل عمل أيضا. إلا أنها الآن صارت عملا غير مرغوب فيه، بل غدت عبئا على الإقطاعي الذي لم يعد قادرا على تجهيز كتيبة واحدة. فكان الفارس يطوف على القلاع عسى أن يتكرم عليه سيد ويسمح له بالانضمام إلى حاشيته. فإذا لم يجد سيدا يأويه طاف على القرى، لينزل ضيفا على وجهاء البلدة لمدة يومين أو ثلاثة. ثم يلم بعضه ويعتلي حصانه ويسير في الدروب الضيقة كقاطع طريق. وأحيانا يلتقي بعض الفرسان ليشكلوا مجموعة متضامنة يفرضون عـلى هذه الـقرية أو تلك ما يفي باحتـياجاتهم. لكنهم لم يصيروا إقطاعيين فلم يذكر التاريخ أن فارسا صار إقطاعيا. لم يعد الفارس يهتم بزيه من درع وترس ورمح، فلا ينظف درعه ولا يلمح ترسه ويقوّم رمحه. وحصانه لم يعد ذلك الحصان المطهم الذي يتهادى مختالا فوق الطرقات أو في ساحات المبارزة فقد أحنى رأسه ونسي كيف يكون المعترك والقتال، واكتفى بالنظر إلى العشب الذي يرعاه والذي جعله يهزل، فلم يعد له سائس يغذيه بالحبوب التي تجعله براقا جميلا. وكان بعض الفرسان يتحرشون بالناس تحرشا لخلق العراك الذي قد يعيد إليهم شيئا من مهابة، بينما بعضهم الآخر كان أوعى وأبعد نظرا، فقد كانوا يتحاشون أي عراك أو مشادة. كانوا يطوفون على الكرماء الذين قد يستضيفونهم أسابيع وأشهرا. بعضهم صار أقرب إلى اللصوص والمحتالين والمشردين ممن يحترفون النصب والاحتيال، بعضهم صار أقرب إلى المتسولين. وفي ساحات المبارزة صار الفارس يطوف على صفوف المتفرجين للظفر بمنديل ليدي فلا يكاد يحصل عليه، في حين كانت عشرات المناديل من قبل تلوح له وتربط على رمحه، أيام الفروسية الحقيقية. وكثيرا ما يشاهد الناس بعض الفرسان يتهادون بأحصنتهم على الطرقات مثل رتل من الجثث التي تنقلها الجياد من المعركة إلى المقبرة، فخيولهم تخب ببطء شديد، وعيون الفرسان جامدة مثل أجسامهم المسمّرة فوق الخيول المنهكة والمتعبة، كما يبدو ذلك على أجسادها العجفاء. وقد يمضي بعض الفرسان قيلولتهم على ضفاف نهر تحت شجرة دلب فيمر بهم الناس من دون أن يحيوهم، أو قد يمضون أماسيهم قرب طاحونة عسى أن ينالهم من مرتاديها شيء. وكثيرا ما يستلقون في ظل أكمة بدروعهم وهم ينظرون ساهمين إلى السماء، والناس تتغامز من حولهم بابتسامة لها دلالتها. معظمهم كانوا من الشعراء وبعضهم كانوا يحفظون الشعر، وعلى الأخص شعر الشعراء الجوالين من التروبادور والتروفير، وكله من الشعر الغزلي الذي يقدس الليدي ويجعلها في أعلى المراتب البشرية جمالا وإشراقا، فكانوا وهم يقطعون الدروب متسكعين يرددون بعض هذه الأشعار الجميلة التي كانوا ينشدونها لليدات، ولكن الناس يتبادلون نظرات الاستخفاف بهؤلاء الذين لا عمل لهم، ويتفكهون فيما بينهم بنكات عن تلك الليدي التي يتغزل لها الفارس والتي لا وجود لها إلا في خياله. فلا الفارس يجد ميدانا لحصانه ولا الليدي تتحنن بنظرة. لم يعد الواقع كما صوره ملتون: حشد من الفرسان والبارونات الشجعان انتزعوا السلم بانتصارات عظيمة مع لفيف من السيدات اللواتي عيونهن المشرقة تولع في القلب نار المنافسة وتحكم بالجائزة. هذا عصر ولى واندثر. حل محله عصر خشن آخر، خشن في العواطف والعلاقات، خشن في التعامل والمكافآت. . . كان هناك عصر جديد يتخلق، عصر صوره تنيسون: والآن انحلت المائدة المستديرة التي كانت صورة للعالم القوي وأنا – آخر الفرسان – بلا رفيق تكتنفني الأيام الحالكة والسنوات السود أجول بين بشر جدد بين وجوه غريبة وعقول أخرى. هذا الانحلال أو التفسخ أدى في القرن الخامس عشر إلى ما يسمى أدب البورليسك والبيكاريسك. البورليسك: فلسفة النهضة في قلب الصورة التي قدمناها آنفا عن تحولات العصر وكيف صار المقدس مدنسا، وكيف اختفت أشياء وقامت مكانها أشياء أخرى، ندرك العناصر السياسية التي قامت عليها رواية البورليسك. والبورليسك كلمة إيطالية وربما إسبانية تعني الفكاهة أو ما شابه الفكاهة من ضحك وسخرية وهزء وانتقادات مبطنة على جانب كبير من الفلسفة. والبورليسك يختلف من كاتب إلى آخر عمقا واتساعا وفلسفة. فهو بسيط عند لوكيوس أبوليوس، ولكنه عميق عند النهضويين. لا شك أن البورليسك فن قديم قدم البشرية، ولكن استخدامه في الرواية تأخر حتى عصر النهضة. أكثر الإغريق من استخدامه في المسرح وعلى الأخص أرستوفانز، الكوميدي الشهير، وفي بعض القصص التي لم تصل في عمقها إلى بورليسك النهضة. ثم إن البورليسك ليس محصورا في نوع من الأنواع الأدبية، فيمكن اعتبار قصيدة الشاعر الإنكليزي ألكسندر بوب "الجديلة المخطوفة" نوعا من البورليسك، كما يمكن اعتبار مسرحية جون غاي "أوبرا الشحاذ" نوعا من البورليسك. وكل الروايات والمسرحيات العبثية الحديثة تعتبر نوعا من البورليسك، وإن كان من النوع الأسود. ليس من الضروري أن يكثر البورليسك في المنعطفات التاريخية فقط، بل قد نجده في مواجهة العصر القائم ذاته، كالسخرية من العادات الجارية والأخلاق المفروضة والمرفوضة معا. صحيح أن المنعطفات التي ترمي خلفها عصرا بكامله ليصبح مثارا للسخرية تزيد من إنتاج البورليسك، بيد أن الأمر يتعلق بموقف الكاتب، فهو الذي يختار العصر والأشياء المنبوذة. ثمة فرق بين البورليسك والتقليد الساخر الذي يسمونه بارودي parody فالثاني سخرية نصية، بمعنى أن الهزء يكون بإعادة إنتاج النص الفخم بصورة هزلية. فالبورليسك أوسع بكثير من البارودي، إذ يتناول كل شيء تقريباً. إنه موقف من الحياة والمجتمع والأخلاق والفكر، ولا يقتصر على المحاكاة الساخرة. كما أن البورليسك أعمق بكثير من البارودي لأنه لا يعيش على سطوح الألفاظ والأقوال بل يغوص إلى الأسس الخفية للمجتمع. عمقه متأت من أنه موقف، وليس تهريجا أو تعليقا على موقف. إنه موقف متماسك أمام كل الظاهرات. إن له منطقه الخاص الذي يميزه من غيره. والأغلب أن يجتمع البورليسك مع الغروتيسك. والغروتيسك هو المبالغة في الزينة، سواء في العمارة أو الرسم أو الأدب أو التطريز أو أي شيء. لقد اجتمع البورليسك والغروتيسك في مسرح العبث، ومسرح بيكيت بنوع خاص، ولكننا سنجد أن اجتماع هذين الفنين في روايات عصر النهضة المسماة بورليسك قد بلغ الذروة التي لم يبلغها كاتب بعد ذلك، ولا حتى مارك توين أو جيوفاني جاريشي. والسبب في ذلك بسيط جدا، وهو أن عصر النهضة فريد من نوعه، أعاد التراث الإغريقي ليلمس العقول لمسة ذهبية تولع المغامرة الفكرية والفنية والأدبية والفلسفية. إن النهضة لم تبعث التراث الإغريقي فقط، بل استلهمته فأبدعت في كل العلوم الإنسانية. ومن أبرز الآثار التي تمثل البورليسك "غارغانتوا وبنتاغرويل" و "دون كيشوت" كان البورليسك في تلك الأزمنة فنا قائما بذاته، أي عندما يكتب الكاتب عملا بورليسكيا فإنه يتكرس للبورليسك فقط من أمثال "تقريظ الحماقة" لإراسموس الذي يسخر من الوجودالبشري كله و "هاديبراس" لبطلر (1663) الذي يكرسه للسخرية من المشيخيين والمتطهرين من البروتستانت. عندما حل القرن العشرون، واجه ديانة فظيعة هي التكنولوجيا إلى جانب الديانات الشرقية السابقة (بوذية ويهودية ومسيحية وإسلامية) والغربية (شيوعية وديمقراطية ونازية وفاشية وتكنولوجية) وهي ديانة مطلقة أو قل إنها أقوى ديانة شمولية، تعمل بصمت وتهرش بصمت وتدخل القناعات بصمت وتدمر بصمت. فلا عجب والحالة هذه أن يكون البورليسك وسيلة أساسية للسخرية من هذه الديانات، وبالأخص التكنولوجيا. وهناك روائع من البورلسك يمكن أن نعد منها "نحن" لزمياتين و"مزرعة الحيوانات" و"1948" لويلز و"عالم دون كاميليو الصغير" لجيوفاني جاريشي، بل إن شخصية من عالم السينما هو شارلي شابلن كرس فنه لمحاربة هذه الديانة الجديدة: التكنولوجيا. مهما كان الأمر فإن الفضل يعود إلى عصر النهضة لأن فيه ظهرت أعظم روايتين من البورليسك أو الرومانسة المضادة، وهما "غاغانتوا وبنتا غرويل" و "دون كيشوت" غارغانتوا وبنتاغرويل أعظم رواية تجمع البورليسك مع الغروتيسك هي رواية الراهب فرانسوا رابليه التي ظهرت في خمسة أجزاء اعتبارا من عام 1532 وحتى عام 1564 أي بعد وفاة المؤلف بأكثر من عقد من الزمن. كانت الطباعة قد توطدت وانتشرت في كل أرجاء أوروبا، وغدت تجارة رائجة تماما. بعد طباعة الكتب القديمة ورومانسات العصور الوسطى بحثت كنار لا تشبع عن وقود لها في الكتابات المعاصرة. بسبب الطباعة حقق كتاب رابليه رواجا لم يحققه كتاب آخر في ذلك العصر. كانت النسخ تنفذ بسرعة فتعمد المطبعة إلى دفع نسخ جديدة إلى السوق الذي لا يعرف تخمة من هذا الكتاب. وبالطبع ظهرت أجزاء هذه الرواية باسم مستعار، ولم يظهر الاسم الحقيقي إلا بعد أربع عشرة سنة. تتألف الرواية الموسوعية من خمسة أجزاء استقرت أخيرا على النحو التالي: 1 – يتضمن هذا الجزء تعليم غارغانتوا على يد معلمه بونوقراط والحرب مندلعة بين غرانغوزيه وبكروشول. وفيه سخرية مريرة من الحروب وأسبابها وتفاهتها وتدميرها للمواد والقيم معا. 2 – وهو الجزء الذي كتبه رابليه أولا ويتحدث عن بنتاغرويل وشغفه بالطعام والشراب وانكبابه على كل متع الأرض ومسراتها, وعندما يكبر هذا العملاق يذهب إلى باريس للدراسة وهناك يلتقي بشريد من شذاذ الآفاق هو بانورج الذي أحبه بنتاغرويل طيلة حياته. 3 – يصبح بانورج الشخصية المركزية في الرواية. وكل هذا الجزء يدور حول مسألة زواج بانورج، من أمثال: هل تكون الزوجة مخلصة؟ وهل تحافظ على لطافتها؟ . . . وفي الجزء سخرية من أولئك العرافين وضاربي المندل الذين يخبرون بأحداث المستقبل. 4 – في هذا الجزء يسير بنتاغرويل وبانورج يرافقهما الراهب يوحنا بحثا عن طريق إلى الهند، فيمرون في بلاد عجيبة غريبة. والغرض من هذه الرحلة مساءلة الزجاجة المقدسة عن النبوءة الخاصة بهم. إن رابليه لم يكتف بالسخرية من المسيحية بل طال الهند، تلك البلاد النائية. 5 – متابعة للجزء السابق وشرح للنبوءة التي جاءت على شكل نصيحة وهيtrink وهي كلمة هندية فسروها على أنها كلمة drink أي متع حياتك بالشراب. وقد اعتبروا هذا الوحي الذي يوصي بالشرب وحيا صادقا حقيقيا ورزينا. حتى يحقق رابليه أعلى درجة من درجات البورليسك والغروتيسك اختار اسمين من أسماء العماليق التي كانت شائعة في زمنه وهما غارغانتوا وبنتاغرويل. فقد كان السكان في البلدات والقرى الجبلية يعتقدون أن التلال والصخور عندهم إنما تساقطت من سلة كان يحملها عملاق اسمه غارغانتوا، أثناء مروره بتلك المنطقة. وقد ظلت هذه المرويات حتى أواخر القرن التاسع عشر، وربما حتى أوائل القرن العشرين. ومن هذه النقطة بالذات انطلق رابليه، فقد عثر على الأداة التي تمكنه من الوصول إلى ذروة البورليسك والغروتيسك. فهو يجعل البطل غير مألوف مما يخلق تناقضا أو تباينا مبدئيا في نظرته إلى الحياة الجارية في تلك الأيام، بينه وبين الناس العاديين، ومما يهيئ المجال أمامه للسخرية من كل شيء. ونقول من كل شيء لأن رابليه فعلا لم يدع شيئا يفلت من انتقاداته الساخرة: طريقة الزواج والطعام والشراب واللباس والحروب والقتال والأمثال الشعبية البلدية وكليشيهات المثقفين التي يستخدمونها جزافا دون كسر قشرتها وفحص محتواها، بحيث تغدو في أفواههم جعجعة لا طائل منها. . . إنه لم ينس شيئا في ثقافة عصره المادية والمعنوية إلا أخضعه لنقده وعلى الأخص تصرفات رجال الدين والكنيسة. ومنذ ذلك الوقت صارت كلمة "الرابلية" تعني هذا الأسلوب النقدي الشمولي الساخر، وقد دخلت المعجم الفرنسي، ومنه كل المعاجم اللغوية والأدبية في أوروبا. قيل إن أحدهم نشر قصة العملاق غارغانتوا عام 1532 تحت عنوان "الأخبار العظيمة النفيسة لغارغانتوا العملاق الضخم الهائل" والأرجح أن يكون الكاتب المجهول قسيسا أو كاهنا مستاء لم يرغب أن يعلن عن اسمه حتى لا يطاله التأديب الديني الذي كان يصل أحيانا إلى الزرع (زرع الجسد في الأرض) لمدد متفاوتة قد تصل إلى الموت. لفت هذا الكتاب نظر رابليه: لماذا لا يستغل هذه الأداة الجيدة ويقدم آراءه في عصره وفي دين عصره، وفي الثقافات والحضارات القديمة والقائمة؟ وهكذا سار في عمله انطلاقا من فلسفة وليس سيرا عشوائيا كما فعل المؤلف المجهول. كانت لديه فلسفة متكاملة متماسكة ذات نظرة فكرية اجتماعية إنسانية. إنها أداة طيبة لإنتاج البورليسك الذي يدس تحت ضحكاته ونكاته وابتساماته فلسفته الكبيرة التي لا تقل عملقة عن بطله. وقد خشي رابليه أن يقرأ الناس كتابه (أو كتبه فيما بعد) مثلما يقرؤون كتاب المؤلف المجهول فكتب في الجزء الأول (الثاني أصلا) مخاطبا قراءه الحقيقيين: "يا أشرف السكارى وأشهرهم صيتا، وأنتم يا أغلى الفتيان المرحين، المفتري عليكم. إليكم وحدكم أهدي كتاباتي. لو أنكم تأملتم شكل سقراط وقدرتموه حسب مظهره الخارجي لما ساوى في نظركم قشرة بصل. . . إنكم يا تلاميذي الطيبين وغيركم من الحمقى المرحين المؤثرين الراحة والدعة، إذ تقرؤون العناوين السارة لبعض الكتب التي نخترعها، لتسرعون في الحكم بأنه ليس فيها سوى النكات والدعابات الساخرة والحديث الفاجر والأكاذيب التي ترفه عن النفس، ولكن حين تطلعون على هذا الكتاب ستجدون تعليما عميقا متجردا، سواء فيما يتصل بديننا أو بشؤون الحكم العام والحياة الاقتصادية. وقد يتكلم أحمق مغرور مشوش العقل بسوء عن كتبي، فلا تأبهوا به بل امرحوا وطالعوا كتبي حتى آخر كلمة" وبغية إبراز المعالم الكبرى لموقفه الفلسفي نلخص بعض المقاطع التي تبين هذا الموقف كما تبين أيضا معنى البورليسك: 1 – في التوراة تطالعنا كثيرا سلاسل من الأنساب مثل أنساب نوح بن لامك بن ميتوشالح بن أخنوخ بن يارد بن مهلئيل. . . الخ فراح رابليه يؤصل سلسلة أنساب غارغانتوا، فإذا والده هو غرانغوزيه ملك يوتوبيا، وأما أمه فهي غارغاميل (؟) وكل هذه الأسماء مخترعة اختراعا للسخرية من أنساب التوراة المختلفة. 2 – في التوراة والإنجيل ولادات عجائبية غير طبيعية، فهذه امرأة تحبل في التسعين وتلك تلد ولادة خارقة، فجعل رابليه ولادة غارغانتوا عجائبية، فعندما حاول هذا العملاق أن ينزل من الممر الطبيعي وجده مسدودا، فاضطر أن يتخذ ممرا آخر وهو الوريد الأجوف (وكان رابليه طبيبا ماهرا أيضا يعرف تشريح الجسد البشري جيدا) وهناك تمكن من اختراق الحجاب الحاجز وصعد في وريد العنق، وخرج من الأذن اليسرى. نلاحظ أن الولاة اتخذت طريقا تشريحيا جسديا غير معقول. ومع ذلك فالناس لا يصدقونه بينما يصدقون الولادات العجائبية الأخرى، غير المعقولة أيضا. . . إن تصويره لهذه الولادة لم يكن عشوائيا ولا عابثا. كان يعرف كيف يهزأ بالمرويات الدينية العجائبية. فقد قابل بين الملموس غير المعقول والغيبي غير الملموس. . . الخ. 3 – بعد خروج غارغانتوا من أذن أمه اليسرى يظهر فورا معجزاته التي لا نسمع بها إلا في الكتب المقدسة، فما إن ظهر رأسه حتى راح يؤنب السمّار الموجودين لأنهم لم يهيئوا له الخمرة التي طلبها بعد كرع17913 وعاء من اللبن وهو يعتبر حجبها اعتداء على الحياة. لقد تكلم في المهد، بل راح يلقي خطابا صارخا وشرب النبيذ بشراهة لا حد لها. وعلى من يصدق المعجزات الواردة في الكتب المقدسة، كل الكتب المقدسة، أن يصدق المعجزات الواردة في هذا الكتاب. ولا محاجة له في هذا. 4 – أثناء وجود العملاق في باريس تسلق أحد أبراج كنيسة نوتردام الشاهقة، ولما وصل إلى سطح البرج وراح يتأمل المدينة لفت نظره الأجراس الضخمة ذات الأحجام المختلفة، وأعجبته هذه الأجراس فسرقها وعلقها بعنق فرسه التي ازدادت مهابة بعد ذلك، فقد صار صوت أجراسها يسمع لمسافة بعيدة، وهو غير مسؤول إذا هب المؤمنون إلى الصلاة لدى سماعهم الأجراس. كانت سخريته من الأجراس بعيدة الدلالة، فهو لا يرى أن هذه الأجراس مصنوعة إلا للبهائم تعلق في أعناقها، وليس لإزعاج الناس خمس مرات في اليوم الواحد، لا هم لها إلا أن تقرع ليلا نهارا إيذانا بصلاة أو جنازة أو معمودية أو عيد ملك أو عيد أحد القديسين. . . وما أكثرهم. 5 – لم يسخر من الكنائس والأجراس فقط بل سخر أيضا من الكهنة. فعندما يجلس الكاهن الماجن يوحنا الذي يصاحب غارغانتوا ويحارب معه ببسالة، إلى الطعام ينصحونه بأن يخلع جبته حتى يستطيب الطعام، فيجيب بأن هذه الجبة ضرورية لمزيد من الطعام فإذا خلعها طار الجشع والنهم والطمع. وهذه أقسى سخرية فنية من رجال الدين. إن رابليه يهاجم الكهنوت كوظيفة بحيث أن كل من دخل في الثوب الكهنوتي أصيب بآفة الجشع والطمع والشهوات الذئبية. 6 – أبلى الكاهن يوحنا بلاء حسنا في حروب غارغانتوا فاعتقد أنه يكافئه عندما عيّـنه رئيسا على دير قديم. لكن يوحنا رفض ذلك وطالبه بتوفير الأموال لبناء دير جديد يختلف عن كل الأديرة. ولما سأله عن تصوره أجابه بأن الدير يتألف من 9332 غرفة مؤثثة ويشتمل على مكتبة ضخمة وحدائق وبساتين وخشبة مسرح ومسبح وملعب للتنس. وعلى المدخل تعلق شاخصة باسم الدير واسمه "تليمي" وهي كلمة يونانية تعني "افعل ما تريد" وتحتها قائمة بأسماء غير المسموح لهم بدخول الدير وهم الشيوخ والعجائز والسكارى والمتعصبون دينيا أو عرقيا أو قوميا أو المتسولون أو المحامون أو القضاة أو المرابون أو المتزلفون. . . إلى آخر القائمة التي لا تسمح إلا للفتيات الجميلات اللواتي تكون أعمارهن بين العاشرة والخامسة عشرة، وإلا للفتيان الوسيمين المؤصلين الأحرار المولد لأن طبعهم عندئذ يمنعهم من الرذيلة ويجعلهم يتنافسون في أعمال الخير. ولكن توافر هذه الشروط لا يعني كل شيء فهناك أنظمة للدير لا بد من أن يتبعها المقبولون ومن أهمها أنه لا يجوز للمقبولين فيه أن ينذروا أنفسهم للعفة والطهارة. أما ما تبقى فكل شيء مباح، فيمكن للفتيان والفتيات أن يدخلوا الدير وأن يخرجوا منه ساعة يريدون. في الدير يفعلون كل ما يحلو لهم، فينامون ويسبحون ويأكلون ويتريضون معا ذكورا وإناثا بكل حرية، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ما دام الدير لا يقبل المرتشين واللصوص والسفلة والأوباش والمحامين والقضاة وكل رموز النفاق والمخادعة، فلا كذب ولا نفاق ولا مخاتلة ولا أشراك تنصب، ولا ثروة يجري الاقتتال عليها. أعجب العملاق بالفكرة وقدم الأموال اللازمة. 7 – يسخر من التعليم القديم، ويرى أن التعليم يجب أن يقوم على حرية الهواية الفنية من رسم ونحت وموسيقى ورقص ومسرح وأدب ورياضة. . . وعلى الطلاب أن يدرسوا جديا الثقافة اليونانية، التي يخجل المرء من دونها أن يعد نفسه عالما أو كاتبا، إلى جانب الثقافات الأخرى كالعربية واللاتينية. 8 – يحذر من العلم الذي يخلو من الضمير: إن العلم بغير ضمير ليس إلا مجلبة لخراب النفس. والضمير الذي يشير إليه لا يمكن أن يربى في أحضان القسس وأروقة الأديرة، بل في تقدير الحياة المشتركة التي يجب أن نصقلها بالثقافة الأدبية التي فيها يولد الضمير الحي الحقيقي. وفي رسالة غارغانتوا إلى ابنه يوصيه بأن يكون خدوما لكل جيرانه. كما ينصحه بأن يحفظ كل مواد القانون المدني، وهو القانون الوحيد الذي يشترك فيه البشر مهما كانت مللهم وأديانهم وأعراقهم. وبهذا القانون وحده يمكن خلق حياة مشتركة من جهة ومنسجمة من جهة أخرى. 9 – لا ننتهي من التعداد إذا رحنا نستقصي البورليسك والغروتيسك في روايته الموسوعية، فقد سخر من البابوية ومراسيمها وصومها وصكوك غفرانها ومحاكم تفتيشها، وابتزازها أموال الشعوب ومن كرادلتها الذين تعلموا منذ الصغر في الأديرة كيف يأكلون جيدا وينافقون بمهارة. . .الخ أشياء وأشياء كثيرة يمكن أن نجدها في هذا الفن البورليسكي الخطير. ولو سألنا عن فلسفة رابليه الكامنة وراء هذه الرواية لقلنا إنها فلسفة النهضة. ولكن هنا لا بد من أن نميز أي فلسفة هي، لأن هناك عدة فلسفات ومنها الفلسفة البروتستانتية مثلا التي ركزت هجوماتها على البابوية أكثر من أي شيء آخر. إن فلسفة النهضة التي أخذ بها رابليه هي الفلسفة الأدبية التي أحدثها بعث الأدب اليوناني خاصة والفكر اليوناني عامة. وكذلك نجد أن انتقادات رابليه للبابوية كانت تستلهم أراسموس وليس لوثر ولا كالفن. واراسموس من بين الجميع كان الأقرب إلى الفلسفة اليونانية والذي كان يردد باستمرار "سقراط أيها القديس صل لأجلنا". إنه يجعل من الوثني (حسب مفهوم المسيحية) قديسا ويجعل من نفسه كمسيحي ضالا وخاطئا ويحتاج إلى شفاعة هذا الوثني الصالح. إن الروح اليونانية هي الجوهر الأساسي لفلسفة رابليه، ومن هنا نفسر لقاءه الفكري مع اراسموس. وفي دعوته العلمية كان يدعو في الوقت ذاته إلى الثقافة الأدبية لتربية ضمير حساس يعرف كيف يوجه العلم لصالح البشر. على أي حال إنه الضمير الذي غاب عن ديننا الجديد، الدين التكنولوجي. إن الروح اليونانية التي بعثتها النهضة في إيطاليا ثم في كل أوروبا هي الاهتمام بالإنسان أكثر من أي شيء آخر، أو تسخير كل شيء في الفكر والأدب والثقافة والتعليم والتربية لهذا المخلوق الذي سوف برعونته يدمر كل شيء إن لم ننجح في الارتقاء به. إنه المخلوق الشرس الذي إن لم يروَّض أفسد الطبيعة، عشبا وماء وهواء وأرضا وجبالا. . . ولهذا السبب أنشئت المسارح الضخمة في اليونان ومنحت مخصصات مالية لكل متفرج. هذه هي النواة الأساسية التي انطلق منها رابليه في فلسفته ونظرته. وقد يقال إنه بعد أن ترك الأكليروس وامتهن الطب عاد ثانية إلى هذا السلك الذي انتقده أشد الانتقاد، وهذا يشكل تراجعا عن فلسفته ونظرته. ولكن الأرجح أن تكون التقيّة وراء هذا الانقلاب، فتهمة التكفير وعقوبة الحرق دفعتاه إلى العودة ثانية إلى الإكليروس. رابليه والفن الروائي الفن الروائي بعد رابليه يختلف عن الفن الروائي قبله. وتعتبر الخطوة التي قام بها حاسمة نبهت العقول إلى أشياء كثيرة لم يكن أحد يهتم بها من قبل: 1 – المرأة قبل رابليه، أي في الرواية الإغريقية القديمة ورومانسات العصور الوسطى كانت الغاية القصوى التي يسعى إليها البطل. كل الروايات القديمة التي أشرنا إليها من قبل سواء التاريخية أو غير التاريخية، تجعل المرأة مطلبا أوليا. إنها المبتدأ والخبر. يأتي – مثلا – إله الحب كيوبيد فيرمي سهمه فيخلق قلبين متحابين، وينطلق الكاتب من هنا فيضع العقبات ويتفنن في ذلك، ليكون ثمن الحب باهظا إلى أن يلتقيا في النهاية. كم من الروايات القديمة والرومانسات الوسطوية دارت حول "هيلين" التي هربت مع عشيقها إلى طروادة؟. . . إن كل الروايات والرومانسات مستمدة من هذه النسق. بعد رابليه تغير هذا النسق. لو سألنا أين المرأة في الفن الروائي عند رابليه لما عثرنا عليها. بل هناك ما هو أكثر من ذلك بكثير، إذ لم يكتف رابليه بإهمال المرأة وإنما هاجمها في حماقاتها كما هاجم الرجل، ورأى أنها ترتكب سخافات تعود بالضرر حتى على ذاتها، ما كان أغناها عنها. لقد خضعت المرأة عند رابليه لمبضع الواقع الذي لا يرحم، وصارت نيكوليت أو هيلين أو سواهما من المخلوقات الأرضية التي ترتكب الحماقات وتمارس سخافات مضحكة جدا ولم يعد الكاتب ينظر إليهما وإلى سواهما تلك النظرة القديمة المثالية. لقد اختفت الصورة المثالية التي رافقت الرواية منذ بدايتها حتى أيام رابليه تقريبا. ولا نكاد نستثني من ذلك أثرا سوى "الساتيريكون" للكاتب الروماني بترونيوس، الذي عاش في عصر نيرون وكان صديقا له. هذا إذا اعتبرنا هذا الأثر رواية، فما قدمه بترونيوس أقرب إلى المسح الواقعي. على أي حال، فإن هذا الأثر يقف منفردا بين بقية الآثار، فالتصوير يبدو أمامنا واقعيا لأسواق روما وبيوتاتها ومواخيرها أيام نيرون الذي غضب على بترونيوس لأسباب لا نعرفها، فأقدم الأخير على الانتحار حتى لا يزعج صديقه الإمبراطور. ولكن الشبه كبير بين بترونيوس ورابليه في معاملة المرأة معاملة واقعية. وقد سار الثاني على منهج الأول وأخضع المرأة لواقعية شديدة. لكن من باب آخر لا نستطيع القول إن جعل المرأة مثالية في الرومانسات الوسطوية كان لغاية فنية فقط، بل هناك المنافسة مع الكنيسة. أرادوا الارتفاع بالجمال الأرضي إلى الجمال السماوي، ومساواة الحب الأرضي بالحب السماوي. إنهم على مثاليتهم كانوا يناضلون ضد عدو واقعي يعرفونه جيدا. إن هذه النقطة، أقصد المرأة – من أهم النقاط التي اعتمدتها القصة الحديثة، منذ القرن التاسع عشر، أو قبل ذلك بقليل، وحتى هذه الأيام. بعد رابليه لم تعد المرأة في الرواية مثلما كانت من قبل. إن الأبعاد الواقعية التي حددها رابليه هي التي ظلت محترمة في الفن الروائي. لم تعد هناك بياتريس أرضية ترتقي إلى مصاف العذراء وراحيل. صارت بياتريس واقعية جدا وتخضع للواقعية النقدية التي عرفها القرن التاسع عشر، والتي استمرت حتى اليوم. إلا أن بياتريس أو أي ليدي أخرى لم تخضع للواقعية النقدية إلا بعد أن استوفت تطورها ووصلت إلى الذروة. رفعت الرومانسات القديمة المرأة إلى مستوى قداسة العذراء حتى مل الناس من كل هذه المبالغة فلما سقطت المثاليات هبطت بياتريس إلى الأرض. أما العذراء فقد تركها الكتاب لأن الدين فقد سيطرته المطلقة، وبالتالي فإنها لم تعد تحتاج إلى من ينافسها، لأنها لم تعد تستخدم كما كانت تستخدم سابقا. لم تعد تظهر في مؤلفات الأدباء، وإن ظلت تظهر في أحلام البسطاء. 2 – أرجح الظن أن رابليه هو أول من رصد حركة الواقع الجديد فيما يتعلق بظاهرة التشرد أو اللصوصية أو الكدية التي يطلقون عليها اسم البيكاريسك. فقد توفي رابليه عام 1553 وكان قد أنجز كل أجزاء كتابه، وإن لم ينشر إلا في عام 1564 أي بعد وفاته بإحدى عشرة سنة، فيكون بذلك أسبق من ذلك المؤلف الذي ألف أول كتاب بيكاريسك في إسبانيا بعنوان "لازاريو دي تورميس" 3 - يبدو أن رابليه لم يرو غليله من البورليسك والغروتيسك في شخصيتي غارغانتوا وبنتاغرويل فعرج على الكاهن يوحنا الذي صمم ديرا غريبا فريدا من نوعه، وأقذع في هجاء رجال الدين. ولكن حتى هذه الشخصية لم ترو غليله أيضا فابتكر – باستلهام من الواقع طبعا – شخصية الأفّاق أو المتشرد (يطلق على ذلك اسم البيكارو بالإسبانية وهي الكلمة التي شاعت وأعطت اسمها لهذا الفن الكبير) واسم هذا المتشرد هو بانورج. يجمع بين بذاءة اللسان وبذاءة التصرفات. وبما أنّه متشرد فقد صار بإمكان رابليه أن ينطقه بما يريد ضد كل الأشياء الكريهة وبألفاظ لم يسمع بها أحد وبأفعال تدل أن هذا الرجل جاء لينتقم من المنافقين والمتنبئين الكذبة. واسمه بانورج يعني المستعد لعمل أي شيء، مما أراح قلم رابليه كثيرا. فإذا كانت هناك حدود لشخصية غارغانتوا أو بنتاغرويل أو الكاهن يوحنا، فليس هناك حدود لبانورج الذي يصفه رابليه بأنه متشرد وفاسق محتال وسكير وداعر ونحيل كالقط الجائع وفاجر، ولكنه إلى جانب ذلك شهم وخير الناس في هذا العالم وأكثرهم فضيلة. فكم يكون الناس منحطين إذا كان هذا أفضلهم! من هذه الأوصاف المتناقضة نعرف أن رابليه جاء ببانورج للغوص أكثر في انتقاد المجتمع بكلمات أشد فحشا مما سمعناه من الشخصيات السابقة. فهو مثلا يرفع دعوى ضد نساء باريس لأنهن يزررن قمصانهن في أعلى العنق. وانعقدت المحكمة، وشعر أنه سوف يخسر الدعوى فهدد المحكمة بأنها إن حكمت بتزرير القميص من الأعلى فإنه سينشر سريعا موضة حل أزرار سراويل الرجال من الأسفل. وهذا حق مكتسب له لأنه لا يوجد قانون ضد الموضة في باريس التي تغير موضاتها بأسرع مما تغير آراءها. وسراويل الرجال لم تتغير منذ مئات السنين فله الحق، على جاري عادة باريس في اختراع موضات الأزياء، في ابتكار موضة لسراويل الرجال فخافت المحكمة أن يفعلها فحكمت بأن تغير النساء موضة عنق القميص وأن يتركن بضعة أزرار سائبة من دون تزرير، لأن ذلك "أجمل في عيون الرجال". وهذا كما نظن أول ذم يظهر في فن الرواية لعشق باريس للتقليعات، وأول ذم لتهافت النساء على تغيير التقليعات. ومن الأعمال الأخرى التي تتناسب وشخصية بانورج أن سيدة احتقرته فرشّ ثوبها وهي راكعة تصلي في الكنيسة بشهوة خرجت من كلبة مغتلمة، مما جعل ذكور كلاب باريس وعددها 6000014 (!؟) تتبعها في عراضة لم تشهد باريس لها مثيلا. والقارئ يعرف لماذا اختار رابليه الليدي شخصية والكنيسة مكانا لهذا المشهد البورليسكي اللاذع. ويلتقي بانورج (برفقة صحبه طبعا) بكثير من الشخصيات التي تنال حظها من الإقذاع والرجم كالمحامين والسكارى والمتعصبين البروتستانت وأنصار البابا والتجار الغشاشين والمؤرخين والفلاسفة. . . الخ لقد أخضع كل شيء لنقده الساخر مثلما أخضع المرأة ولم ينسق وراء التمجيد الذي كالته الرومانسة لها. لا نظن أن كاتبا روائيا سبقه، أو حتى جاء بعده قدم هذه البانوراما الروائية الضخمة العظيمة التي أذهلت العالم. ربما كان ذلك مصحوبا بشيء من الإسهاب والفوضى، لكن الفن الروائي لم يكن وقتئذ قد برز كما هو الآن بهذه الفنيات والتقنيات المتطورة، فلم تكن الرواية أكثر من حجة للنضال ضد أدوات القمع ومثيري الفتن والحروب والحزازات، بأساليب وطرائق ملتوية أحيانا، صريحة أحيانا أخرى. 4 – كل الروايات السابقة كانت تتأنق وتختار الألفاظ والتراكيب الفخمة والجميلة ذات الوقع المؤثر بلاغيا. كانت البقع الأرجوانية تملأ الساحة الروائية كما لو كانت استجداء للقارئ حتى يتابع الرواية. أما عند رابليه فكانت الحقيقة هدفه، فاختار الأسلوب الواقعي. قبله كان الروائيون يسيرون على سنّة واحدة وهي قطف ما هو جميل من التراث الروائي السابق أو من التاريخ. أما رابليه فكان بداية لعهد جديد وهو عهد المغامرة اللغوية والحديث الطازج الصادق، فأدخل على اللغة الفرنسية، حسبما تقول الإحصاءات 600 كلمة جديدة، وهذا ما لم يستطعه جيمس جويس. ولأول مرة تنظر الرواية إلى الأمام إن صح التعبير. فمنذ العصر الهلنستي وحتى بداية عصر النهضة والناس ينظرون إلى الوراء في كتابة الرواية. وقد نظر رابليه أيضا إلى الوراء، ولكن إلى الأدب اليوناني القديم، وتأثر بأرستوفانز، ولكنها نظرة استلهام لا نظرة تقليد. وبذلك وضع المبدأ الأساسي لفن الرواية وهو الواقعية النقدية التي أنقذت الرواية من الانجراف وراء المألوف من الانطباعات العامة السائدة، وبذلك جعلها أداة حقيقية للتغيير الاجتماعي. 5 – يمكن الزعم بكل ثقة أن رابليه جعل "الموقف الأدبي" منطلقا له في نظرته النقدية. والموقف الأدبي هو احترام الطبيعة وعدم السير في ترهات الدين والخيال الكاذب وكل ما يخالف نواميس الطبيعة. . . لأن كل من يخالف الطبيعة مكتوب عليه الفشل. كان يكتب كأنه يجيب عن سؤال: كيف نجعل الحياة منسجمة مع الطبيعة؟ إنه يسقط القداسة عن أي شيء يخالف الطبيعة ولو كان دين ابن العذراء مريم، لسبب بسيط، وهو أن هذه المخالفة تؤدي إلى الفشل بعد أن تشوّش الحياة وتجعلها حزينة مأساوية. وعلى الإنسان الذي يخترع الثيولوجيا أن ينطلق من الموقف الأدبي حتى لا يجلب الوبال على نفسه من جراء التناقض بين الطبيعة والأيديولوجيا والثيولوجيا، فيدفع ثمنا باهظا لهذه المخالفة. والموقف الأدبي هو إعادة الإنسان من ضلاله إلى احترام الطبيعة. إنه دعوة للارتقاء بالإنسان حتى مستوى الانسجام الطبيعي، وتحذير من النفاق الذي دائما يقدّم بكلام معسول لتضليل الإنسان عن حقيقته. والموقف الأدبي هو الذي يعتمد على الحقيقة حتى حين يستخدم أشد الأساليب الخيالية تطرفا. ولهذا السبب لم يلجأ في أسلوبه اللغوي إلى التفخيم. كان يؤمن أن الصدق الفني يكون باحترام الحقيقة الأدبية، لا الانسياق وراء واقع مشوه وتكريس هذا الواقع. فالفارس يجب أن يموت من أجل الارتقاء إلى الحق، لا من أجل أن ترضى ليدي لا تنادي الفارس إلا لإنقاذها من ورطة شخصية محضة، وأحيانا تجعله يموت من أجل الدفاع عن منديلها. لقد أعلن رابليه انصرام زمن وبداية زمن في فن الرواية. إن إحياء البورليسك القديم وإضافة الغروتيسك إليه ورصد ظاهرة البيكاريسك (الكدية أو الشطارة) والاجتراء على تجديد اللغة تكفي وحدها لإظهار فضل رابليه ليس علي بينيان وسويفت وموليير وفولتير. . . وحسب، بل على اتجاهات الرواية في القرن العشرين أيضا. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |