من تاريخ الرواية - حنا عبود

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 02:54 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

دون كيشوت: رومانسة مضادة

عندما تمطر السماء نارا‏

عوامل وظروف عديدة، بل كثيرة، أدت إلى انهيار الإقطاعية ونظام الفروسية. منها على سبيل المثال ظهور التناقض والصراع بين الكنيسة والقلعة، ومنها ضعف القوى الإقطاعية نتيجة الحروب المستمرة، ومنها ظهور الطبقة البرجوازية التي جعلت المدن تنمو وتتسع حتى صارت القلعة تبدو مضحكة وهزيلة أمامها. . . لكن العامل الخطير الذي أودى بالجيوش الإقطاعية والدينية هو استخدام أوروبا لمادة ابتكرها الصينيون ونقلها العرب وهي البارود. ويقدم لنا فريدريك إنجلز لوحة دقيقة عن هذا الاختراع ودوره في أوروبا وأمريكا والعالم عندما يعرض نظرية العنف في كتابه"ضد دوهرنغ". إنه يصور الأثر الواسع الذي تركه البارود وقد تحول إلى سلاح فتاك، في يد البرجوازية، بحيث تدعمت واستقوت به على أعدائها الطبقيين. ولو أن المجال يتسع لجئنا بكل ما كتبه في هذا الفصل. لكننا سنجتزئ بعض المقتطفات من بحثه (ص 231 وما بعد من طبعة موسكو الإنكليزية عام 1954):‏

"في أوائل القرن الرابع عشر انتقل البارود من العرب إلى أوروبا الغربية. . قلب أساليب الحرب قلبا كاملا. على كل حال لم يكن استخدام البارود والأسلحة النارية عملا من العنف، بل كان خطوة متقدمة في الصناعة، أي كان تقدما اقتصاديا. الصناعة هي الصناعة، سواء اتجهت إلى إنتاج الأشياء أم إلى تدميرها. فاستخدام الأسلحة النارية لم يكن ثورة في إدارة الحرب فقط، بل في العلاقات الاقتصادية، علاقات السيطرة والخضوع. فتوفير البارود والأسلحة النارية يستدعي الصناعة والمال. وهذا ما كان متوافرا عند برجوازية المدن. فمنذ البداية كانت الأسلحة النارية أسلحة مدن، أسلحة الملكية الصاعدة التي تساندها المدن ضد النبالة الإقـطاعـية. كانت أسوار القلاع الحجرية للنبلاء منيعة حتى ذلك الحين، ولكنها سقطت أمام مدافع البرجوازيين، كما ثقب رصاص بنادق البرجوازيين دروع فرسان الإقطاعيين واخترقها. وبهزيمة كتائب فرسان الإقطاعية انهارت سيادة الطبقة الإقطاعية. . . وكان تطوير الأسلحة النارية عملية بطيئة جدا. فظلت المدفعية ثقيلة وبقيت البندقية سلاحا فظا، على الرغم من اختراعات تحسينها. واقتضى الأمر ثلاثة قرون كاملة حتى ظهر سلاح مناسب لتجهيز المشاة. فالبندقية ذات المغلاق والحربة في ماسورتها لم تحل محل الرمح بصورة نهائية في تجهيزات المشاة حتى أوائل القرن الثامن عشر. . ."‏

يتابع إنجلز استنتاجاته وأهمها:‏

1 – على الرغم من هذا التسليح، لم تكن الجيوش الرسمية سريعة الحركة نظرا لأنها تسير في المعركة وفق تشكيل معين يعيق تقدمها. وهذا ما يفسر لنا سبب انتصار الثوار أصحاب البنادق الخفيفة على الجيش الثقيل بمدفعيته الضخمة. وهذا ما جرى في الثورتين الأمريكية والفرنسية.‏

2 – بعد انتصار البرجوازية صار الجيش هو الهدف الأول للدولة، فعليه يقوم الوجود السياسي والاجتماعي للبرجوازية وجرت المنافسة بين الدول إلى إنفاق الكثير على العسكر والسلاح.‏

3 – لم يعد الإقطاعي هو الذي يختار فرسانه. صارت الدولة هي التي تختار المجندين من الشعب. فلم تجد بدا من فرض الخدمة العسكرية الإلزامية على الشعب حتى تكون عناصر الجيش جاهزة للحرب أثناء إعلان النفير العام.‏

4 – لم يعد الشعب يقدم الجنود فقط، بل إنه أيضا يجبر على إطعامهم وتسليحهم بالأسلحة النارية وبالإمدادات اللوجستية. وباسم الوطن والدفاع عن الوطن فرضت الضرائب، بحجة الكرامة القومية وتحرير أرض الوطن الأم مما أدى إلى هدر الحرية في الداخل، على الرغم من أن البرجوازية كانت ترفع شعار الحرية.‏

5 – لم تستطع الإقطاعية الوقوف أمام هذا الدعم الكبير للبرجوازية الذي تجلى في السلاح الناري، الذي يؤكد انجلز أنه سلاح المدن وليس سلاح الأرياف، فقد بدت ثروة الإقطاعية هزيلة جدا أمام ما يوفره نشاط البرجوازية من أرباح. وكل إقطاعي حاول خلق جيش ناري – إن صح التعبير – كان يسير في طريق تدمير نفسه وإقطاعيته.‏

6 – ظهور الأسلحة النارية جعل البرجوازية في مركز السيطرة شبه المطلقة على مقاليد الأمور، وهذا ما جعلها تتوسع في كل شيء، حتى اكتشفت أن الطلقات في سوق البورصة قد تكون أجزل فائدة وربحا من الطلقات النارية، فراح رأس المال المالي يتشكل وينجز ثورته، وينتقل من القومية إلى الإقليمية فالعالمية أو ما يسمونه اليوم العولمة أو الكوكبة أو الكونية التي تحظى الآن بدراسات متخصصة كثيرة لرصد المعالم الجديدة للنظام الاقتصادي الجديد الذي قام على معطيات جديدة ليس في ميدان التسليح وحده، بل في كل الميادين. لكن هذا ما نتوقع أن نقرأه في الرواية القادمة، رواية القرن الحادي والعشرين.‏

نموذج لنار السماء‏

ربما كانت حرب المئة عام التي ابتدأت في الثلث الثاني للقرن الرابع عشر أفضل نموذج لبدايات عصر ونهايات عصر. فقد نشبت هذه الحرب بسبب رغبة ملوك إنكلترا الذين كانوا أدواق مقاطعات فرنسية في الاستقلال عن التاج الفرنسي. وقد استمرت هذه الحرب، على نحو متقطع، أكثر من مئة عام، وقد وصلت نيرانها حتى أواسط فرنسا.‏

بدأت الحرب بالأسلحة القديمة، بأسلحة الحديد من سيوف ورماح ودروع وتروس. لكن التطور السريع للأسلحة النارية جعل للمدفعية دورها الكبير في نقل الحرب من الفردية إلى الجماعية – إن صح التعبير. صارت المواجهة الفردية تحتل المرتبة الثانية. إن قذيفة المدفع سخرتْ من حد السيف ومرغت بطولة الفارس بالطين. فقذيفة واحدة كافية لتشتيت صف كامل من الفرسان. وبما أنها أبعد مدى من سيف الفارس أو من سهمه، فإنها إلى جانب الإصابات الجسدية تزرع الغيظ النفسي. فعندما يرى الفارس نفسه في هذا الموقف فإنه يمتلئ غيظا وحقدا. الفارس المقدام الذي يلقى الاحترام أينما سار وأينما حل آل إلى صورة مضحكة. فلنتخيّل فارسا وقد ملأته الخيلاء، يلقي بالنظرات حوله ولسان حاله يقول: انظروا من أنا وانتظروا لتشهدوا البطولة أمام أعينكم. وترمي السماء قذيفة نارية بالقرب منه، وليس عليه، فتقذف به وبحصانه في الهواء أبعد بكثير مما كان يفعله رمح المبارزة بالفارس الخاسر عندما يقذفه عن ظهر جواده. ويتهاوى المسكين من الجو إلى الأرض مرضوضا مكسرا وهو بعد في كامل لباسه الفروسي، لم يشهر رمحا ولم يمتشق حساما. . .‏

إن قذيفة واحدة كافية لنزع الفروسية عن عدة فرسان، إذ بعد القذيفة لا يعود هذا الرجل فارسا فلا تهتف له الجماهير ولا تفتح له القلاع أبوابها. قذيفة واحدة ويفقد الفرسان فروسيتهم، ويصبحون في موقف يستدعي السخرية. لا الدرع حماه ولا السيف ساعده. إن المدفعية التي ظهرت في حرب المئة عام أثبتت أن القتال الجديد لم يعد بحاجة إلى شجاعة أبدا. وبذلك استلت من الفروسية روحها وحولتها من مزار يهفو إليه الناس إلى حوش مهمل لا يقربه أحد.‏

كان الفارس يقضي سنوات وسنوات يتعلم فنون المسايفة والمرامحة وأخلاق الفروسية. وبعد أن يتخرج في القلعة يصبح قبلة الناظرين، ويتهافت عليه الإقطاعيون. لكن في مقدور رجل بليد جدا وأخرق وممسوخ البدن أن يشعل الفتيل في مؤخرة المدفع فيقضي على عدة فرسان مع خيولهم في آن واحد. ما هذا؟ أين الأخلاق وأين الشجاعة وأين البطولة وأين الشرف وأين قانون الفرسان "الخالد"؟‏

كان الفارس لا يخاتل ولا يغدر ولا يقاتل غيلة، بل ينذر خصمه ويدعوه إلى المبارزة ويأتي بشهوده مثلما يأتي الآخر بشهوده. وفي حرب المئة عام راحت القذيفة – ولو صغيرة – تسخر من كل هذه العادات الشهمة، وتثبت أن الحرب خدعة وغدر ومخاتلة. فما دام الهدف هو النصر فإن من الحماقة أن تكون هناك مواجهة، فيتحقق النصر بأبخس الأثمان لا بأغلاها. وما دام النصر يتحقق عن بعد فإن الالتحام مغامرة إن لم تكن القوة متفوقة تفوقا ساحقا.‏

لكن الأسلحة الجديدة في حرب المئة عام لم تكن قادرة على الحسم تماما. وسرعان ما اكتشف المشاة أن من الممكن إسكات هذه الأسلحة بشن حرب عصابات ضدها، فهي أسلحة ثقيلة جدا لا تستطيع أن تتحرك بسرعة ولا أن تلتف أو تتراجع أو تتقدم حسبما تقتضي الضرورة. إنها تجثم في مرابضها مثل أعمدة جبل طارق. وتحدد الهندسة العسكرية التي أخذت تحرز تقدما في أوروبا، مواقع هذه المرابض. وتقع كارثة حربية إذا لم تنجح هذه الهندسة في تعيين المرابض المناسبة. وهذا ما جعل الناس تحتار فيما تختار بين الأسلحة القديمة والأسلحة الجديدة، فقد تأتي الأخبار أن فرسان الفرقة الفلانية اجتاحوا بخيولهم مرابض مدفعية الخصم بكل بساطة وسهولة. وراحت الشائعات المؤيدة والمعارضة لهذه الأسلحة تنتشر لتصل في مبالغتها إلى حد الأساطير، فكأن السحر الذي كان الناس يقرؤونه في الرومانسات قد غدا حقيقة واقعية.‏

لم تدع الأسلحة الحديثة الفارس يستريح، فلم تترك له أي حيلة يستخدمها أو أي ملجأ يلجأ إليه، بعد أن أثبتت أنها قادرة على دك أكبر ملجأ آمن له وهو القلعة. لقد بات الفارس مكشوفا، وباتت معاركه مضحكة. والشيء الذي دب الخوف في نفس الفارس، أنها أسلحة تتحسن وتتطور باستمرار، فكانت في بداية حرب المئة عام بدائية يستخف بها الناس، بينما غدت في نهاية الحرب أكثر فاعلية وأشد حسما وأبعد مدى.‏

كانت الأسلحة الجديدة العامل الأشد حسما للفارس والقلعة والنظام الإقطاعي بكامله. كل المحاولات التي ظهرت في أعقاب حرب المئة عام لبعث أنظمة الإقطاعيين وفرسانهم والترويج لأخلاق الفروسية باءت بالفشل. فقد راح الإقطاعيون "يطورون" أسلحة فرسانهم ويزينون فرسانهم بريشة يشكونها هنا وهناك، ولكنهم لم يستطيعوا بعث شيء. إن أفضل ما قاموا به هو أنهم جعلوا الفرسان يبدون في تشكيل جميل ولباس براق مزخرف يصلحون لتقديم عرض جماهيري ينال الاستحسان والتقدير لما فيه من إتقان وألوان فقط. وما نجده حتى اليوم من عروض لدى بعض الجيوش الأوروبية والإنكليزية بشكل خاص، تلفت النظر تنظيما ولباسا، إنما هي من بقايا المحاولات الإقطاعية لإنعاش نظام الفروسية. لقد ذهب النظام وبقيت شكلياته.‏

إن حرب المئة عام قلبت الأمور رأسا على عقب. فالمقاتل يؤخذ بالأجرة والتطويع وليس بالاختيار الدقيق. وهو يتدرب بسرعة على هذا السلاح، وليس بحاجة إلى عقدين من العمر حتى يحفظ قوانين الفروسية وأساليبها، وصلوات الكنيسة وأوامرها، وأصول المعارك والتحية الفروسية، ومخاطبة الآخرين حسب المقام والجنس. وهذا ما جعل الجيوش تتضخم تضخما سرطانيا، فالجيوش التي تعد بالآلاف لم يعد يحسب لها حساب. صار الحساب يبدأ بعشرات الألوف.‏

غيرت حرب المئة عام كل شيء: من الطعام والتدريب واللباس حتى الأسلحة ونمط القتال والأخلاق والتصرفات، ووسعت مكان المعركة بحيث قد يغطي الجنود سهلا بكامله. وتطور العلم العسكري وظهرت الاختصاصات المختلفة في قلب الجيش الواحد، مما جعل الحروب الفروسية نسيا منسيا. ولكن ذلك لم يحدث فجأة، فقد تعايش السيف والمدفع مدة طويلة تتجاوز القرنين في بعض البلدان. وبعد ظهور البنادق جرى تركيب الحربة (السنكة) في ماسورة إطلاقها تحسبا لخوض معارك السلاح الأبيض. وقد ظلت هذه الحربة متعايشة مع البندقية حتى القرن العشرين. يبدو أن العقل البشري لم يصدق أن من الممكن الاستغناء عن السيف في القتال والحرب حتى وقت غير قليل من القرن العشرين.‏

الواقع الجديد والرومانسة الوسطوية‏

ظهرت الرومانسة الوسطوية من مواجهة الليجندة المسيحية كرد عليها. وقد احتفظت بالعجائبية والسحر والغرائبية التي كانت في الليجندة المسيحية. لكنها إلى جانب ذلك وضعت في حسابها الواقع الإقطاعي الجديد الذي اعتمد على نظام الفروسية. فهي من جهة تتعامل مع الواقع الإقطاعي الجديد الذي اعتمد نظام الفروسية، وهي من جهة ثانية تعتمد على الأساليب القديمة. وهذه ناحية هامة، فلا يجوز أن نأخذ الرومانسة الوسطوية على أنها حقيقة من حيث الأحداث. فهناك أدوات كان خيال الكتاب يبتكرها من أجل التشويق والترويج لأخلاق الفروسية، ولا علاقة لها بالواقع الفعلي. فعندما ينقذ الفارس إحدى الليدات ويعود بها، كان يقضي عدة أيام بلياليها قبل الوصول بها إلى أسرتها. وأثناء الليل كان ينام بقربها ولكنه يضع بينه وبينها "سيف العفة" . وإذا وصل إليها فإنما عن طريق السهو أو الشراب العجيب أو بفعل السحر أو تدخل المردة والعفاريت. الرومانسة الوسطوية التي تتفاعل مع الواقع، لا ترهن نفسها لهذا الواقع، بل هناك حرفة لا بد من احترام مبادئها وهناك ما يسمى بالسرد التشويقي. وكان معظم الناس – قبل ظهور الأسلحة الجديدة – يصدقون ما تقدمه لهم الرومانسة، لأن الكنيسة كانت قد أقنعت كل المؤمنين بخرافات الليجندة التي تكاثرت تكاثرا شيطانيا، حتى أن الليجندة الواقعية لم تكن تحظى بأي اهتمام. لقد أثرت الرومانسة في عقول الناس بكل ما ابتكرته. وربما كان زنار العفة الذي استخدمه الصليبيون حفاظا على عفة نسائهم أثناء غيابهم في حروب الشرق، تقليدا لسيف العفة الذي ابتكره كتاب الرومانسة والذي لم يكن له أصل واقعي، وإنما كان منافسا للعفة التي كانت تدعو إليها الكنيسة. إن سيف العفة ليس سوى أحد الابتكارات التي أبدعها كتاب الرومانسة. إنه شبيه بالكأس المقدسة وبالمردة والجن والعفاريت والسحرة والشراب السحري، وغير ذلك.‏

ونسمي هذه الأدوات الفنية ابتكارات، لأنها طورت ما كانت تلجأ إليه الرواية الإغريقية (الرومانسة القديمة) من استخدام ربة الجمال وإله الحب ورب الشمس والفنون وبقية الآلهة القديمة التي ظلت تظهر في الرومانسة ولكن على نحو محدود جدا نظرا لأن الأدوات الجديدة هي التي أخذت تتسلم منها دورها الفني. ولو رحنا نتابع المفارقة بين الواقع والتطورات الفنية في الأدب الروائي لاقتضى تخصيص دراسة كبيرة. لكنا أردنا الإلماح إلى ذلك حتى لا يكون التغير الذي طرأ على الرواية مرتبطا بالواقع وحده.‏

لكن هذا لا ينفي أن الواقع الجديد في حرب المئة عام غيّر، ليس فقط واقعية الأحداث، بل أيضا هيأ الظروف لظهور خيال أدبي جديد يتعاطى مع هذا الواقع. ففي ظل الواقع الجديد بات الحديث عن صاعقة زيوس أو انتقام رب الحرب مارس حديثا مضحكا، لأن قذيفة المدفع أقوى من الصاعقة، والأسلحة النارية أقوى من أسلحة مارس التي باتت أسلحة متحفية لم تعد تقنع أحدا. إن سحب بساط السحر الخرافي من الرواية جعلها تبحث عن خيال جديد، سوف يتجلى فيما سمي برواية الخيال العلمي كما في "فرنكشتاين" و " الدكتور جايكل ومستر هايد" و "الكونت دراكولا" مصاص الدماء البشرية. . . إن هذه الروايات وأمثالها لم تكن لتظهر لولا الواقع الجديد الذي فرض نفسه، والذي صفى نظاما اقتصاديا هو الإقطاعية ونظاما أخلاقيا هو الفروسية وعقلية متخلفة هي عقلية السحر والغيبيات. لقد حلت رواية المدينة الجديدة محل المدينة القديمة. وأخذت أسماء الشوارع تظهر على صفحات الرواية وتعكس علاقات اجتماعية جديدة وأدوات فنية لم تكن تخطر على بال الرواية القديمة. إن الأسلحة الجديدة جعلت المدينة تفرض سيطرتها، وأسلوب حياتها، وإلى الأبد، على ما يبدو حتى الآن.‏

إسبانيا والنهضة‏

تحتفظ إسبانيا لنفسها بشخصية تميزها من كل الأقطار الأوروبية، من دون استثناء، حتى إنكلترا نفسها. ويعود ذلك إلى بداية القرن الثامن، وهو تاريخ الفتح العربي الذي فتح آفاقا جديدة أمام الأسبان، فقد اطلعوا على ثقافة جديدة ودين جديد وسلطة جديدة. وبتفاعلهم مع الفتح العربي تكونت لهم شخصية خاصة. ومن الطبيعي أن تترك ثمانمئة سنة من الحكم تأثيرها في هذا الشعب، وتجعل له ميزاته التي ينفرد بها دون غيره من الشعوب الأوروبية.‏

تمتعت إسبانيا بحرية دينية واجتماعية في ظل الحكم العربي، لم تكن دولة من دول أوروبا تتمتع بها. فقد عامل الفاتحون الجدد إسبانيا معاملة خاصة، فلم يجعلوا البلاد غنيمة تقتسم مخامسة ولا على طريقة عمر بن الخطاب. كان المسلمون يستولون على الأراضي التي يحتاجون إليها، أما بقية البلاد فتجبى منها الجزية. وقد حدثت نهضة زراعية كبيرة جدا بعد إدخال زراعة الثمار الآسيوية. لم يسبق لإسبانيا أن تمتعت بمثل هذا الازدهار الاقتصادي. وقد بلغت واردات الدولة أيام عبد الرحمن الثالث ما يعادل 57 مليون $ حسب تقدير هذه الأيام. إن جميع واردات الدول المسيحية في أوروبا لم تصل إلى هذا الرقم. وهذا ما جعل قرطبة تنافس دمشق وبغداد في الثروة والأبهة والترف المفرط.‏

وكانت الحرية مضرب الأمثال في كل أوروبا. فقد حظي اليهود بمناصب ومراكز عليا جدا حتى أن الوزير حسداي بن شيروط كان يمسك بالأمور أكثر من الحكم الثاني بكثير ويتصرف من دون إن يرجع إليه، لأن الأخير كان يوليه ثقة مطلقة نظرا لحكمته ودقته وحذره. ولم يكن اليهود يحلمون بمثل هذه الحرية التي كان يتمناها مسيحيو أوروبا من حكامهم المسيحيين جدا. وقد مارس المسيحيون الإسبان حريتهم الكاملة. ولم يقسر واحد منهم على اعتناق الإسلام، بل كانوا يتهافتون على الدين إلى درجة أن الحكام كانوا يرفضون مثل هذا التهافت حرصا على واردات الدولة. وهذا ما جعل عمر بن عبد العزيز يرسل إلى عامله في الأندلس بأن الله بعث محمدا هاديا لا جابيا. وأمر بالكف عن منع الناس من الدخول في الدين الإسلامي. ومن الأمور التي تفردت بها إسبانيا أن المسلمين كانوا ينضمون إلى المسيحيين ويشاركونهم الاحتفال في الكنائس بأعيادهم الكبرى. وبالمقابل كان المسيحيون يشاركون المسلمين الاحتفال بالأعياد الإسلامية في المساجد. وكان التزاوج بين المسلمين والمسيحيين يجري بكل حرية ومن دون أي قيود، في الوقت الذي كانت تمارس السلطات الدينية في أوروبا دورا قـمعيا على المـسيحيين أنفــسهم فـتنبذ وتحرم وتحرق الكثيرين الذين يخالفونها في هذه النقطة أو تلك.‏

ولأول مرة يجري التفاعل بين الثقافتين الدينيتين الإسلامية والمسيحية على نحو متسامح مما جعل بعضهم يشكو من عقابيل هذه الحرية. وقد عبرت رسالة أحد المسيحيين المتعصبين عن ذلك: "إن إخواني المسيحيين يعجبون بقصائد العرب وقصصهم، وهم لا يدرسون مؤلفات فقهاء المسلمين وفلاسفتهم ليردوا عليها ويكذبوها بل ليتعلموا منها الأساليب العربية الأنيقة. واحسرتاه. إن الشبان المسيحيين الذين اشتهروا بمواهبهم العقلية لا يعرفون علما ولا لغة ولا أدبا غير علوم العرب ولغتهم وآدابهم، فهم يقبلون في نهم على دراسة كتب العرب، يتخمون بها مكتباتهم وينفقون في سبيل جمعها أموالا طائلة. وهم أينما كانوا يتغنون بمدح علوم العرب" لقد وصل التسامح حد التغاضي عن الإلحاد في أواسط فترة الحكم العربي.‏

لم تكن المشكلة قائمة بين الفاتحين والسكان الأصليين. كانت قائمة بين الفاتحين أنفسهم. فمنذ الأيام الأولى للفتح جلد موسى بن نصير مولاه طارق بن زياد لمخالفته أوامره. وقد أذل سليمان بن عبد الملك فاتح الأندلس موسى بن نصير لأنه لم يتباطأ في الوصول إلى بلاط الخليفة السابق الذي كان على فراش الموت، كما طلب منه، فكانت الغنائم الخيالية ومنها الذهب والمعادن الثمينة والجواهر الكريمة وآلاف الفتيات العذارى من حظ سلفه. فلما اعتلى الخلافة طالبه بما لا طاقة له به، فحزن ومات. والفتن لم تخمد لحظة واحدة بين الفاتحين أنفسهم. فكانت الحروب بين الفاتحين عشرات أضعاف الحرب بينهم وبين السكان الأصليين. وقد ازدادت التمردات والفتن بعد توقف الفتح العربي وانكفائه من شمال إسبانيا. كان الفاتحون يتألفون من العرب (بني صخر وبني مرة وبني المنذر وبني عير وعشرات الأسماء الأخرى) ومن البربر (بني رزين وبني ذي النون وبني مضا وبني عميرة وعشرات الأسماء الأخرى) وقد كادت انتفاضة البربر في قرطبة أن تطيح بحكم الفاتحين العرب قاطبة.‏

لكن لماذا لا نقتصر على مثال واحد من العرب أنفسهم؟ كان العرب في الأندلس ينقسمون عموما إلى مضريين وقيسيين. وصادف مرة أن قطف أحد المضريين غصنا من دالية قيسي فقتله، فانتقم قومه له، فهب القيسيون ولاقاهم المضريون ونشبت نزاعات لا تكاد تصدق. كانت شرارة واحدة بين الفاتحين تجعلهم يقتتلون حتى الإبادة تقريبا. إن ما أجهز عليه الفاتحون من أنفسهم يعادل عشرات الأضعاف مما فعله بهم السكان الأصليون.‏

منذ القرن العاشر بدأت الأمور تختلف. فقد خاف حكام الأندلس من الفكر المتحرر والفلسفي فأشاحوا بوجوههم عنه. وقد بلغ بهم الأمر أن يظنوا أن كل مفكر أو فيلسوف ليس أكثر من عين للفاطميين في مصر الذين كانوا يسلحون دعاتهم بأنواع العلوم والفكر والفلسفة. وقد صاروا يشكلون هاجسا حقيقيا لحكام الأندلس. وبدأت الحرية تتراجع من جهة وطفقت الفتن تتقدم من جهة أخرى، وعلى الأخص في عهد حكام الطوائف. وعندما جاء المرابطون والموحدون لم يستطيعوا فعل شيء، فقد كانوا متعصبين تنقصهم السياسة والمرونة. وقد أدى هذا إلى تعصب أخذ يظهر لدى المسيحيين يغذيهم السلك الكهنوتي الخارجي، وعلى الأخص من شمال إسبانيا حيث كان الحكام هناك يستخدمون جميع الوسائل للإجهاز على الفاتحين. وقد طال التعصب سكان الأندلس أكثر بكثير مما طال التراث العربي والحضارة العربية اللذين ما زالا حتى اليوم يحملان معالم الوجود العربي في إسبانيا.‏

وقد وجدت محاكم التفتيش التي أسست أصلا لتصفية الألبيجيين، ظروفا مواتية للانتعاش في إسبانيا، فكانت من أشد محاكم التفتيش قسوة في أوروبا متفوقة على محاكم التفتيش البروتستانتية في ألمانيا. وكان لهذه المحاكم تأثير بعيد على السكان الإسبان.‏

عندما بدأت النهضة الأوروبية تجتاح القارة في منتصف القرن الخامس عشر، كانت إسبانيا قد تعرفت على أفكار النهضة التي جاء بها التراث اليوناني من فلسفة وفن وأدب ومسرح. وكانت الأفكار اليونانية قد استحوذت على مفكري العرب في إسبانيا مثل ابن طفيل وابن رشد، حتى أن إسبانيا غدت منارة للنهضة قبل النهضة. ولكن من جهة ثانية تعاملت إسبانيا في القرن الخامس عشر وما بعد بحذر شديد فيما يخص الأفكار الفلسفية اليونانية، فقد اتجه المسرح الإسباني بكامله إلى خدمة النظرة الدينية المسيحية. وكل الإنتاج الأدبي الإسباني لم يتعرض للدين ولم ينتقده لا من قريب ولا من بعيد. وفي الوقت الذي كان مفكرو القارة النهضويون يهاجمون المفهومات الدينية المتعارضة مع الأفكار اليونانية، كان مفكرو إسبانيا بعيدين عن ذلك، فلم يطرحوا في أدبهم أي شيء يمس الدين. ولو قارنا بين أسقف رابليه في "غارغانتوا وبنتاغرويل" وأسقف سرفانتس في "دون كيشوت" لوقفنا على الفارق الكبير بين إسبانيا وبقية شعوب القارة في الموقف من الدين. ومع ذلك دفعت إسبانيا أغلى الأثمان على يد محاكم التفتيش، حيث تفاخرت إحدى المحاكم أنها أحرقت ثلاثين ألف امرأة تتعاطى السحر في عام واحد.‏

هذه الشخصية الإسبانية نجدها واضحة في كل ما أنتجته إسبانيا منذ سرفانتس في القرن السادس عشر وحتى أونامونو في القرن العشرين. فلم يظهر فيها شخصية واحدة تقترب من رابليه أو إراسموس أو فولتير أو دولباخ أو كونت أو ماركس أو نيتشه أو كامو أو سارتر. . . فقد احتفظت إسبانيا بأخلاق الفروسية (فكانت من الدول المغامرة الأولى في العصر الحديث حتى أنه صار لها مستعمرات واسعة في أقصى العالم) كما حافظت على احترام الدين، على الطريقة التي أبداها فرسان العصور الوسطى الذين جعلوا أنفسهم خداما له. وما تزال لإسبانيا شخصيتها تلك حتى هذه الأيام، فهي تجد السعي كالفرسان، وتتحاشى أي طريق قد يؤدي إلى مساءلة الدين عن واقع البؤس الإنساني. إنها تجمع النقيضين تماما مثل فرسانها القدامى: الثقة بالذات إلى أبعد الحدود، والتسليم بالدين إلى أبعد الحدود. وإذا خامر إسبانيا شك فإنها تفضل معاناة الذات على صراحة اللــسان مثل فارســنا دون كيـشوت. إنها تـعرف الهواجس فتعانيها ولا تعلنها، وهذه هي أخلاق الفروسية.‏

فارس في عصر البارود والمدفع‏

عاش سرفانتس حياة الفروسية أخلاقا وممارسة، منذ مطلع حياته وحتى آخر يوم في احتضاره. وهذا ما نريد أن نقف عنده لأنّ له صلة وثيقة بكتابه الشهير "الفارس العبقري دون كيشوت دي لامانشا" وليس غرضنا عرض حياته التي باتت معروفة ومشهورة شهرة السيد دون كيشوت، بل عرض تلك الوشائج بينه وبين بطله، والتي لولاها لما سمعنا بسرفانتس ولا بدون كيشوت.‏

1 – أولى علامات الفروسية نجدها عندما التحق بخدمة الكاردينال أكوافيفا، الرسول البابوي في إسبانيا عام 1568 فأدى وظيفته على أتم وجه وكان مثال الإخلاص والأمانة والانضباط. وظل في هذه الوظيفة زهاء ثلاث سنوات كان فيها محل ثقة الكاردينال الرسولي. ويذكرنا إخلاصه بإخلاص الفارس لسيده الإقطاعي، في كل أوامره وطلباته من دون أي تذمر أو تأفف.‏

والمعروف أن الفارس يكون متدينا ولكنه لا يكون رجل دين. وقد خشي على نفسه أن يصبح رجل دين حقا. إن خدمته الطويلة جعلته يسلك سلوكا يؤهله للكهنوت الكنسي. والظاهر أنه على تقواه لم يكن يرغب أن يكون رجل دين. إن روح الفروسية كانت ترده عن اتخاذ هذه الخطوة. فكأنه كان يرى أنّ المغامرة من أجل التقى والخير خير من التزام الخدمة الدينية المملة.‏

2 – من المعروف أيضا أن الفارس قديما كان يتعلم كل شيء، ولكنه لم يكن يدرس دراسة رسمية. إن الفروسية لا حد لها من حيث المعارف، إذ على الفارس أن يلم بكل شيء من دون الحصول على شهادة جامعية. وقد درس سرفانتس الكثير والعديد من العلوم وحصل على الكثير والعديد من المعلومات العامة ولكنه لم يحصل قط على شهادة عليا كغيره من خريجي الجامعات.‏

وحتى يعوض ما فاته في الجامعة طلب من الكاردينال أن يصحبه إلى إيطاليا، حيث استفاد من إقامته هناك واطلع على مظاهر النهضة التي أحدثتها اللمسة الذهبية اليونانية بعد سقوط القسطنطينية. وما اطلع عليه في إيطاليا أغناه أكثر مما أغنى التراث اليوناني الثلاثي الذهبي لوب دي فيغا وتيرسو دي مولينا وكالديرون. وعندما عيره دي فيغا بأنه عديم الثقافة كان يعرف بينه وبين نفسه أن سرفانتس مثقف كبير وإن لم يكن خريج الجامعات. وهو في إنتاجه الآخر، أي المؤلفات الأخرى، قريب من دي فيغا أكثر مما هو قريب من دي مولينا وكالديرون. وقد عمل دي فيغا معاملة فروسية أيضا، فها هي الكتب اليوم تكرر آراء دي فيغا في سرفانتس ولكنها لا تذكر أبدا أن سرفانتس رد على ذلك. وهذا ما يصنعه الفرسان، فقد ظل متأبيا عن صغائر الأمور مترفعا عن الشتائم، رغم ثقافته الفنية التي لا يتفوق فيها عليه لوب دي فيغا نفسه.‏

3 – في عام 1570 استجاب لنزعة الفروسية العميقة والتحق بالسلك العسكري، فكان فارسا عن جدارة في كل ما أداه أثناء خدمته. والحادثة التالية تبين الروح الفروسية التي يتمتع بها.‏

في عام1571 تشكل أسطول مشترك بين إسبانيا وإيطاليا بناء على طلب البابا للوقوف في وجه الأسطول العثماني الذي لا يقهر. وكانت السفن قد ركبت فيها المدافع بعد مرور قرن على دخول السلاح الجديد إلى أوروبا. فكانت الحروب البحرية حروب مدفعية تقريبا، فإذا انتصرت سفينة على أخرى بسلاح المدفعية، لم يكن ثمة داع لاستخدام السلاح الأبيض. وكانت السفينة الواحدة تحمل عدة مدافع موزعة على جميع الاتجاهات حتى لا تضطر إلى تعديل وجهتها. واندلعت الحرب بين الأسطولين: العثماني من جهة والإسباني الإيطالي من جهة أخرى. وكان سرفانتس قد التحق بالأسطول المكلف بالانضمام إلى إيطاليا. كان يضطجع مريضا في إحدى السفن المقاتلة عندما بدأت المعركة. كان مصابا بحمى شديدة تكاد تقعده. رفض العناية الطبية (مع أنه ملم بالطب فقد كان أبوه طبيبا) وامتشق سيفه وشارك في المعركة رافضا أوامر رؤسائه، وأبلى – وهو محموم – بلاء حسنا أدهش زملاءه وقادته. ولكنه وبطلقة نارية أصيب بجرح بليغ في يده اليسرى. كل فروسيته لم تجده نفعا. طلقة عشوائية أصابته فأنهت فروسيته بكل بساطة. أراد المشرفون الطبيون أن يقطعوا يده حرصا على صحته، ولكنه أبى ذلك، وظل يحمل يسراه المشلولة شللا كاملا، متباهيا بها وساما فروسيا، بل من أرفع الأوسمة وأسماها في رأيه.‏

4 – نصحوه في إيطاليا أن ينتقل من الأسطول إلى فرقة أخرى تناسب وضعه الجديد، كأن يلتحق بالأعمال المكتبية والمحاسبة. ولكنه رفض ذلك والتحق من جديد بالأسطول بعد إبلاله تماما، عدا يده اليسرى التي ظلت مشلولة طيلة حياته. وهذا موقف فروسي كبير ودون كيشوتي. ولما وجد أنه غير مؤهل لخوض المعارك وافق على العودة إلى إسبانيا.‏

5 – في طريق العودة وقع في الأسر وباعه القراصنة إلى الجزائريين. وعندما عثر الجزائريون معه على رسائل تزكية تشيد ببطولته وتضحيته وتوصي بإكرامه كل الإكرام، ظنوا أنه شخصية بلاطية فأبقوا عليه، وطالبوا بفدية كبيرة. سعى عدة مرات إلى الفرار من الأسر ولكنه فشل. وقد أعجب آسروه به على الرغم من ذلك، فقد وجدوه شهما صادقا، إذ كان يقول إن من حق الأسير أن يهرب وينجو من الأسر. وبقي سنوات في الأسر حتى جمعت إحدى المنظمات المسيحية المبلغ المطلوب لإطلاق سراحه. وقصة الأسير في "دون كيشوت" هي قصته.‏

6 – عندما وصل إلى إسبانيا ظن أنه سوف يستقبل استقبال الأبطال.ولكنه فوجئ بالإهمال، فلم يأبه به أحد. كان الناس مشغولين بأعمالهم كأنهم لم يسمعوا بالحرب. وكان رجال البلاط مهتمين بالمستعمرات البعيدة أكثر من اهتمامهم بالأوضاع الداخلية.‏

7 – عمل جابيا ولكنه تأخر بالتسديد فسجن عدة مرات. كان يعين أصدقاءه بكل أريحية مما عرضه للاعتقال. وكانوا يطلقون سراحه بعد التسديد، فيعود إلى عمله وهكذا.‏

8 – لما تكرر سجنه أعفي من منصبه، فذهب إلى منزله. وفي الطريق اتفق مع أحد الناشرين على نشر مؤلفاته، وبالأخص دون "كيشوت". ولكنه عاد إلى السجن مرة أخرى عندما اتهم بقتل شخص بلاطي كبير أمام بيته. وبعد محاكمة ممضة برّئ ومارس حياته العادية.‏

9 – كان يساعد صغار الكتاب والكاتبات والشعراء والشاعرات. وكان هؤلاء لا يبخلون عليه، ولكن بمبالغ وهدايا بسيطة.‏

هذه هي النقاط التي انتزعناها من سيرة حياته للتدليل أنه كان فارسا حقيقيا في تفكيره وممارسته. والأرجح أنه استعرض شريط حياته الفروسية وهو في السجن الإسباني، وحاسب نفسه فوجد أنه لم يجن من هذه الفروسية سوى الشقاء والعذاب وضياع العمر من دون إنجاز يذكر. أدرك أن الإنسان لا يكون بالضرورة سعيدا إذا صنع الأشياء والأفعال الجميلة، بل على العكس من ذلك، إذ في معظم الأحيان تكون هذه الأشياء الجميلة طريقاً إلى المحنة والبؤس. أليس غريبا أن الجمال يصنع بؤسنا وأن الخير يجلب دمارنا؟ أليس الأغرب أن البعيدين عن النزاهة والفروسية ينعمون بالثروة والسلطة والسعادة؟ تبين لسرفانتس أنه حتى الإخلاص لا يعود بالفائدة على صاحبه. ها هو أخلص للكونت ليموس طيلة حياته، وظل مخلصا له وهو على فراش الموت، بينما لم يكن ليموس يشعر بوجوده.‏

إن محاسبته لنفسه كانت – كما نظن – وراء كتابه الخالد "دون كيشوت". لقد انتقد حياته فكان هذا السفر الذي صفى الحساب مع أخلاق الفروسية، وبيّن تهافتها في عصر النار والبارود.‏

دون كيشوت: رومانسة مضادة‏

في "دون كيشوت" نجد معالم حياة سرفانتس وفكره وموقفه من الأدب والحياة. ومناقشته لحياته أو محاسبته لها هي التي قدّمت له شخصيتين متناقضتين: دون كيشوت الفارس النقي الذي يريد أن يرتب العالم ترتيبا جماليا، وسانشو بانزا الإنسان المادي الذي يريد أن يرتب العالم ترتيبا ماديا. وليس عبثا أن يصف فارسه بالفارس ذي الوجه الحزين، وأن يصف التابع بالباحث عن طعام لإسكات معدته. فهذان هما الخطان اللذان اعتمدهما سرفانتس في أداء روايته. وهما الخطان اللذان لمسهما جيدا في حياته داخل إسبانيا وخارجها. تريد أيها المرء أن تكون فارسا وأن ترتب العالم ترتيبا جماليا؟ إذن لا بد أن تكون ذا وجه حزين. فإن كنت تريد أن ترتب العالم ترتيبا ماديا فعليك أن تهتبل الفرص للحصول على الماديات، وبذلك تنام ملء العين مثل سانشو بانزا.‏

إن الملهم الأول لهذه الرومانسة المضادة هي حياة سرفانتس كما سوف نبين. قيل إنه تأثر برواية لوكيوس أبوليوس "التحولات" (ترجمت الرواية تحت عنوان "تحولات الحمار الذهبي") ولكن هذه التهمة لا تقوم على أساس كما نظن. إن التحولات أو الانمساخات التي نجدها في رواية أبوليوس كانت أداة فنية يستخدمها كثير من الكتاب القدامى. إنها حيلة فنية فقط. فأبوليوس الذي أراد أن يتحول على يد ساحرة إلى طائر، تحول إلى حمار لأنها أخطأت بين درج ودرج، فقد فتحت الدرج الذي فيه مرهم التحول إلى حمار بدلا من الدرج الذي فيه مرهم التحول إلى طائر بسبب الصخب الخارجي الذي توهمت أنه خطر داهم فارتبكت وأخطأت. واستغل الكاتب هيئة الحمار التي اتخذها وراح يطوف على الأماكن محتفظا بعقله البشري الذهبي الذي لم يصل إليه المرهم، فيعرض حياة سكان الأغوار والجبال والكهوف والقرى والمهربين وقطاع الطرق. ومع ذلك اشتملت الرواية على قصة حب تقليدية على غرار القصص القديمة، من افتراق الحبيبين ومكابدة العذاب ثم اللقاء. . . أما "التحولات" في دون كيشوت فهي وليدة الوهم الذي يسبق ويرافق دائما المعارك الخاسرة التي يخوضها دون كيشوت. لكن سانشو بانزا، الواقعي جدا كان يرى الأمور على حقيقتها، ويجهد لإقناع سيده بأن هذه التحولات أوهام تركبه وتستولي على عقله، ولا حقيقة لها. إن رواية دون كيشوت رواية واقعية ولا علاقة لها بتلك الأدوات الفنية التي تقوم عليها التحولات. ونرجح أن تكون هذه التهمة متأتية من ذكر سرفانتس لاسم أبوليوس وتحولاته في رواية "زواج الخديعة" فقط وليس لسبب آخر. وهي تهمة يصعب إثباتها. وإذا سلمنا بها لكان علينا أن نسلم بأن كل التحولات مأخوذة من الأدب القديم، من أدب الهند ومصر والفرات والإغريق، حتى تحولات أوفيد. فالتهمة نفسها تنطبق على لوكيوس أبوليوس ذاته. فالتحولات حيلة فنية لا يمكن الركون إليها في إثبات التهمة. فدانتي في الجحيم يستخدم هذه الأداة ويذكر صراحة أنه يريد أن يتحدى بها تحولات أوفيد، ومع ذلك لا يجوز أن نرشق دانتي بهذه التهمة، تهمة الاقتباس، أو السطو.‏

إن الندم على حياة الفروسية التي عاشها سرفانتس والتي لم يخرج منها بشيء، ولا حتى بكفاف يومه أحيانا، هو السبب الأكبر القابع وراء كتابة "دون كيشوت". وبما أنه نادم على حياة الفروسية فإنه مضطر أن يخلق شخصية تشغف بالفروسية قيما وممارسة، ليعود بهذا المخلوق في نهاية المطاف إلى منزلـه، كما عاد هو خالي الوفاض من كل شيء. إنه ينتقم من الفروسية بخلق دون كيشوت وليد الرومانسات الوسطوية ودفعه إلى ممارسة قيم الفروسية في عالم الرصاص والبارود.‏

إذا سلمنا بتماهي شخصية سرفانتس في شخصية دون كيشوت، كفارس في عصر البارود والمدفع، في عصر سانشو بانزا، فإن كل حديث عن المخلوق هو بالضرورة حديث عن الخالق. وهذا ما سوف ننطلق منه في نظرتنا إلى هذه الرومانسة المضادة، التي أرادت شن حرب لا هوادة فيها على فن الرومانسة باعتباره فن الأوهام الذي لا صلة له بالواقع الذي يعيشه البشر. إنه فن الجنون، فن من في عقله خبل أو هبل.‏

ولادة عجـيـبة‏

الولادة من أم وأب متاحة لكل بني البشر، وغير البشر، ونتيجتها مولود جديد، مما يجعل الأرض تكتظ بالبلداء واللصوص والقتلة والسفلة، فهؤلاء لا يحتاجون إلى تدريب وتربية. يكفي أن ينساقوا وراء غرائزهم لا أكثر، فنحصل على هذه الأصناف التي تبعث على الحزن والنفور وتحفز على العمل من أجل تجميل الحياة. أما الولادة الاختيارية فهي التي تحدث بعد الوجود الجسدي والنضج العقلي. وما الذات إلا ما تختاره، كما يقول الوجوديون. ومع أن هذه الولادة اختيارية إلا أنها عجائبية. ومن لا يختار ولادته الثانية يبقى بين المهملين بكل صنوفهم.‏

ولد الـسيد، له المجد، دون كيـشوت ذو الوجه الحزين ولادة عجائبية. فقد فقّسته كتب الرومانسات الكثيرة. ولو أحصينا ما ذكره الكتاب بجزأيه من الرومانسات القديمة والوسطى، وكذلك رومانسات عصر النهضة، لكان الرقم كبيرا جدا، وعلى الأخص الرومانسات الإسبانية السابقة لدون كيشوت. ففي الكتاب تبرز أمامنا أسماء الفرسان من العصور السحيقة مثل جاسون وأوليس وأخيل وكاستر وبولوكس وهرقل ومليغر، ومن العصور الوسطى مثل آرثر ولانسلوت وميرلن وترسترام وغاوين وبرسيفال، بل نجد اسم فرسان من الرومانسات التي ظهرت في القرن السادس عشر. ويكفي القول إن عشرات الرومانسات ألفت حول شخصية الفارس أماديس. بل نجد في الكتاب ذكرا لرومانسات معاصرة، أي في النصف الثاني من القرن السادس عشر من أمثال "قصة الفارس الذين لا يقهر دون أوليفانتي دي لورا أمير مقدونيا الذي استطاع بفضل أعماله الجليلة أن يكون امبراطور القسطنطيسية". وقد صدرت هذه الرواية في برشلونة عام 1564. عشرات الرومانسات ذكرت في الكتاب. ويدهش القارئ متسائلا: هلي بقيت رومانسة واحدة لم يطلع عليها السيد دون كيشوت؟ كان همه، قبل أن يهم بتكريس نفسه للفروسية أن يتتبع أخبار الفرسان وأعمالهم المجيدة. الكتاب في يده ليلا نهارا. عالم جديد يظهر له ويعدّه لولادة ثانية. راح يبيع أراضيه وأملاكه للحصول على المزيد من الرومانسات التي لم يقرأها بعد. تحولّـه يشبه التحولات التي تحدث عنها فيما بعد. كانت ولادته عسيرة ومدة الحمل طويلة جدا. وعندما ولد كان في مرحلة الكهولة. لو ولد في الصبا والشباب لكان أفضل. كان أقوى وأقدر. ولكن في هذه الحالة لا نحصل على الرومانسة المضادة، لأنه سينتصر في معاركه.‏

كثيرون غيره ولدوا ولادة ثانية من فرسان وملوك وكتاب وأدباء وروائيين. لكن الذين عاشوا قلة جد ضئيلة. مثله ولد رامبو فيما بعد ولكنه لم يعش مثله. إنه من القلة التي تولد لتبقى خالدة أبد الدهر. تتكرر الولادات كثيرا من بين الكتب. فلا يوجد أديب أو شاعر أو مسرحي إلا ولد من بين الكتب. ولكن كم يبلغ عدد الذين ظلوا يعيشون بيننا منذ آلاف السنين؟. . . نخبة لا تذكر أمام العدد الكبير الذي ولدته الكتب والعدد الأكبر الذي ولدته أرحام الأمهات.‏

صحيح أن من يولد ولادة ثانية يتخلص من غباء الدهماء وغوغائية الحشد، ولكن الذين يصلون إلى مستوى الرهافة والصفاء والموقف الأدبي والأحلام المجنونة والنضال من أجل النزاهة أمثال السيد له المجد دون كيشوت هم قلة قليلة كتب لها المجد والخلود. إن ولادته العجائبية هي التي يعانيها الأدباء والشعراء الذين يحضون البشر على مكافحة القذارة في هذا العالم، ويقنعونهم بأن من الممكن أن يغدو العالم جميلا. إنهم وحدهم وبأحلامهم المجنونة يمسكون العالم من الانهيار، إذ يزرعون فيه بذور الأمل، التي ينمو قليلها رغم الأعـشاب الــسامة المتكاثرة مثل الفطور أو الفيروس. ولولا هذه الولادة لما كانت تلك البذور، بذور الأحلام المنكسرة.‏

حــياة بائـسة‏

لا توجد صفة تعبر عن جوهر سيدنا له المجد دون كيشوت أفضل من "ذي الوجه الحزين". إنه شجاع عنيد ثابت وطيد نزيه كريم حليم رحيم مخلص غفور. . . لكن كل هذه الصفات لا تصل إلى الجوهر. إنها صفات ذاتية. بعضها أو كلها لا يتجلى مقروءا في مظهره. الصفة الوحيدة التي تحدد علاقته بحياته وعالمه هي "ذو الوجه الحزين".‏

يقول أونامونو في كتابه المكرس لسيد مجانين الحلم دون كيشوت: "جاء ليفقد عقله. لكنه فقده لصالحنا، ليخلف لنا مثلا أبديا للسخاء الروحي". وقد أصاب حقا في هذا التشخيص الذي يفسر لنا لماذا كان السيد ذا وجه حزين. إن من فقد عقله يكون ذا وجه بشوش، بل ذا وجه ضاحك مقهقه. . . لأنه يعيش خارج العالم. أما الذي يفقد عقله لأنه مزروع في هذا العالم ومهتم به فإن وجهه لا بد أن يكون حزينا. ولهذا السبب، لأن وجهه حزين، فقد أصاب في أفكاره الغريبة العجيبة. كل مجانين العالم قبله وبعده أيضا لم يقدموا لنا أفكارا غريبة ومصيبة في آن معا مثلما قدمها هو لنا.‏

اثنان حزينان لم يتكررا في تاريخ العالم: دون كيشوت وهيراكليت. الأول أعظم نموذج للموقف الأدبي، والثاني أعظم نموذج للموقف الفلسفي. ولا يقتصر الشبه بينهما على الوجه الحزين، بل يتعدى ذلك إلى الهم الكوني والمصير البشري. والهم قلق يلقي بالمسؤولية على كاهل صاحب الموقف. . . والهم وحده يجعل الوجه حزينا. . . وليس ضياع العقل.‏

والوجه الحزين لم ترسمه الحاجات المادية، وإنما ترسمه تلك الهموم الكونية، هموم الارتقاء بالمخلوق البشري وجعله يترفع عن الغرائز الذئبية. إن نداءات الغرائز قوية واستجابة الإنسان لها تكون في العادة سهلة جدا، وهذه هي المشكلة الأساسية.‏

كان دون كيشوت المترفع دائما عن مستنقع الغرائز ينهر تابعه سانشو بانزا ويدعوه أن يكون نبيلا نفسا وسلوكا، فلا يتهافت على الطعام والشراب والثروة والحيازة. والتابع والمتبوع على طرفي نقيض. فقد كان السيد خارجا عن سلطان المادة وكان التابع أسيرا لها. الأول يهتم بسعادة البشر فهو ذو وجه حزين، والثاني يهتم بحياته فهو ذو وجه ضاحك, بؤس حياة الأول سببه الهم، وبؤس حياة الثاني سببه الحيازة والامتلاك. وشتان ما بين البؤسين.‏

قد يحتاج السيد أحيانا حتى إلى صحن طعام، ومع ذلك لم يكن هذا ما يهمه ولا ما يرسم معالم الحزن في وجهه. همه الأكبر هو كيف ننقذ الإنسان من نفسه. وهذا ما يجعل وجهه حزينا وحياته بائسة.‏

هذا هو سبب القلق الذي يصيب نبلاء القلم على مر العصور ويجعل حياتهم بائسة، وإن كانت الرؤيا صافية. من لم يكن حزنه نابعا من هذا البؤس، من هذا الهم، فلن يكون فيلسوفا أو فارسا أو أديبا أو شاعرا أو مسرحيا أو روائيا. . . هذا الحزن شارة من شارات صفاء الرؤيا، فالرؤيا الصافية تكشف أبعاد الواقع المتردي، ومن هذا الواقع ينشأ البؤس المعذب.‏

معرفة بالعصر وتشبث بالموقف‏

كل أصحاب الرؤيا يواجهون تهمة الرجعية والجهل بوجهة العصر. "دقة قديمة وعملة باطلة" وهم دائما محط هزء وسخرية. إنهم يشككون في كل تصرفاتهم ويجعلونها حجة عليهم. لكن التاريخ يثبت عكس ذلك، فأصحاب الرؤيا يدركون الجوهر العميق للعصر، ولا يأبهون بالسطوح التي تظهر لعامة الناس.‏

في الفصل الثامن والثلاثين من الجزء الأول يلقي السيد دون كيشوت والحزن باد على وجهه، خطبة في مأدبة عشاء ناقش فيها مسألة السلاح والأدب ورأى أن كل سلاح لا يخضع للأدب يصبح وبالا على البشرية. إن قوانين الفروسية هي أدب الفروسية. كل قتال لا يقيم عدلا ولا يرفع ظلما ولا ينقذ أسيرا ولا ينصف منبوذا إنما هو من خارج الأدب. وكل فارس يلجأ إلى الغيلة والخدعة لا يعتبر منتصرا، بل ينصف الفارس القتيل ويعتبر هو المنتصر الحقيقي. وكل من دافع عن ظلم تنحط مرتبته في الفروسية.‏

لكن الأمور طفقت تتغير في القرن الرابع عشر. صار العصر مختلفا ونظر الناس إلى أولئك الذين ظلوا يعيشون في الماضي على أنهم مجانين رجعيون. فالفروسية بآدابها انتهت إلى الأبد والحرب اليوم صارت غيلة وخدعة ومكرا ونقضا للمواثيق والعهود. وبمقدار ما تخدع وتكذب وتخاتل وتقتل أبرياء وغير أبرياء، لافرق، فأنت الرابح وأنت سيد القصر والعصر.‏

قال السيد دون كيشوت له المجد:‏

"ألا كم هي سعيدة وسعيدة تلك القرون التي لم تعرف آلاف المدافع الرهيبة. أنا لا أشك في أن جهنم كافأت مخترع هذا السلاح المريع. فبهذا السلاح يمكن للجبان الوغد أن يقضي على حياة فارس شجاع، وهو يؤدي أعماله الرائعة، من دون أن يدري أحد كيف ومن أين جاءت الرصاصة اللعينة. ربما أطلقها هارب رعديد من بندقيته. فتقضي على أعظم فارس وأنبل مشروع. عندما أتأمل هذه الأمور أندم حقا على اختياري لمهنة الفارس الجوال في هذا العصر اللعين الذي نعيش فيه، فأنا وإن كنت لا أخشى الخطر، فإني لا أخلو من الهم حين أفكر كيف أن البارود والرصاص يمكنهما في أي لحظة أن يسلباني الوسائل التي تجعلني شهيدا معروفا في العالم بفضل قوة ساعدي وحد سيفي"‏

كان الآخرون يتناولون العشاء عندما كان يخطب السيد دون كيشوت. لم يفكر في أن يتناول لقمة واحدة، مع أن سانشو نبهه كثيرا إلى ضرورة أن يتناول العشاء، وبعدئذ ليتحدث ما طاب له الحديث.‏

إذن السيد دون كيشوت يدرك جوهر العصر، ويعرب أنه عصر بلا أدب ولا أخلاق ولا وعد ولا أمل ولا شهامة ولا كرامة ولا ميثاق ولا عهود. .. إن عصر الرصاص، مثل الرصاص، أعمى يخبط خبط عشواء، فقد تبيد الأسلحة الجديدة مدينة بكاملها من أجل القضاء على ثلة من العسكر المقاومين. كان السيف أكثر وعيا بكثير. كان يستهدي بالأدب، بقوانين الفروسية. الرصاصة لا تحتاج إلى أدب ولا إلى قلعة يمضي فيها الفارس نصف عمره حتى يكون فارسا. يمكن لأي أزعر أو داعر أو وغد أو خائن أن يطلق رصاصة قاتلة وهو مختبئ بكل جبن بعيدا عن أي مواجهة. لقد أعلن الرصاص بداية عهد النذالة والخيانة وأنهى عهد المواثيق والأدب.‏

ماذا يفعل السيد دون كيشوت؟ بإمكانه أن يحصل على بندقية ويلطو خلف صخرة ويطلق على من يريد وهو في أمان. لكن أين الأخلاق؟ أين الأدب وأين الفروسية؟ إنه عصر قتال فعلا، ولكنه قتال غير فروسي أبدا. إن رفض البندقية وحده يدل على القوانين الأدبية التي التزم بها السيد له المجد. كان الفارس يقول للآخر قف وامتشق سيفك ودافع عن نفسك. أما اليوم فيمكن لرجل لا يعلو قدرا عن جرذ الحقل أن يقتل أعظم فارس وهو يأكل تفاحة على كتف ينبوع صاف.‏

انقلبت الأوضاع في عصر البارود رأسا على عقب فلم يعد الفارس الجميل الشجاع الكريم هو الذي يحوز على الليدي، بل قد يكون لصا وقاطع طريق. إن السلاح الجديد الرافض لأي قوانين أدبية يساوي بين القزم والعملاق، بين الجبان والشجاع، بين أشباه الرجال والرجال، بين اللئيم والكريم. . . إن في مقدور أي صعلوك أن يقضي على أعظم الناس كرما وأدبا. . . هذه هي مأساة العصر.‏

ما العمل؟‏

هل يستخدم السلاح الجديد وهو لا يخضع للقوانين الأدبية؟ أم يبقى على السلاح القديم وقد بات مثارا للهزء والسخرية؟‏

هذا هو الهم الذي ركب رأس الجزيل الاحترام السيد دون كيشوت وهو يخطب على مأدبة العشاء في حين كان سانشو بانزا في عالم آخر غير العالم الذي يهتم به سيده.‏

إن معرفة العصر لا تستدعي بالضرورة الانسياق مع التيار السائد. عندها تموت القيم النضالية. التيار السائد هو تيار الخديعة والتآمر والفسق والكذب والتحايل. . . هذا هو عصر البارود. البارود لا يخضع لقوانين الأدب. فهل نبيح لأنفسنا التخلي عن موقفنا الأدبي لننجرف وراء هذا التيار؟ قد يكلفنا الموقف الأدبي كثيرا من الهم والقلق والحياة البائسة والمشقة. ولكنه يجلب لنا الخلود. أما المنساقون وراء تيار عصر البارود فلم يذكرهم أحد.‏

اختار السيد له المجد الموقف الأدبي، مع معرفته الدقيقة بالعصر الذي يعيش فيه ويرفضه.‏

المـــجاهدة‏

في ساعة من ساعات الصفاء فكر السيد دون كيشوت في هذا العالم المضطرب الذي زج فيه نفسه. إنه عالم من الخداع والمغريات المادية والقتل والتآمر. لقد سهل السلاح الناري الجديد تنفيذ المهمات. بيد أن الذين يستخدمون هذا السلاح ليسوا فرسانا، ليسوا في المستوى الأخلاقي حتى لحمل سكين مطبخ. وهنا تكمن المأساة. كيف ننقذ السلاح من التهاوي في الخيانات والاغتيالات؟ كيف نجعله أداة بيد النبلاء، أصحاب الشهامة الذين يشعرون بوجود الآخر، ويقرون بحقه. . .؟ الحقيقة أنّ السلاح لا نفع فيه إن خلا من النبل.‏

عرف السيد دون كيشوت أن السلاح الجديد يشبه السلاح القديم من جهة ويختلف عنه من جهة ثانية. فهو يشبهه من حيث أنه أداة يمكن استخدامها، ويختلف عنه في أنه لا يحتاج إلى مواجهة، بل يمكن استخدامه غيلة من بعيد. والحل الحقيقي لأي سلاح، قديما كان أم حديثا، يكون بالموقف الأدبي الذي يسيطر على السلاح ويوجهه الوجهة الصحيحة في خدمة الحق والخير والجمال. وبهذه الطريقة يتحول السلاح، أي سلاح، إلى أداة لتحرير الإنسان، وإقامة العلاقات السليمة بين البشر.‏

كانت هناك مدارس للفروسية يتعلم فيها الفارس ليس القتال فحسب وإنما طريقة التعامل مع الناس، وعلى الأخص مع النساء. ولكن هذه المدارس انتهت بظهور عصر البارود، ويقتضي هذا التعويض عما فات وانتهى. والتعويض لا يكون بالمدارس العسكرية التي باتت تدرب الناس على النار والبارود، وإنما يكون بالمجاهدة، مجاهدة النفس والجسد. ولهذا السبب وبعد أن تمعن في العصر الصاخب المقيت قرر أن يلجأ إلى جبل "سيرا مورينا" لينفرد بنفسه، بعد أن طلب من سانشو بانزا أن يعود إلى القرية ليقوم بالمجاهدة والتأمل.‏

في هذه المجاهدة درب السيد دون كيشوت نفسه على ترويض النفس والجسد. أما ترويض النفس فيكون بالتأمل في الكون والناس والناموس. والتأمل أشبه ما يكون بما يسميه الدروز "الخلوة" حيث يقوم الفرد بمحاسبة نفسه حسابا شديدا ليكون أهلا للرقي والسمو والنزاهة. وكلما ازدادت المجاهدة النفسية ارتقى الفرد أكثر فأكثر لأنه يكون سيد نفسه فلا يتبذل في أي شيء نفسي: لا في الإساءة إلى الآخرين ولا في التفكير العدواني ولا في المكائد. . . إنه يقف في وجه العصر.‏

أما مجاهدة الجسد فمن أجل التغلب على نزواته المادية واندفاعاته الغريزية، وجعله هيكلا مستحق للروح الصافية والنفس النقية. إن متطلبات الجسد كثيرة وهو يضغط بها على النفس باستمرار. فلا يكفي ترويض النفس وحدها، بل لا بد من ترويض الجسد حتى يكون قنوعا صافيا. . . هذه هي المجاهدة الكبرى التي تعد الفارس لاستخدام أي سلاح.‏

العصر الذهبي: ملك ووطن وحبيبة‏

ما الهدف من مغامرات الفارس ذي الوجه الحزين؟‏

إنه استعادة العصر الذهبي. وهو مصطلح قديم متجدد، ما فتئ الأدباء والمفكرون يطرحونه حتى يومنا هذا. منهم من يرى أنه فكرة مثالية ذهبت بذهاب التنظيم العفوي البسيط للمجتمع، ومنهم من يرى أن العصر الذهبي يمكن استعادته، فهو ليس خلفنا بل أمامنا. وهذا هو السبب في شيوع الرعويات منذ أيام اليونان وأركاديا وحتى فرجيل والعصور الوسطى وصولا إلى عصر السيد دون كيشوت. والرعويات ليست قصائد ريفية (أكلوغ) وحسب، بل تجلت أيضا في القصة والرواية والمسرح. ولسرفانتس نفسه بعض القصص الرعوية، وإن لم تكن بشهرة غيرها.‏

كلما مرت بضعة فصول من هذه الرومانسة المضادة صاح السيد دون كيشوت بأنه يريد استعادة العصر الذهبي. ويؤكد أن استعادته ممكنة. ومعنى ذلك أن لديه تصورا واضحا مقنعا لاستعادة هذا العصر. وقد حدد تحديدا دقيقا الأركان التي تجلب العصر الذهبي وهي الملك والوطن والحبيبة.‏

أما الملك فإنه كالفارس يحتاج إلى تعليم وتدريب. بل هو سيد الفرسان والممثل الأكبر لأخلاق الفروسية وآدابها. كان الملك آرثر ملكا ولكنه كان فارسا أيضا. وهو الذي ابتكر المائدة المستديرة ليكون المتقدم بين متساوين. فلا يكون "فوق" بل "أمام" فهو يمثل القدوة لا التسلط ولا الاستغلال. لا يجوز أن يصير المرء ملكا إلا إذا مر بمدرسة آداب الفروسية. وكان الملك قديما يعزل ابنه من وراثة العرش إذا بدر منه ما ينافي آداب الفروسية، آداب الملوكية. على الوريث أن يتدرب على الملوكية كما يتعلم التلميذ حروف الهجاء تماما. فهو يتعلم كيف يحكم ولا يتسلط وكيف يوزع ولا يستأثر، وكيف يعدل‏

ولا يحابي، وكيف يكون شجاعا من دون حماقة، وعفيفا من دون تنسك. وهذا هو الأساس الأول للعصر الذهبي. من دون ملك تصبح الأمور فوضى، ولا يكون ثمة وطن.‏

أما الأساس الثاني فهو الوطن. والوطن علاقة وليس قطعة من الأرض. فالأرض ملك لجميع الناس، ولكن العلاقة التي تقوم بين الناس فوق هذه الأرض هي التي تحدد الوطن.‏

أما الأساس الثالث فهو الحبيبة. ولكنها ليست مطلق حبيبة. إنها دولسينيا رمز الحق والخير والجمال. والمقصود هو الإخلاص للمثل التي تمثلها هذه الحبيبة، وتدريبها عليها. إنها الحنان والإخلاص والتفاني والعطاء والفرح الإنساني العميق. وللوصول إلى الحبيبة دونه متطلبات، فلا بد أن يكون الرجل فارسا وأي فارس. أن يكون نورانيا قدسيا مترفعا عن الدنايا، شجاعا لا يهاب المنايا في نصرة العدالة، مخلصا لا يخاتل ولا يخادع ولا يستأثر.‏

هذا هو العصر الذهبي الذي أراد دون كيشوت استعادته، والذي أراد سرفانتس أن يسخر منه على الرغم من إيمانه به.‏

الفشل والمثابرة‏

السيد دون كيشوت بطل حقيقي، لأن البطولة ليست في النجاح بل في المثابرة. كم مرة أصاب الفشل الفارس ذا الوجه الحزين؟ عشرات المرات. ومع ذلك لم يكن يأبه بالفشل بل يتابع مسيرته ليكمل بطولته في الحق والخير والجمال "من أجل عيون دولسينيا"‏

كل مغامرات الفارس ذي الوجه الحزين يمكن اختصارها بالكلمات الثلاث: الحق والخير والجمال. كان دائما إلى جانب الحق ولو انتهى ذلك إلى الإضرار به، وكان غير مناع للخير وإن كلفه ذلك كثيرا، وكان باستمرار يهفو إلى الجمال، جمال تلك الحبيبة الرائعة التي سماها دولسينيا، والتي سكنت عقله وحسه وملكت عليه مشاعره. إن الواقع لا يقدم الحبيبة المنشودة. علينا أن نخلقها نحن بأنفسنا. ولو منعنا الناس من شعر الحب ورواياته لمات الحب، ولما رأى الذكر في الأنثى أي جمال. إن الأدب هو الذي يجعلنا نحب ونتحسس الجمال، وبعدها نخطو في طريق الحق والخير.‏

إن انكباب الفارس ذي الوجه الحزين على قراءة روايات الحب والإخلاص جعله يخلق حبيبة لا يمكن لليدي مهما كانت، حتى لو كانت الدوقة نفسها، أن تنافسها في الجمال والبهاء والخير. إن المثل لا تنبع من الواقع أبدا. المثل يصنعها الإنسان. إنه يكذب على نفسه باستمرار حتى لا يغوص في الواقع. ولو غاص في الواقع لما عثر على الحق والخير والجمال. لا بد من أن يخلق هذه المثل لمواجهة الواقع والارتفاع به عن مستوى الغرائز المنحطة. إن الإنسان يبقى مشروعا فاشلا إلا عندما يخلق مثله وقيمه الرفيعة. وعندئذ فقط يصبح مشروعا ناجحا.‏

الفشل طبيعي في الحياة. لكن البطولة في المثابرة. ترى ما الذي جعل البطل ذا الوجه الحزين يثابر ولا يستسلم للفشل؟ إنه المثل والقيم والآداب التي تمسك بها، وأخلص لها، وعمل من أجله. الخنازير لا تعرف المثل، لذلك لا تعرف الفشل، بل تبحث عن رزقها في القاذورات حيثما وجدت، فتراها تسعى هنا وهناك، ولا تلبث في مكان حتى تغادره. المثل التي نخلقها هي وحدها سبب فشلنا وسبب مثابرتنا في الوقت نفسه، مهما سخر منا الناس ومهما اضطهدنا. الحياة لا تتحسن بالانقياد وراء الواقع. الحياة ترقى بالمثل. والمثل يخلقها الفرسان الأبطال، وعلى القطيع البشري البليد أن يتعلم من هؤلاء الأبطال كيف نسعى إلى المثل التي لا تتحقق، ولكنها تبقى حافزا. وبهذا الحافز تتحقق البطولة.‏

بحسب الملك تكون المملكة. الملك يصنع المملكة، لكن المملكة لا تصنع الملك. الملك يجعل المملكة سعيدة، أو يجعلها تعيسة أيضا. ومن هنا يجب أن تنشأ مدرسة للملوك يتعلمون فيها كيف يملكون كل شيء في المملكة من أجل ترتيب كل شيء ترتيبا جماليا مفرحا. هذا هو تفسير خطاب السيد ذي الوجه الحزين حيث يقول: في العصر الذهبي لا يوجد "لي" و"لك". فالملك يملك كل شيء ليوزع كل شيء عن طريق العدالة. وبذلك يصبح للوطن وجهه الجميل ويصبح للمواطن وطن حقيقي. أما الحبيبة بصورتها المثالية فإنها تجلب السعادة.‏

وهذا هو أيضا السبب في بحث السيد ذي الوجه الحزين عن ملك حقيقي يكون فارسا شهما.‏

الخيـبـة‏

بعد مغامرات خطيرة من أجل الحق والخير والجمال يدحر العصر الداعر فارسنا المجيد ذا الوجه الحزين. عاد وقد ازداد العالم قبحا وتهاوى في القيم المادية التي شحنت النفوس بالحسد والحقد فجعلت المزيد من الصراع يندلع حتى بين الأخوة.‏

يقترب تابعه منه وهو على فراش الموت ويقول له: إذا كان الغم من هزيمتك هو الذي يجعلك تموت، فإني أتحمل المسؤولية. وأؤكد أنك انهزمت فقط لأني لم أشد سرج فرسك روسينانتي جيدا. أنت تعرف من كتب الفروسية أن من المعتاد أن يصرع فارس فارسا آخر. ولكن المهزوم اليوم سيكون المنتصر غدا"‏

لم يقنع هذا الكلام فارسنا ذا الوجه الحزين. كان يعرف أن لا أحد يغلبه. من ؟ لماذا؟ هل يعقل أن يغلَب من لا يملك شيئا سوى قيم الحق والخير والجمال؟ الفارس الذي يغلبه لم يخلق بعد. لكنه العصر. العصر الذي أدار ظهره للفروسية وقيمها. طبعا المهزوم اليوم سينتصر غدا. . . يبقى ويُدان العصر. لقد نفض يده من عصره عندما أوصى بكل ثروته إلى ابنة أخته أنطونينا كيخانا. فإن أرادت أن تتزوج فلتتزوج من رجل لم يقرأ في حياته كلها كتابا واحدا من كتب الفروسية. فإن أصرت على أن تتزوج من رجل قرأ كتب الفروسية فإني أحرمها من كل الميراث وأوصي بأن ينفق في أعمال البر.‏

كما طلب من القس وكارسكو أن يبحثا عن مؤلف الجزء الثاني من مغامراته، ليعتذر منه لأنه هو الذي هيأ لـه الفرصة لكتابة كل هذه الترهات الجنونية، وأنه نادم كل الندم على ذلك.‏

البطل الذي لا يموت‏

لم ينتصر دون كيشوت، ولكنه لم يمت أبدا. كل التاريخ الذي أعقبه يدل على ذلك. وعدم انتصاره وخلوده أمران حتميان. فلا يمكن أن ينتصر على عصر فيه كل هذه الزناخة. ولكن لا يمكن لعصر مهما أوغل في الظلامية أن يقضي على دون كيشوت، بل كلما ازدادت ظلامية العصور ازداد هو توهجا وإشراقا. لقد أثبت أن النبلاء لا يموتون.‏

أراد سرفانتس أن يفش خلقه ويميت دون كيشوت انتقاما وسخرية من حياته هو التي قضاها في مواقف فروسية منذ أن وعى الحياة. قرأ كل رومانسات الفروسية وولد – كبطله – منها. عمل وحارب وأسر وشلت يساره وأخلص وأظهر الشهامة في كل شيء. . . ثم عاد – كبطله – مدحورا ليموت على فراشه. أبى أن تبتر ذراعه المشلولة لتكون وسام الفروسية يتباهى بها. وكم كانت خيبته حين أيقن أن أحدا من الناس لم يأبه به وبيساره وبيمينه، وبكل أعماله. ولا نشك في أنه كان يسمع بعض التأنيب من أهله والمقربين منه على هدره لحياته، فقد حولها إلى حياة فروسية لا طائل منها ولم تعد عليه بشيء إلا سخرية الناس. عمر بكامله انصرم في خدمة الحق والخير والجمال. وماذا كانت النتيجة؟ أوبة إلى الوطن فالبيت، خالي الوفاض منهوك القوى. وعندما خلا إلى نفسه عزم أن يكتب رواية ضد الرومانسة ليبين أن الرومانسات الفروسية والرعوية والبيكاريسك ما هي إلا ألاعيب وخيال في خيال كل غرضها ابتزاز القارئ بتسلية فارغة. ولكن ماذا كانت النتيجة؟‏

كانت النتيجة أنه عرف الخير والسعادة منذ أن ولد السيد دون كيشوت ذو الوجه الحزين من نفث قلمه. وقتها فقط ابتسمت له الحياة وتيسرت أموره. لكن الموت زاره بعد زيارته لدون كيشوت بعام واحد فقط. ولو بقي حيا لعرف كيف أن البطل الذي لا يملك إلا القيم لا يموت. فقد أعيدت طباعة "دون كيشوت" حتى ما قبل الحرب الكونية الأولى خمسمئة مرة في إسبانيا وحدها، ومئات المرات في فرنسا وإنكلترا. ولا نعتقد أن لغة حية لم تعرف أو تتعرف على دون كيشوت. عشرات الأفلام والمسلسلات وأفلام الكرتون تعرض دون كيشوتـ...ـه.‏

قيل إن سرفانتس أجهز على سيده دون كيشوت حتى لا يسطو عليه كاتب آخر من أمثال إبيانيدا. وكان إبيانيدا (وهو اسم مستعار لم يعرف صاحبه الحقيقي حتى اليوم) قرأ الجزء الأول منه فأعجب به فألف قسما ثانيا شحنه بالسخافات، مما جعل سرفانتس يعجل بكتابة الجزء الثاني ليقضي في خاتمته على البطل فيقطع الطريق على أولئك العابثين الذين لا يحترمون فروسية الكتابة.‏

ولكن نتمنى ألا يكون هذا هو السبب الكامن وراء الإجهاز على البطل، بالرغم ما يصرح به سرفانتس في الخاتمة. فالموت لا بد منه لهذا الفارس. بل إن موته على فراش الموت هو خير نهاية للتدليل على الفشل الذي يلاقيه الفرسان في عصر افتقد الفروسية. إنه لم يقتل بل اندحر. وهذا مصير كل الأبطال الذين يحملون القيم الأدبية والفروسية. إنهم يعرفون العصر جيدا ويعرفون أنهم مندحرون، ومع ذلك يقومون بمغامرات دون كيشوتية، ويأوون أخيرا إلى البيت فالفراش فالتربة الصامتة، معلنين اندحارهم لا موتهم. تظل للقيم فرسانها الذين يندحرون ولكنهم لا يموتون لسبب بسيط وهو أن القيم لا تموت.‏

عندما ظهر المسدس في القرن التاسع عشر أطلقت عليه أسماء عدة. لكن أصدق الأسماء التي وصلتنا وأسبقها هو "الغدّارة". وقد ظل هذا الاسم ساريا حتى أربعينات القرن الماضي. بعدها صرنا نسمع بالماركات المسجلة على المقبض. إنه اسم يصدق ليس على الآلة وحدها، بل على العصر برمته. إنه عصر بلا ملوك ولا فرسان ولا مائدة مستديرة ولا أخلاق ولا قيم. إنه فعلا عصر الغدر.‏

منــعطف كــبير‏

فرانسوا رابليه فيلسوف أما كاتب الرومانسة المضادة فهو أديب. قبل سرفانتس كان كتاب الرومانسة يشيعون أجواء من السحر والمبالغة والغرائبية والعجائبية والمغامرات المتلاحقة بحثا عن غرام جديد. سرفانتس هو أول من انتبه إلى أن الطريقة القديمة للرومانسة لم تعد تتناسب مع الأوضاع الجديدة. وحتى يثبت ذلك دفع بفارس مهووس لا يصمد أمام أسلحة العصر،وجعله يحمل القيم الأدبية الراقية. وما انتهى إليه هو أن الأدوات الفروسية لم تعد صالحة لهذا العصر، كما أن القيم الفروسية باتت مرفوضة. فهو من أوائل الكتاب الواقعيين ذهنية وأسلوبا، الذين لفتوا الأنظار إلى ضرورة التعامل مع الواقع بطريقة أخرى غير تلك التي كانت سائدة في الرومانسات القديمة والوسطى. لم تعد تظهر آلهة قديمة ولا أحابيل وحيل سحرية. إن هذه الرومانسة المضادة هي أهم خطوة نحو الرواية الحديثة. إنها رومانسة واقعية إن صح التعبير. إن التصارع بين القيم الأدبية وقيم العصر المادية ما زال محور الرواية الحديثة.‏

رأى لينين في رواية "ما العمل؟" لتشيرنيشيفسكي رواية واقعية صادقة وقد قرأها خمس مرات. ولكن ما جاء به الكاتب لا يتخطى ما جاء به سرفانتس من غوص السيد كيشوت في بطون الكتب ومن سعي لتحقيق العصر الذهبي، ومن مجاهدة النفس استعدادا للعمل وتغيير العالم. إن لوبوخوف عند تشيرنيشيفسكي هو ابن الكتب مثل السيد كيشوت، وإعداد رحمينوف لنفسه كقائد مناضل لا يختلف عن مجاهدة السيد كيشوت في سيرا مورينا، وحلم فيرا بافلوفنا عن عالم اشتراكي ينتفي منه الاستغلال والظلم وتنال المرأة حريتها، لا يتعدى حديث فارس الوجه الحزين عن العصر السعيد حيث يعيش المرء حرا بين أحضان الطبيعة والحبيبة.‏

عدّد النقاد والدارسون كثيرا من أسماء الشعراء والروائيين والمسرحيين الذين ساروا في طريق سرفانتس، والذين توالوا منذ أيام سرفانتس وحتى أونامونو الإسباني وغراهام غرين الإنكليزي وميخائيل بولجاكوف الروسي، والذين سوف يتوالون في العصور القادمة. ليس هذا المهم، بل المهم أن سرفانتس خط طريقة جديدة للرواية، بحيث يمكن القول إن واقعية القرن التاسع عشر ما هي سوى تطوير لطريقة سرفانتس في اختبار القيم الأدبية على محك الواقع الذي يفرزه العصر.‏

أثر رابليه بأفكاره وفلسفته النهضوية وانتقاداته للدين تأثيرا كبيرا. ولكنه كان فرنسيا وإكليريكيا يعرف خفايا الدين ونقاط ضعفه، وهو المتأثر كثيرا بالتراث اليوناني حتى درجة العبادة. سرفانتس شيء آخر. يجب ألا ننسى أنه ابن إسبانيا التي كانت لها تجربتها الخاصة التي جعلتها ورعة التدين (وكالعادة انتهى الورع إلى التعصب) هادئة الأفكار. لقد عرفت كل شيء عن النهضة، ولكنها لم تنجرف مثل الفرنسيين. وهذا ما نراه متجليا في سرفانتس، كغيره من أدباء إسبانيا.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244