|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 02:54 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الرومانسة بعد سرفانتس أنشودة آخر الشعراء الجوالين الدرب طويل والريح تعول والشاعر الجوال يتهادى مسنا عاجزا تبدلت الأيام فلم يعد له عزّ. فتى يتيم يحمل له قيثارته – صديقه الوحيد المتبقي. هذا الشاعر هو آخر الشعراء الجوالين الذين أنشدوا فدبوا الحماسة للقيم الرفيعة لكن عصرهم ولى إلى غير رجعة. ولما رأى نفسه وحيدا تمنى لو لحق بهؤلاء الشعراء ليستريح معهم ولم يعد له جواد يخب به فوق الطريق ولم يعد يغني كالقبرة قبل أن يشهق الفجر. لم يعد أحد يأبه به ولا أحد يكرمه ويقعده في صدر المجالس. . . . . . . فالمتطهرون في هذا العصر يعتبرون فنه المسالم جرما. فها هو على قيثارته يعزف ويغني ويسأل الخبز من بيت إلى بيت. إن من كان يصنع المسرة والمتعة كلما شدّ وتر القيثارة صار محتقرا مرذولا، ومن كانت تصغي إليه الملوك لم يعد أحد يصغي إليه في هذه الأيام. لولا كلمة "المتطهرون" لما عرفنا زمن هذه الأبيات، ولقلنا إنها تعود إلى القرن السادس عشر، إلى أيام سرفانتس صاحب أعظم رومانسة مضادة، حيث لم يكن المتطهرون قد وصلوا إلى بسط النفوذ والسيطرة على الناس ومنعوا الشعر والغزل والرقص والخمرة والأدب والمسرح وكل ما يدل على النشاط الذي يميز الإنسان من الحيوان، وهو النشاط الذي يعتبره المتدينون جريمة، وما زالوا كذلك حتى اليوم. فأبيات تتحدث عن واحد من بقايا الشعراء الجوالين الذين كانوا يتحفون الناس بالرومانسات الشعرية، وعلى الأخص في إسبانيا في القرن السادس عشر، عندما كتب سرفانتس رومانسته المضادة. ولولا كلمة "المتطهرون" لما عرفنا أن قائل هذه الأبيات إنكليزي، إذ عانت إنكلترا أكثر من غيرها بكثير من وطأة المتطهرين. وأغلب الظن أنها هي التي صدرت بعضهم إلى أمريكا الشمالية فاشتهروا فيها وكان لهم شأن في الشارع الأمريكي. ومنذ ظهور المتطهرين في إنكلترا لم يعد يظهر شاعر جوال ولا حتى في الريف البعيد عن المدينة. لا يعني هذا أن المتطهرين هم سبب القضاء على الشعراء الجوالين، ولكنهم عجلوا في القضاء عليهم. لقد كان العصر كله ضد الشعر والشعراء والرومانسات، ولذلك كتب سرفانتس رومانسته المضادة. قائل هذه الأبيات هودون كيشوت جديد أحب الفروسية وأخلص لها وكتب عنها ما لم يكتبه أحد في عصره ولا بعد عصره. إنه مجنون جديد يسمى "والتر سكوت". في هذه الأبيات يصور والتر سكوت شاعرا جوالا تزورّ الناس عنه. ولكنه أخيرا يجد من يستمع إليه فيروي رومانسة وقعت أحداثها في القرن السادس عشر. وهي أحداث حقيقية. فاللورد كرانستون يحب مرغريت، لكن ثمة عداء مستفحلا بين الأسرتين. وبعد العديد من المغامرات والأحابيل المحبوكة بدقة يبدو كرانستون في مظهر المنقذ للأسرة الأخرى، عن طريق حيلة يصطنعها، حيث يسترد لها طفلها، ومن ثم يتقدم لخطوبة مرغريت الجميلة. حبكة الرومانسة سهلة بسيطة وفيها الكثير من التشويق. فإذا عرفنا أن الشاعر تخلى عن الشعر لأنه اعتبر بايرون أعظم الشعراء، شعرنا بالخسارة لأن بايرون نفسه قرظ شعره وأعلن أن الشعر يبدأ بسكوت، فهو بطاقة نعي لكل الشعراء السابقين، وبشرى ولادة شعر جديد. وقد أعجب كثيرا برومانساته الشعرية، وعلى الأخص "أنشودة آخر الشعراء الجوالين" ومنها مقطوعته الرائعة إيزابيل. وقد كتب بايرون قصيدة خاصة قرظه فيها: هكذا تنتحب أغاني الجوالين باكية للريح العاصفة، على قيثارات مرخاة الأوتار بينما أرواح الجبل تثرثر مع أشباح النهر. . . . وبعد أن يعرض قصة "أنشودة آخر الشعراء الجوالين" يقول: هذه هي المواضيع التي تحوز رضانا اليوم وهؤلاء هم الشعراء الذين تحني له ربة الشعر هامتها بينما يهال تراب النسيان على ملتون ودرايدن وبوب ليحمل أكاليلهم المقدسة الآن والتر سكوت. لكننا لم نخسر كثيرا عندما عزف سكوت عن الشعر، لأنه أبدع في الرواية إبداعا مذهلا لم يكن له سابقة أبدا. دون كيشوت يبعث من جديد قلنا عنه إنه دون كيشوت جديد، لا لأن إيقاع اسمه يشبه كثيرا إيقاع اسم دون كيشوت، بل لأنه عاش حياة دون كيشوت فعلا، فهو منذ طفولته نزّاع إلى الرواية متفنن في السرد، فكان يسحر زملاءه في المدرسة عندما كان يسرد عليهم رواية كبيرة يرويها على عدة أيام، وقد بناها على حادثة بسيطة. تعلم في إدنبرة المحاماة، ولكنه وإن زاولها، ظل ابن الرومانسات التي قرأها أو سمع بها، وبالأخص الرومانسات الشعرية. كان مثل دون كيشوت لا يدع شيئا من الرومانسات يفوته. نمت لديه ملكة السرد على نحو مذهل، فوقع أسيرها. لم يشأ أن يكرر الرومانسات السابقة، بل راح يختار الأحداث الواقعية في التاريخ ويبني عليها رومانسته المشوقة، بشعر رومانتيكي كان فاتحة مرحلة عابرة في الأدب. وعندما ظهرت رومانسته التي أشرنا إليها من قبل، أي "أنشودة آخر الشعراء الجوالين" فإنها لم تعجب بايرون وحده، بل أعجبت كل إنكلترا. ربما كان شغفه بالرومانسات يرجع إلى طفولته، إذ بقي ردحا طويلا من الزمن عليلا مريضا، مثل دون كيشوت، ترك فيه مرضه دمغة رافقته طيلة حياته. لقد جعله مرضه أعرج، مثل بايرون،ولكن ذلك لم يؤثر في نفسه كما أثر في نفس بايرون. كان جادا مثل دون كيشوت، ويحلم بالعصر الذهبي مثله، ويكره عصر الرصاص والبارود، عصر الغدر الذي لا أمان له. كانت رومانسة "أنشودة آخر الشعراء الجوالين" ثورة في الذوق الأدبي هزت العالم الأدبي الإنكليزي. فقد اختار المشاهد الريفية والمواقف الفروسية والأحداث التاريخية ليكون فنه خطوة حقيقية نحو الرواية الحديثة. لم يعد يعتمد على الآلهة والسحر والتحولات المفاجئة، ولا على ابتزاز عاطفة القارئ، باستثناء رومانسته الشعرية "عرس تريرمين" حيث عاد بنا إلى أجواء الملك آرثر وساحره العظيم ميرلن. اعتمد فيما عدا ذلك على الأحداث الرومانتيكية التي يكفي أن تسرد سردا نثريا، وليس شعريا كما فعل، حتى تحدث أثرا في القارئ. بل يكفي أن يصل القارئ إلى أي نشيد من الأناشيد الرومانتيكية في هذه الرومانسة من أمثال روزابيل وألبرت غرايم والرب الغاضب. . . حتى يجد نفسه أسيرا لروعة الشعر إلى جانب براعة السرد. ولم تكن روحه الرومانتيكية تتجلى في أناشيد "أنشودة آخر الشعراء الجوالين" وحدها، بل في كل رومانساته الشعرية. ففي رومانسته "مارميون" توجد قطعة شعرية اعتبرت جديدة كل الجدة في الشعر الإنكليزي وهي "أين يرتاح المحب" وفي رومانسته "سيدة البحيرة" هناك مقطوعات شعرية خالدة سارت على كل لسان في إنكلترا من أمثال "لقد ذهب إلى الجبل" و "أيها الجندي استرح، لقد انتهى تجوالك". إنه لم يتأثر بالرومانسات الفروسية وحسب، بل عاش حياة الفروسية، ففي عام 1797 وصل إنكلترا لاجئ من أنصار الملكية الفرنسية، فنشأت صلة بينه وبين هذا اللاجئ ونظن أن حبه للفروسية جعله يتقرب من نصير الملكية، كما جعله يتزوج من ابنته شارلوت ماري كاربنتر. إن زواجه يشبه تماما حب دون كيشوت لدولسينيا. رأى في ابنة اللاجئ الليدي الفرنسية التي أضفى عليها خياله الشعري صفات ليدي الفروسية، فتزوجها كفارس. نال لقب "سير" وكان من دون شك جديرا به، بل إن كل الذين عرفوه قالوا إنه يستحق أعلى من ذلك. كان شهما نظيفا سليم الطوية. . . بل كان ساذجا مثل السيد دون كيشوت البطل الشجاع ذي الوجه الحزين. وأكبر دليل على سذاجته وطيبته أن جيمس بانتاين، وهو صاحب مطبعة وكونستابل، وهو صاحب دار نشر، أقنعاه بأن يدخل معهما شريكا، ففعل وراح يقترض القروش، إلى أن أفلست المطبعة ودار النشر. ومع أنه لم يشترك معهما في العمل، فقد وجد نفسه وهو جالس في بيته وراء مكتبه، مدينا بمئة وثلاثين ألف جنيه. واجه الإفلاس الذي لا يد له فيه، بروح الفروسية. لم يدع على أي شريك ولا على أي شخص، بل انكب على العمل يكتب الرواية تلو الرواية والمسرحية تلو المسرحية بهمة وجدية فيصل ليله بنهاره، مما جعل إقامته في هذه الدنيا قصيرة. قبل أن يرحل سدد كامل الديون التي أثقلته بها إدارة سيئة لشركة طباعة ونشر، لم يشترك فيها إلا بجزء من رأس المال. وقد فعل ما فعل بصمت حفاظا على لقبه ومكانة العائلة الرفيعة التي أسسها وتعب في إعلاء مكانتها. في كل حياة سكوت لا نجد إلا المواقف الفروسية. عاش مرفوع الرأس، كريم النفس. وعندما توفي كان قد صفى حساباته المادية والنفسية. كان المرض الشيء الوحيد الذي لم يستطع أن يصفي الحساب معه. لكنه مات غير ساخط على الرومانسات التي قرأها أو التي كتبها، ولم يوص أحدا بالابتعاد عن الرومانسات والتنكر لها، كما فعل السيد دون كيشوت. وهكذا أثبت سكوت أن دون كيشوت يعيش بيننا وفينا. وقد صدق دون كيشوت عندما قال لتابعه: إن القيم لا تموت فسوف يظهر فرسان آخرون يحملون هذه القيم ويدافعون عنها. وسكوت واحد من أهم الفرسان الذين حملوا القيم الأدبية ودافعوا عنها وعاشوها بكل كيانهم، ولم يفرطوا بها حتى في أحلك أيام حياتهم. إن هؤلاء الفرسان يموتون ورؤوسهم مرفوعة. الاتجاه الجديد في الرومانسة لاحظنا من قبل كيف أنزل رابليه الرومانسة من مكانتها المقدسة، وقدم أبطالا رسم معظم تلاوينها من نظرته الفلسفية. وأخضعها لسخرية مريرة. ولكن رابليه لم يكن يأبه بفن الرومانسة، فاستخدمها لغرض في نفسه، وهو أن يعرض عن طريقها فلسفة النهضة، التي هي بعث للفلسفة اليونانية. والسخرية الموجودة في رومانسته نابعة من قياس الأشياء العصرية بما يجب أن تكون حسب فلسفة النهضة. مثلا هو لا يسخر من الحب كما صورته الرومانسات السابقة، بل يسخر من الحب البشري من أصله. فبانورج لا ينتقد الحب الكورتوازي الفروسي القائم على الأوهام والتصورات الذاتية، وإنما يبلغ العمق الوجودي للحب وكيف أنه لا يختلف عن الاندفاع الغريزي الحيواني لكن من عادة الإنسان أن يراوغ ويكذب على نفسه لإعلاء ما يريد إعلاءه من المنحطات، وحط ما يريد حطه من المعنويات. . . وهكذا. ورومانسة رابليه الكبيرة الضخمة تسير في اتجاه آخر وتخالف ما كانت عليه الرومانسة، فغرضها التطواف على مظاهر الحياة بعين فلسفة النهضة فقط. والأفضل أن نسميها "ذريعة" رابليه وليس رومانسته. أما سرفانتس فإنه يوجه سهمه مباشرة إلى الرومانسة بعد حياة طويلة من الفروسية لم تفض به إلى شيء، لا شهرة ولا ثروة، على الرغم من شهادة يده المشلولة من جراء فروسيته. لم يأبه به أحد. عاد مدحورا. لكنه من جهة أخرى ظل يحترم القيم الرفيعة، على الرغم من غمزات سانشو بانزا بهذه القيم التي لم تعد تفلح في هذا العصر المادي الصاخب. كان سانشو صوتا ينذر بعهد جديد. وقد اعترف دون كيشوت مضطرا بذلك عندما أشار أن الرصاصة جاءت لتعلن فاتحة عصر الغدر والخديعة الذي يعادي سلاح الشرف والنبالة. وبالفعل فقد أصاب السلاح الجديد نظام النبالة في الصميم. صحيح أن رومانسة سرفانتس كانت ذات نزعة واقعية أمسكت بكل خيوطها، ولكنها واقعية موجهة، فالأحداث مركبة تركيبا لتبين الأوهام التي تركب رأس الفارس. فما يجري من تحولات وسحر وقوى غيبية لا أساس له. إنه عبارة عن وهم فقط يفرزه إعجاب دون كيشوت بما يجري في الرومانسات إنه وهم يعيد تركيب الواقع، تماما كما يعتقد الطفل أن القمر دارة تتدحرج على بساط السماء. بعد دون كيشوت اتخذت الرومانسة اتجاها جديدا آخر، فإذا استثنينا بعض الأحابيل السحرية القليلة جدا، والتي تنحصر عند سكوت في إحدى رومانساته التي استلهمها من أيام الملك آرثر وساحره ميرلن، فإنه يمكن القول إن الرومانسة اتخذت المسار الواقعي، وصارت أكثر إقناعا وأعمق فنية. لقد انتهى السحر من الرومانسات. وفي "أنشودة آخر الشعراء الجوالين" نجد مشهدا ذا دلالة كبيرة جدا، وذلك عندما يذهب السير دلورين إلى قبر الساحر مايكل في كنيسة ميلروز ليسرق كتابه السحري عسى أن يكون معينا في مواجهة الأعداء. ولكن دلورين في طريق عودته يسقط جريحا في صراعه مع فارس آخر هو كرانستون، وبذلك يفوت الكاتب الفرصة لاستخدام كتاب السحر. ولكن بما أن السحر ضروري فقد استعاض كتاب الرومانسة عنه بالشراب المنوم وبأنواع السموم ذات التأثيرات المختلفة والمتنوعة. وقد ظهر الكيميائي في الرومانسات ليحل محل الساحر. لكن الشيء الذي نريد الإشارة إليه هو أن السموم كانت موجودة حقا ومستخدمة استخداما واسعا جدا وعلى الأخص في البلاطات والقصور. إن التاريخ الواقعي للقصور يروي أشياء عن السموم لو رواها كتاب الرومانسات لما صدقناهم. وكان السم من حظ النساء أكثر من الرجال. فمن النادر جدا ألا يكون لدى الملكة أو الكونتيسة أكثر من خاتم في كل يد. وفي كل خاتم نوع خاص من السموم تستخدمه عند الحاجة. صحيح أن السم كان مستخدما منذ القديم، منذ ميديا الساحرة التي انتقمت من زوجها الخائن لعهده جاسون، وحتى هذه الأيام. ولكن بعد سرفانتس، وحتى القرن التاسع عشر وما بعد ذلك بقليل، صار يظهر في كل رومانسات الــفروسية، وعلى الأخص في الرومانسات الفرنـسية، فقد كان البلاط مستودع سموم من كل الأنواع. كلما تقدمنا في الزمن ازداد اعتماد الكتاب على استخدام السموم حيلة أدبية تقوم مقام الحل الإلهي أو السحر. ففي سلسلة رومانسات باردليان أو الفرسان الثلاثة أو الفرسان الخمسة أو فرسان عربة الملك أو فرسان الملك. . . نجد المؤامرات تنفذ في معظمها عن طريق السم. وقد ظل الأمر على هذا النحو حتى ميشيل زيفاكو، الذي تفنن في استخدام هذه الأداة الأدبية، ذات المنشأ الواقعي. والذي نظن أن السموم شاعت في القرن السادس عشر شيوعا كبيرا، وقد كانت النساء تتقن تركيب هذه الصناعات النباتية، نظرا لعلاقتهن الوثيقة بالطبيعة، أثناء عملهن في الحقول والتعشيب، وهذا ما سهل عمل محاكم التفتيش الإسبانية ضد النساء، إذ ما أسهل أن تتهم أي امرأة بالسحر. وقد اعتبرت الكنيسة طب الأعشاب الذي كانت تتقنه النساء سحرا لأنه حل محل الصلاة في شفاء المرضى والمعلولين. كان دور سكوت الكبير هو في دفع الرومانسة نحو المزيد من تعاطي لغة الواقع. في القرن الثامن عشر تغيرت مفاهيم الناس، ولم تعد تتجاوب مع تدخل الآلهة وتأثيرات السحر، فكان لا بد من العمل على تغيير الذائقة الأدبية حتى يتم التواصل مع الناس. لا يعني هذا أن الرومانسات القديمة فقدت سحرها في الناس ولكن نسبة التجاوب أخذت في التدني مع الأيام، إلى أن يتحول الجاد إلى مضحك، تماما كما حدث لرومانسة الزير سالم. فقد كنا نتحمس لمآثره العجيبة. وفي سيرة بني هلال كنا ننقسم إلى فريقين: هلاليين وديابيين ونؤمن – تقريبا - بأن الأعمال الفروسية التي سردها المؤلف قريبة من الحقيقة. لكن اليوم باتت هذه السير والرومانسات مثار الضحك والسخرية، حتى لنعجب كيف يتأتى لكاتب أن يكذب على الناس كل هذا الكذب، نحن الذين كنا نمضي الأماسي مأخوذين بسرد الراوي وشدوه بالأشعار التي يمر بها عبر الأفعال العجائبية، مؤديا القصائد أداء طربيا. كان لسكوت اليد الطولى في وضع الرومانسة على سكة الذائقة الأدبية الجديدة. الرومانـسة السكوتية من كان يظن – بعد رومانسة سرفانتس المضادة – أن تعود إلى الظهور الرومانسات الشعرية وتزدهر ازدهارا كبيرا الرومانسات النثرية؟ ولكن بقليل من التأمل نلاحظ أن الرومانسة المضادة هي التي أنقذت الرومانسة من المبالغة والشطط، ومن الأوهام والسحر وآلهة الغيب، وذلك بانتقادها لهذه المظاهر. إن ما أبقت عليه الرومانسة المضادة هو القيم والإيهام بالأفعال الواقعية. وهذا ما بنت عليه الرومانسات التالية للرومانسة المضادة حبكتها. وقد كان سكوت مجليا في هذه الناحية. قبل أن نعرض للرومانسة السكوتية ودورها، نشير إلى نقطة هامة جدا، تعتبر الجوهر الأساسي الذي قام عليه تطوير الرومانسة, هذه النقطة هي شاعرية والتر سكوت. فلولا شاعريته في كل ما كتب لما كنا حصلنا على رومانسات أدبية رفيعة المستوى، بل كنا قرأنا ما قرأناه في باردليان وأمثالها من الرومانسات، أي كنا قرنأ تسجيلا للأعمال الفروسية فقط. شاعرية سكوت هي التي أنقذت الرومانسة من النثرية. لا نرى سببا لإجماع النقاد بأن سكوت أقدر على الرواية منه على الشعر. بل أرى عكس ذلك. وقد اعتمدوا في حكمهم هذا على العزوف الطوعي لسكوت عن الشعر بعد أن سطع نجم بايرون، وانتقاله إلى الرواية. وليست هذه بحجة فلو قبلنا حكم كل شاعر على نفسه لاضطرب التقييم الحقيقي، فبودلير مثلا لم يكن يعتبر نفسه شيئا أمام شاعرية إدغار آلن بو، وقد بقي طيلة حياته يترجم له قصيدة الغراب – وغيرها – حتى وصلت الترجمات إلى ست عشرة ترجمة، مع أن بودلير يعتبر بوابة الشعر الحديث. سكوت شاعر حقيقي، بل إنه أول شاعر رومانتيكي أقبل الناس على شعره إقبالا لم يحظ به غيره. لكن نظن أنه انتقل إلى الرومانسة النثرية من الرومانسة الشعرية، لإعجابه برومانسات بايرون الشعرية كأنه وجد من يقوم بدوره في ذلك، ولأن الرومانسة النثرية أطوع وأسهل تزيد من دخله لتسديد الديون. ثم إنه لم يترك الشعر لحظة واحدة، فكان يقدم في رومانساته النثرية، كلما سنحت الفرصة قطعة أو قصيدة من شعره. يضاف إلى ذلك أنه لم ينقطع عن تأليف الأغاني، فكان الملحنون يتهافتون على شعره. لم يكن خبيرا موسيقيا ولكنه كان شاعرا حقيقيا، وهذا ما وفّر لأغانيه الإيقاعات العذبة إلى جانب الصور المخملية. وقد كان بايرون على حق عندما قرّظه معلنا أنه فاتحة الشعر الجديد وأنه هو الذي طوى صفحة بوب ودرايدن وملتون وكل الشعراء السابقين. هذه الشاعرية ظلت حتى في رومانساته النثرية التي لاقت رواجا كبيرا، بل يمكن القول إنها راجت أكثر من رومانساته الشعرية. فهو خبير دقيق متقن لاقتناص الموقف الأدبي، فتراه يجمع عناصره من الأمور العادية في نثره أكثر من شعره بما لا يقاس، مع أن شعره لا يشكو من هذه الدرامية. الميزة الأخرى التي تعزى له هي ابتعاده عن السحر والأحابيل القديمة للرومانسات الوسطى. وباستثناء بعض الرومانسات، مثل "عرس تريرمين" حيث يتم إنقاذ ابنة الملك آرثر من سحر ميرلن، فإن سكوت عموما لم يلجأ إلى الأساليب القديمة ولا تعاطاها كعكاز أدبي من أجل التشويق. كان التشويق عنده ينبع من قلب الموقف الأدبي الواقعي. وكان هذا تمهيدا لكل الرواية الرومانتيكية التي ظهرت في القرن التاسع عشر. والميزة الثالثة والهامة عند سكوت أنه قصّاص بالفطرة، بل لا نبالغ إذا قلنا إنه من أعظم قصاصي العالم، نظرا لدقته في إدارة الحبكة وهدوئه في معالجتها وعدم تسرعه في الكشف عنها. فقد كانت الرومانسات الشعرية قبل رابليه وسرفانتس تقوم على أدوات من الخرافة والسحر والعجائبية، بينما نجدها عند سكوت تسير مطمئنة بين الأحداث الواقعية مستغلة كل ما يساعد على إبراز الحبكة. فهو يبني مثلا "أنشودة آخر الشعراء الجوالين" على حادثة من القرن السادس عشر كانت شائعة ومتداولة. أما "مارميون" فهي من مرويات عام 1513. وتدور أحداث "سيدة البحيرة" في عشائر الهايلاندز. ورومانسة "روكبي" مأخوذة من موقعة مارستن عام 1644، وهكذا نجد معظم رومانساته الشعرية. أول الرومانسات النثرية كانت "ويفرلي". ومنذ أن ظهرت أدهشت النقاد والناس معا. فهي تدور في اسكتلاندا فأحبها الاسكتلانديون لأنها تعرض أنماط حياتهم وأخلاقهم، وأحبها الإنكليز لأنها لوحة من الحياة على نحو دقيق وشائق، ثم اتجه إلى تاريخ إنكلترا خاصة وأوروبا عامة، فرومانسته "إيفانهو" تصور إنكلترا وتعاملها مع الحروب الصليبية في عهد رتشارد قلب الأسد، وما تزال السينما حتى اليوم ترى فيها إحدى الخطوات التي حببت الناس بالفن السينمائي. وقد تناول الحروب الصليبية أيضا في "الخطيبة" و "الطلسم". كما تعتبر "كومينتين دوروارد" من أعظم ما كتب في التاريخ الأوروبي. كانت الرومانسات القديمة تتعامل أيضا مع التاريخ. وحتى نعرف الفارق بينها وبين ما قدمه سكوت، يكفي أن نقرأ روايتين فقط، الأولى قديمة والثانية لسكوت، ليتجلى لنا خط التطور الصاعد والصاعق الذي حققه سكوت للرومانسة وكيف نقلها نقلة نوعية لتكون بداية القصة الحديثة بفنيتها الجديدة. أدرك سكوت تغير الذائقة الأدبية،وعرف أن الرومانسات السابقة لم تعد تنسجم مع هذه الذائقة، وهذه النقطة تحسب له من دون شك. وبهذه الخطوة رفع الرومانسة القديمة من الخزعبلات والخرافات والسحر وتدخل الآلهة، إلى مستوى التعامل الفني الواقعي للأحداث. ثم إنه حصر المكان أكثر فأكثر، فلم يعد يطوف في المدن التي يتباعد بعضها عن بعض مسافات طويلة نحتاج إلى بساط الريح حتى ننتقل من مدينة إلى مدينة. صارت المدينة عنده أكثر واقعية. وبرزت شوارعها على نحو أفضل. واهتم سكوت بشخصياته اهتماما لا يدانيه اهتمام الكتاب السابقين. كان حريصا على استغلال كل حركة وحادثة مهما كانت لإبراز شخصياته. إن إبراز الشخصية لا يكون فقط في رسم المعالم الجسدية، وإنما في استغلال المحيط لإبراز المعالم النفسية والخلقية والبيئية العميقة أيضا. طبعا لم يستطع سكوت أن يجاري كتاب الواقعية الذين أعقبوه في القرن التاسع عشر. ولكن من يحسم المشكلة فيما إذا كانت طريقة الواقعيين متفوقة أم قاصرة عن طريقته؟ ماذا يهمنا إذا عدّد الكاتب عروق يد شخصيته أو غضون وجهه أو طول قامته؟ إن الشخصية تعرف من خلال بيئتها وتصرفاتها أكثر مما تعرف من معالمها الجسمانية. ثورة مجنونة في الرومانسة الشعرية لم يعجب بايرون بشاعر مثلما أعجب بوالتر سكوت، ولم يمدح شاعرا مثلما مدح هذا الشاعر بعد أن جمله بالذم مع كوردج ووردزورث وسيذي يوم كان معجبا بشعر ملتون ودرايدن وبوب وأمثالهم. كان شللي أحب من صادقهم إلى قلبه وكان سكوت أعظم من أعجب بهم. وربما كان بسبب الرومانسات الشعرية لسكوت. فقد أعجب بهذه الرومانسات كثيرا وسار على نهجها ولكن بطريقة بركانية تحمل كل حمم الذات الفردية وتبرز تضاريس دخيلتها الخفية. بعد نشر "أسفار تشايلد هارولد" قال بايرون إنه نام ثم استيقظ فوجد نفسه مشهورا. وهذا ما لم يحققه سكوت ولا غير سكوت. كان النجاح صاعقا لم يعرف بايرون ولا سكوت ولا سواهما سببا له. ولكن ناقدا كبيرا هو وليم هازلت يفسر لنا سبب هذه الشهرة المفاجئة بالقول إن بايرون ينظم من ذاته عن ذاته من دون أن يتقيد بغير ذاته. وهكذا يكون بايرون قد أخلّ بالتقاليد وأدخل الحرية على الرومانسة الشعرية. كانت الرومانسة التقليدية – إن صح التعبير – تسير وفق نهج معين: لقاء فحب ففراق فمغامرات مخيفة وتقلبات وتغيرات وسحر ومعجزات. . . ولكن النهاية السعيدة مؤكدة، إذ بعد كل هذا العذاب والنضال لا يجوز أن نحرم الحبيب من حبيبته. وكما سبق أن أشرنا بأن الرومانسة لا علاقة لها بالتراجيديا أو بالموقف الجاد. هناك شيء مشترك مع التراجيديا وهو العذاب والألم وهذا ناجم عن افتراق الحبيبين فقط، وأما ما تبقى فلا اقتراب بين الرومانسة والتراجيديا. لا أحد يشك في إبداع سكوت. ولكنه حافظ على النهاية السعيدة. لم يكن حرا في تصريف الأحداث وتركها تأخذ نهايتها الطبيعية النابعة منها. وهنا قام بايرون بثورة مجنونة تشعرنا أنه لم يحترم أي شيء سوى موهبته ونزوع نفسه فقط. إن تشايلد هارولد عبارة عن رحلة في الأقطار الأوروبية ، وآراء بالحياة والمجتمع والعبودية والحرية. وكانت أناشيده التي يناشد فيها العالم بتحرير اليونان كتسديد لجزء هزيل من دين أوروبا لمن أهدتهم الفن والعلم والأدب والمسرح، أشبه بقنبلة انفجرت في كل نفس حساسة. لم يتذمر أحد من أنه لم يتبع أصول الرومانسة، بل رأى القراء في الأناشيد دعوة إلى الحرية والإبداع. بل إنه في النشيد الرابع يتخلى عن طريقته ويتحدث عن نفسه وآرائه بصورة مباشرة لا مواربة فيها. لكن أول رومانسة شعرية هزت إنكلترا هي "الغاور" والغاور كلمة يستخدمها الأتراك لكل من كان غير مسلم. وما تزال هذه الكلمة شائعة في المغرب، وهي من الكلمة العربية "كافر". وهي قصة سبية ترفض إرضاء شهوات سيدها التركي "حسن" فيكبلها ويلقيها في اليم. وفي اعتراف حبيبها الكافر للكاهن نعرف أنه هو الذي انتقم لها بقتل حسن. وفي هذا خروج كامل عن تقاليد الرومانسة، فلا صعوبات وعوائق ولا لقاء، ولا تدخلات غيبية. صارت القوى النفسية الذاتية هي التي تفعل فعلها. وفي "القرصان" نقع على الخاتمة ذاتها. وفيها نجد كونراد يحتال على الباشا التركي الذي كان سيغزو جزيرته. فيسافر من الجزيرة تاركا حبيبته ميدورا. ويفتضح أمره في المعسكر التركي، ولكن إحدى الحريم تحثه على قتل التركي فيأبى اقتراف هذا العمل الخسيس، فتقوم به هي وتنقذه وتفر معه إلى جزيرته. وهي جزيرة القراصنة فيجد أن ميدورا قتلت نفسها حزنا عليه. في "لارا" يتابع قصة القرصان، فلارا هو كونراد نفسه الذي يعود إلى أملاكه في إسبانيا، ولكنه يقتل في معركة من معاركه. ولارا هو نفسه بايرون بآرائه ونزوعاته وثورته المجنونة على التقاليد والأعراف. وقد لمس القراء ذلك قبل أن يحلله النقاد. ليس هذا وحسب، بل إنه في "عروس بيدوس" يدافع عن علاقة الأخ بأخته، وهو ما اتهمه به الناس إثر علاقته بأخته غير الشقيقة، وقد نجم عن ذلك طفلة أسماها "ميدورا" وهي بطلة من بطلات رومانساته. وقصة الرومانسة أن الأب يُكره ابنته زليخا على الزواج من تركي غني، فتشكو ذلك لأخيها الذي يكشف لها أنه ليس ابن أبيها ويعلن حبه لها. يعرف الأب فيقتل هذا الأخ وتموت زليخا حزنا عليه. وفي "دون جوان" نجد بايرون يتفحص هذه الشخصية في تطوافه وعشقه، فكلما رأى امرأة جميلة وقع في حبـها من الـيونان إلى تركيا إلى الإمبراطورة كاترين. وكل من رأته وقعت في حبه حتى إمبراطورة روسيا. ما أنجزه بايرون كان ثورة مجنونة حقيقية. فقد صارت الرومانسة خاضعة لقواعد الذات، لا لقواعد السرد والحبكة، وتعبر عن نزوع الفرد للحصول على أكبر قدر من الحرية، لا عن مواضعات الطبقات النبيلة. كانت هناك طبقة برجوازية تلهم بايرون هذه الأفكار. كانت البرجوازية في مرحلة الصعود ولم تكن قد واجهت أزمة حقيقية في الإنتاج. فمن الطبيعي أن تقترن بشعار الحرية. أي حرية؟ حرية الفرد. دع الفرد يفعل ما يشاء. ولأول مرة في التاريخ تبرز "حقوق الفرد" كأنها من مقدسات البشر. فرضت البرجوازية بنجاحها المادي مفاهيمها وقيمها الجديدة التي تتلخص بالحرية. فلا تقاليد ولا أعراف ولا نبلاء ولا عادات تستوجب من الفرد احترامها. وقد انساق التيار العام وراء ذلك بحماسة بالغة. بعد نشر "أسفار تشايلد هارولد" قال بايرون إنه نام غفلا واستيقظ مشهورا تعرفه كل إنكلترا. كانت الدعوة إلى الحرية أهم ما جذب الجمهور. وفي غضون سبعة أشهر فقط ظهر أكثر من عشرين ألف نسخة من هذه الرومانسة، بمعدل طبعة كل شهر، أو أقل من شهر بقليل. وما جعل بايرون يحتل هذه المكانة في زمنه وفي غير زمنه هو أنه كان فارسا حقيقيا، مارس الحب والقتال من أجل الحرية. وقد باع أملاكه وأنفقها في سبيل تحرير اليونان، وانتخب رئيسا عاما للمتطوعين الإغريق. وفي كل منعطف تاريخي يصاب الناس بالدهشة والمبالغة في الانفعال. وزمن بايرون كان منعطفا تاريخيا تتسلم فيه البرجوازية مقاليد السلطة من طبقة النبلاء. والتر سكوت، الرومانتيكي في آفاقه وطموحه، كان يريد استخدام التقاليد الأدبية للرومانسة، للدنو من الواقعية. ولكنه كان يحسب حساب النبالة والفروسية والأخلاق الرفيعة، فلا تبذّل في أي رومانسة من رومانساته، على غير ما نجده في بعض رومانسات بايرون، كما في "دون جوان" العاشق الجوال. من هنا نفسر سبب عزوف سكوت عن الرومانسة الشعرية وانتقاله إلى الرومانسة النثرية المتأنقة المحبوكة التي تحترم الواقعية والأحداث التاريخية. شخصية ربيكا أو أي شخصية أخرى في الرومانسات النثرية شديدة القرب من الواقع من جهة، ولكنه يختلف عن الواقع الحرفي، وهي من جهة أخرى تمتاز عن الشخصيات في الرومانسات السابقة، بأن لها كيانها الخاص. صار للشخصية صوت خاص عند سكوت. لكنه خاص بها وليس به. أما بايرون فقد كانت كل الشخصيات مرتبطة به يسخرها لأهدافه وآرائه. ولا نعدم أصواتا محتجة طفقت تظهر منذ القرن الثامن عشر. إن "غولدسميث" يصرخ معلنا استياءه وتحذيره من هذه الظاهرة الجديدة، الحرية الفردية: الحرية التي يبجلها الإنكليز تبعد الإنسان عن الإنسان وتمزق الروابط الاجتماعية. فأقزام النبلاء الجدد المعتمدون على أنفسهم منعزل واحدهم عن الآخر. كل الحقوق التي يجب أن يلتزمها الآخرون، والتي تجعل الحياة جميلة، قد ولت وانتهت ليس هناك سوى الروابط الطبيعية الواهية ليس هناك سوى عقول تتصارع مع عقول وفي الوقت الذي تتفسخ فيه الروابط الطبيعية وتفشل قيم الواجب والحب والشرف في أن تفرض ذاتها، تتنامى روابط وهمية هي روابط الثروة والقانون. . . من التيار إلى الإعصار سانشو بانزا الذي يمثل النزعة الفردية، والهادف إلى الحرية، كان يشكل تيارا في القرن السادس عشر. ومنذ سانشو بانزا وحتى بايرون تحول التيار إلى إعصار، نظرا لما ينطوي عليه شعار الحرية من آمال وهمية، يصعب أن يضعها الفرد على محك الاختبار. إنها تجربة لا بد أن تأخذ مداها، قبل أن يتبين الناس أنه لا وجود لشيء اسمه "فرد". فالفرد، كما يقول غولدسميث، ليس أكثر من تمزيق للروابط الاجتماعية. ولكن ظهور الفردية كان قضاء وقدرا، فقد انبثقت من الظروف الاجتماعية والاقتصادية الجديدة، بعد غزو أمريكا, إن العالم ينتقل من التعاون في الإنتاج والعلاقات إلى المنافسة في الإنتاج والاستخفاف بالعلاقات. إن المنافسة المادية لا يمكن أن تقوم إلا في جو الفردية. أو لنضع الأمور في وضعها الصحيح فنقول إن المنافسة نفسها هي التي خلقت واستدعت جو الفردية والحرية. صار كل شيء فرديا على الرغم من وجود مجتمع طويل عريض. ومثل هذه الظروف مهدت أيضا لقيام ما يسمى علم النفس. وهو ليس علم نفس على الطريقة القديمة، أي دراسة ما هو عام من جهة، وما تنتجه العلاقة البشرية من جهة أخرى، وإنما هو علم نفس الأمراض التي أخذت الفردية الجديدة تفرزها. لقد جاء علم النفس مع مجيء البرجوازية بكل آمالها وخيباتها، بكل قدراتها وضعفها، بكل اندفاعاتها المتفجرة التي لا قانون يضبطها سوى قانون المنافسة. لم يكن التطور تيارا، بل كان إعصارا، لأن الثروة بعد اكتشاف العالم الجديد دخلت العالم القديم، وصارت الطبقة التي تملك الثروة تسعى في كل الميادين حتى يكون لها مكان تحت الشمس. إنها ثورة محدثي النعمة الذين راحوا يتصرفون من دون تقاليد وأعراف، من دون أن يحترموا شيئا، بل استخفوا بكل شيء إذ وجدوه تافها أمام الثروة، فما تعني الفروسية وماذا يفعل الفارس من دون ثروة؟ ومن هي الليدي، مهما كانت جميلة، إن لم تتربع على سلطة الثروة؟ لا سلطة بعد الثروة، فبها يمكنك أن تصنع كل شيء. كانوا قديما يسألون من أين ينحدر هذا الرجل، وإلى أي عائلة عريقة ينتمي. لكنه غدا سؤالا منسيا أمام الثروة. فلم يعد الناس يسألون عن أصل الرجل وفصله، بل عن ثروته. فثروته هي قلعته وحصنه وفرسانه ورماحه وحرابه وسيوفه وخيوله. أي سيف يضاهي سيف الثروة إذا كان يطال أكبر رأس ويستولي على أكبر مساحة؟ كان رمح الفارس يعجز أحيانا عن خرق درع الخصم، أما رمح الثروة فلا شيء يقف في وجهه. في وجه هذا الإعصار كان سكوت يمثل التطور القديم، أو القديم المتجدد، بينما كان بايرون يمثل التطور الفردي، يمثل الفرد الذي جرفته شعارات البرجوازية في الحرية والإخاء والمساواة. وقد كان بايرون نفسه مأخوذا بـنابليون بونابرت، حتى أنه طاف في أوروبا يزور المواقع التي حل فيها نابـليون وخاض معاركه. كان كل من سكوت وبايرون جنتلمانا، كان الأول جنتلمانا مدنيا وكان الثاني جنتلمانا غجريا جرفته شعارات الطبقة الصاعدة. لكن علينا التريث هنا قليلا حتى لا يحمل كلامنا على غير ما قصدناه. إن البرجوازية كطبقة اقتصادية تطرح شعاراتها الخاصة النابعة من ظروفها المادية، على كل المجتمع، ولكن هذا لا يعني أن جميع الذين ينادون بالشعارات يقصدون ما تقصده البرجوازية، ويضمرون ما تضمره. كان شعار البرجوازية الأساسي هو "دعه يعمل، دعه يمر" وهو شعار اقتصادي محض غرضه الحصول على حرية العمل المادي، ولكنه شعار ألهب مشاعر كل طبقات المجتمع، من أفقرها إلى أغناها، وراحت كل فئة تتصور هذه الحرية كما يحلو لها. كانت في واقعها شعارا ملهما جدا، فقد كان العبد يفر من مزرعة الإقطاعي نحو المدينة، كأنه قادم إلى الجنة الموعودة. أما بالنسبة إلى الأدباء، فقد كان موقفهم واحدا من حيث الأساس، لكنه يتخذ مظاهر عدة للتعبير. فمثلا كان سكوت وأمثاله يريدون تجديد القيم القديمة في الحب والنزاهة والشرف والإخلاص، في عصر يناوئ هذه القيم، ولا يسمح بها، بينما كان بايرون لا يأبه بالتقاليد العريقة لإبراز هذه القيم فمال في الحرية إلى حدود التحلل. فالحب – على سبيل المثال – لا حدود له ولا ضابط، والزواج ليس أكثر من تجربة لا يترتب عليها أي التزام. أراد سكوت أن يزيد من رهافة التصرفات لإبراز القيم، بينما أراد بايرون أن يطلق العنان للقيم، أي باختصار أراد سكوت أن يجعلها قيما وضعية متعارفا عليها، بينما أرادها بايرون قيما فردية محضة تتجلى أكثر ما تتجلى في الحرية التي لم يكن يقصد بها ما كان يقصده البرجوازيون العملياتيون الذين يخوضون غمار الإنتاج المادي في المجتمع. كان سكوت يريد تقديم بطل يمثل قيما ذات تقاليد عريقة، وكان بايرون يريد تقديم بطل ينتج القيم من ذاته وفردانيته. من الفن إلى البحث عن الذات تقوم اللعبة الفنية لتجميل الأدب وجعله مقبولا ومطلوبا من الجماهير، على الاختيار. فالاختيار هو الذي يميز عملا من عمل، حتى لو كانا يعالجان موضوعا واحدا. فهذا يختار الآلهة القديمة وذاك يختار القديسين المسيحيين، وآخر يختار الأمكنة المفزعة والأحداث الغرائبية. . . الخ وكان الناس يقبلون على الرومانسة الشعرية أو النثرية إقبالا مشهودا أكده لنا سرفانتس في "دون كيشوت". لكن الواقع أخذ يفرض نفسه على الرومانسة منذ القرن السادس عشر. صارت الأحداث أقرب إلى الواقع وأشد احتراما لأحداث التاريخ أكثر بكثير مما كانت في الرومانسة الوسطوية. يبدو أن الذائقة الأدبية التي تتبع وعي الذات طفقت تتغير لأسباب كثيرة. وهذا ما يجعلنا اليوم نبتسم أو نضحك عندما نطلع على أحداث ميرلن أو آرثر أو لانسلوت. لم نعد نصدق ما كانوا يقولون ويزعمون. ومثل هذه النظرة تجعلنا نرى الرومانسة الوسطوية في "غربة" عن العالم الإنساني الذي قدمه سكوت وبايرون وأمثالهما. وهي نظرة محرجة وخطيرة تبعدنا عن فهم الظروف المعقدة والمتشابكة التي أنتجت ما يسميه هيغل "روح العصر". إن هذه النظرة تدفعنا إلى الانتقال بين الفن والذات، فنرى كل تعبير فني خارج الذات عبارة عن اغتراب. وأول مشكلة تطرحها هذه النظرة هي المقايسة المحدودة. فنحن نضع طرفين: الفن والذات، ثم نقايس بينهما. ولكن إذا انتقلنا قليلا إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر لرأينا الرواية تنتقل من الفردية إلى الاجتماعية، من الرومانتيكية إلى الواقعية. وإذا استخدمنا المقايسة نفسها انتهينا إلى النتيجة ذاتها، وهي أن الرواية الذاتية عبارة عن اغتراب قياسا إلى الواقعية الاجتماعية النقدية. لا شك أن هناك طبقات وفئات وأفرادا. وهم ينخرطون في علاقات كثيرة متشابكة. لكن الإيغال في التحليل والتركيز يجب ألا ينسينا روح العصر الهيغلي. وروح العصر قاسم مشترك بين الناس، يتجلى بعقلية معينة تلبث عهودا وعصورا قبل أن تتغير. وفي هذه الحالة علينا أن نميز بين أدوات التعبير والموقف الأدبي. فكل موقف أدبي يختار أدوات فنية ليست بالضرورة التي يختارها الموقف في زمان آخر. ولو بحثنا عن الموقف الأدبي في رومانسة العصور الوسطى لوجدناه في الحب الكورتوازي من إخلاص ونزاهة وشرف . . وبقية القيم. ولو خرجنا من العصور الوسطى إلى عصر النهضة لما تغير الموقف الأدبي. وكذلك لو خرجنا من النهضة إلى القرن الثامن عشر أو التاسع عشر. فالموقف الأدبي واحد أو يكاد يكون واحداً، لكن أدوات التعبير الفني تغيرت. وأكبر دليل على ذلك أن اللغات القديمة لم تعد قادرة على استيعاب التجربة البشرية والتطور الذهني الذي رافقها، لذا نشأت من هذه اللغات لغات حديثة أخرى. من كان يعتقد أن لغة دانتي العامية سوف تغدو اللغة الإيطالية؟ الأساليب تتغير باستمرار، أما الموقف الأدبي فهو متقارب جدا إن لم نقل إنه يبقى واحدا لا يعتريه أي تغير. فإذا وقفنا في هذه الزاوية تجنبنا مشكلة المقايسة التي أشرنا إليها أعلاه. وقد كان سكوت رومانتيكيا، ولكنه كان بعيدا عن الذات، أما بايرون فكان رومانتيكيا ولد من الذات، ليرى العالم انطلاقا من هذه الذات. ولكن الموقف الأدبي واحد كما يتجلى في القيم الأدبية التي قدمها الاثنان. بل نذهب إلى أبعد من ذلك فنقول إن الموقف الفردي تجلى في السلوك الشخصي للرجلين، فالأول أمضى بقية حياته يكدح بقلمه لتسديد دينه الذي لم يتسبب فيه، والثاني قدم حياته في سبيل تحرير اليونان، كنوع من تسديد الدين الذي قدمته له اليونان، ثقافة وفنا وأدبا ومسرحا. ولكن في غير ذلك نجد فرقا بين سكوت وبايرون من حيث احترام الأول لأهم تقاليد الرومانسة، والتحرر من الأساليب التي لم تعد مناسبة لروح العصر، وعدم احترام الثاني لأي شيء من التقاليد والأساليب. ونستعين بنظرة ناقد انطباعي عاش في عصر سكوت وبايرون هو وليم هازلت، حيث يفضل سكوت على بايرون، لأن الأول "ينظر إلى الطبيعة ويراها ويستمع إليها ويشعر بها ويؤمن بأنها موجودة قبل أن يتم طبعها وتصويرها" . . . "بينما لا يفكر بايرون إلا في نفسه فقط، فسكوت ليس ذلك الكيان الكثيف المتطفل الواقف في طريق شمس الحقيقة والطبيعة والذي يحجبهما، بينما كل شخوص بايرون هم الشيء ذاته، إنهم هو نفسه". على أي حال يهمنا بهذا الصدد أن نقول إن رومانسات بايرون الشعرية وجدت صدى أبعد من رومانسات سكوت لأنها بالضبط ذاتية. وقد انجرف نحوها الناس مأخوذين بروح العصر الذي كان يتجه إلى الحرية الفردية. ولكن كانت تجربة بايرون من جملة التجارب الأخيرة التي لم يعد أحد يختار طريقها، فقد اندرست الرومانسة الشعرية، إلا ما ندر جدا. لقد حلت الملحمة الشعرية العصرية محلها، كما في إنتاج سان جون بيرس وإيليوت وسواهما. كان سكوت منصفا لنفسه عندما تحول إلى الرومانسة النثرية، فحقق من الشهرة في هذا المجال ما لم يستطع غيره أن يحققه أو ينافسه. لقد أرسى أركان القصة الحديثة ومهد الطريق أمام انطلاقة جديدة للانتقال إلى الأنساق الجديدة للرواية الحديثة من رومانتيكية وتاريخية وواقعية وتعبيرية. كان من جملة الشغيلة الكبار الذين ثـبتوا في الأرض خطوط السكة التي سيسير عليها قطار الرواية الحديثة التي كان لها عصر جديد وروح جديدة. إن سكوت أسهم مع سابقيه طبعا إسهاما لا ينكر في إرساء سكة الرواية الحديثة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |