|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 02:54 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ولادة عسيرة لزمن البلاء تعايشت البرجوازية مع
الإقطاعية أكثر من ثمانية قرون، قبل أن تنتزع السلطة منها بالعنف وتقضي على كل
الحقوق التي اكتسبتها الإقطاعية خلال مسيرتها دفعة واحدة. كانت ولادة البرجوازية
عسيرة استغرقت مدة طويلة. وبذلك وضعت حدا لزمن الفروسية وصفّت قيمها ومثلها،
وعندها بدأ عصر البارود، عصر النذالة والغدر. ومنذ القرن الرابع عشر كان الشعراء
والأدباء يشعرون بأن زمنا جديدا قادم. فهذا شاعر من القرن الرابع عشر اسمه أوستاش
ديشان يقول:
يا عصر الرصاص، يا زمنا فاسدا
يا سماء نحاسية، يا أرضا بلا ثمر، لا خير فيها.
أيها الناس الملعونون بالأسى والفجيعة. . .
أليس من حقي أن أندبكم جميعا؟
لأنني لا أرى شيئا في عالم الغد
المفعم بالحزن، الممعن في الاضطراب،
والآتي بكل فعل شرير.
لقد حل زمن البلاء. . . هذا العصر الصاخب ولد
من رحم عصر هادئ. فالمجتمع الإقطاعي هادئ بسيط في كل شيء، في علاقاته وأحداثه. لم
يكن فيه ثراء ولكن لم يكن فيه جوع. كان فيه تجوال ولكن لم يكن فيه تشرد. كان فيه
حب ولكن لم يكن فيه عهر ودعارة ممتهنة، فالرقيق كان يستيقظ صباحا، ويقوم بعمله في
الحقل أو المزرعة أو الزريبة. وفي المساء يأوي بلا هم إلى فراشه. يتزوج في سن
مبكرة أو يزوجه – أو لا يزوجه – سيده الإقطاعي. أما الإقطاعيون فقد كانت لهم
همومهم الخاصة، وكانوا قلة في العدد. وعندما بدأت الحرف تنمو وتتحول
المانيفاكتورات إلى مصانع، حدثت هجرة كبيرة من الريف سعيا وراء الحرية. ففي الوقت
الذي كان ينعم فيه الريف بالهدوء والشعر والفنانين والشعراء الجوالين، كانت مراكز
المدن تنمو باطراد حيث انطلقت صيحة الحرية. صحيح أن العبد كان مرتبطا بالأرض ولكنه
لم يكن يخشى الغد. فحياته لا تكلف أكثر من الغذاء المجاني والكساء الرخيص. فطعامه
وشرابه ميسوران، وتدفئته في أيام الشتاء مجانية، من يباس الشجر. وكان في كل
إقطاعية من الأبقار والأغنام ما يزيد عن حاجة الذين يعيشون فيها. وفي ساعات الفراغ
كان الرجل يعمل في تهيئة أدواته والمرأة تغزل وتخيط الثياب. كان كل شيء بسيطا. كانت دعوات المدن إلى
الحرية براقة تجذب أفواجا من المزارعين، وعلى الأخص في إنكلترا. صارت المدن منارة
الحرية. لكن الحياة فيها فرضت من العبودية ما لم يكن العبد يعانيه في الإقطاعية.
صار في المدينة يشعر أن اليوم يوم. أي إن عليه أن يستيقظ باكرا وأن يلتحق بعمله –
إن كان لديه عمل – أو يبحث عن عمل إن كان عاطلا أو كان قادما جديدا من الريف. ثم
إن عليه أن يستأجر مأوى، فإن لم يجد اضطر أن ينام تحت الجسور والقناطر أو في أرباض
المدن، أو على أرصفة الشوارع. وطفقت أنواع المهلوسات والمخدرات تعرف طريقها إلى هذه
المدن الآخذة بالاتساع والاتساخ. صار اليوم يوما حقيقيا، صار يوما أطول من عام في
الريف وأثقل من رحى الطاحونة على الصدر. كان شعار المرحلة
المركانتيلية: دعه يعمل، دعه يمر. ولم يكن أحد من أبناء الريف والإقطاعيات الذين
نزحوا إلى المدن يعرف ماذا يخبئ هذا الشعار خلفه. وعندما وفد المدينة رأى أن كل من
يعمل يأكل ومن لا يعمل لا يأكل. ولا شك أن الجميع يريدون أن يعملوا حتى يحصلوا على
الطعام والملبس والمسكن، أي على الحد الأدنى من الحياة، ولكن مسألة العمل ليست
بيدهم ولا بإرادتهم. وبهذه الطريقة تشكل جيش احتياطي دائم من العاطلين عن العمل
مما جعل حتى من يعمل لا يحصل على الحد الأدنى للحياة. كل ظروف المدن في هذه
المرحلة هيأت الأوضاع لظهور المفاسد كالدعارة والخمرة والمسكرات والقتل والغيلة
والسرقة والسطو واقتحام البيوت، وصارت بائعات الهوى يمارسن مهنتهن تحت القناطر
والجسور، إذا أردن أن يوفرن ما يترتب عليهم من ضرائب ورسوم اشتراك في المبغى
الرسمي. وتحللت الروابط الأسروية – بل الاجتماعية برمتها – وصار اللهاث وراء الخبز
يزداد بازدياد الاكتظاظ وبضيق فرص العمل. أقفر الريف سريعا
وانتهى عهد البساطة، بل عهد البراءة إذا قيس بعهد البلاء الجديد. إنه عهد تسلل بكل
بطء. كانت الولادة عسيرة ولكنها مؤثرة وخطيرة. كانت هناك صفحة جديدة
من الحياة تخطها المدينة، أما الصفحة القديمة فصارت مقتصرة على بعض الأرباض، وعلى
ذكريات اللوحات الرعوية التي قدمها الشعراء، لا لأنها موجودة أمامهم، بل لأنها
موجودة في حنينهم، وفي التراث الأدبي. وصارت الحياة الجديدة تفرض نفسها على
الشعراء والكتاب. وهذا ما هيأ المناخ لقيام الشعر الحديث في القرن التاسع عشر. بل
إننا نقرأ أحيانا بعض القصائد من شعراء المدينة فنحسبها من الشعر الحديث مع أنها
تسبقه بأربعة قرون. ولو قرأنا القصيدة التالية من دون أن نعرف أنها لفرانسوا فيون،
لقلنا إنها لبودلير. وهي قصيدة تصور كيف يشوه الزمن معالم الجمال الذي كانت تتباهى
به الحسناء:
أين ذلك الجبين الواضح البلوري؟
والحاجبان المقوسان والشعر الذهبي؟
والعينان البراقتان، أين هذا الآن،
أين الأنف الصغير المستقيم الجميل
والأذن الرقيقة البديعة
والذقن الجميلة
أين الشفتان المضمومتان الحمراوان الواضحتان؟
لقد تغضن النهدان وانكمشا
ولم يعد الفخذان فخذين
كلها ذبلت وكذلك العضلات. وقد ظلت نوستالجيا
الحياة البسيطة تربط الشعراء والكتاب، إلا أن الحديث عنها طفق يتضاءل أكثر فأكثر
حتى إذا شارف القرن الثامن عشر على نهايته، فرضت حياة المدينة نفسها على كل شيء.
وأخذت تظهر الرواية الحديثة والقصيدة الحديثة والمسرحية الحديثة. . . كل شيء صار
يتغير ويتبدل ليواجه زمن البلاء الحقيقي. وكان التشرد من أبرز مفردات حياة
المدينة، فأجبر الرومانسة أن تتحول من سرد التجوال إلى سرد التشرد، وما يجلبه من
معاناة مريرة. الحــياة في
المديـــنة
ظهرت أول رومانسة
بيكاريسك في النصف الثاني من القرن السادس عشر، من أمثال رومانسة "لازاريو دي
تورميس". ولكن قبل ذلك بقرن من الزمن تقريبا كانت الحياة البيكاريسكية قد
شاعت تماما في المدن. وربما كانت حياة فرانسوا فيون، صاحب القصيدة السابقة نموذجية
في هذا الصدد. فقد ولد في عام 1431 ولم يعرف أباه، مما جعل قريبا لـه هو غويوم دي
فيون يتكفل بالإنفاق عليه، فمنحه إلى جانب لقبه، المال والمسكن والرعاية وعانى منه
الشيء الكثير، فمنذ دخوله إلى المدرسة وحتى تخرجه في الجامعة (حصل على درجة
الماجستير في الآداب عام 1452) والقس غويوم يلاحقه حرصا عليه إذ كان يهرب من
المدرسة والدراسة ويفر متشردا في الشوارع. وبعد تخرجه جعله يعيش معه في كنيسة سانت
بنوا ثلاث سنوات عساه يخوض غمار العمل والحياة الجادة الرزينة. لكن الإيمان لم
يعرف إلى نفسه سبيلا، بل على النقيض من ذلك، إذ كان رافضا كل تفكير ديني وقد كتب
فيما بعد "العهد الصغير" و "العهد الكبير" ليقدم وصايا تهكمية
مريرة وحادة جدا. ليس هذا فحسب بل إنه سخر من قسيس فاشتبك معه فطعنه القسيس بسكين
حادة أطارت شفته، فرد عليه بطعنة أصابت فخذه وأرسلته بعد أسبوع إلى العالم الذي
نذر نفسه له. فر فيون إلى الريف وظل مشردا من مكان إلى مكان مدة عام تقريبا، مارس
أثناء ذلك السرقة والقصف والعربدة، ففتح الأدراج واستل ما في الجيوب وخلع واجهات
المحلات طلبا للمال. وما يحصل عليه من المال، ولو كان كثيرا، يتبخر بسرعة فلم يكن
الرجل مقترا بل كان يتعشق التبذير. وعندما وقع في غرام
فتاة في ميعة الصبا، شعر أنها تضحك عليه، لأنها تلهو به ريثما يأتيها الزوج
المناسب، فكتب فيها قصيدة وصفها جسديا ونفسيا وصفا هجائيا وسماها "ذات الأنف
الأعوج". وفي ليلة عيد الميلاد
عام 1460 وجد نفسه معدما لا خبز ولا مال، فرسم خطة مع ثلاثة آخرين للسطو على كلية
نافار، وتنجح الخطة وينال نصيبه الكبير من السطو، فينعم بالإنفاق، متشردا شمالا
وجنوبا في الطرقات والشوارع والحانات وبيوت الدعارة مغنيا مصفرا على الدروب، يزوغ
من الشرطة في المدن، ويتمتع بحريته في الريف. ويعلن شارل دوق أورليان عن مسابقة
شعرية يفوز بها فيون فيحصل على المال الوفير والعيش المرفه بصحبة الدوق. لكنه
يتخاصم معه فيهرب ثم يلقى القبض عليه بعد عام من فراره ويودع في السجن ويحكم
بالإعدام. وعندما يعلن الدوق العفو العام يطلق سراحه. وتدفعه الحاجة والفقر إلى
المغامرة بعدة سرقات لم توفر له كمية كبيرة من المال. فظل ينظم غزواته حتى قبض
عليه. وفي السجن يكتب ضد عالم المدينة الذي يعادي الشعراء واللصوص وهم أشرف من
أصحاب المناصب الذين يسرقون من دون أن يسموا لصوصا. وعندما مر الملك لويس الحادي
عشر بأورليان أصدر عفوا عاما، فأطلقوا سراحه، فعاد إلى باريس مفلسا. وهناك ينظم
"الأناشيد" التي تعتبر قمة أشعاره. ويدافع في قصائده عن الرهبان المغنين
والمهرجين والماجنين والمحتالين، في شعر نحسبه لبودلير. وبدا كأنه ثاب إلى رشده
وتاب عن تشرده فعاد إلى متبنيه في الكنيسة وفرحت أمه به متوهمة أنه قد تعقّل وهدأ.
لكن كلية نافار كانت له بالمرصاد فقبض عليه ولم يطلق سراحه حتى تعهد بإعادة المال
المسروق تقسيطا. ولكن بعد أن يطلق سراحه يشتبك مع قسيس آخر ويكون برفقته لصان
آخران محترفان، يطعنان القسيس ويرسلانه أيضا إلى عالمه الآخر الذي نذر نفسه له. ويفاجأ
فيون بالتهمة مع أنه لا علاقة لـه بطعن القسيس المسكين. ويستأنف القضية ويفلح في
إقناع المحكمة أنه بريء من تهمة القتل، فتكتفي المحكمة بنفيه عن المدينة مدة عشر
سنوات. لكن يبدو أنه كان يندم في بعض الأحيان على حياته التي قضاها في التشرد
واللصوصية:
بت حزينا واهيا كالريح وحيدا بلا رفيق
. . .
لو كنت – وا أسفاه – أيام الشباب
واصلت دراستي وزدت حكمتي
وسرت لم أنحرف عن طريق الصواب
لنعمت بالدفء في شيخوختي
ولكن كما يفعل الطير السجين كان فعلي
فررت من معهد الدرس هاربا
وها أنذا إذ أدون فوق القرطاس سيرتي
يوشك قلبي أن يتحطم نادما تائبا. بعد عدة عقود فقط سمع
رابليه سيرة هذا الأستاذ الجامعي اللص المتشرد الشاعر المغامر العاشق الفاشل السجين
المحكوم بالإعدام الساخر النادم الشجاع العميق التفكير، فصاغ شخصية
"بانورج" في رومانسته الفلسفية "غارغانتوا وبنتاغرويل" من هذه
السيرة، فموقف بانورج من الحب والحياة والنساء والمجتمع هو نفسه موقف فيون. وإذا
كان فيون أول متشرد نموذجي في الحياة الواقعية، فإن بانورج هو أول متشرد في
الرومانسة يمكن اعتباره هو الآخر نموذجيا. ومع ذلك لم يقدم لنا الأدب سيرة مثيرة
مثل سيرة السيد فـيون. وقد كتبت رومانسات كثيرة في البكاريسك ولكنها لم تستطع أن
تقدم ما يضاهي بـيكاريسك فـيون الواقــعي. نستنتج من ذلك أن في
المدينة من الأحداث ما يغني الكاتب عن الاستنجاد بالتدخلات الإلهية والسحرية
والاعتماد على أدوات مقحمة على الواقع إقحاما غريبا عن نسيجه وطينته. ومن هنا بدأت
القصة الحديثة تتسرب، أي بدأت مسام الواقع تغني الكاتب إلى درجة أنه صار معنيا
بترتيب الواقع ليرتقي به إلى مستوى الفن، لا باحثا عن أدوات فنية غريبة عن هذا
الواقع. كان الواقع يقدم للكاتب كل مستلزمات الكتابة: الحياة المضطربة في المدينة
التي انتشرفيها البغاء والخمارات الماجنة والقتل والسرقة والسطو. . . ومثل هذه
الحياة لا تمر من دون أن يعرض الكاتب رأيه فيها ونقده لها وسخريته منها وبذلك تكل
بين يديه الصورة الفنية المتوخاة. إن حياة فيون أكبر بكثير من كل الرومانسات التي
جعلت التشرد والشطارة أو الكدية (البيكاريسك) موضوعا لها. إن سـيرة جان جـيـنـيه
في القرن العـشرين تعيد إلى الذاكرة سيرة فيون ولكن في مدينة أشد قسوة وتعقيدا. حــياة لازاريو
في بداية النصف الثاني
من القرن السادس عشر (1554) ظهرت في إسبانيا رومانسة جعلت من التسول والتشرد مادة
لها بدلا من الفروسية وقيمها. وهذه الرومانسة مجهولة المؤلف. ظهرت تحت عنوان
"حياة لازاريو دي تورميس وحظوطه ومحنه". وقد أحدثت دويا هائلا ونافست رومانسات
الفروسية التي كانت غزيرة جدا ومنتشرة جدا ومسيطرة جدا على عقول الناس وخيالهم.
ومع ذلك فإنها لا تفوق سيرة حياة فيون الواقعية إثارة وفنية. يتحدث لازاريو عن حياته
فيروي أنه ابن طحان سجن لأنه كان يسرق من الحبوب ولا يقدم من الطحين الكمية
الموازية، ومات في السجن. أما أمه فكانت تتعاطى الجنس مع سائس عربي يعمل عند أحد
الأغنياء. لكن هذا الغني اتهمه بالسرقة هو وخليلته أم لازاريو، وسجنت المحكمة
الاثنين، فبقي لازاريو وحيدا متشردا حتى وقع بين يدي متسول أعمى يجيد فن التسول
إلى درجة أنه كان يكسب في يوم ما يكسبه غيره في شهر. ويختلف مع هذا المتسول الأعمى
فيقرر أن ينفصل عنه ويعمل لحسابه. ويتمكن من الإفلات منه ويذهب إلى أحد الأديرة
ليعمل خادما عند قسيس لا يختلف عن المتسول الأعمى سوى أنه يعيش من صدقات المؤمنين
لا من عطاءات المحسنين. ولم تكن هذه الصدقات مساوية لعطاءات المحسنين للمتسول
الأعمى، فعاش القسيس حياة بخل وتقتير. وكان يتناول طعامه حتى يشبع، فإن بقي شيء
رماه للازاريو الذي لم تعجبه خدمة هذا القسيس الضنين، فيتركه ويعمل عند نبيل كان
يعتقد أنه ثري كبير لكثرة ثرثرته عن ثروته. لكنه تبيّن أن هذا النبيل الدعي ليس
أكثر من نبيل لفظه العصر وتغيرت من حوله الظروف، فعاش فقيرا بائسا إلا أمام الناس
إذ يدعي أنه ما زال في بحبوحة العيش ووافر الثراء. ويضطر لازاريو إلى التسول حتى
يعيل هذا النبيل. وينتقل من خدمة رجل إلى خدمة آخر. وبعد الكثير من المغامرات
ينتهي إلى العمل دلاّلا. ثم يتزوج من دون تفكير في مواصفات الزوجة، التي كانت
خليلة لقسيس يمنحها بركته اليومية. إذا أجرينا مقارنة بين
القصتين: قصة فيون الحقيقية وقصة لازاريو الأدبية، لرأينا أن قصة فيون أكثر تعقيدا
وإثارة، وأرفع مستوى من حيث أن بطلها ليس ذلك الرجل الأمي أمثال لازاريو. إنه حائز
على رتبة الأستاذية الجامعية، وينظر إلى الأمور نظرة أعمق بكثير من نظرة لازاريو.
صحيح أن ظروف المدينة، أقصد الظروف الجديدة التي حولت البلدة إلى مدينة وجعلتها
مكتظة بالخلق اكتظاظا يفرز أنواعه الخاصة من الرذائل، هي التي ترسم خطوات البطلين،
فيون الحقيقي ولازاريو المصنوع من حبر وورق، ولكن الفارق يظل كبيرا بين خريج
الجامعة وخريج الطاحونة. ومع ذلك نجد مواقف بعيدة الدلالة عند مؤلف لازاريو. فقد
جعله يغض الطرف عن علاقة زوجته بالقسيس صاحب البركات اليومية للزوجين. ولو فعل
المؤلف غير هذا لما كان موقف لازاريو منسجما مع ظروفه القاسية والوضيعة، ولا مع
تجربته الحياتية التي دفعته إلى العبثية، ولا مع شخصيته التي التقطت حكمتها من
سطوح الحياة. ولو كان فيون مكانه لهجا النساء مستوحيا ذلك من علاقة الزوجة
بالقسيس، بل فعل ذلك بعد تجربة عابرة جدا وهي تجربته مع الفتاة التي راحت تتسلى به
ريثما تحصل على الزوج المناسب. ليس غرضنا من هذه
المقارنة إبراز الفارق بين بلاغة الواقع وبلاغة الأدب، بل تأكيد ما قلناه من قبل
إن في المدينة من الأحداث ما يكفي أي كاتب ويغنيه عن اللجوء إلى الكائنات
والمخلوقات الغيبية مثل الآلهة والمسوخ والأقزام ومراهم السحر وكرات التنبؤ
الزجاجية. لقد فرضت حياة المدينة نفسها كما فرضت أدبها فأطاحت – تدريجيا –
بالرومانسة الفروسية وبشقيقتها الرومانسة الرعوية، وهيأت الظروف لنشأة الرواية
الحديثة. وأهم شيء يلفت النظر هو أن شخصية الخوارنة والقسس إما أن تتصرف تصرفا
واقعيا، وإما أن يدعها الكاتب في الصفوف الخلفية لشخصيات الرواية. إن هذا الشيء
استمر منذ القرن الخامس عشر وحتى اليوم. إن بزوغ نجم المدينة غطى بضوئه على كل
الأضواء التي كانت قناديل السماء، من قديسين وعجائبيين، ترسلها إلى سكان هذا
العالم. وهذه النقطة التي أشرنا إليها عند رابليه وعند سرفانتس، والتي حاول سكوت
أن يتعامل معها بطريقته الخاصة، هي أهم نقطة على الإطلاق في الانتقال من الرومانسة
إلى البورليسك والبيكاريسك، وبالتالي إلى الرواية الحديثة. عندما تكتظ المدن
بالخلق المنحدرين من شتى الأماكن، وعندما تتعمق وتتسع هوة التفاوت الطبقي فإن الأشباح
تموت وتظهر شخصيات من لحم ودم، وعندئذ يكثر تدخل الحظ والمصادفة في الحياة، فيظهر
فن البيكاريسك. تكون الظروف قد تهيأت. فكأن ظهور البيكاريسك نوع من الحتمية إلى حد
ما. إن وصول المدن في أوروبا إلى الدرجة التي صورناها من اكتظاظ وتوسع وفقر. . جعل
البيكاريسك تظهر في كثير من البلدان. وخير دليل على ذلك أن المقامات في الأدب
العربي لم تكن لتظهر في العصر العباسي لولا وصول المدن إلى هذه الدرجة من التضخم
والفقر والاكتظاظ. لا يمكن أن تظهر المقامات في العصر الجاهلي، في مكة أو في غيرها
من المدن. ظروف الصحراء خلقت الصعاليك وظروف المدن خلقت المقامات وأبطال الكدية.
ولا حاجة إلى المحاجة القائمة بين النقاد فيما إذا كانت أو لم تكن البيكاريسك
مأخوذة من المقامات العربية. فرواية البيكاريسك نشأت من رحم المدينة ولها خاصيتها
الأوروبية مثلما نشأت المقامات من المدينة العربية في عصر معين، له مواصفاته
وظروفه. إن الطريق واحد فكما تأثر رابليه بشخص واقعي من لحم ودم، عاش وعانى في
المدينة هو فيون، كذلك بنى الهمذاني مقاماته على شخص واقعي، ولكنه معاصر له، وليس
قبله بعقود، هو أبو دلف الخزرجي. ولا نظن أن المحاجة في أن إسبانيا أخرجت لازاريو
لأنها متأثرة بالمقامات العربية تفيد شيئا أو تنتهي إلى نتيجة مقنعة. البيكاريسك
فن عالمي
ترتبط رومانسة
البيكاريسك بالطبقات المعدمة أو الفقيرة، أو بمن لا يتناسب حظه مع كفاءته، أو بمن
ألقي به في معمعة الحياة المدنية من دون أن يمتلك أسلحة الواجهة. وهذا ما يجعلنا
نعرض عن أي مناقشة فيما يخص التأثر والتأثير، مع اعترافنا بوجود ذلك أدبيا. فحتى
لو استفاد فلان من فلان في بيكاريسكه، لما عنى لنا شيئا، ما دام الأبطال جميعا من
أبناء المعدمين والفقراء. فقد نرى بطلا متعلما هنا وبطلا أميا هناك، وبطلا شهما
هنا وبطلا نذلا هناك. . . قد نجد ألوانا من البطولة والأبطال، ولكن ذلك لا يقدم
ولا يؤخر، لأن البطل وإن نشأ من الواقع، فإنه يخضع بعد ذلك لاختيار الكاتب من جهة
ولفن قلمه من جهة أخرى. لكن خلف هذه التنوعات والفوارق – والتباينات أحيانا – يظل
النمط الأولي للبطل الذي ظهر في الطبقات الفقيرة وفي قلب المدينة الصاخب مستمرا في
البيكاريسك روسيا كان أم ألمانيا، فرنسيا أو إسبانيا، إنكليزيا أو إيطاليا. . . سوف نضع جدولا بأهم
رومانسات البيكاريسك في مختلف البلدان الأوروبية حسب تاريخ ظهورها:
استمر إنتاج البيكاريسك
حتى اليوم. ومن أشهر البيكاريسك في القرن العشرين "فيلكس كرول" لتوماس
مان. وستبقى البيكاريسك حية، ما دامت المدن تنتج أبطالها. | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||