من تاريخ الرواية - حنا عبود

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 02:54 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

من البيكاريسك إلى الرواية الحديثة

بين التغير والاستمرارية‏

نعتقد أن كل دراسة نظرية ليست أكثر من تشويه للواقع مهما كانت موضوعية وواقعية. والدليل على ذلك أنه قلما اتفقت دراستان أو أكثر على رصد الواقع بالدقة التي يتعاطاها الواقع. فهذه دراسة تغفل بعض النقاط لاعتقادها بعدم أهميتها، وهذه أخرى ترى فيها العوامل الدافعة والمحركة أكثر من غيرها. إن وجود الاستمرارية في قلب أي تغير يجري في نشاطات المجتمع، هو ما يجعل الدراسات تضطرب في رصد هذا النشاط أو ذاك. لكن إدراك روح العصر بالمعنى الذي يقصده هيغل يخفف قليلا من هذا الاضطراب. فالمهم هو الإمساك بروح العصر إن أمكن، لكن ذلك ليس بالأمر السهل نظرا للأيديولوجيات التي تسيطر على البصيرة والباصرة بحيث يصبح الواقع خادما للنظرة، وليس النظرة خادمة للواقع.‏

أما التغير الذي جرى في فن الرواية فلا أحد قادر أن ينكره، ولكن من باب آخر لا يوجد ذلك الانبتات الحاسم بين مرحلة ومرحلة. وكثيرا ما نسائل أنفسنا مثلا: ما الفرق بين ضياع تسيوس في متاهة كريت عند الملك مينوس وضياع روبنسون كروزو في جزيرة منفردة بعيدة؟ ما الفرق بين خروج تسيوس من المتاهة وخروج كروزو من الجزيرة؟‏

وهناك أمثلة كثيرة. إن ما كتبه ألكسندر كوبرين في روايته "الحفرة" ليس أكثر من تركيز وتوسيع وربط محكم لما كتبه أوفيد في "فن الهوى" عن روما وتلك الأحياء التي اشتهرت بمهنة اللذة. إن "الأغنية الرعوية" لأندريه جيد تشبه إلى حد بعيد رحلة أورفيوس إلى هاديس لإنقاذ زوجته. وكما قضى على كل أمل عندما أبصر النور فالتفت إلى الوراء، كذلك فعلت الصبية الجميلة العمياء عندما أبصرت النور، فقد مدت يدها لتقطف من النهر زهرة طافية جميلة فكانت نهايتها.‏

إننا اليوم – مثلا – نتذكر باستمرار "جزيرة الكنز" لروبرت لويس ستيفنسون لأن الشاشات الصغيرة تكرر عرضها في فترات متقاربة، وبأشكال مختلفة من تصوير عادي وتصوير ملون وأفلام كرتون وما سوى ذلك، مما يجعلها تحجز لنفسها حيزا في الذاكرة. ولكن لو قارنا بينها وبين "الجزة الذهبية" وبين بحارة سفينتها وبحارة سفينة الأرغو وبين مخاطرها ومخاطر سفينة الأرغو لما وجدنا من الفروق سوى الزمن فقط. بل إن النتيجة التي انتهت إليها رؤيا "الجزة الذهبية" بعد الحصول على هذه الجزة تشبه إلى حد بعيد النتيجة التي انتهت إليها رواية "جزيرة الكنز" بعد اكتشاف الكنز.‏

إن "الجزة الذهبية" تتكرر باستمرار ولكن بأشكال مختلفة ومتنوعة طبقا لمعطيات دخلت في قلب شبكة العلاقات الاجتماعية فغيرت وبدلت أشياء كانت ساكنة من قبل. فما الذي يتغير وما الذي يستمر في الرواية؟‏

ما يتغير هو الأدوات الجديدة التي تدخل في الاستخدام فتغير من علاقات التعاطي. فسفينة الأرغو مثلا تختلف عن سفينة ستيفنسون، والأهوال الأسطورية التي واجهتها الأولى تختلف عن الأهوال التي واجهتها الثانية. ولكن ما لا يتغير هو الموقف الأدبي. فإدانة الثروة وإظهار مفاسدها موقف أدبي مستمر لا يفكر كاتب من الكتاب أن يغيره. فكل ثروة يجري الاقتتال عليها تنتهي نهاية سيئة. ليس من الضروري أن تكون هناك سفينة وقراصنة وموانئ وجزيرة كنز محروس أو مدفون حتى نصل إلى هذه النهاية. أي موضوع في هذا الاتجاه لا بد أن ينتهي إلى الموقف ذاته. إن سلسلة الروايات الشعبية التي تحولت إلى أفلام سينمائية "كنوز الملك سليمان" تنتهي إلى الموقف ذاته. إن المتهافت على الكنز يصل إلى الكنز في مغارة في قلب جبل أو بطن واد أو دغل من الأدغال. يدخل المكان فتبرق أمامه القطع الذهبية والماسية وأحجار العقيق والزبرجد والزمرد وكل النفائس الأخرى من الأحجار. وبفرح يجلس بين هذه الكنوز المذهلة. وأخيرا يلتفت هنا وهناك فيرى الهياكل العظمية الكثيرة مبعثرة في سائر أرجاء المكان. وكل هيكل يطبق يديه على كومة من أكوام الكنوز. لا يتعظ، بل يتابع مصرّا على الكنز ويتدبر أمر نقله فيلاقي مصيره إما بلدغة أفعى أو بمخلب حيوان غريب أو يظهر أمامه أسد أو نمر يفترسه، أو ينهار عليه سقف المغارة، أو سقف الهيكل الذي وجد فيه الكنز، أو يقتله شريكه الذي يقتل معه بطريقة أو بأخرى، أو أنه يحمل الكنوز على الدواب ولكن النهر يجرف الحامل والمحمول، أو ينقلها على ظهر طوافة فتطوح بهم العاصفة، أو ينهار الجسر أو غير ذلك من الأدوات التي أتقن الروائيون استخدامها. المهم أن الموقف الأدبي يجب ألا يتغير، سواء في جزيرة الكنز أو الجزة الذهبية أو كنوز الملك سليمان.‏

كل رواية تدور حول هذا الموضوع يجب أن تنتهي النهاية ذاتها. وأحيانا نظن أن هذه الرواية أو تلك تختلف عن مثيلاتها اختلافا تناقضيا، ولكن العمق يؤدي بنا إلى موقف أدبي واحد.‏

عندما عاد أغاممنون حمل كنوز طروادة وأسيرته الجميلة كاسندرا بنت ملك طروادة. في الطريق قالت له كاسندرا بأنه يحمل قاتله معه ونصحته أن يدخل الكنز إلى القصر على دفعات وبطريقة مخالسة خفية وبأزمنة متباعدة، وإلا فإن الموت ينتظره وينتظرها خلف باب القصر. ويستخف بكلامها ولا يصدق نبوءتها، فيعبران بوابة القصر ويلقيان مصرعهما. وهكذا نلاحظ أن حامل الكنز أو حارسه أو مكتشفه سوف يقتل، كأن في الكنز رصدا مشؤوما وكل كنز مرصود. . . هكذا علمنا الأدب.‏

في الظاهر لا رابط بين أسطورة الجزة الذهبية وجزيرة الكنز. ولكن في الأعماق نعثر على موقف أدبي واحد. وهذا ما يشكل الاستمرارية في الرواية وغير الرواية من فنون الأدب. وسوف نتريث قليلا عند الاستمرارية قبل أن ننتقل إلى التغير في الرواية.‏

إعادة إنتاج المواقف الأدبية‏

على أن الأدباء درجوا أحيانا على إعادة معالجة الموضوع القديم بطريقتهم الخاصة لإضاءة بعض الجوانب التي لهم فيها رأي آخر. فما أكثر المسرحيين الذين أعادوا علينا منذ اسخيلوس وحتى توفيق الحكيم موضوع أوديب أو إلكترا أو أنتيغوني أو أندروماك . . . وفي العصور الحديثة أخذت بعض الموضوعات يعاد إنتاجها من قبل الكثير من الكتاب. ترى كم يبلغ عدد الكتاب الذين أعادوا إنتاج فاوست أو دون كيشوت أو دون جوان أو هاملت؟‏

إذا نظرنا إلى الموقف الأدبي فلا شك أن النتيجة النهائية واحدة، فلا يمكن – مثلا – أن يأتي كاتب ويغير الموقف الأدبي من كنوز آغاممنون أو الجزة الذهبية أو جزيرة الكنز. فالثروة ملطخة بالدم. هذه أطروحة مسلم بها في الموقف الأدبي. الثروة التي يأتي بها العمل ليست ثروة، ولا يمكن أن تكون ضخمة. الثروة في الأدب لها مفهومها الخاص ونتائجها الخاصة.‏

ولكن إذا نظرنا إلى متغيرات الرؤيا لاحظنا أن كل إعادة إنتاج عبارة عن إبداع جديد، له هامشه الخاص الذي يتسع أحيانا لدى بعضهم ويضيق أحيانا لدى بعضهم الآخر. وكل انزياح عن النموذج الأصلي هو إبداع قائم بذاته، ولذلك فإن فاوست غوته يختلف عن فاوست مارلو، كما أن فاوست فاليري أو تشيخوف أو توماس مان يختلف عن فاوست غوته وغير غوته.‏

في الرواية كما في غير الرواية، دائما هناك إعادة إنتاج للنموذج الأولي، سواء في الشخصية أو الموضوع أو الأمكنة أو أي شيء آخر يشير إلى "النموذج" الأصلي. فمثلا علاقة الأب بالابن تكررت مئات المرات، وفي كل مرة نلاحظ الكاتب يعدل في النموذج الأولي بما يناسب الظروف العامة والرؤيا الخاصة. فلو قارنا بين الموقف الأدبي في "فيدرا" وهو العشق الآثم وبين الموقف الأدبي في "آنا كارنينا" للمسنا أن تولستوي يعيد إنتاج هذا الموقف على ضوء العلاقات الاجتماعية في المدينة الصاخبة. والعشق الآثم نوع من الخيانة للذات قبل خيانة الآخر. إنه تفتيت للبنية الذاتية، أو على الأقل دليل على عدم تماسك الشخصية، أو ضعفها. إنه خروج على العرف الاجتماعي الذي فيه تتماسك الذات. فلا عجب أن تنتهي المرأة التي تمارس هذا العشق في المجتمع الذكوري إلى الانتحار. لقد انتحرت كارنينا مثلما انتحرت فيدرا، وانتحرت نفيسة في رواية نجيب محفوظ "بداية ونهاية" كما انتحرت كارنينا، وانتحرت بطلة محمد عبد الحليم عبد الله في "شجرة اللبلاب" كما انتحرت نفيسة. إن هذه الموضوعات وأمثالها تتكرر لأن المصالحة بين نزوع الذات وأعراف المجتمع الذكوري لن تتم، بل لم تخف حدتها حتى اليوم في معظم المجتمعات الحديثة، وبالأخص في المجتمعات الشرقية.‏

لو أخذنا أي موضوع أو وجه من أوجه النمط الأولي لوجدنا أن الآثار الروائية تعالجه ذاته من زوايا مختلفة، بحيث نلاحظ العديد، بل الكثير أحيانا، من التعديلات والانزياحات التي يجريها الكتاب. فالبحر مثلا هو الغالب والأقوى في كل أثر يظهر فيه، منذ سفينة الأرغو حتى عودة أوليس وتحطم سفينته، حتى "موبي ديك" لهرمان ملفيل، حتى "الشيخ والبحر" لأرنست همنغواي، حتى "حكاية بحار غريق" لغبرييل غارسيا ماركيز. إن كل مغامرات الأرغو وأوليس والشيخ والبحر تنتهي إلى نتيجة واحدة وهو أنّ البحر يعرف كيف يقول كلمته ومتى يقول كلمته خدمة للكاتب الذي يدير الأحداث لإبراز موقفه. وسواء أكان نبتون هو الذي يثير البحر أم لم يكن، وسواء اعتقد القارئ بذلك أم لم يعتقد، فإن البحر هو البحر، والتعامل معه واحد، سكنت أعماقه الحوريات أم لم تسكن.‏

إن مجال الإبداع عند الروائي هو في أن يعرف كيف يستخدم الأدوات التي تقنع قارئ عصره بما يقول. إن قارئ هذه الأيام لا يقتنع بأن الحورية هي التي سحرت البطل وهبطت به إلى الأعماق. لقد حل الخيال العلمي محل الميثولوجيا القديمة. صار لدى الروائيين خيال مقنع، إن صح التعبير. عندما كان الإيمان بالأرواح والكائنات الخفية المجهولة شائعا، كانت الأدوات الميثولوجية مقنعة. معنى ذلك أن إبداع الكاتب يكون في الانتقال من أدوات قديمة إلى أدوات حديثة.‏

إعادة إنتاج الآثار الأدبية‏

على أن بعض محاولات الكتاب في العصر الحديث أرادت إعادة إنتاج الأثر الأدبي بكامله. فتأخذ الأثر فصلا فصلا ونقطة نقطة وتعيد إنتاجه على ضوء المعطيات الجديدة التي قدمها أو فرضها فرضا عصرنا الحديث. ولا نشك في أنها محاولات إبداعية، بل على درجة كبيرة من الإبداع، فليس سهلا، مثلا، أن تعيد قصة آدم وحواء في هذا العصر الذي ابتعد في كل شيء عن عصر آدم وحواء الميثولوجي. تصور آدم وحواء يعيشان بيننا. كيف يتصرف آدم مع بائع الحليب، وكيف يأكل الهمبرغر ويركب لعبة الصاروخ في دزني لاند. هل تبقى المشاعر كما هي، وإلى أي درجة تتغير، وإذا تغيرت هل تتغير البنية النفسية، وما تأثير ذلك على البيئة والعلاقات الإنسانية. . . باختصار هل يبقى العالم مشروعا للإنجاز أم أنه لم يعد أمام الإنسان أي مشروع؟ تطرح إعادة إنتاج الآثار الأدبية مشكلة فنية، وهي اختبار حقيقة هذه الآثار. هل هي آثار تعبر عن العصر والواقع وتعكس حقيقة العلاقات، أم أنها آثار ابتداعية، أو تأليفية، تتبع أنساقا فكرية وفنية ولا تراعي أي علاقات مع الواقع إلا القليل جدا؟ ما العمق النفسي في هذه الآثار الأدبية القديمة؟ ما الغرض من تأليفها: أهي للتسلية أم للتربية، أم للتعبير عن الذات. . .؟‏

كما أنها تطرح مسائل أخرى مثل التصور القديم للعوالم المجهولة، كتصور هاديس، جحيم الإغريق أوأولمبهم أوحقولهم الإليزية. . . هل هناك رمزية لهذه الأشياء؟ إلام كانوا يرمزون وما غرضهم من ذلك؟ وكيف يمكن لهذه الرموز أن تعيش أو تتفاعل أو توجد في هذا العصر الصاخب؟ هل يمكن إنتاج رموز جديدة؟ هل يمكن استخدام الرموز القديمة بمعانيها واستهدافاتها أم أنها رموز انتهت إلى الأبد مثلما انتهت تصوراتهم الميثولوجية؟‏

إنها مسألة قائمة بذاتها.‏

كنا أشرنا من قبل إلى المحاولات التي سعت إلى إعادة إنتاج المواقف الأدبية وفق احتمالات يطرحها المؤلف أمام الشخصيات، مثل شخوص هاملت ودون كيشوت وفاوست. ولكننا الآن سوف نقف عند محاولتين بارزتين لإعادة إنتاج الآثار الأدبية بكل ما فيها. الأولى قام بها جيمس جويس وسحر العالم بمحاولته هذه التي هي أشبه بمغامرة كبيرة، والثانية قام بها نيكولاس كازانتزاكي.‏

جيمس جويس والأنماط الأولية‏

رواية "أوليس" هي أول رواية مبنية بناء تجريبيا مدروسا. كان جويس تلميذا متحمسا كل الحماسة لعالم النفس كارل غوستاف يونغ. وقد نشر نظريته في الأنماط الأولية بين الأوساط الثقافية وأراد أن يختبرها عمليا فكتب هذه الرواية المشهورة، التي لاقت هي وفاوست اهتماما خاصا عند يونغ الذي لم يكتب في النقد الأدبي إلا عنهما، محللا مستنتجا صدق نظريته. فجويس وغوته أثارا رغبة يونغ للكتابة النقدية، فوجد فيهما روح العصر الحديث.‏

تقوم "أوليس" على أطروحة تجريبية محضة وهي: هل تبقى الأنماط الأولية في شكلها القديم أم أنها تتغير؟ وإذا كانت تتغير فما الذي يغيرها؟‏

اختار جويس ملحمة "الأوديسة" التي تروي مغامرات أوليس المغترب أثناء رحلة العودة إلى إيثاكا، وطنه الذي غاب عنه عشر سنوات، وضل في طريق العودة عشرا مثلها، ليجد كل شيء قد تغير، فأعاد بالتعاون مع ابنه الأمور إلى نصابها وانتقم من أعدائه. وأراد إعادة إنتاجها على ضوء معطيات العصر الحديث الذي لم يعد فيه سيوف ولا بحارة من هذا النوع، العصر الذي تغير كثيرا إلى الدرجة التي تجعل من الكاتب سخرية إذا أصر على عناده وأدخل فارسا قديما إلى الشانزليزيه أو مرفأ دوفر. إن إعادة إنتاج الأوديسة في هذا العصر جعل كل شيء يتغير في هذا النمط. ونكتفي بهذه النقاط:‏

1 – هاديس: يرحل أوليس إلى العالم الآخر هاديس ويستطلع الأخبار ثم يعود. لكن هاديس لا وجود له في هذا العالم وإنما هناك المقابر (الفصل السادس) فعالمنا الآخر هو المقابر، والمدفون فيها لا يعود منها، وأخبار رحلته تبقى معه. وإذا روى أحدنا رحلة أخروية فإنما يروي عن ذاته، عن أحلامه ومنازعه وخوفه وتطيره. . .‏

2 – أيولوس: هو إله الريح الذي ينفخ في الأشرعة أو يدمرها هنا وهناك إذا غضب وثارت ثائرته. وقد رأى جويس أن هذا النمط ما زال موجودا بيننا، ولكنه تجسد اليوم بأشياء مادية هي الصحف ووكالات الأنباء (الفصل السابع) فهي التي تحرك وتدمر وتقتلع الأحياء من جذورها وتخلق التشويس والفوضى.‏

3 – سيلا وخاربيدس: في رحلة أوليس تعبر سفينته مضيقين مشهورين هما سيلا وخاربيدس. سيلا هي فتاة جميلة تحولت إلى وحش يخطف البحارة ويغرقهم. وأما خاربيدس فرجل كان يعشق سيلا فتحول هو الآخر إلى وحش، ومكانه قريب من سيلا،ولكنه لا يغرق البحارة بل يلتهمهم. بالطبع لم يعد هناك في العالم الحديث سيلا وخاربيدس يمكنهما التأثير بالسفن والبحارة، فالسفن وحوش أضخم وأقوى بكثير من سيلا وخاربيدس، والبحارة أيضا لا يظهرون على سطح السفينة مثل بحارة أوليس بل هم في مقصوراتهم أمام مؤشراتهم الإلكترونية. ولكن هناك المكتبة (الفصل التاسع) فالكتب هي التي تقوم بالتهام البحارة وإغراقهم، فكل كتاب يناقض الآخر، وكل كتاب يستهوي القارئ ليترك بصمته عليه، وتكون النتيجة عبارة عن أن الإنسان اليوم هو بحار مشتت، أو مركب من أجزاء زرعتها الكتب فيه، وهذه جريمة فاضحة أخطر من سيلا وخاربيدس.‏

4 – الصخور المتصادمة: تمر سفينة أوليس من صخور تتقاذفها الأمواج. ومع أن أوليس ينتبه بدقة إلى حركتها فإن السفينة تتأذى عندما تعبر هذه المنطقة الصاخبة من البحر.‏

أين اليوم الصخور المتصادمة المؤذية؟ هل هناك صخور مهما كانت متصادمة وكبيرة وسريعة يمكن أن تؤذي بارجة اليوم في البحر؟ الصخور المتصادمة هي "الشوارع"، شوارع دبلن، لأن جويس حصر روايته في إيرلندا، وفي دبلن على وجه التخصيص. إن شوارع دبلن (الفصل العاشر) هي الصخور المتصادمة، وهي مصدر من مصادر الأذية للإنسان الحديث.‏

5 – السيرينات: هن فتيات جميلات ذوات صوت عذب، يسحرن البحارة فيأتون إليهن، وبغنائهن ينمنهم ويقضين عليهم. إن السيرينات – كما نظن اليوم – كائنات خرافية ابتكرها الفكر القديم. وبما أن يونغ لا يؤمن بهذا بل يرى أنّ الأفكار الميثولوجية تعكس واقعا حقيقيا، فقد تحدث جويس عن السيرينات فوجدهن في فندق أرموند، حيث همسات الغواني في الآذان يجعلن الرجال ينقادون لهن ويذعن لأوامرهن (الفصل الحادي عشر) ففي البار تقوم السيرينات بعملهن، ثم ينسللن مع الرجال بعيدا ويغبن عن الأنظار ثم يرجعن إلى البار لاقتناص بحارة جدد.‏

6 – سرسي: هي الساحرة الجميلة التي تحول بحارة أوليس إلى خنازير، وتستبقي أوليس عندها لمتعتها. ويكاد ينسى العودة إلى موطنه إيثاكا، لكنه ينتبه إلى وضعه ويجعلها تعيد الخنازير إلى رجال. أين – في العصر الحديث – يتحول الناس إلى خنازير فينسون كل مجاهدة للترفع والسمو؟ في الماخور (الفصل الخامس عشر) فهناك كل شيء يتبذّل وينحط، فيخف التفكير وتلتهب الغرائز ويتحول الإنسان إلى فم وقضيب، إلى ما يجعله خنزيرا لا يرى الوجود إلا في هذين المخرجين.‏

إذن الأنماط الأولية لا تزول بل تتخذ أشكالا وأشكالا بحسب العصر والمعطيات المادية والروحية. فقديما عبروا عن هذه الأنماط بالميثولوجيا، ولكن الميثولوجيا بشكلها القديم تراجعت في هذه الأيام وحلت محلها الأشياء، مما جعل هذه الأنماط تتجسد بأسلوب آخر وبمنطق آخر، ولكن النتيجة واحدة.‏

هناك أنماط كثيرة عالجها جويس غير تلك التي أوجزناها سابقا. لكن أهم الأنماط التي لا بد من أن نقف عندها هي أوليس وتليماك وبنيلوبي وإيثاكا.‏

أما أوليس فذكي ذكاء مكيدة ودهاء وليس ذكاء حب الخير والعطاء وعندما أدخله جويس إيرلندا في هذا العصر، تكشف له عن رجل يهودي (بلوم) ذكي ذكاء الحيلة لا ذكاء الشهامة. يحب المعرفة ولكن ليس من أجل الآخرين، أو من أجل بناء عالم جمالي يتمتع فيه الإنسان بالفن والمسرح والأدب، بل من أجل نفسه. فبطل هذا العصر هو اليهودي في رأي جويس. وهو لا يقصد أن اليهودية كدين هي التي تمثل بطولة العصر، إنما اليهودية كسلوك. إن "الإله اليهودي" الذي حدثنا عنه يونغ يجد تجسيده في بطل جويس بلوم. فالبشر اليوم يهود سلوكا وإن كانوا يعتنقون أديانا أخرى. انظر إلى هذا أو ذاك أو هذه أو تلك تجد أن المال هو لولب التصرف والسلوك. كيف يحصل على المال؟ لا يهم. المهم أن الحصول على المال هو الحصول على مكانة أي الحصول على دور، وبالحصول على دور نحصل على ما نريد من مال ومن أرض موعودة. فبلوم اليهودي، أو إنسان العصر الحديث، اليهودي بسلوكه، يسعى دائما إلى دور يمكنه من الحصول على المال، وبذلك يمكن تحقيق ما يريد تحقيقه. كل شيء في هذا العصر صار يهوديا. إن الرأسمالية ذاتها ليست أكثر من نزعة يهودية. لكن هذا لا يعني أن الناس لا تدرك ذلك. إن العمل التخريبي للنزعة اليهودية يكاد يكون مكشوفا. جاء في الفصل الثاني: "انتبه لكلامي يا سيد ديدالوس. إنكلترا في قبضة اليهود الآن. في كل مراكز النفوذ: في المالية وفي الجرائد. وهذا يدل على زوال الأمة. لا يجتمعون إلا لهدر طاقة الأمة. . . إن إنكلترا العجوز تحتضر".‏

وعندما يرد عليه ديدالوس يضع النقاط على الحروف فنفهم منه ما المقصود باليهودي واليهودية. جاء في رده: التاجر هو من يشتري بسعر منخفض ويبيع بسعر مرتفع، سواء أكان يهوديا أو كان أميّا (أي من الأمم الأخرى غير اليهود)‏

لكن جويس ليس هومر. إنه يتدخل ويدلي برأيه فيقدم هذه الصورة في الحوار الذي أدلى به ديزي: "كفروا بالنور. فالظلام في عيونهم، لذا هم مشردون في الأرض حتى يومنا هذا. على درجات البورصة في باريس رجال ببشرة ذهبية يحسبون الأسعار على أصابعهم المرصعة بالجواهر. ثرثرتهم مثل ثرثرة الإوز. احتشدوا حول المعبد (معبدهم هو البورصة طبعا) في جلبة فظة ورؤوسهم تزخر بالمؤامرات تحت قبعاتهم الرسمية المعوجة".‏

وينهي هذا الحوار بقوله: يدركون أن حماستهم عبث. صبرهم صبر عقيم للاكتناز والتكديس. سيبعثره الزمان. كنز مكتنز على قارعة الطريق يسلب ويبعثر. عرفت عيونهم سنوات التشرد وحملوا مخازي جنسهم.‏

يرد ديدالوس: ومن لم؟‏

أي من لم يفعل فعلهم. إن العالم يدخل اليهودية بسرعة. ولكن الثروة التي يسعون إليها سوف يبددها الزمن. أين الثروة التي اكتنزها قارون وأين كنوز سليمان وأين أكداس الذهب التي جمعها الرشيد؟ إن كنز آغاممنون جعل كليتمنسترا تقتله مع عشيقها، فكل ثروة سوف يبددها الزمان.‏

وأرض الميعاد التي تكثر الدعايات لها ما هي إلا البحث عن دور من أجل حيازة السلطة والثروة "بساتين للبرتقال وأرض واسعة لزراعة البطيخ الشمام شمال حيفا. تدفع ثمانين ماركا ويزرعون لك فدانا من الأرض زيتونا وبرتقالا ولوزا وليمونا. الزيتون أرخص فالبرتقال يتطلب الري. وتتسلم كل عام عيّنة من المحصول. ويسجل اسمك مدى الحياة مالكا في سجلات الجمعية. ادفع عشرة ماركات والباقي على أقساط" ويعلق على ذلك "ليس كثيرا. ولكن خلف ذلك فكرة" "وإلا ماذا يفعلون بأرض بور وصحارى جرداء وبحيرة البحر الميت البركانية حيث لا سمك ولا أعشاب؟ إنها أرض ترقد الآن ميتة. . . إنها أرض خراب" ولو كان همهم الأرض . . . لوجدوا ما هو أغنى وأفضل. لوجدوا جنات تجري من تحتها الأنهار، لا بحرا ميتا وأرضا يبابا.‏

إن بلوم بطل الرواية ولكنه ليس وحده. إن كل ما في الرواية بطل من أبطالها. والصراع يجري دائما بين الانجراف إلى اليهودية والوقوف في وجهها. ولذلك قال جويس عن قصته إنها قصة يهودية إيرلندية. لأن إيرلندا هي الوحيدة التي لم تضطهد اليهود، لسبب بسيط وهو أنها حرمت دخول اليهود إليها. إن بطولة أوليس جيمس جويس مسندة إلى العالم المتجه إلى اليهودية.‏

أما تليماك فلم يعد له وجود في العالم الحديث. لا يوجد ابن يبحث عن أبيه إلا إذا كان هذا الأب يحمل ثروة أو سلطة. لقد ماتت الروابط العائلية وانتهت. وتليماك المخلص لأبيه لا وجود له. حل ديدالوس محله. وديدالوس لا تهمه الروابط العائلية ولا غير العائلية. همه المعرفة واستغلال هذه المعرفة. إنه مثقف يهودي يريد الخلاص من آثام هذا العالم المتجه إلى الانهيار. المعرفة وحدها تمكن البشر من القضاء على دوافع الهاوية.ومع ذلك فإن العالم يفرض وجوده عليه ويحركه بالرغم من إرادته التي صنعتها الثقافة وصلّبتها المعرفة الدقيقة بأنواع العلوم.‏

ألم يكن لبلوم ولد؟ بلى ولكنه مات. وعندما نقرأ في الرواية، أي رواية، أن ابن فلان مات طفلا، فإن هذا الكلام ليس عبثا. إن له دلالته. إنه يعني أن الروابط العائلية قد انهارت. إن حذف هذه الجملة وحدها يخلخل الرواية ويجعل أشياء كثيرة تقبع في الضبابية والظلمة. إن موت ابن بلوم يعني الكثير، وهو مفصل من مفاصل الرواية. إن العصر هو الذي يتحكم فينا، على النقيض مما يصوره لنا غرورنا بأننا نصنع العالم. إننا ندمر العالم منساقين وراء روح العصر، أي اليهودية. إن كل محاولات ديدالوس لإنقاذ العالم عن طريق الثقافة تبدو فاشلة، ومع ذلك فإن الزمن كفيل بإقناع الناس بأن اليهودية طريق مسدود.‏

أما بنيلوبي المتأبية على عشاقها، والمنتظرة عودة زوجها أوليس، فأيضا لا محل لها في هذا العالم الذي تحللت عرى الأسرة فيه. إن مولي زوجة بلوم تختلف كل الاختلاف عن بنيلوبي. وما الفرق بين الزوج والعاشق؟ لا شيء سوى أن العاشق (الزبون) يدفع لها المال ويجلب لها الهدايا. وهذا الفرق هو الذي يجعل مولي أشبه بالأرض تنبت ما يزرع فيها، ولا أهمية للزارع بالنسبة إليها. وظيفتها أن تتلقى البذار، شريطة أن تحقق رغباتها. وهكذا نجد أن رواية جويس لم يكتبها جويس بل كتبها عصر جويس، العصر الذي أعلن انتصار اليهودية (براغماتيا لا دينيا) في العالم كله تقريبا. فكل شيء صار يقاس بالمال. المال مفتاح كل شيء. يكفي أنه مفتاح السلطة. إنه الوحيد الذي يؤمن لك دورا تقوم به. ولذلك فإن بحث اليهودي عن الأرض الموعودة ليس إلا خدعة "ولكن خلف ذلك فكرة" تخفي المأرب الحقيقي وهو أنهم يبحثون عن دور وليس عن أرض، فهناك أراض عرضت عليهم في كاليفورنيا وإفريقيا أغنى بعشرات الأضعاف من هذه الأرض التي رنوا إليها. إن جويس وصل بنا إلى أعماق لغة عصره. لقد وصل إلى أعماق الوعي الجمعي الذي أسهب يونغ في شرحه. كان جويس تلميذا نجيبا ليونغ.‏

أما إيثاكا فلم تعد وطنا، فليس للإنسان وطن. تحولت إيثاكا إلى منزل في العصر الحديث. بلى. إلى منزل ولكن ليس إلى أسرة أو عائلة. قد تكون أو لا تكون فيه زوجة مثل الغدير يمنح ماءه لكل من ينشده. وقد يكون أو لا يكون فيه أطفال وأولاد. لكنه وحده الذي بقي للإنسان. إنه المأوى، وليس الجنة الموعودة، لا ولا الوطن الذي يشعر فيه المواطن بالدعة والراحة والفخر والكرامة. كل شيء صار ذاتيا وفرديا. انتهى الوطن وبقي المنزل، لأن الوطن علاقة بين "الجميع" والمنزل مكان راحة الفرد. والعالم في هذه الأيام يميل إلى الـفردية المـطلقة. وما أسس له جويس تـنامى في هذه الأيام إلى أن وصل إلى عصر الـعولمة الذي لا يعترف بوطن ولا بهوية... لم يبق سوى المنزل.‏

هكذا إذن تدخل الأوديسة العصر الحديث فإذا بطلها أوليس يتحول إلى مندوب إعلانات ودعايات هو ليوبولد بلوم، وإذا قيم الشهامة الإخلاص والشجاعة والأدب والفروسية تذوب في ظل وهج الثروة والسلطة. إنه العصر اليهودي، عصر عجل الذهب المعبود. والرواية هي يهودية صرف ولا حاجة أن نضيف صفة الإيرلندية إليها، كما قال جويس بأنها رواية يهودية إيرلندية. ترى لو قام كاتب آخر بما قام به جويس، ألا ينتهي إلى ما انتهى إليه؟ ماذا لو أراد إعادة إنتاج الإلياذة؟ ألا يجد جيوشا في العصر الحديث تتقاطر لتتجمع وتتفق على إسقاط أسوار طروادة والاستيلاء على ثروتها؟ سيجد كل ذلك في أفغانستان وإيران والخليج وسيراليون. . . في كل مكان تقريبا. وسيجد أن الحجة واحدة وهي الدفاع عن حقوق الإنسان. ولكنه لا يستطيع اليوم أن يحارب بأساطيل الأمس وأسلحتهم البالية. إن النمط الأولي يستمر ولكن بطريقة مختلفة.‏

أعجب عزرا باوند بهذه الرواية المدهشة، وتحمس لها لأنها تجد هوى في نفسه، فقد نذر جهوده لمساعدة الدوتشي موسوليني ورأى فيه منقذا للعالم من روح اليهودية الكاسحة. وراح يلعلع في الإذاعات الإيطالية داعيا إلى زعيمه المفدى الدوتشي في محاولة للجم العالم من الانهيار في هوة الروح اليهودية. ولكن بعد دخول الأمريكان إلى أوروبا أمسكوا برقبته واتهموه بالجنون لأنه ضد "اليهودية" وحبسوه أربعة عشر عاما حسوما، عاد بعدها إلى البندقية ليتابع نشاطه ضد الروح اليهودية التي تسيطر على البشر وتدفعهم إلى مصير غير لائق. كان داعية نشيطا لجيمس جويس وليونغ أيضا ويعود إليه فضل كبير في إشاعة هذه الرواية وتفسيرها. لكنه دفع الثمن غاليا لقاء وقوفه ضد اليهودية، لا عند اليهود فقط، بل عند المسيحيين وغير المسيحيين أيضا. وكان يرى في أبناء دينه من المسيحيين نزعة يهودية أقوى مما هي عند اليهود في بعض الأحيان. ولهذا عاف التمسك بالمسيحية وفتح عقله للأفكار الصينية والطاو، من أجل ترتيب هذا العالم بلطف ومودة ورحمة.‏

كل المعسكر الأدبي اتخذ موقف عزرا باوند من "أوليس" فليس في العالم غير مشروعين: المشروع المادي ذي الروح اليهودية، والمشروع الأدبي ذي النزعة الفنية. ولهذا كثرت شهادات التقدير لهذه الرواية التي أمسكت بروح العصر حسب المفهوم الهيغلي الشهير.‏

كازانتزاكي يعيد إنتاج (الآلام)‏

نجح جويس في إقناعنا أما كازنتزاكي فقد نجح في إمتاعنا. أراد أن يعيد إنتاج المسيح بظروفه القديمة، بحوارييه ومخاصميه وصالبيه، فلم يجد طريقة يدخله في العصر الحديث سوى أن يختار بيئة زراعية متخلفة فيها الحطابون والحصادون والرعاة. . . في روايته "المسيح يصلب من جديد". بدأت الرواية أول الأمر باقتراح الخوري، خوري الضيعة أو البلدة، إقامة احتفال خاص بعيد الفصح وذلك بتقديم مسرحية "الآلام" كما كانت العادة تجري في العصور الوسطى. واحتاروا فيما اختاروا: هل يختارون تجربة إبليس للمسيح في الجبل أم يختارون مثوله أمام بيلاطس البنطي؟ ولما تعب القوم من الاختيار رأوا أن يمثلوا حياة المسيح من أولها إلى آخرها. وراحوا يختارون الشخصيات: المسيح وبطرس ويوحنا ومريم العذراء ومريم المجدلية ويهوذا الإسخريوطي، وغيرهم. وتبدأ المشكلة لا من اختيار حياة المسيح بكاملها وإنما من اختيار الشخصيات، فقد اختاروا أحد الرعاة ليمثل شخصية المسيح، واختاروا رجلا ذهبي الشعر واللحية ليمثل يهوذا الإسخريوطي واختاروا امرأة في القرية سهلة الانقياد لا تغلق في وجه زائر باب بيتها إلا إذا كان أحدهم يفترعها في عتمة الليل أو أحيانا في رائعة النهار. إنها تشبه مولي زوجة ليوبولد بلوم. . . وهكذا بقية الشخصيات المختارة.‏

كان كازانتزاكي بارعا إلى أبعد حد عندما تركنا نتساءل: هل اختاروا الشخصيات التي تتناسب مع الأدوار أم أن الشخصيات بعد الاختيار هي التي كانت تسعى إلى تمثيل دورها، لا على المسرح، بل في الحياة الواقعية. فصاحب اللحية الشقراء الذهبية رفض رفضا قاطعا أن يمثل دور يهوذا، ولا يريد هو أن يكون الخائن لرجل بريء يسلمه لخصومه. ونعتقد أول الأمر أن هذا الرجل يملك في أعماقه روحا أخرى غير روح يهوذا. ولــكن الصبـية يصيحون به كلما رأوه: يهوذا، يـهوذا خائن المسيح، ويطاردهم ويضرب من تصل يده إليه.‏

يأخذ الكاتب بيدنا من خلال أحداث واقعية بعيدة عن التمثيل إلى الموقع الذي يشغله هذا الشخص، فإذا هو يشبه يهوذا لا بلحيته ولون شعره الذهبي فقط، بل في تصرفاته وسلوكه وأخلاقه الشكسة أيضا.‏

وبعدما أسندوا دور المجدلية إلى إحدى نساء القرية المشهورة بليونتها أمام الرجال، انتهت حياتها بالتوبة مثلما انتهت حياة المجدلية في الإنجيل.‏

هنا يلتقي كازانتزاكي بجويس. فاليهودي عند جويس صار يهوديا لأنه كان يبحث عن هذا الدور. ويهوذا – أو غيره من شخصيات الرواية – صار يهوذا بعد أن أسندوا إليه الدور وعاملوه كما لو كان يهوذا فعلا. فالدور عند جويس ينبثق من داخل المرء، وعند كازانتزاكي ينفذ إلى أعماقه من الخارج. فلكل إنسان دور: إما أن يختاره هو وإما أن يختاره لـه الآخرون. والنتيجة واحدة. فالعقيدة المستسرة في عمق الإنسان هي التي توجهه فيكون أسيرا لهذا الدور الذي تحدده العقيدة. ليس هناك "عوامل" في حياة الإنسان. العوامل مصادفات عابرة. هناك دور. وبحسب الدور الذي ينذر نفسه له تكون تصرفاته. ما العوامل التي أجبرت المجدلية على التوبة؟ لا عوامل ولا غير عوامل، بل شعورها بدورها. قالوا لها كوني مجدلية فكانت. وتابت لأن دورها يقتضي ذلك. وهذه أمور تتكرر كثيرا في الفن الروائي، فمعظم المجدليات تنتهي حياتهن بالتوبة والتضحية بكل شيء من أجل من يحببن. كل الشخصيات في رواية "المسيح يصلب من جديد" تعيد إنتاج الرواية الإنجيلية عن المسيح والشخصيات التي تدور في فلكه سلبا أو إيجابا. ليس من الضروري أن يدرك الإنسان الدور. ومع ذلك يقوم به. وفي كل يوم نعثر على تلك الأنماط القديمة في حياتنا أو على بعضها. فهذا يحب الأذية فيعمل مخبرا، وتلك تبيع جسدها لتنقذ أسرتها ثم تتوب وتتكرس للتقوى. وذاك يشبه بطرس في حدته وعنفه أو يوحنا في ليونته ومحبته. كيف؟ كيف تجري الأمور في هذا العالم المضطرب المجهول الذي نزعم أننا نعرفه جيدا؟‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244