|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 03:15 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
تـمـهـيـد كانت أحداث الماضي دائماً مادة غنية للأدب شعراً وقصة ومسرحاً . فالإنسان يحب أن يسمع الحكايات التي يعرفها ، وأن يرى - بعين الخيال أو بعين التشخيص - أشخاصاً رسخوا في ذاكرته بالهالة التي صنعها لهم ، حقيقيةً كانت هذه الهالة أم متوَهمة . وكلما أوغلت أحداثُ الماضي في القِدَم كانت أغلى على القلب وأشحذَ للخيال وألذَّ في المتعة . وكلما عنُفت أحداث الماضي ولاقت شخصياتها الأهوال وقامت بالمغامرات كانت أفتنَ وأشدَّ إثارة . فإن الأهوال والمغامرات لا يتلقاها الإنسان إلا إذا كان يصارع خصماً عنيداً أو مصاعبَ ضخمة . وفي هذا الصراع بين البطل وخصومه تنهض المتعة واللذة. لكن الإنسان سوف يكف عن الاهتمام بالحكايات القديمة مهما بلغت من المتعة والإثارة إذا لم يكن فيها ( حكمة ) مستخلصَة من حقائق الحياة و(عبرة ) يرتقي الإنسان حين يتمثلها ويهتدي بها في حياته . وبسبب تعلق الإنسان بحكايات التاريخ القديم ، أقبل المبدعون صُنّاعُ الأدب على النهل منها . وقد وجدوا الطريق لاحبة في تناولها . فهي تقدم إليهم الموضوع جاهزاً ناجزاً ، والأبطالَ موصوفين معروفين . وتقدم إليهم الحكمة والعبرة في تضاعيف السرد التاريخي . فيحققون بهما غاية ما يُبدعون . ولا يبقى عليهم بعد ذلك إلا أن يوشِّحوا ما أخذوه بتزيينات الخيال . وكلما كان خيالهم أشدَّ سطوة على المعروف المحكيّ ، كان ما يبدعونه أجمل وأدخل إلى النفوس . ومن هنا اعتمد المسرح منذ بداياته الأولى على أحداث الماضي ومايزال . ومن هنا اعتمد المسرح العربي منذ نشأته على أحداث الماضي وسوف يظل على هذا الاعتماد . فشق لنفسه طريق الوصول إلى قلوب وعقول مستمعيه . وإذا كانت أحداث الماضي تشمل الأساطير والقصص المؤلفة والسيرة الشعبية إضافة إلى التاريخ ، فقد استقى المسرح العربي منها جميعاً . وكان دائماً يستخلص منها الحكمة والعبرة فينساب إلى تلك القلوب وهاتيك العقول . وفي هذا البحث سوف نقف عند المادة التاريخية وحدها من بين أحداث الماضي التي اعتمد عليها المسرح العربي . وعلى الرغم من أن الفصل في المسرحية الواحدة بين ما هو ( تاريخي ) وبين ما هو ( قصصي ) ليس مستطاعاً دائماً ، فإن مقياس التفريق بينهما هو أن يكون الحدث الرئيسي أو الشخصية المحورية مما يدخل في باب ( التاريخي ) . ونقصد بالتاريخي الأحداثَ المعروفة التي دونها المؤرخون بما يعتبرونه توثيقاً لها لجعلها حقيقة تاريخية . أولا: خصائص المادة التاريخية في المسرح العربي إذا كان التاريخ موضوعاً للمسرح عند جميع الأمم ، فإن تناول هذا الموضوع عند كل أمة منها كانت له خصائصُه النابعةُ من وظيفة المسرح لدى كتابها حسب مراحل تطورها وظروفها وموقعها من التاريخ البشري العام ودورها فيه . وكان لاستخدام التاريخ عند الكتاب العرب خصائصُه ومظاهرُه الخاصةُ بالعرب وحدهم بسبب الظرف التاريخي الذي نشأ فيه المسرح العربي من ناحية ، وبسبب الغايات والأهداف التي قصد إليها الكتاب العرب منذ نشأته حتى اليوم من ناحية ثانية . ويمكن تلخيص هذه الخصائص أو المظاهر بالنقاط التالية : 1 - إن التاريخ العربي متصل الحلقات مكتوبٌ كلُّه باللغة العربية التي لم تندثر ولم تتغير قواعدها . وهو في الوقت نفسه تاريخ الإسلام الذي تدين به الأكثرية الساحقة للعرب . ولذلك اعتبره العرب جميعاً تاريخهم . ويُبنى على ذلك أن كل ما وقع من أحداث تاريخية منذ الفترة التي سبقت الإسلام بمائة وخمسين عاماً حتى اليوم ، هو التاريخ المقروء المتداول لجميع الأقطار العربية. وكل حادثة وقعت في أية منطقة في أي عصر تخص كلَّ واحد من أبناء العربية وتمسه مساً مباشراً حياً . وسواء وقعت الحادثة في سقيفة بني ساعدة في المدينة المنورة أم في فتوح الإسلام شرقاً وغرباً أم على شواطئ مصر وبلاد الشام في الحروب الصليبية أم في أبعد نقطة على الشاطئ المغربي ، فهي التاريخ الشخصي لكل واحد من العرب أجمعين . وكل واحد منهم يتأثر بها بالدرجة نفسها . وتُثار مشاعرُه بالقوة ذاتها . و إن العلاقة بين الحدث التاريخي وبين الإنسان العربي لا تكون متينة في الأحداث الكبيرة فحسب ، بل نجدها أيضاً في الأحداث الصغيرة التي تبدو كأنها تخص بلداً دون بلد . فحادثة دنشواي في مصر وثورة عمر المختار في ليبيا وثورة عبد الكريم الخطابي في المغرب وثورة ابن باديس في الجزائر وضرب الفرنسيين لدمشق ، تحظى بهذا الشعور الجمعي العربي وتخص كل واحد من العرب مهما تناءت بلده عن بلد الحدث التاريخي . فمايزال العرب يرددون قول أحمد شوقي في رثاء عمر المختار : ركزوا رفاتك في الرمال لواء يستنهض الوادي صباح مساء يا ويحهم نصبوا مناراً من دم يوحي إلى جيل الغد البغضـاء ويرون في هذه القصيدة وأمثالها جزءاً من ديوانهم العام ومن تراثهم . وفي الوقت نفسه نجد أن لكل بلد عربي تاريخه الخاص به قبل الإسلام. كتاريخ الفراعنة في مصر . وتاريخ البابليين والأشوريين والآراميين في العراق وبلاد الشام . لكن اندماج العرب جميعاً في التاريخ الإسلامي جعل الحقبات التاريخية قبل الإسلام تاريخاً للعرب جميعاً . فكأن التوحد التاريخي بعد الإسلام صار توحيداً تاريخياً قبل الإسلام . إن ما سبق يعني أن الكاتب المسرحي العربي وجد أمامه فسحة زمانية ومكانية في انتقاء ما يشاء من أحداث تاريخية . وأيُّ حدث تاريخي يدور موضوع مسرحيته حوله سوف يتلقاه المتفرج العربي باعتباره جزءاً من تاريخه. وسوف يكون لـه التأثير البليغ في نفسه . وليس مثال ( مصرع كليوباترة ) لأحمد شوقي بعيداً عن الأذهان . فما من بلد عربي إلا قدم المسرحية مرات ومرات . 2- طوال مدة القرن ونصف القرن التي هي عمر المسرح العربي كانت الأقطار العربية تعيش حالة واحدة . فحين ولادته وأثناء نشوئه وامتداده ، كانت الأقطار العربية تحت السيطرة العثمانية . فلما انزاحت هذه السيطرة جاء الاستعمار الغربي . ثم بدأ الاستقلال عنه منذ منتصف القرن العشرين . ومع أن كل قطر عربي كان له واقعه الخاص به ومشاكله النابعة من هذا الواقع ، فإن الطموح نحوالاستقلال كان واحداً . وكانت هذه الفترة هي ما اصطلحنا على تسميته ( عصر النهضة العربية ) . وقد واجه المسرح العربي همومَ التحرر وهمومَ النهضة معاً . وهذا يعني أن الاتجاهات الرئيسية للمسرح العربي عموماً وللمسرحية التاريخية خصوصاً ، كانت واحدة رغم امتداد العرب على جزئين كبيرين من قارتين . وإذا كانت المسرحية الواقعية تمس ما هو خاص بكل قطر عربي ، فقد التفتت المسرحية التاريخية إلى ما هو عام في الوطن العربي . وتولَّد عن ذلك أن المسرحية التاريخية التي ولدت في ظل العثمانيين ثم ترعرعت في ظل الاستعمار ثم في ظل الاستقلال ، كانت تمس المواطن العربي كائناً ما كان القطر الذي ينتمي إليه . وإذا كانت مسرحيات كل مرحلة تؤكد فكرة ما ، فإن هذه الفكرة كانت الهمَّ السائد للعرب جميعاً في تلك الفترة . ومن هنا ندرك لماذا أمكن تقديم المسرحيات التاريخية في العديد من الأقطار العربية في حين لم تستطع المسرحيات الواقعية أن تتجاوز أقطارها إلى غيرها إلا بصعوبة وبعد كثير من التعديل والإعداد . ودليل ذلك أن مسرحيات أحمد شوقي التاريخية عرضت على خشبات المسارح العربية في حين لم تتجاوز مسرحيته ( الست هدى ) حدود مصر . ودليل ذلك أيضاً أن ( عسكر وحرامية ) لألفريد فرج لم تكد تتجاوز حدود مصر في حين قدمت مسرحيته ( الزير سالم ) في عدد كبير من الأقطار العربية . ودليل ذلك أيضاً ( مأساة الحلاج ) لصلاح عبد الصبور و( كيف تركت السيف ) لممدوح عدوان و ( مغامرة رأس المملوك جابر ) لسعد الله ونوس . فقد ساحت هذه المسرحيات ، وأمثالها ، في البلدان العربية مرة بعد مرة . 3 - تمت ولادة المسرح العربي - وهو فن جديد طارئ لا جذور له في الحياة الثقافية والاجتماعية العربية القديمة - بين منتصف القرن التاسع عشر ونهايته . وكانت هذه الولادة تعاني في جميع الأقطار العربية من مشاكل واحدة . فالمسرح الناشئ كان يقابَل بالتثبيط لأنه فسق وفجور أكثرَ مما يُتَلقّى بالترحيب لأنه وجه حضاري . وفي الوقت نفسه كان المسرحيون العرب يتعلمون أصول هذا الفن من أوروبا ويتأثرون بتيارات ومذاهب المسرح الأجنبي . وهكذا كان المسرحيون يخوضون معركة مزدوجة . فهم يسعون إلى تثبيت وجود المسرح لتحويله من فن طارئ متهم إلى فن مقيم له أصالته في الحياة الثقافية والاجتماعية العربية . ويسعون في الوقت نفسه إلى تطوير أدواتهم الفنية . وقد كانت هذه المعركة من أعنف معارك عصر النهضة . وقد تصدى لها المسرحيون والمفكرون معاً . فأبو خليل القباني الذي اكتوى بنار الاتهامات وهو يثبِّت هذا الفن يصف عنف الهجوم من ناحية ويبين قيمته من ناحية ثانية . فيقول تلميذه الوفي كامل الخلعي وصفاً للعنف : ( ذلك أن بعضاً من مشايخ الشام قدموا تقريراً إلى دار خلافة الإسلام قالوا فيه ما معناه " إن وجود التمثيل في البلاد السورية مما تعافه النفوس الأبية . وتراه على الناس خطباً جليلاً ورزءاً ثقيلاً . لاستلزامه وجود القيان ينشدن البديع من الألحان . بأصوات توقظ أعين اللذات في أفئدة من حضر من الفتيان والفتيات . فيمثل على مرأى من الناظرين ومسمع من المتفرجين أحوالَ العشاق وما يجدونه من اللذة في طيب الوصل بعد الفراق . فتطبع في الذهن سطور الصبابة والجنون ، وتميل بالنفس إلى أنواع الغرام والشجون . والتشبه بأهل الخلاعة والمجون . فكم بسببه قامت حرب الغيرة بين العواذل والعشاق . وسفك الدماء البريئة وأراق . وكم سلب قلب عابد . وفتن عقل ناسك وحَلَّ عقد زاهد) . ورداً على هذا الهجوم العنيف المرفوع شكوى مرةً إلى أعلى منصب في الدولة العثمانية يقول القباني دفاعاً عن مسرحه الجديد ( التمثيل جلاء البصائر ومرآة الغابر . ظاهره ترجمة أحوال وسير . وباطنه مواعظ وعبر . فيه من الحكم البالغة والآيات الدامغة ما يطلق اللسان ويشجع الجبان ويصفي الأذهان ويرغب في اكتساب الفضيلة ويفتح للبليد باب الحيلة . ويرفع لواء الهمم ويحركها إلى مسابقة الأمم )"(1)". ويقول عنه مارون نقاش ( بهذه المراسح تنكشف عيوب البشر . فيعتبر النبيه ويكون منها على حذر . وعدا اكتساب الناس منها التأديب ورشفهم رضاب النصايح والتمدن والتهذيب ، فإنهم بالوقت ذاته يتعلمون ألفاظاً فصيحة ويغتنمون معاني رجيحة )" (2) ". وسوف يظل المسرحيون حتى اليوم يدافعون عن ضرورة وجود المسرح . وذلك بقيامهم بعبء تقديم الدراسات عنه. والشيخ رفاعة الطهطاوي يكتب عن المسرح في فرنسا مرغِّباً بوجوده في مصر . والشيخ علي مبارك يقول عن المسرح ( له تأثير عظيم في عقول الشبان من الرجال والنساء . فيكشف لهم عن حقائق الأمور فيتحرزون من الوقوع في شباك الغي ومهاوي الغرور . وأقل فضائله الكشف عن العيوب والمساوئ وتمييزها من الفضائل والمحاسن . وهو بتحقيره للأولى وتزيينها وتعظيمه للثانية وتشريفها يحملنا ، لا محالة ، على توجيه أنظارنا وازدياد ميلنا للحسن الممدوح وإعراضنا وازدياد نفرتنا عن السيء المذموم )" (3) ". ومحمد كرد علي يدافع عن المسرح مع أنه ليس له سابقة في تاريخ الإسلام فيقول عنه ( للتمثيل يدٌ في تربية الملكات وترقيق الشعور والإحساس . يعده الغربيون من العوامل في إنهاض الأمم ، ويعده العامة من المسليات وما هو إلا أمثولات . ويعده فريقٌ هزلاً وما هو إلا عين الجد )" (4) ". في هذه المعركة المزدوجة كانت المسرحية التاريخية السلاحَ الأقوى والأمضى . فهي تتقدم إلى الناس بما يعرفونه من الأحداث التاريخية وبما يعتبرونه النماذج العليا من العزة والشموخ ، وبما يفتخرون به من الشخصيات التاريخية الفذة . فمن منا لا يُستثار بصلاح الدين الأيوبي وخالد بن الوليد وطارق بن زياد وصقر قريش وعنترة ؟ وقد كان ذلك مدخلاً صحيحاً وجميلاً إلى القلوب والعقول . فالحكاية التاريخية الجليلة تُكذِّب صفة الفسق والفجور التي هي أوجع ما يمكن أن يُتهم به عربي . وما فيها من بطولة وشهامة وكرم ودفاع عن الشرف ، وهي صفات يعتز بها العربي ، تؤكد فضيلة المسرحي الذي يقدمها . وإذا كانت المسرحية التاريخية تقدم الحصانة الاجتماعية والأخلاقية للمسرح وتنفض عنه الاتهامات ، فقد كانت أيضاً طريق الكتاب للوصول إلى تأصيل مسرحهم وذلك بأن يطوروا أدواتهم الفنية حتى تستحوذ على لب المتفرج . 4 - أدرك المسرحيون العرب ، وهم يتناولون التاريخ ، أنهم ليسوا مؤرخين وإن اعتمدوا الحدث التاريخي مادة لمسرحياتهم . فكانوا يغيرون في سير الأحداث ونهج الشخصيات . يدفعهم إلى ذلك أمران : أولهما أن بناء القصة التاريخية يختلف عن بناء كتابة التاريخ . فالأول قوامه الخيال والثاني قوامه الحقائق . وإذا كان المؤرخ ملزماً بالحقائق فإن الأديب ملزم بالمحاكاة . والمحاكاة لا تطابق الواقع بل تطابق صورة الواقع التي يبنيها التخيل والتخييل . وثانيهما أن المسرحية التاريخية لم تكن غايتها الوقوف عند الماضي بل التغلغل في أسرار الحاضر . وسلاحه في ذلك كما يقول علي أحمد باكثير أن (يختار من المادة التي يجبل منها موضوعه ، العناصر التي يراها ذات دلالة.ويطرح ما ليس كذلك . سواء أكانت هذه المادة من التاريخ أو من الحياة المعاصرة )" (5) " . وقد حاول بعض النقاد أن يتتبعوا ( أخطاء ) الكتاب المسرحيين في سرد التاريخ ، وأن يردعوهم عن ارتكاب هذه الأخطاء . لكن كتاب المسرحية التاريخية كانوا ملزمين بارتكاب الأخطاء . وما أجمل ما فعلوه . ويتفاوت الكتاب المسرحيون في مدى خروجهم عن الحقائق التاريخية . لكن ما يلفت النظر أن تقيدهم بالمادة التاريخية كان يتناقص مع مرور الزمن وتمكنهم من بناء الدراما . ففي حين نجدهم في القرن التاسع عشر وأول القرن العشرين أقرب إلى الالتزام بالتاريخ ، نجدهم منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى أقرب إلى الخروج عن هذا الالتزام . ثم أخذوا بعد منتصف القرن العشرين يُكثرون من اختراع الأحداث والأشخاص . ثم أخذوا في المرحلة الأخيرة يقلبون الحقائق التاريخية ويعرضونها بشكل مناقض أو مغاير لما كانت عليه . وقد ترافق الخروج على التزام الحقائق التاريخية مع نمو قدراتهم الفنية ومهاراتهم في كتابة الدراما . فعندما كانت المسرحية التاريخية ( عظة ) للناس كان الالتزام أكثر . فلما صارت ( فناً ) قل الالتزام به . ولما ( ارتقى الفن ) حدث الخروج عن التاريخ . وهكذا ، فإن مراجعتنا للمسرحية التاريخية من هذا المنظور يكشف لنا مسيرة تطور الفن المسرحي عند الكتاب العرب . ويمكن القول - بكثير من الاطمئنان - إن دراسة تطور المسرحية التاريخية تعطينا المفتاح لدراسة تطور فن الدراما عند العرب . 5 - منذ نشأة المسرح العربي حتى اليوم يعاني الكتاب المسرحيون من مشكلة العامية والفصحى لغةً للمسرح . ومنشأ هذه المشكلة يعود إلى البون الشاسع بين عامية الحديث اليومي وبين لغة الأدب والإنشاء الرسمي التي هي الفصحى . وقد صعب على الكتاب أن يكتبوا المسرحيات الواقعية بالفصحى لأنها تندُّ عن محاكاة الواقع . وصعب عليهم أيضاً أن يكتبوها بالعامية لأنها تهبط بما يكتبونه وتخرج به عن دائرة الأدب مع أن المسرح ، أولاً وآخراً ، نوع من أنواع الأدب . يضاف إلى هذا أن المسرحية المكتوبة بالعامية تتقوقع داخل قطرها فلا تتجاوزه إلى غيره من الأقطار . فكأن الكاتب يحكم على نفسه أن يقطع صلاته بجمهور غير جمهور بلده . وفي هذا القطع ألـمٌ يـحـزُّ في نفس كل أديب . وقد حسم كثير من الكتاب أمرهم في شأن استخدام العامية والفصحى . فبعضهم اتجه إلى العامية في كتابة المسرحية الواقعية كما فعل أكثر كتاب مصر والعراق والمغرب . واتجه بعضهم نحو الفصحى كما فعل أكثر كتاب سورية . وبذلك خسر الكتاب معركتهم في خلق لغة مسرحية تتناسب مع هذا الفن الطارئ عليهم ، في حين كسب الشعراء والروائيون هذه المعركة . فقد طور هؤلاء اللغة العربية لا من حيث قواعدها - فالقواعد لا تتغير - بل من حيث تراكيبها وأساليب الفصاحة ومجلى البلاغة فيها . وظل باع المسرحيين قصيراً في مجال الأدب المسرحي . وإذا انصبَّ جهدهم على تطوير العامية فقد كان جهداً ضائعاً لأن العامية تتغير ولا تتطور . وبهذا الشكل ظل ( الأدب المسرحي ) في أكثر الأقطار العربية لا يدخل خزانة الأدب وإن طبع في كتب. وظل صالحاً للعرض دون صلاحيته للقراءة الأدبية التي هي ، بعد كل حساب ، تراث الأمة . المسرحية التاريخية وحدها هي التي تخلصت من هذه المشكلة . فاللغة الفصحى هي التي تليق بالمسرحية التاريخية . وكان كتابها يكتبون أدباً مسرحياً . وكانوا يحاولون إبراز فصاحتهم وقدراتهم البلاغية . شأنهم في ذلك شأن بقية الأدباء . ولأن المسرحية التاريخية نشأت على أعتاب عصر النهضة وشاركت فيه وخاضت معاركه ووقفت إلى جانب المطوِّرين لمناهج الحياة العربية ، فقد تساوقت وتطورَ أساليب الكتابة العربية . وقد بدأ أسلوبها مسجوعاً سجعاً ثقيلاً لأن السجع كان سمة البلاغة ومعرض الفصاحة . فلما ثار الناهضون على هذا الأسلوب كانت المسرحية التاريخية أسرع من غيرها إلى التخلص من هذا الأسلوب . ثم التفتت إلى أساليب العصر العباسي وما سبقه لأن بداية عصر النهضة كانت في خلع أساليب عصر الانحطاط والعودة إلى الأساليب العربية القديمة كما فعل الشعراء . ثم درجت إلى الأسلوب العصري بعد أن نفض الأدباء رداء العودة إلى القديم وكتبوا بأساليب تناسب عصرهم قوامُها البساطةُ في التركيب والتخلصُ من الموازنات الموسيقية والإقلالُ من المترادفات في الألفاظ والمعاني . ولهذا ، أمكن لفرح أنطون أن يكتب مسرحيته ( السلطان صلاح الدين ومملكة أورشليم ) عام 1914 بأسلوب ( لغته سهلة غير متكلفة )"(6)". لأن الكاتب ( لا يعنى باختيار ألفاظها وتنميقها . وكل ما يهمه من الأمر أن يرسم الشخصيات ويسرد الحوادث وينقل المعاني التي يتوخى التعبير عنها كاملة . فكان الحوار مرناً يلائم تطور الحوادث ونمو الشخصيات )" (7) ". وهكذا تصبح المسرحية التاريخية - وقلما انتبه النقاد إلى ذلك - مدخلاً لدراسة تطور الأدب العربي منذ بداية عصر النهضة حتى اليوم . ويمكن القول، بكثير من الاطمئنان أيضاً ، إن المسرحية التاريخية هي المحل الأول لهذه الدراسة . وتحتل في هذا المجال مكانة أوفى وأكمل من الشعر والرواية والمقالة في هذا التطور . وسبب ذلك هو طبيعة الفن المسرحي وعلاقته بالمتلقي . فالشاعر والروائي وكاتب المقالة لا يصطدمون بالمتلقي اصطداماً مباشراً . فيكون دافع التطوير والتغيير عندهم وعياً بالواقع الاجتماعي والثقافي وتحريضاً عليهما . ومع أن الشاعر يتعرض لإلقاء شعره أمام الناس فإن الذاكرة الشعبية الممتلئة بالشعر العربي القديم تجبره أن يتراوح بين الالتزام بأساليب القدماء وبين افتراع أساليب جديدة في الكتابة . وهم يتراوحون بين هذين الأسلوبين حتى اليوم وبعدما عصف التطور الهائل في أساليب الكتابة بجميع أنواع الأدب بسبب قوة هذه الذاكرة الشعبية التي تصطفق فيها القصائد العربية القديمة . أما الكاتب المسرحي فيصطدم بالمتلقي اصطداماً سميناه مباشراً . وهو يطلب استجابة متفرجيه كاملةً لا نقصان فيها . وعدم تحصيله هذه الاستجابة كارثة نطلب من الله أن يقي المسرحيين شرها . ولهذا ، كان الكاتب المسرحي مضطراً إلى أن يكون أسرع من غيره في تطوير أساليبه مدفوعاً إلى هذا التطوير بالوعي وبالحاجة معاً . وليس بالوعي وحده كما هو شأن الشاعر أو الروائي أو كاتب المقالة . لهذا قلنا إن دراسة المسرحية التاريخية في تطورها هو الذي يكشف ، قبل غيره ، أساليب الأدب العربي منذ عصر النهضة حتى اليوم . 6 - كانت نشأة المسرح العربي منذ أواسط القرن التاسع عشر تلبية لحاجة اجتماعية وثقافية وجد المجتمعُ العربي نفسه مدفوعاً إليها . ودليل ذلك أن لبنان ، مهد المسرح العربي ، عرف المسرح الأجنبي قبل قرن من نشأته فيه . كما تعود الجماعات المسرحية في مصر - كالمحبطين وأولاد رابية - إلى قريب من قرن قبل نشأة المسرح فيها . وكانت الفرق المسرحية الأجنبية تزور مصر منذ بدايات القرن التاسع عشر حتى قال أحد الرحالة الأوروبيين (كدت أظن في الطريق بين الاسكندرية والقاهرة أنني موجود في إيطاليا . فأينما وجهت ناظري كنت أقع على الإيطاليين من أعضاء فرق الأوبرا والباليه والسيرك التي استقدمها الخديوي من أجل موسم الشتاء . أما الفرنسيون فكانوا يقدمون الكوميديا فقط )"(8)" . وكانت هذه الفرق تقدم عروضها للعرب والأجانب. ولكن هذا التعرف المبكر على المسرح لم يدفع المثقفين العرب إلى اجتناء ثمرات هذا الفن وتقليده والأخذ به إلا حين شعروا بالحاجة إليه مع تباشير عصر النهضة وشعور العرب بالحاجة إلى تطوير حياتهم ورفع حجب التخلف عنهم . وبسبب هذه الحاجة ارتبط المسرح العربي منذ نشأته بغايات فكرية محددة ، سياسية واجتماعية . وقد أكد رواد المسرح الأوائل هذه الغايات في الخطب التي تقدموا بها إلى جمهورهم حين تقديم عروضهم المسرحية الأولى . فمارون نقاش يعلن أنه اندفع إلى المسرح لأنه وجد أهل بلاده ( مبتدئة بالنجاح ومتقدمة يوماً فيوماً إلى الفلاح ) ولأن المراسح من شأنها ( تهذيب الطبائع ) . ويعد جمهوره أنه سيجني من المرسح ( منافع تعجز الألسن عن مقدارها )" (9)". وأبو خليل القباني يحدد غاياته الفكرية والأخلاقية فيضيف إلى ما أوردناه من رأيه في مهمة المسرح قوله بأن التمثيل ( يبعث على الحزم والكرم . يلطف الطباع ويشنف الأسماع . وهو أقرب وسيلة لتهذيب الأخلاق ومعرفة طرق السياسة . وذريعة لاجتناب ثمرة الآداب والكياسة . هذا إذا تدرج فيه من ذكر الأحوال إلى ضرب الأمثال . ومن بيان المنهاج إلى الاستنتاج . ليرتدع الغر عن غـيِّـه ويـنـزجر . ويجد العبرة في غيره فيتعبر )(10). والعرب يسعون ، منذ بداية عصر النهضة حى اليوم ، إلى تطوير مجتمعاتهم وتخليصها من الفساد والتخلف وإلى التخلص من الهيمنة الأجنبية استعماراً كانت أم ارتباطاً اقتصادياً بأسواقها وهو أشد ضراوة من الاستعمار . وقدحمل المسرح هذه الغايات منذ نشأته حتى اليوم . ولهذا لم تتم في المسرحيات العربية معالجة العواطف الضخمة والمواقف الإنسانية من الكون ومشكلات الوجود والقلق من الوجود إلا على نطاق ضيق . وانبرى المسرح العربي إلى معالجة موضوعات التهذيب الأخلاقي والعزة القومية ومقارعة المستعمر وبناء المجتمع الحر الكريم . ومن هنا يمكن القول - بكثير من الاطمئنان مرة ثالثة - إن المسرح العربي ولد وفي فمه ملعقة السياسة . وقد كانت المسرحية التاريخية مرتعاً مكيناً لإبراز الغايات الفكرية التي هدف إليها الكتاب المسرحيون منذ نشأة المسرح العربي حتى اليوم . فكانت المادة التاريخية وسيلة لشرح الأفكار المعاصرة لكل جيل من أجيال الكتاب ولكل مرحلة من مراحل التاريخ المعاصر . وقد اندفع الكتاب المسرحيون إلى استلهام المادة التاريخية لأنها أكثر إقناعاً للمتفرج من المادة الواقعية . فهي أحداث يعرفها ويعترف بها كلٌّ من الكاتب والمتفرج أولاً . وهي متغلغلة في ضمير الكاتب والمتفرج لأنها تاريخهما ثانياً . وهي تحمل مدلولاتها الفكرية التي لا مشاحة فيها ثالثاً . فكأن المادة التاريخية كانت تمهد الطريق أمام الكاتب لإيصال ما يريده إلى الجمهور في شتى بقاع العربية . وأي مواطن عربي لا يُستثار بشخصيات هارون الرشيد وخالد بن الوليد وسليمان الحلبي وعروة بن الورد وطارق بن زياد وصلاح الدين الأيوبي وأمثالهم ؟ وأي مواطن عربي لا يقتنص العبرة من فتوح الشام وفتح الأندلس وردِّ الحملات الصليبية وأمثالها من المواقع العظيمة والمواقف الجليلة ؟ وأي مواطن عربي لا يهتز ألماً من سقوط بغداد وحملات هولاكو وتيمورلنك وسقوط الأندلس ؟ ولتحقيق هذه الغايات انتقى كتاب المسرحية التاريخية من أحداث التاريخ العربي ما هو منعطفات هامة سواء كانت هذه المنعطفات انتصارات ضخمة أم هزائم فاجعة . وانتقوا من الشخصيات تلك التي تثير الفخر بانتصاراتها أو تثير الألم بهزائمها . وفي هذه وتلك من الأحداث والشخصيات كانت نفوس المتفرجين تصطفق تعاطفاً وتجاوباً . فكأن الكاتب المسرحي يقتنص غاياته الفكرية المعاصرة له ولمتفرجيه . فتجد هذه الغايات مستقرها في نفوس الناس . ثانيا : اتجاهات المادة التاريخية في المسرح العربي قد يصعب حصر الغايات والأهداف التي قصد إليها كتاب المسرحية طوال القرن ونصف القرن التي هي عمر المسرح العربي . لكننا نستطيع أن نحدد الاتجاهات الأساسية لهذه الغايات في محاور ثلاثة . وكان كل محور منها يظهر في مرحلة من مراحل التاريخ العربي المعاصر منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى اليوم . المحور الأول : التنوير والإنهاض السياسي لمقارعة المستعمر سارت المسرحية التاريخية في هذا المحور منذ ظهورها بعد مرحلة الرواد الأوائل حتى منتصف القرن العشرين . وكانت تقصد إلى إذكاء الروح القومية في وجه الأتراك ثم في وجه الاستعمار الغربي . فكانت تعرض الأمجاد العربية لإثبات قدرة الإنسان العربي على المقارعة لإبراز خصائصه القومية والإنسانية . وجميع المسرحيات التاريخية المكتوبة في هذه المرحلة كانت تتقيد بالسير العام للحدث التاريخي وتتوافق مدلولاتُها مع مدلولاته . فهي تعترف بالحقيقة التاريخية كما وردت في كتب التاريخ . وسبب ذلك يعود إلى نقطة جوهرية منبثقة عن طبيعة العصر وطبيعة الجمهور . وهي أن غاية المسرح كانت إثارة الشحناء - وكان المسرح دائماً نوعاً من الشحناء والملاحاة - بينها وبين المستعمر . وكانت المسرحية التاريخية تكتل المتفرجين وراءها لتقودهم إلى العراك السياسي والعسكري ضد الأتراك أو الاستعمار الغربي . فكانت تتقيد بالحدث التاريخي كما يعرفه المتفرج وكما اعتاد أن يستخلص منه العبرة للتوافق معه في الموقف المعاصر . وإن أي خلل في هذا التوافق بينها وبين المتفرج سوف يخلخل العلاقة بينها وبينه فلا يتحقق الإيقاظ والتوعية وتكتيل الصفوف . وإذا كانت المسرحيات تضيف إلى الحقائق أوشحةَ الخيال بما يقتضيه الفن ، فإن مسرحية واحدة لم تخرج عن السياق التاريخي . وكل ما كانت تفعله أنها تؤكد الحقيقة التاريخية بلهيب العواطف وحسم المواقف . ولعل فتح بلاد الشام والحروب الصليبية كانت المادة التاريخية الأكثر تداولاً بين كتاب المسرح في مصر وسورية . وكان خالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي أبرز الشخصيات التي دارت حولها المسرحيات التاريخية في هذين البلدين . وما ذلك إلا لأن حالة المقارعة مع المستعمر كانت تتمحور حول هذين الحدثين وهاتين الشخصيتين . وكانت سلطات الاحتلال تتصدى لهذه المسرحيات بالمراقبة والإجبار على الحذف والتغيير حيناً ، وبمنع العروض حيناً ، و باقتحام مكان العرض حيناً ثالثاً . وكان فرض العقوبات على المسرحيين يتم بقسوة في كل الأحيان . وتورد الدراسات عن تاريخ المسرح العربي أمثلة كثيرة عن الصدام بين المسرحية التاريخية وبين سلطات الاحتلال . من ذلك ما جرى لمسرحية (دنشواي ) لمؤلفها حسن مرعي . فقد لاحقتها السلطات مرة بعد مرة . ( وقد عانى فرح أنطون من هذا العنت السلطوي حين تقدم بمسرحيته " السلطان صلاح الدين ومملكة أورشليم " . فقد صادرتها السلطة وقام بين المؤلف وبين قلم المطبوعات نزاع مرير قال أثناءه فرح أنطون لرجال السلطة : إن النفي أصبح أسهل احتمالاً من هذه المضايقة )"(11)" . وخاض ابراهيم رمزي ( معركة مماثلة حين تقدم لها بمسرحيته " أبطال المنصورة " )"(12)". ويلخص الدكتور علي الراعي حالة هذا القمع بقوله (أصبح تواجد أفراد البوليس العلني والسري أمراً مقرراً )"(13) " . ويلخص الدكتور الراعي في حديثه حالة هذا القمع بقوله ( إن المسرح قد أخذ يصبح قوة ضاربة في حياة الأمة العربية قدَّرها أبناء هذه الأمة حق قدرها . وأُزعج لها رجال الاستعمار وأنصار الاستبداد لا في مصر وحدها بل في أجزاء أخرى من الوطن العربي )"(14)". ومن ذلك أيضاً تلك المعركة الضروس التي قامت بين السلطات الفرنسية في سورية أثناء الانتداب الفرنسي وبين المسرحيات التاريخية التي تدور بشكل خاص حول الحروب الصليبية وخالد بن الوليد . فقد كان الكتاب المسرحيون يعيدون الكتابة حول هذين الموضوعين عشرات المرات . ويعيدون عرضها مرة بعد مرة بتعديلات توافق اللحظة الراهنة . وننقل هنا حادثة طريفة جرت في مدينة حمص أثناء عرض مسرحية ( خالد بن الوليد ) رواها شاهد عيان وهو المرحوم الشاعر الممثل والكاتب المسرحي رضا صافي . ففي ربيع عام 1924 قدمت الجمعية الخيرية الإسلامية مسرحية ( خالد بن الوليد ) على مسرح الروضة . وامتلأت الصالة بالمتفرجين الذين تقطع همهمتَهم دقاتُ المسرح ويبدأ التمثيل . ( ولعل في استعمالنا كلمة " التمثيل " هنا شيئاً من الترخص والتجوز . وكان علينا أن نقول " التظاهرة " . فقد كان التجاوب بين الممثلين والمتفرجين بالغاً أقصى حدوده حتى يخيل للرائي أنه ليس ثمة مسرح ونظارة ، وإنما هي تظاهرة قومية جامعة تنتظمها روح الثورة . فإذا أسدل ستار الختام تعالى التصفيق والهتاف والإلحاح بإعادة عرضها ليالي أخرى . وتعاد أربع ليال أو خمساً متتالية . كان آخرها ليلة جاء المتصرف " المحافظ " مع المستشار الفرنسي وحاشية كبيرة من رجال الأمن وضباط الجيش . وكان مجيئهم تلك الليلة قد فُسِّرَ من قبل النظارة بالتحدي . ومن قبل الممثلين بالإحراج . فقوبل التحدي بأشد منه هتافاً وتصفيقاً وطلبَ إعادة بعض المواقف. وقوبل الإحراج بالإمعان في الخروج عن نص الرواية الأصلي والمراقب ، والاسترسال في الارتجال والتأليف . وتأتي قاصمةُ الظهر حين يظهر خالد بن الوليد " المرحوم تيسير ظبيان " ويقف حيال أسوار دمشق فيرتجل ما شاء له موقف الرد على التحدي والإحراج حتى يبلغ الأبيات التالية : الشام تبكي والسواحل مثلها والكل يندب طالعــاً مـنـكودا لا تندبي ياشام حظك واعلمي أنا سنبـذل دونهـا المجهـودا إنا سنطرد بالجحافل والقـنا صِلاًّ تفــيَّـأ ظـلك الممدودا وتمتد مع هذا البيت يده بطولها تشير إلى المستشار الفرنسي في وجهه . فيتحفز في مقعده يريد النهوض . ولكن عاصفة التصفيق المدوية وأصوات النظارة : أعد أعد ، وحركةً سريعة من المتصرف تشده من يده ، سمَّرته في مقعده يرطن بلغته ما يحسبه شفاء لغليله . ويرتفع ضحى اليوم التالي على تهديد صاخبٍ للجمعية الخيرية بحلها وإنذارات صارمة للموظفين من الممثلين . كما منعوا إعادة عرض رواية خالد بن الوليد . وما تغيب شمس ذلك اليوم حتى يُبَلَّغ المرحوم تيسير ظبيان قرار عزله من وظيفته وأمر مغادرته البلد فوراً . فما يبيت تلك الليلة إلا في دمشق . ويدور العام . وتشب الثورة السورية الكبرى صيف العام التالي 1925 . فيكون الممثلون جميعاً من جنودها )"(15)". المحور الثاني : الدفاع عن الثورات العربية والمجتمع الجديد منذ منتصف القرن العشرين بدأت الدول العربية تنال استقلالها عن الاستعمار الغربي سواء كان هذا الاستقلال ذاتياً مع وجود قوات الاحتلال أم كان كاملاً بجلاء هذه القوات . وفي هذه الفترة تراجعت كتابة المسرحية التاريخية وبرزت المسرحية الواقعية . لكن الثورات العربية على الأنظمة التي تلت مرحلة الاستقلال سرعان ما تتالت في عدد من الأقطار العربية . وشاعت الأفكار الثورية على الفساد والظلم الاجتماعي والتفاوت الطبقي في الدول الأخرى . وهنا حدث تحول كبير في المسرحية التاريخية . فقد عادت إلى البروز من جديد . وأخذت تتناول أحداثاً تاريخية جديدة تغاير ما اعتاد كتاب المسرحية التاريخية تناوله في المرحلة الأولى . فبدلاً من انتقاء فترات التصدي للدخلاء الأجانب تم انتقاء فترات التصدي للسلطات الحاكمة . وبعد أن كان الصراع التاريخي يجري بين قوة خارجية متعدية وبين العرب ، صار الصراع يجري بين السلطة العربية وبين الناس العرب . وبدلاً من انتقاء الفترات التاريخية الزاهية بالانتصارات ، تم انتقاء الفترات المظلمة أو الحافلة بالظلم والطغيان . ففتح الأندلس في المرحلة الأولى يقابله ( غروب الأندلس ) في المرحلة الثانية . و( أبطال المنصورة ) حل محلهم شهداء كربلاء . وفتوح بلاد الشام يقابله سقوط بغداد واجتياح بلاد الشام . وفي كل ذلك لم يتم الغروب والسقوط والاجتياح إلا بعوامل الفساد الداخلي الذي أوصل البلاد إلى الضعف ثم الانهيار . وهكذا صارت ( شحناء المسرح ) ذات وجه داخلي . ومن النقاط البارزة في تناول المادة التاريخية في هذه المرحلة كان في انتقاء أبطال الحدث التاريخي . فبعد أن كانوا من الارستقراطية أو من القواد المشهورين بانتصاراتهم ، صاروا من الشهداء أو من عامة الناس . فبرزت شخصيات من أمثال أبي ذر الغفاري والحسين بن علي وصاحب الزنج وأبي خليل القباني ورفاعة الطهطاوي والحلاج . وهؤلاء جميعاً ، وغيرهم ، تم قهرهم على يد أبناء جلدتهم لما حملوه من أفكار مغايرة لما كان سائداً في عصرهم . حتى المسرحية التاريخية التي كتبت في هذه المرحلة متغنية بالوقوف في وجه الأجنبي كانت تنتقي شخصياتها من أوساط الناس العاديين . وليس (سليمان الحلبي ) إلا شاباً عادياً بسيطاً ارتقى إلى مرتبة البطولة . ولم يقم بطرد الرومان في ( غادة أفاميا ) لعدنان مردم بك إلا الشعب البسيط . ولأن نكسة حزيران - يونيو - عام 1967 ترافقت مع الدعوة إلى الاشتراكية وتغيير المجتمع ، فقد أوغل كتاب المسرحية التاريخية في النقمة على السلطات . وامتزجت أسباب الهزيمة العسكرية بأسباب الظلم الاجتماعي . وإذا ( بالحيطة التي تتكلم ) تفضح حاشية السلطان . وإذا بـ ( مغامرة رأس المملوك جابر ) ترد الهزيمة إلى فساد الحكم وجوع الشعب . ولن يكون حلُّ مشاكل المجتمع سياسياً واقتصادياً وفكرياً إلا بانتشار الفكر الاشتراكي لما يحمله من مفاهيم التغيير والعدالة الاجتماعية . وفي هذه المرحلة أيضاً تعامل الكتاب مع المادة التاريخية كما وردت في كتب التاريخ . فقد سقطت الأندلس وبغداد واجتيحت بلاد الشام وسقط الحسين بن علي شهيداً وصُلب الحلاج . واعتمد الكتابُ الحدثَ نفسه كما ورد . والتزموا بالتفسير التاريخي نفسه . لكنهم فتشوا ، في كتب التاريخ نفسها ، عن أسباب ثانوية ذكرها المؤرخون لما حدث وجعلوها أسباباً رئيسية فيما حدث . ثم أضافوا إليها ما يقتضيه الفن من تواشيح الخيال وابتداع شخصيات غير موجودة تؤكد الأسباب التي اعتمدوها . وبذلك كان التاريخ القديم إطاراً زمنياً قديماً لأفكار معاصرة . وقد تعامل الكتاب مع المادة التاريخية على هذا الشكل لأن غايتهم لم تكن إعادةَ تقييم التاريخ أو تصحيحَ كتابته ، بل كانت التحريضَ على الثورة والتنبيهَ إلى الأخطار المحدقة بالأفكار الجديدة والدعوةَ إلى إنهاض الأمة من كبوة التخلف . ولكي يحققوا ذلك كانوا يأتون للمتفرج بما يعرفه من أحداث . ثم يخرجون به إلى نتائج لم تخطر بباله وهي التصدي للسلطات الحاكمة والدفاعُ عن الثورة وأخذُ زمام المبادرة في شؤون الحكم . ولكي ندرك أسباب تعامل الكتاب مع المادة التاريخية على هذا النحو ، نذكر أنه كان نتيجة تأثرهم بمنهج بريخت الذي شاع في أرجاء الوطن العربي بعد هزيمة حزيران . واهتدى به الكتاب المسرحيون مدة تزيد عن عشرين عاماً . وقوام هذا المنهج هو ( عرض المألوف بطريقة غير مألوفة ) بغية إبراز الأسباب الحقيقية للظواهر الاجتماعية ، التاريخية منها والمعاصرة . ومن هنا جاء حرصُ الكتاب على عرض الأحداث التاريخية المعروفة المألوفة كما يعرفها الكاتب والمتفرج معاً . فإذا تم إبراز أسباب جديدة غير مألوفة أو معروفة لأحداث معروفة مألوفة متفق عليها من قبل الكاتب والمتفرج ، فقد تحقق المنهج . ثم كانت أدوات المنهج البريختي من قطع الإيهام بإيقاف الحدث المسرحي وبالراوي وبغير ذلك ، وسيلةً للتعليم والتحريض والإيقاظ . وإن أبرز ما يجب الوقوف عنده في شأن المسرحية التاريخية في هذه المرحلة هي أنها لم تصادم أحداً ولم يختلف معها أحد . فالسلطات الحاكمة تبنَّت ما طرحته المسرحيات التاريخية من أفكار لأنها سلطاتٌ جاءت بها الثورات أو التغيرات الاجتماعية في البلدان العربية . ولذلك أفسحت السلطات الحاكمة لهذا النوع من المسرحيات أرحب صدر . وبذلت لها الأموال لتقديمها في أبهى حلة . وقدمتها على مسارحها الرسمية . وشاركت بها ، مفتخرةً ، في المهرجانات العربية والدولية . ومن يراجع المسرحيات التاريخية التي قدمت في مهرجان دمشق للفنون المسرحية - وهو مهرجان عربي - يتأكد من صحة هذه الملاحظة . خاصة وأن هذه المسرحيات كانت من أعمال المسرح الرسمي في أكثر البلدان العربية . وفي الوقت نفسه كان المتفرجون ، في غالبيتهم ، يؤمنون بالأفكار الثورية التي طرحتها المسرحية التاريخية . فكانوا يجدون فيها ( مصدِّقاً ) لما معهم . فكان شأنهم معها كشأن المصلين الذين يقولون ( آمين ) جواباً على دعاء الشيخ بالنصر للمسلمين على الأعداء . وكان ذلك مخالفاً كل المخالفة لدور المسرحية التاريخية في المرحلة الأولى . فقد كانت تصادم المستعمر أشد صدام . وإذا كان المتفرجون يتجاوبون معها فقد كان تجاوبهم حالة نادرة من التوهج السياسي والوطني المحفوف بالمخاطر . وكانت الصالات تلتهب بتأييد حماسي مغضوب عليه من السلطات . والسبب الحقيقي لانتفاء حالة الصدام في المسرحية التاريخية في هذه المرحلة يعود إلى وقوفها عند العموميات . فأبطالها أغنياء وفقراء أو ظالمون ومظلومون أو هازمون ومهزومون . وأسباب التفاوت بين هذين القسمين هي الفساد والطغيان . وما عدا ذلك فإن المسرحية التاريخية لا تسلط الضوء على تفاصيل هذه الوقائع ولا تحلل أشكالها وأساليبها . وعندما انحصرت مقولات المسرحية التاريخية ضمن هذا الإطار لم يجرؤ سلطانٌ على رفضها . ولم يستنكرها متفرجٌ أو يماري في صحتها . إن أشد الحكام عتواً يدَّعي أنه مدافع عن الضعفاء والمظلومين والفقراء. وإن أشد الناس عداء للخير لا يجرؤ على الانتصار جهاراً للشر . ولهذا ، يتفق الجميع على مثل هذه الأفكار العامة التي لا تمس الواقع العربي القائم مساً مباشراً . فلا تُغضب أحداً ولا تؤثر على أحد . ويكون في تبنيها سلامةٌ للجميع. ومن هنا ، ظهرت حالة ( التوافق ) بين المسرحية التاريخية وبين الأنظمة العربية الحاكمة وبينها وبين المتفرجين . وانتفت حالة (الصدام). أماالمسرحية الواقعية التي اعتمدت على تفاصيل الحياة المعاصرة فقد وجدت نفسها مضطرة لتحليل أسباب الفساد والظلم والفقر . فحللت بنية التركيبة الاجتماعية المعاصرة . فكانت ، وحدها ، صدامية في هذه المرحلة . لكن شرح ذلك ليس موضعه الحديث عن المسرحية التاريخية . المحور الثالث : إعادة النظر في التاريخ رأينا فيما سبق ولاءَ الكتاب للمادة التاريخية والاعترافَ بصحتها في المرحلة الأولى والثانية . وإذا كانت المسرحية التاريخية قد حققت أهدافها في المرحلة الأولى ، فقد شعر كتابها في المرحلة الثانية أن مسرحياتهم لا تحقق أهدافهم مع أنها تنطلق من إعادة النظر في وقائع الحياة المعاصرة لكي تغيرها وتستخلص من فسادها وتخلفها وجهاً جديداً مشرقاً قوامُه الكرامة الإنسانية . وسبب ذلك اعتمادُها على الحدث التاريخي كما ورد في كتب التاريخ . فإن التوافق بين المسرحية التاريخية وبين الحدث التاريخي جعلها عاجزة عن تحريض الأفكار والعقول والقلوب عن التمرد رغم شدة تحريض هذه المسرحيات على ذلك . فكان أن ظهر اتجاه جديد يعيد النظر في الحدث التاريخي القديم نفسه . وأخذ الكتاب في هذه المرحلة يتساءلون عن صحة ما ورد في كتب التاريخ . وهم يعترفون بما وقع فيه من أحداث . لكنهم لا يعترفون بأسلوب سرده وبصحة تفاصيله . ويتهمون المؤرخين بممالأة السلطات الحاكمة أو بالتحريف أو بالتزوير . فبرز نوع جديد من المسرحية التاريخية يقرأ الحدث التاريخي قراءة جديدة . ومع أن هذه المسرحيات كانت قليلة العدد بالمقارنة مع المسرحيات المتساوقة مع رواية الحدث التاريخي ، فقد تركت أثراً هاماً في مدلولات المسرحية التاريخية وفي توجيه الناس إلى قراءة التاريخ العربي كله قراءة جديدة قوامها النقد المنطقي الصارم . وهذا الاتجاه كان وليد اتجاه فكري جديد في الوطن العربي يقوم على قراءة التراث العربي كله قراءة جديدة . وهو اتجاه معمق خطير كان النقد التاريخي أهونَ جوانبه وأقلَّها خطراً . فثمة إعادةُ نظر في الحديث النبوي الشريف . وبدلاً من النظرة القدسية إلى صحيحي البخاري ومسلم مثلاً ، تجرأ الباحثون المجددون على البحث فيهما لإسقاط القدسية عنهما وإعادة تقييم ما ورد فيهما استناداً إلى منطوق القرآن الكريم وقواعد الإسلام . وبدلاً من التسليم بصحة روايتي السنة والشيعة للأحداث التي وقعت بعد وفاة الرسول ( ص ) بدءاً من سقيفة بني ساعدة ، ظهر اتجاه جديد يعيد ترتيب الأحداث من منظور الصراع الطبقي والسياسي دون النظر إلى الصراع بين المهاجرين والأنصار أو بين آل البيت وآل بني أمية . وبدلاً من التسليم بالمثالية الفلسفية للفكر الإسلامي ظهرت الدعوات إلى إبراز النزعات المادية في الفلسفة الإسلامية . حتى تفسير القرآن الذي تلقيناه عن السلف الصالح بقدسية لا يجوز الـحَـيْـدُ عنها ، ظهر اتجاه جديد يرفض التفاسير القديمة لإحلال تفسير جديد لهذا الكتاب العظيم كي نقرأه قراءة جديدة تتناسب مع متطلبات العصر . وحجة هذا الاتجاه أن القرآن ( حـمّـال أوجه ) . وكثير من هؤلاء الباحثين كانوا من رجال الدين ومن علماء المسلمين . إن إعادة النظر في التراث القديم كان لابد أن يظهر له معادل فني تجلى في كثير من الآثار الأدبية شعراً ورواية ومسرحاً . وليست ( أولاد حارتنا ) لنجيب محفوظ إلا دليلاً من أدلة المعادل الفني لهذا الاتجاه . وقد غمست المسرحية التاريخية قلمها أيضاً في هذا الاتجاه . فكان أن صدر من وحيه عدة مسرحيات تزلزل - رغم قلتها - ما اعتاد الناس التسليمَ به من صحة الوقائع التاريخية . لقد انعقدت البطولة في الحروب الصليبية لصلاح الدين الأيوبي . وغبرت المسرحية التاريخية طوال أكثر من مئة سنة تؤكد هذه البطولة . وإذا كانت بطولة القائد الفذ مذكيةً لوقود الحماسة في نفوس الناس لطرد المحتل في المرحلة الأولى قبل استقلالات الدول العربية ، ودافعةً إلى التحريض على محاربة العدو الصهيوني بعد هذه الاستقلالات في المرحلة الثانية ، فقد تحولت إلى تكريس الزعامات العربية المهزومة أمام العدو والدفاع عنها في المرحلة الثالثة . ولذلك ألغىمحمود دياب في مسرحيته ( باب الفتوح ) هذه البطولة ونحا نحواً مغايراً حين رد البطولة إلى الشعب . ولم يكتف بهذا ، بل جعل المسرحية ( محاكمة للتاريخ الرسمي ومؤرخيه المأجورين )"(16)". وبعد أن كان قائد فتنة الزنج ( خبيثاً وخائناً ) كما تواتر وصفه في كتب التاريخ ، صار بطلاً يقود ثورة الفقراء ضد الظالمين في مسرحية معين بسيسو ( ثورة الزنج ) . وبعد أن كان الجيل الذي تلا صحابة رسول الله ( ص ) مقدسين يُدعى لهم على المنابر ، صار قسم منهم جشعين محرفين للإسلام في ( ليل العبيد ) لممدوح عدوان . وصار صقر قريش مهرجاً في مسرحية ( المهرج ) لمحمد الماغوط . فكأن المسرحية التاريخية في هذه المرحلة تدعو إلى الانقضاض على الأنظمة العربية التي حملتها الأفكار الثورية إلى سدة الحكم . ولعل مسرحيات عز الدين المدني ( ديوان الزنج - ثورة صاحب الحمار - الغفران - مولاي السلطان الحسن الحفصي ) تشكل حالة مدهشة من إعادة النظر إلى التاريخ . فهي ترفضه وتسخر منه وتعيد صياغته مستخدمة في الوقت نفسه أفكار العصر الحاضر وشعاراته . إن هذا الاتجاه يواجه التاريخ مواجهة مباشرة . ويزيح ( وقائع التاريخ جانباً . ويروح يبحث عن حقيقة التاريخ ، جوهره وجوهر الناس البسطاء في سلمهم وحربهم وأمور معاشهم اليومية )"(17)". والأهم من هذا أن هذا الاتجاه يحذر الناس من ضياع الفكر الثوري ومن ركوب المنتفعين له ومن تحويله عن مسراه بقتل الثائرين أو بتحريف ثورتهم . لقد ظلت المسرحية التاريخية تواكب المجتمع العربي منذ نشأة المسرح العربي حتى الهزيع الأخير من القرن العشرين . وتعبر عن تطوره الفكري وعن طموحاته الوطنية والقومية والسياسية . وإذا بها تختفي منذ منتصف ثمانينات القرن العشرين حين بدأ اليأس من التغيير الاجتماعي يسكن المواطن العربي وحين ألقى سلاحه الثوري . فالتفت الكتاب المسرحيون عن موضوعات تغيير الواقع إلى حالة تصوير الواقع . وفي مثل هذه الحالة لا يمكن للمسرحية التاريخية أن تعيش . فهي بنت الانقلابات الاجتماعية في جميع الشعوب والأمم. وعندما ركد المجتمع العربي إلى سكون الواقع ويأس الوقائع ، اختفت المسرحية التاريخية التي تجعل من حوادث التاريخ أمثولة قديمة لأفكار جديدة تغلي وتفور . سواء تساوقت مع هذه الحوادث أم خالفتها . * * * تلك هي الخطوط الرئيسية لتناول المادة التاريخية في المسرح العربي خلال القرن ونصف القرن التي مضت من عمره . وقد بينا خصائصها وحددنا اتجاهاتها في مراحل ثلاث . وإذا كانت المرحلة الأولى تستمر منذ بداية المسرح العربي حتى منتصف القرن العشرين ، فإن المرحلتين ، الثانية والثالثة، تتداخلان في فترة نهوض المسرح العربي بثوب جديد منذ بداية ستينات القرن العشرين . وأبرز ما نلاحظه فيما عرضناه أن المسرح العربي ولد سياسياً . فهو يخوض المعارك مع أبناء الوطن العربي . يقارع التخلف والجهل والمستعمر والفساد والظلم . لكن النقاد لم يطلقوا عليه اسم ( المسرح السياسي ) رغم إشاراتهم الدائمة إلى دوره السياسي هذا . فجأة يبرز اسم ( المسرح السياسي ) في بواكير السبعينات من القرن العشرين . وهو المسرح الذي يتصدى ، في الدرجة الأولى ، إلى معاركة الساسة وأصحاب السلطان رابطاً الفساد بهم وداعياً إلى الإطاحة بأنظمتهم . وإذا كانت المسرحية التاريخية قد حملت لواء السياسة بمعناها الواسع فكانت (نضالية ) في المرحلة الأولى ، فقد حملت لواء السياسة بمعناها المحدد في المرحلة الثانية والثالثة فكانت ( سياسية ) . وفي جميع ما فعلته المسرحية التاريخية في جميع مراحلها ، يتأكد ما قلناه عن أصل نشأة المسرح العربي في أنه كان نتيجة الشعور بالحاجة الاجتماعية إليه . فظل ملبياً هذه الحاجة منذ بداية نشأته حتى اليوم . أما أهم ما فعلته المسرحية التاريخية فهو أنها كانت قابلة للانتقال السريع من بلد عربي إلى بلد عربي آخر منذ نشأة المسرح العربي حتى اليوم . ولم تجد أمامها عائقاً من خصوصيات الأقطار العربية التي حجبت هذا الانتقال عن المسرحيات الواقعية إلا بمقدار . وسبب ذلك أن المسرحية التاريخية اعتمدت على حدث تاريخي يعرفه العرب جميعاً وعلى اللغة العربية الفصحى التي يتكلمها العرب جميعاً . وبسبب هذاالانتقال ، تبادل كتاب المسرح العربي الخبرة في البناء الدرامي . فكان ذلك دافعاً من دوافع تطوير المسرح باعتباره فناً جميلاً قبل أن يكون صاحب معارك . ويمكن ملاحظة التطور في الفن المسرحي العربي في ثلاث مراحل أيضاً . وقد كانت المسرحية التاريخية محل هذا التطور ووسيلته وغايته في آن واحد . فقد بدأت محاوِلةً تقليد فن الدراما الأجنبية . ولا يخفى على أحد أن كتابة المسرحية التاريخية العربية بدأت على غرار المسرحية الكلاسيكية الأجنبية لأن موضوعهما متشابه . وحاولت المسرحية التاريخية طوال القرن الأول من عمر المسرح العربي أن تتقن البناء الدرامي بأصوله التقليدية المعروفة . وإن مراجعة المسرحية التاريخية في هذه المرحلة تدلنا على تطور مهارة الكتاب المسرحيين في بناء الدراما . فلما كانت المرحلة الثانية كان همُّ الكتاب المسرحيين أن يحافظوا على بناء الدراما التقليدية لكن بعد تعديلها وإدخال الملامح المحلية عليها . وكان المنهج البريختي وسيلة هذا التعديل ومفتاحه . فبواسطته تجرأ الكتاب المسرحيون على التحرر من أصول التقليدية الدرامية دون الخروج عن أصول البنية الدرامية . ومثال ذلك ما فعله علي عقلة عرسان ورياض عصمت وسعد الله ونوس وممدوح عدوان وغيرهم في سورية . وما فعله ألفريد فرج ومحمود دياب وميخائيل رومان وسعد الدين وهبة في مصر . أما المرحلة الثالثة فكانت مرحلة تدمير الدراما . وارتبط هذا التدمير بشكل أساسي بالمسرحية التاريخية . فإن إعادة صياغة التاريخ كانت تقتضي شكلاً فنياً جديداً وجده الكتاب في شكلٍ بنائي جديد . ومثال ذلك مسرحية ( باب الفتوح ) لمحمود دياب و( ليل العبيد ) لممدوح عدوان ومسرحيات عز الدين المدني ومسرحيات عبد الكريم برشيد في تونس والمغرب . ولا ننكر أن المسرحية الواقعية كانت تجاري المسرحية التاريخية في تطوير مهارات الكتاب . وكثيراً ما كانت تسبقها في تطويع هذا الفن الأجنبي لسليقة الإبداع العربي خاصة وأن المسرحية الواقعية كانت تهتدي بأسلوب (إبسن) أستاذ فن الدراما الحديثة حين كانت تركز أصول فن المسرح العربي . وكانت أكثر حرية في محاولة اختراق الدراما لأنها غير مقيدة بحدث معروف . لكن المسرحية الواقعية كانت أقل انتشاراً في أرجاء الوطن العربي وإن لم تكن الأقل أهمية . وكانت المسرحية التاريخية المجالَ الأوسع للتطوير والإبداع كما كانت الأكثر انتشاراً وتأثيراً . (1) -( نظرية المسرح ) في جزئين - تحربر وتقديم محمد كامل الخطيب - إصدار وزارة الثقافة السورية دمشق - عام 1994 - ص 937 الجزء الثاني . وقد نقل المحرر هذا النص من كتاب محمد كامل الخلعي تلميذ القباني ( كتاب الموسيقى الشرقي ) . (2) - المصدر السابق - الجزء الثاني ص 420 . (3) - المصدر السابق - الجزء الأول ص 63 . (4) - المصدر السابق - الجزء الأول ص 143 . (5) - ( المسرحية التاريخية في المسرح العربي المعاصر ) تأليف أحمد زياد محبك - إصدار دار طلاس - دمشق عام 1989 ص 22 . (6) - ( المسرحية في الأدب العربي الحديث ) تأليف محمد يوسف نجم ص 331 . (7) - المصدر السابق ص 331 . (8) - ( ألف عام وعام على المسرح العربي ) تأليف ألكساندروفنا بوتيتسيفا - ترجمة توفيق المؤذن . إصدار دار الفارابي - بيروت - عام 1981 - ص 135 . (9) - ( نظرية المسرح ) ص 420 القسم الثاني . (10) - ( نطرية المسرح ) ص 940 القسم الثاني . (11) و(2) ( مجة الحياة المسرحية ) إصدار وزارة الثقافة المسرحية - دمشق - العدد 24 - 25 - ندوة( المسرح والتراث العربي ) في الكويت - مقال الدكتور علي الراعي ص 116 . و ص 121 . (13) و(2) -المصدر السابق ص 121 (15) - ( على جناح الذكرى ) في أربعة أجزاء . تأليف رضا صافي - إصدار وزارة الثقافية السورية - دمشق - عام 1984 . الجزء الثالث ص 158 . و( الصِّـل ) هو الأفعى . (16) - مجلة ( الحياة المسرحية ) العدد 24 - 25 - ص 116 . (17) - المصدر السابق ص 121 . |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |