|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 03:15 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثاني: نشـاة النقد المسرحي العربي وتطوره لا تكاد تطالع رأيا مكتوباً لأحد المسرحيين السوريين أو العرب ، كاتباً كان أم مخرجاً أم ممثلاً ، إلا وجدت فيه امتعاضاً قليلاً أو كثيراً من النقد والنقاد . وقد يصل الأمر إلىحد اتهام المسرحي للناقد بالجهل أو بالموقف الشخصي . وإذا أتيح لك أن تجالس المسرحيين - مبدعين كانوا أم كانوا دون ذلك - فسوف تسمع أفانين القول عن سوء فهم الناقدين قارئين لنصٍ أم مشاهدين لعرض مسرحي . وفي الوقت نفسه لا تكاد تطالع رأياً نقدياً عن نص أو عرض مسرحي إلا وجدت فيه كثيراً من الانتقاص لما قرأ الناقدُ أو شاهد من عروض مسرحية وقليلاً من الإعجاب . ويكون الانتقاص أو الإعجاب في كثير من الأحوال من غير دليل علمي إلا دليلَ التذوق الشخصي . فإذا استخدم الناقد الدليل العلمي وضعه في غير موضعه الصحيح إلا في القليل النادر . وتكون النتيجة في هذه المعادلة المتنافرة الأطراف انقطاعَ الصلة بين النقد والمسرح . وإذا بالمسرحيين يضيقون ذرعاً بالنقد متناسين دوره في خلق التاريخ المسرحي . وإذا بالنقاد يتناسون أهمية هذا الدور فلا يتثـبَّـتون من أدواتهم النقدية ومن آرائهم التي يطلقونها جزافاً من غير تدقيق أو تمحيص . وما شذَّ عن هذه العلاقة المتوترة بين المسرحيين والناقدين قليلة نادرة . ولا شك أن هذه العلاقة المتوترة بين المسرح والنقد قديمة قدم الإبداع الإنساني في مجالي الفن والأدب . والتاريخ مليء بالشواهد عليها . ولعلنا نذكر الملاحاة بين الشاعر الفرزدق ونقاده النحويين . فقد عاب أحد النقاد شعره فردَّ عليه ببيته المشهور : ما أنت بالحكم الترضى طريقته ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل وقصد أن يقترف خطأ نحوياً مفضوحاً نكاية بالناقد وهو إدخال ( أل ) التعريف على الفعل . لكن العلاقة بين المسرح العربي في مختلف أقطاره وبين النقد تأخذ سمات خاصة بها رغم أنها جزء من علاقة الإبداع بالنقد . وذلك بسبب حداثة هذا الفن من ناحية ، وتعدد أجزائه من ناحية ثانية . فهو ( أدب مكتوب ) ينظر إليه النقد الأدبي بمقاييسه . وهو ( فن مرئي ) يتحول فيه المكتوب إلى منظور قوامه التمثيل والإخراج وما يتبعهما من مجسدات تحتل في الذهن والعين مساحة توازي مساحة المكتوب . وهو ( فن مسموع ) قوامه نطق الكلام وما يتبعه من موسيقى وإيقاعات ومن همهمات المتفرجين وتعليقاتهم . ولكي يحوط النقد بهذه الأجزاء جميعاً وجب أن يُلمَّ الناقد بفنون الأدب وأصول نقدها ، وبفنون الموسيقى وأصول نقدها ، وبفنون الفرجة وأصول نقدها . وقد لا يتمكن الناقد من الإحاطة بهذه الأصول جميعاً ، خاصة وأن فن المسرح جديد على الثقافة العربية لا يزيد عمره عن قرن ونصف قرن . وليس لـه في التراث العربي أصول نقدية موروثة . وصعوبة الإحاطة من ناحية وحداثة المسرح من ناحية ، تُـربكان الناقد والمبدع معاً . ويتولد عنهما كثير من الاضطراب في اتباع القواعد في التأليف الإبداعي وتجسيده وفي نقد العمل الإبداعي . وسوف نحاول في هذا البحث أن ننظر - بهدوء وموضوعية - إلى ما قام به النقد المسرحي منذ ابتداع المسرح العربي حتى الآن ، مستندين إلى تاريخ العلاقة بين الفن والنقد بشكل عام . تـمـهـيـد لا يمكن الحديث عن النقد المسرحي وتطوره ومكانته دون الوقوف عند بعض النقاط الهامة في النقد الأدبي وتطوره ، وفي النقد الأدبي العربي وتطوره. والنقد الأدبي هو ( فحص النص الأدبي حسب قواعد معينة لمعرفة ما فيه من عناصر الضعف والجودة ) . فهو إذن ( رأي يتعلق بأثر إبداعي ) . وقد بدأ النقد الأدبي على شكل آراء متفرقة حول بيت من الشعر أو حول قصيدة . ومرتكز هذه الآراء ذوق الناقد ومعرفـتُه بأساليب الكلام الجميل. ثم تطور هذا النقد الذوقي إلى عملية تحليل النص المبدَع في فن من فنون القول . ومن هذا التحليل استنبط الناقدُ الوسائلَ والأدوات التي استخدمها صاحب النص الإبداعي لكي يجعل من أثره أدباً فصيحاً جميلاً . ثم جعل النقاد هذه الوسائل والأدوات قواعد وأصولاً لذلك الفن الأدبي . هذه الرحلة من الرأي الذوقي إلى القواعد والأصول العامة نجدها في الأدب اليوناني مثلاً . فقد نشأ النقد عند اليونان حينما أقامت أثينة مسابقة حول النصوص التمثيلية التي يقدمونها في الأعياد الدينية . فلكي يفوز كاتب على كاتب ، كانت تتشكل لجنة من متذوقي الأدب والفن . وكان على أعضاء هذه اللجنة أن يقدموا آراءهم النقدية تسويغاً للنتائج التي يعلنونها . ثم طور الفلاسفة هذه الآراء إلى مناهج نقدية كان كتاب ( فن الشعر ) لأرسطو ذروتها . إن استخلاص القواعد لكل فن من فنون القول هو أعظم وأجل ما قام به النقد الأدبي . وهو أمر لا يقوم به إلا عباقرة النقد الذين بلغوا من رهافة الحس ودقة المنطق ما يجعلهم يميزون بين ما هو رئيسي وعام في ذلك الفن الأدبي ، وبين ما هو عارض أو ثانوي أو خاص بذلك الأديب .وحينما توضع هذه القواعد عند جيل من النقاد ، كانت أجيال النقاد التالية تؤرخ لكل فن أدبي . ومن هنا ترافق النقد الأدبي مع التاريخ الأدبي . ولم يكن الفصل بينهما إلا فصلاً نظرياً تقتضيه الدراسة . وهذه القواعد لفن من الفنون ، المستخلصة من إبداع المبدعين ، كانت تتحول إلى ( مدرسة أدبية ) أو ( مذهب أدبي ) . وكان النقاد يحاسبون المبدعين الجدد على أساسها . وبذلك تحول النقد من رأي يتلو النصَّ المبدَعَ إلى قاعدة تسبقه . وبما أن الزمن يتغير ، فقد كان يأتي مبدعون مجددون يفترعون لأنفسهم قواعد فنية جديدة سرعان ما تصبح مدرسة أدبية جديدة . وهكذا نشأ ، عبر التاريخ الأدبي ، تلك المدارسُ والمذاهب التي نعرفها . وفي هذا التاريخ كانت تقع بين المبدعين والنقاد معارك ضارية يحفل تاريخنا الأدبي بأمثالها . فالنقاد الذين يستخلصون القواعد والأصول من الآثار الأدبية ، كانوا يحولون هذه القواعد إلى أصول ثابتة لا يجوز الخروج عنها . ويحاولون أن يقسروا الأدباء على السير على منوالها . لكن الأدباء كانوا يتمردون عليها لأن كل أديب كان يرى في نفسه القدرة على اختراع أصوله الفنية الخاصة به . وليس مثال أبي نواس وأبي تمام بعيداً عن أذهاننا . ويجب أن ننتبه إلى نقطة جوهرية ونحن نلخص النقد وتاريخه . وهي أن الأدب في كل مرحلة من مراحله ، كان معبراً عن الحياة الاجتماعية في تلك المرحلة . ولذلك كانت قواعد النقد المستخلصة منه مرتبطة أشد الارتباط بتلك الحياة الاجتماعية . وهذا يعني أن المدارس الأدبية لم تكن مجرد قواعد وأصول تُبنى النصوصُ على منوالها ، بل كانت في الوقت نفسه تعبيراً عن قواعد سائدة في الحياة الاجتماعية المرافقة لذلك المذهب الأدبي . هذا التاريخ العام للنقد ينطبق على تاريخ النقد العربي . ولأن الشعر كان فنَّ العرب الأعظم ، فقد كان تاريخ النقد الأدبي تاريخاً للشعر أيضاً . وقد عرف نقدُ الشعر العربي كلَّ تلك المراحل التي ذكرناها بدءاً من الآراء الصائبة الشاردة ، وانتهاءً بتأليف الكتب ووضع النظريات عن الشعر . وكان نقد الشعر يواكب الحياة الاجتماعية مواكبة تامة . وعندما انغلقت على العرب أبواب الإبداع الشعري خاصة والأدبي عامة منذ أواخر العصر العباسي ، انغلقت عنهم إبداعات النقد . وكما تحول الشعر في مرحلة عصور الانحطاط إلى تمسك ظاهري بأصول الفصاحة التي كانت في عصور الازدهار ، قام النقد بتحويل هذه الأصول إلى لعبة تزيينية . وحينما عادت إلى العرب روح الإبداع الشعري منذ عصر النهضة الحديث عاد النقاد إلى أصول البلاغة العربية القديمة من ناحية ، وأخذوا يتأثرون بروح الإبداع الشعري الأوروبي من ناحية ثانية . فعادوا إلى ما تركه أسلافهم من كتب نقدية ، واطلعوا على النقد الأوروبي . وكان نتيجة ذلك كله ما يشكل تيارات نقد الشعر المعاصرة خاصة بعدما صار الشعر الحديث سمة العصر . فعلى الرغم من أن هذا الشعر تستند رؤاه إلى التجديد في الشعر الأوروبي المعاصر كما يستند إلى المذاهب النقدية لهذا الشعر ، كان النقاد العرب يستندون في الوقت نفسه إلى مناهج نقد الشعر القديمة . وكانوا - في الأعم الأغلب - يُحسنون الموازنة بين ما ورثوه عن الأسلاف وبين ما ثَقِفوه من أوروبا . ولا يظنن أحد أن هذه الموازنة كانت سهلة أو موطأة الأكناف ، بل العكس هو الصحيح . ونحن نعلم أن نقد الشعر ، منذ بداية القرن العشرين ، استند في الدرجة الأولى إلى النقد الأوروبي . فقد ترجمه المترجمون . ثم استدرجه النقاد العرب في مناهج خاصة بهم . وقايسوا على أساس هذه المناهج شعرَنا العربي وغيره من فنون القول . ولعل أقرب الأمثلة إلى ذلك ما فعله طه حسين وعباس محمود العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني وأحمد أمين وميخائيل نعيمة وأحمد الشايب وغيرهم من النقاد . ورغم سيطرة مناهج النقد الأوروبي في نقد الشعر ، فإن مناهج العرب القدماء كانت حاضرة دائماً . وكان لا بد لهذه المناهج أن تحضر لأنها متعلقة بمفاهيم الفصاحة والبلاغة المنبثقة عن طبيعة تركيب اللغة العربية وعن قواعدها النحوية . وهكذا تحققت الموازنة بين السلفي القديم الموروث وبين الجديد المجلوب . وسبب هذا التوازن يعود إلى عظمة الشعر العربي وإلى تاريخه الطويل وتراثه العريق أكثر مما يعود إلى قوة النقاد واستواء آرائهم . ذلك أن المادة الإبداعية لا بد أن تفرض وجودها خاصة إذا كان هذا الوجود ضخماً قوياً عريقاً كالشعر العربي . بعد هذا التمهيد نسأل : كيف كان النقد المسرحي العربي ، وكيف كانت علاقته بالمسرح العربي ؟ إن نظرة مستأنية إلى المسرح العربي ونقده تجعلنا نقسمه إلى مرحلتين: الأولى تمتد منذ نشأته في منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين . والثانية تمتد منذ منتصف القرن العشرين حتى اليوم . وسبب هذا التقسيم يعود إلى أن المسرح العربي ونقده سارا في المرحلة الأولى على نهج معين في علاقتهما بالمسرح الأجنبي وبالحياة الاجتماعية والثقافية العربية . ثم انعطفا في المرحلة الثانية إلى نهج جديد يتعلق أيضاً بالحياة الاجتماعية والثقافية العربية . وسوف نفصل القول في كل من المرحلتين . |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |