مراجعات في الـمـسرح العربي منذ النشأة حتى اليوم ـــ فرحان بلبل

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 03:15 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المرحلة الأولى

عندما نشأ المسرح العربي في منتصف القرن التاسع عشر ، واجه الناس فناً جديداً ليس له سابقة في تاريخهم الأدبي والفني الطويل . فهم يعرفون الأدب ( كلاماً ) يصلُحُ بعضُ الشعر فيه مادةً للغناء . ومع أنهم كانوا ( يقلدون) بالتشخيص والتمثيل بعضَ مظاهر الحياة في سهراتهم واحتفالاتهم ، فقد كان ذلك أقرب إلى الأضاحيك التي تُروى في مجالس السمر أو في بعض طقوس التعبد والتزهد . ولم يعرفوا هذا الفن المؤلف من ( أدب قصصي حواري ) يجري على ألسنة أشخاص يقلدون أشخاصاً آخرين . ويضاف إلى هذا أن هذا الفن يجري في أماكن مخصوصة لا يجوز ولا يصح تقديمه في غيرها . وهو مزينٌ أيضاً بغناء وموسيقى . ولأن النقد لا بد أن يتلو الإبداع ، فقد كان لا بد من تقييم هذا الفن الجديد . ولأن نقاد الأدب والموسيقى لم يكونوا يعرفون شيئاً عن أصول هذا الفن الجديد وقواعده لتمييز غثه من ثمينه ، فقد انبرى المسرحيون أنفسهم للحديث عنه فكانوا أول ( النقاد المسرحيين ) . وكانت مهمة النقد عندهم ( التعريف على المسرح والإقناع به والتوصيف له ) . من هنا نفهم لماذا تقدم كل واحد من رواد المسرح العربي الثلاثة ، مارون نقاش وأبو خليل القباني ويعقوب صنوع ، إلى الجمهور بخطبة يشرح فيها هذا الفن الجديد ويبين مدى أهميته .‏

وكان مارون نقاش مبتدعُ المسرح العربي أولَ ناقد مسرحي . وهو يقول في خطبته التي ألقاها في بيته عند تقديم أول رواية له ( وإذ كانت هذه المراسح تقسم إلى كوميديا ثم إلى مرتبتين . كلتاهما تقر فيهما العين . إحداهما يسمونها بروزة - وبروزة مصطلح إيطالي يعني المسرحية النثرية - . وتقسم إلى كوميديا ثم إلى دراما وتراجيديا . ويبرزونها بسيطاً بغير أشعار . وغير ملحنة على الآلات والأوتار . وثانيهما تسمى عندهم أوبرة . وتنقسم نظير تلك إلى عبوسة ومحزنة ومزهرة )"(1)". وكما يفصل مارون نقاش في الحديث عن أنواع المسرح يبين في الخطبة ذاتها دور المسرح فيقول ( لأنه بهذه المراسح تنكشف عيوب البشر . فيعتبر النبيه ويكون منها على حذر . وعدا اكتساب الناس منها التأديب ورشفهم رضاب النصايح والتمدن والتهذيب ، فإنهم بالوقت ذاته يتعلمون ألفاظاً فصيحة ويغتنمون معاني رجيحة . إذ من طبعها تكون مؤلفة من كلام منظم ووزن محكم ) .‏

ويقدم لنا نقولا نقاش شقيق مارون تعريفاً للمسرح حين يقول ( اعلم كما أن الرواية تنقسم إلى جملة فصول ، هكذا أيضاً كل فصل ينقسم إلى جملة أجزاء . فالفصل هو حد يفصل الرواية ويقسمها عدة أقسام من واحد إلى خمسة. وإن وجد أكثر فيكون نادراً لا يُعوَّل عليه . وأما الروايات المحزنة ما نظرتُ منها لا أقل ولا أكثر من خمسة فصول . وفي نهاية كل فصل يصير تنزيل الستار الحاجب بين محل التشخيص وبين حاضري الرواية )"(2)". ويتابع النقاش هذا البحث عن المسرح حتى يستوفيه .‏

وانبرى أبو خليل القباني لتبيان قيمة هذا الفن الجديد . فكان يقول‏

( التمثيل جلاء البصائر ومرآة الغابر . ظاهره ترجمة أحوال وسير . وباطنه مواعظ وعبر ) . ويستوفي تبيانه لفضائل المسرح الذي نقلنا طرفاً منه في موضع آخر من هذا الكتاب .‏

ويتقدم يعقوب صنوع إلى متفرجيه ليلة عرض أول مسرحية له بخطبة عرَّف فيها المسرح وشرح أهدافه من إقامته ، ممهداً السبيل لهذا الفن إلى قلوب متفرجيه وعقولهم . وهو ، فوق هذا ، يؤرخ في مذكراته لنشأة هذا الفن على يديه في مصر متحدثاً عن أنواع المسرح وكيف تعرف إليها وكيف نقلها إلى مصر ."(3)"‏

ولا شك أن الرواد الأوائل ابتدعوا المسرح العربي عن المسرح الأوروبي . وقد نقلوه بالمشاهدة الفعلية لبعض العروض المسرحية والأوبرالية. وأتيح لهم الاطلاع على قلة من النصوص المسرحية الأجنبية دون الرجوع إلى كتب النقد المسرحي . واستطاعوا - بثاقب بصرهم - أن ينقلوا الهيكل الأساسي للعمل المسرحي وهو النص الحواري الذي يشخصه أناس على مكان يسمى المنصة . لكنهم ، وهم ينقلون أصول وقواعد العمل المسرحي ، كانوا يحاولون تقريب هذا الفن الغريب من الذوق العربي المعاصر لهم بحيث يخرج، كما يقول مارون نقاش ، ذهباً أفرنجياً مسبوكاً عربياً . فأدخلوا الغناء في المسرحيات التي لا يليق بها الغناء . واستمدوا موضوعاتهم من التاريخ العربي. وبسَّطوا حبكة النص المسرحي ، وملؤوه بالسجع الذي كان سمة الجمال في التأليف الأدبي يومذاك .‏

إن محاولة وضع أصول المسرح الأجنبي في بوتقة الذوق العربي هي أجلُّ وأخطرُ مهمة قام بها الرواد الأوائل ومن تلاهم من المسرحيين العرب . وسوف تكون المهمة الأجلَّ والأخطرَ للمسرحيين العرب حتى اليوم . وهي النقطة التي ستدور حولها المعارك النقدية بين المسرحيين وبين النقاد طوال القرن العشرين .‏

لكن المسرح العربي حينما ولد ونشأ وترعرع ، كان المجتمع العربي ينقسم حولـه قسمين . قسم مؤيد مشجع لأنه يرى فيه وجهاً حضارياً تحتاجه الأمة العربية في نهضتها الجديدة . وقسم معارض مثبِّط لأنه يرى فيه وجهاً من وجوه الفسق والفجور . وقد شعر المثقفون المتنورون بالخطر المحدق بهذا الفن من المعارضين له . فانبروا للدفاع عنه . وهكذا كان النقد المسرحي في أواخر القرن التاسع عشر وأول العشرين ينصبُّ في نقطة أساسية هي تبيان فن التمثيل وأهمية المسرح في حياة الشعوب . ويلخص الدكتور سمير عوض هذه الحالة في تقديمه للجزء الثاني من مجموعة كتب ( المسرح المصري ) بقوله (وإعلاء لشأن المسرح كان الكتاب والمحررون يشيدون بأهمية التمثيل في حياة الدول ذات الحضارات العريقة قديماً وحديثاً ، ولأنه مظهر من مظاهر التمدن ورقي الدول وتحضرها )"(4)". فالشيخ علي مبارك يكتب مقالاً ضافياً عن ( التياترات ) في عام 1882 فيقول ( فقال الشيخ : لولا ما ذكرت من كمال انتظام التياتر وحسن أحواله وأنه من مواضع التربية العمومية وتهذيب الأخلاق ، لخطر في البال أن ما يحصل به من التقليد والتمثيل والألعاب المتنوعة من قبيل ما يكون في بلادنا من ألعاب الطائفة المعروفة " أولاد رابية " ، وما يكون فيه من الأغاني والألحان أيضاً من قبيل ما يكون عندنا من غناء المغنين والمغنيات . وعلى الجملة فليس التياتر عندنا من قبيل ما ذكرت من ألعاب أولاد رابية ونحوها ، بل هو كما ذكرناه عبارة عن أمثال علمية على حسب الحوادث التاريخية والتقلبات الدهرية . وهو بهذه الكيفية مما يساعد على تقدم الأمة وتمدنها ، ويوسع دائرة فخرها وثروتها . وفوائده كبيرة ومزاياه كثيرة ) ."(5)" ومحمد كرد علي يتحدث في جريدة " المقتبس " عام 1906 في مقالة له بعنوان "التمثيل في الإسلام " عن أهمية المسرح وعن دوره في بلاد الغرب وعن وجوده القديم في اليابان وعن دخوله إلى بلاد الشام وانتقاله إلى مصر "(6)".‏

واستمر المسرحيون - والمؤلفون منهم على الخصوص - في الدفاع عن المسرح وفي شرح أصوله وقواعده وأهدافه . والمثال على ذلك أن المؤلف المسرحي المصري " عثمان صبري " نشر في عام 1922 مجموعة رواياته ووضع لها مقدمة طويلة بعنوان " مبحث في فن التمثيل " يشرح فيها مبادئ هذا الفن ويذكر وسائل تطويره ( بإيجاد تيار فكري تمثيلي ، وغرس حب التمثيل في النفوس وتعويد الجمهور على أنواعه الراقية )"(7)". ومثل ذلك يفعل سعيد تقي الدين . فهو يكتب مقدمة لمسرحيته ( نخب العدو ) التي نشرها في بيروت عام 1946 .‏

ويصعب إيراد جميع النصوص التي انصبت في هذه النقطة من تبيان أهمية المسرح وتقديم المعلومات عنه . ونكتفي بذكر بعض من ساهموا في ذلك. فمنهم في القرن التاسع عشر حفني ناصف وعبد الله النديم وسليم الخوري . ومنهم حتى منتصف القرن العشرين محمد المويلحي ولويس شيخو ومحمد تيمور وعباس محمود العقاد وإبراهيم المازني وتوفيق الحكيم وزكي طليمات وكثيرون .‏

وقد قامت الصحافة بدورها الجليل في دعم المسرح وتأييده . فكان صدرها مفتوحاً للمقالات التي تدافع عن المسرح . وتضمنت الصحافة في هذا المجال عدة أنواع من الحديث عن المسرح . فهي تنشر أخبار الأجواق المسرحية بما يرغِّب المتفرجين بمشاهدتها . من ذلك ما نشرته جريدة " الأهرام " عام 1884 عن قدوم أبي خليل القباني إلى مصر . فهي تقول ( قدم إلى ثغرنا من القطر السوري جوق من الممثلين للروايات العربية يدير أعماله حضرة الفاضل الشيخ أبي خليل القباني الدمشقي الكاتب المشهور والشاعر المفلق . وقد التزم للعمل قهوة الدانوب المعروفة بقهوة سليمان بك رحمي في جوار شادر البطيخ القديم . والجوق مؤلف من مهرة المتفننين في ضروب التمثيل وأساليبه. وبينهم زمرة من المنشدين والمطربين تروق لسماعهم الآذان وتنشرح الصدور. فنحث أبناء الجنس العربي على أن يتقدموا إلى عضد المشروع بما تعودوا من الغيرة )"(8)". ومثال ذلك أيضاً ما نشرته " الأهرام " أيضاً عن سفر الشيخ سلامة حجازي إلى سورية عام 1909 إذ تقول ( مساء اليوم يسافر حضرة الممثل البارع والمطرب المتفنن الشيخ سلامة حجازي مع جوقه إلى ربوع الشام بناء على طلب أهل الأدب ومحبي الفن في هاتيك البلاد )"(9)". ومثال ذلك أيضاً ما نشرته جريدة " الأيام " الدمشقية عام 1932 عن نادي الفنون الجميلة إذ تقول ( وفي النادي شعبة التمثيل الأدبي العربي تحت إدارة الأستاذ توفيق العطري . ولنا بالتمثيل حياة اجتماعية من عظات بالغات ودروس قيمة . فأكرم بهذا النادي يبعث في البلاد روحاً طيبة ) .‏

إن دور الصحافة في مجال الدعاية للمسرح والحض عليه أكبر مما يخطر ببالنا ويبلغ حد الطرافة . ( فقد بلغ من اهتمام الصحافة والمحررين بمكانة المسرح أنهم كانوا يحثون في أخبارهم ومقالاتهم المنشورة الجمهورَ على مشاهدة العروض المسرحية وتشجيع الفرق حتى يتسنى النهوض بهذا الفن الجميل . وكان هؤلاء يوجهون اللوم للجمهور حين يتقاعس عن ارتياد الحفلات المسرحية . ولم تكن الصحف تكف عن مطالبة الحكومة بمد يد العون للفرق المحلية أسوة بما تقدمه من حوافز مادية للفرق الأوروبية الزائرة ، منوهة بما للمسرح من مزايا وفضائل أهمها أنه يسمو بالنفوس ويهذب الأخلاق وينشر الاداب . وكان النقد الفني محدوداً للغاية انطباعياً في أغلب الأحيان . يصور جمال المناظر المدهشة وينقل للقارئ مقدرة الممثل على التعبير النفسي وعن الشخصية التي يؤديها ومدى انفعاله بالدور )"(10)".‏

وقامت الصحافة أيضاً بنشر المقالات عن المسرح والتمثيل والتأليف المسرحي . وكانت هذه المقالات تحاول أن تقدم وصفاً للواقع المسرحي العربي من ناحية ، وتَهدي المسرحيين إلى سبل تطوير المسرح من ناحية ثانية . من ذلك ما كتبه محمد حسين هيكل عن التأليف المسرحي عام 1933 . وما كتبه طه حسين عن لغة المسرح عام 1934 .‏

وقامت الصحافة أيضاً بنشر مقالات نقدية عن العروض المسرحية . وكان النقاد يحتكمون إلى أذواقهم فيما يصدرونه من أحكام . ولم تكن أحكامهم هذه تزيد عن آراء متفرقة . وأكثر ثقافتهم في أصول النقد مستمدة من مشاهداتهم للعروض المسرحية أكثر مما هي مستمدة من دراسة منهجية لفن المسرح وفن النقد . من ذلك ما كتبته جريدة " الأهرام " القاهرية عن عرض مسرحية " هارون الرشيد " لمارون نقاش التي قدمها في القاهرة ابن أخيه سليم النقاش . فهي تقول ( لقد شخص التياترو العربي في يوم السبت الماضي - 23 كانون الأول 1876 - رواية هارون الرشيد مراجعةً . فأتت متقنة غاية الإتقان، ومحكمة من المشخصين عموماً )"(11)" . ويكتب سليم عنحوري في مجلة " الشفاء " عام 1906 عن مسرحيات اسكندر فرح في القاهرة ( فرأينا من براعة الممثلين وإجادتهم في حسن التحدي ما حدا بنا إلى الجزم بأن هذا الفن قد انتقل عندنا من طور طفوليته إلى دور الحداثة فالصبوة فالشباب بسرعة لم تكن في الحساب )"(12)".‏

إن هذه التعليقات وأمثالها تكثر في الصحف والمجلات الصادرة حتى منتصف القرن العشرين . وقد تناولت أعمالَ المسرحيين كبيرهم وصغيرهم . ويبدو أن هذا النقد لم يكن يلاقي صدى طيباً عند المسرحيين . ولدينا شاهدان فريدان عن آراء المسرحيين في النقد في تلك المرحلة .‏

أولهما ما أورده الشاعر والمسرحي رضا صافي في كتابه ( على جناح الذكرى ) حين قدم في حمص مسرحيته ( فظائع المنجمين ) عام 1931. فقد كتب عن المسرحية اثنان ( هما الأخ الغالي المرحوم الأستاذ قدري العمر والصديق الزميل المرحوم الأستاذ سليم أنبوبا . فأما الأول فيكتب في مجلة " البحث " كلمة قيمة عنوانها " معرفة النفس باب النجاح " يختمها بمجاملة جد سخية لأخيه كاتب الرواية . وأما الثاني فيكتب في جريدة " صدى سوريا " مقالاً مسهباً ينقد فيه الرواية نصاً وتمثيلاً فيصيب ويخطئ . ولكنه يتجنى على صديقه إذ يزن روايته المحلية البسيطة بميزان الرواية العالمية " فاوست " لشاعر ألمانيا العظيم غوتيه . ولعل هذا ما أوقعه ببعض الأخطاء . ومن هذه المناسبة ، وأخرى شبيهة بها كان صاحبنا عرفها من قبل ، استقر في نفسه أن لا يطمئن إلى كلمة نقد يسمعها أو يقرؤها حتى يعرف الصلة الشخصية بين الناقد والمنقود )"(13)". ويدعم رضا صافي رأيه في رفض النقد بحادثة شاهدها . فقد كان مرة يزور المرحوم نجيب الريس في جريدته " القبس " . ( وكان أمامه على المكتب كتاب عنوانه " المآسي " . ويدعو أحد محرري الجريدة ويدفع إليه الكتاب ليقرأه ويكتب عنه كلمة تنشر في الجريدة . فيسأله المحرر: حنطة أم شعير ؟ فيجيبه نجيب : بل حنطة مغربلة مُصَوَّلة . فالرجل صديقنا وأخونا وهو بحاجة إلى المؤازرة والمساندة . وأراجع نجيباً في رأيه هذا فيبرره بأن جريدته سياسية وليست أدبية . وللسياسة نهجها الخاص في هذه الأمور ) . وينوي رضا صافي بعد هذه الحادثة ألا يهتم بالنقد الذي يكتب حول مسرحياته أو مسرحيات غيره . وكثيراً ما سمعت من المسرحيين العاملين في هذه المرحلة مثل هذا الرأي المتألم من النقد .‏

والشاهد الثاني ما كتبه سعيد تقي الدين عام 1946 في مقدمته لمسرحيته ( نخب العدو ) . فهو يرد تأخر الدراما العربية إلى أسباب منها تأخر النقد . ثم يتحدث بمرارة وسخرية إذ يقول ( أما طوفان النقد في سوريا ولبنان فراجع إلى أسباب عدة أترك منها ما هو شائع ومعروف ، وأذكر ما أعتقد أنه على القراء جديد . فالنقد يوهم صاحبه ، ولو ضمناً ، بالتفوق على المنقود . أنا أنقدك إذن أنا أفضل منك . ومادام حب التسود غريزة إنسانية فلا عجب إذا تفشى داء النقد. كذلك ليس من إنتاج مهما عظم إلا وفيه نواح ضعيفة يسهل اكتشافها فتسري نشوة الظفر في عروق الناقد مكتشفها . كذلك التطرف يولد التطرف. القياصرة خلقوا البلاشفة . والمديح بلا وزن سبب النقد الأعمى)"(14)".‏

إن اعتماد النقد على الذوق الارتجالي حتى منتصف القرن العشرين يعود إلى قلة الثقافة المسرحية في الوطن العربي . وكل بضاعة النقاد المسرحية بعضُ مقالات مترجمة عن المسرح وبعضُ مسرحيات قليلة مترجمة وتذوقٌ لفن المسرح وإدراكٌ لدوره الاجتماعي والثقافي .‏

لكن هذا الواقع يؤكد لنا أمراً هاماً في تاريخ المسرح العربي وفي تاريخ نقده . وهو أن النقد استمد قواعده وأصوله من الأعمال الإبداعية العربية أكثر مما استمدها من قواعد المسرح الأجنبي . فإذا أضفنا إلى ذلك أن المسرحيين المبدعين كانوا يتقدمون إلى جمهورهم وقرائهم بشرح نظرية المسرح عندهم كما فهموها ومارسوها ، تأكد لدينا أن النقد المسرحي العربي "اعتمد على نفسه في أصول نقده " . ولأن المسرح العربي لم يكن قد تشكل له تاريخه وأعماله ، وكان أقرب إلى التجريب منه إلى ابتداع الأصول المتوارثة والقواعد المعروفة ، فقد كانت موازين النقد المسرحي مضطربة من ناحية ، وتعتمد على أحكام عمومية مثل ( أجاد فلان في التمثيل ) و( قصر فلان في الإخراج ) من ناحية ثانية . وبذلك ظلت الحركة النقدية متخلفة عن حركة المسرح . وليس للنقد من فضل في هذه المرحلة الأولى إلا التأريخ للأعمال المسرحية ونقل شيء من الثقافة المسرحية ووضع الأسس الأولى للتحليل النقدي للأعمال المسرحية المكتوبة والمعروضة . وليست هذه الأمور قليلة الأهمية في تاريخ النقد المسرحي . بل إنها أمور جليلة . فبالتأريخ عرفنا ما جرى . وحُفظت لنا أسماء كثير من المسرحيات وأسماء ممثليها ومخرجيها . وبالمقالات المكتوبة عن فن المسرح بدأنا نتعرف على الثقافة المسرحية التي سوف تتسع فيما بعد . وكان نقد الأعمال المسرحية بداية لخلق حركة نقدية مهما بدا من ضعف هذا النقد وتخلخله . ولدينا شاهد عظيم على صحة ما أوردناه من دور النقد في هذه المرحلة . وهو مجموعة الكتب التي أصدرتها مؤخراً وزارة الثقافة المصرية - المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية - تحت عنوان ( المسرح المصري ) منذ عام 1891 . فهي تعتمد على الكتابات المتفرقة في الصحف والمجلات من أخبار وإعلانات وكتابات نقدية .‏

وإذا كان المسرح أولاً وآخراً نصاً مسرحياً يؤديه فريق عمل مسرحي، فقد كان المسرح العربي طوال القرن الأول من حياته يتطور ويواكب الحياة ويتعلم جيلٌ جديدٌ فيه من جيل قديم . وإذا كان العمل المسرحي ينطوي مع أصحابه الذين أدَّوْه على خشبة المسرح ، فإن النص المسرحي يبقى . ومن المؤكد أن النص المسرحي هو الذي يفرض تطور المسرح .‏

ولو راجعنا النصوص المسرحية التي كتبت بين بداية نشأة المسرح العربي وبين منتصف القرن العشرين ، لوجدنا أن هذه النصوص كانت تستكمل أدواتها الفنية مقتربة من مفهوم الدراما الأوروبية بسرعة كبيرة . فمنذ نهاية الحرب العالمية الأولى حتى منتصف القرن العشرين ، نجد نصوصاً مسرحية تقارب فن الدراما بقوة . وتم ذلك على يد توفيق الحكيم وعلي أحمد علي باكثير ومحمود تيمور وأقرانهم في مصر ، وعلى يد مراد السباعي وعبد الوهاب أبو السعود وأقرانهما في سورية . ومع أن المسرح في بقية الأقطار العربية نشأ متأخراً عن نشأته في مصر وسورية ، فإن كتابها المسرحيين سرعان ما لحقوا بأقرانهم في هذين القطرين . ومن خلال تطور النص المسرحي نحو الاكتمال ، كان فن التمثيل والإخراج يسعى نحو الاكتمال . فبازدياد قوة الحبكة وبراعة بناء الشخصيات وتطور لغة المسرح ، كان الكاتب المسرحي يتقن فن الدراما وكان الممثل يتقن فن أداء الدراما . وقد حاول النقاد مسايرة هذا التطور . لكن ثقافتهم المسرحية القليلة جعلتهم عاجزين عن مواكبة تطور المسرح . فظل نقدهم - كما قلنا - أقرب إلى التعليقات الذوقية منه إلى النقد المعتمد على أصول وقواعد . ولذلك لم يحظ المؤلفون المسرحيون بالنقد العلمي الصارم إلا في النصف الثاني من القرن العشرين حين عاد النقاد إلى تاريخ المسرح العربي وتقييم ما أُنجـِزَ فيه .‏

(1) - ( نظرية المسرح ) في قسمين . تحرير وتقديم محمدكامل الخطيب . إصدار وزارة الثقافة السورية‏

عام 1994 . ص 418 من القسم الأول .‏

(2) - المصدر السابق ص 433 .‏

(3) - نجد مذكرات يعقوب صنوع في المصدر السابق ص 369 من القسم الأول .‏

(4) - ( المسرح المصري 1891 - 1895 ) الجزء الثاني - تقديم وتحليل سمير عوض ص 13 .‏

(5) - المصدر السابق ص 49 - القسم الأول .‏

(6) - المصدر السابق ص 143 - القسم الأول .‏

(7) - المصدر السابق ص 451 - القسم الثاني .‏

(8) - ( المسرحية في الأدب العربي الحديث ) تأليف الدكتور محمد يوسف نجم ص 115 .‏

(9) - المصدر السابق ص 139 .‏

(10) - ( المسرح المصري ) الجزء الثاني ص 13 .‏

(11) - المصدر السابق ص 99 .‏

(12) - المصدر السابق ص 130 . ويقصد الكاتب بحسن التحدي إجادة تمثيل الصراع المسرحي .‏

(13) - ( على جناح الذكرى ) في أربعة أجزاء . إصدار وزارة الثقافة السورية - دمشق عام 1986 .‏

ص 33 . والكاتب يستخدم ضمير الغائب تعبيراً عن نفسه .‏

(14) - ( نظرية المسرح ) ص 531 - القسم الثاني .‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244