|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 03:15 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
المرحلة الثانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بدأت الثقافة المسرحية عند المسرحيين وعند النقاد تتغير تغيراً جذرياً . فقد بدأت المطابع تقذف إلى القارئ العربي أكثر التراث المسرحي الأجنبي إبداعاً ونقداً . ولا يعني هذا الكلام أن رجال المسرح في المرحلة الأولى لم يطلعوا على المسرح الأجنبي . فقد ثبت بالدليل القاطع أن المسرحيين منذ أيام خليل القباني عرفوا شكسبير وموليير وراسين وكورني وشيللر ونصوصاً قليلة أخرى لغير هؤلاء . وقد قام القباني نفسه بإخراج إحدى مسرحيات كورني . لكن هذا الاطلاع على نصوص المسرح الأجنبي اتخذت شكلاً غريباً . فهم لم يعرفوا هذه النصوص على ما هي عليه . ولم يطلعوا عليها مباشرة بأنفسهم . بل كانوا ينقلون نُسَخاً مترجمة ومعدة عنها. فقد جرت عادة بعض المترجمين - وكان المترجمون قلة - أن يقوموا بحذف ما يرونه غير مناسب لطبيعة العرض المسرحي العربي . وكانوا يُخضعون أسلوب الترجمة لأسلوب البلاغة الذي كان سائداً في نهاية القرن التاسع عشر وأول العشرين . وهو الأسلوب المسجوع الذي لم يتحرر منه الكتاب العرب إلا بعد الحرب العالمية الأولى . وكان اقتناص السجع يقتضي تغييراً في المعاني وترتيب الحوار . فيزيد ذلك من تغيير النص الأصلي وتشويهه . وكان المسرحيون - وأكثرهم ذوو ثقافة عامة محدودة - يتلقفون هذه المترجمات المعدَّلة المغـيَّـرة ويُجرون عليها تعديلاتهم الخاصة بهم . ثم يتلقف النصوصَ نفسها التي أجرى عليها المسرحيون تعديلاتهم جيلٌ جديدٌ من المسرحيين ويُجرون عليهاتعديلات جديدة يرونها مناسبة لهم . وإن كتاب محمد يوسف نجم ( المسرحية في الأدب العربي الحديث ) مليء بالإشارات الواضحة إلى ما كان يُجريه المترجمون من تغييرات وتشويهات . فهو يقول عن " ماكبث " التي ترجمها عبد الملك إبراهيم واسكندر جريس عام 1900 ( وإذا ذهبنا نحاسب المترجِـمَـيْن على مقتضيات هذه الفكرة السامية التي دفعتهما إلى الترجمة ، وجدنا أنهما شوَّها هذا الأثر النفيس وعبثا به كل العبث حتى خرج من بين أيديهما وكأنه لا يمت إلى الأصل بصلة تُذكر ). ص 233 . ويقول أيضاً عن ترجمة خليل مطران لمسرحية " عطيل " عام 1912 ( ولعل الخطأ البارز في هذه الترجمة هو تصرف المترجم بالحذف والاختصار في بعض المواضع واستغناؤه عن سطور كثيرة بل مشاهد تامة وهو يعلم أن المؤلف لم يأت بها حشواً أو ثرثرة بل وضعها لأغراض أدبية معينة تدخل في صميم رسم الشخصية أو بناء الفعل أو لحيلةٍ فنية يفرضها تطور المسرحية أو نوع المسرح أو استعداد الممثلين ) . ص 246 . ولم يكتف المسرحيون بأخذ المسرحيات المترجمة على هذا النمط ، بل كانوا يقومون بتمصيرها أو تشويمها . وكانت هذه النصوص المشوهة المترجمة أو المعربة تنتقل من يد إلى يد في مصر وبلاد الشام . فقد نقل عبد الوهاب أبو السعود المسرحيات الأجنبية التي قدمها جورج أبيض في القاهرة وقدمها في دمشق . وأخذها عنه عدد من المسرحيين في دمشق وحمص وغيرها من المدن السورية . وتناقل المسرحيون السوريون عدداً كبيراً من مسرحيات موليير . فكانت المسرحية الواحدة تقدم في دمشق وحمص وحلب جيلاً بعد جيل وبكثير من التغيير يقوم به كل واحد منهم مع أنها كانت مترجمة بشكل غير دقيق . والمسرحيات الأجنبية التي قدمتها الفرق المصرية في بعض الدول العربية كانت تستقر في هذه الدول ويقوم مسرحيوها بتمثيلها بعد تعديلها وتغييرها . ويقوم مترجموها بالترجمة على منوالها . إن ما سبق يعني أن معرفة المسرحيين العرب بأصول التأليف المسرحي الأجنبي - ومسرحنا منقول عنه - كانت مشوهة منقوصة . ولم يكونوا يعرفون أصول الدراما على حقيقتها . وإذا كانوا يعرفون بعض المسرحيات الأجنبية على الشكل الذي سبق الحديث عنه ، فقد كانوا يجهلون الكثير عن أصول النقد المسرحي . فهم لم يترجموا كتب النقد المسرحي ما عدا أبحاثاً قليلة ترجمها قلة من المترجمين . وكان بعض المثقفين يطلعون على كتب النقد الأجنبي ثم يقومون باقتباسه في أبحاث يكتبونها عن المسرح . أما علاقتهم بمناهج التمثيل الأجنبية فقد كانت منقطعة تمام الانقطاع . وكل ما أتيح لهم من اطلاع على هذه المناهج هو مشاهدة بعض منهم لعدد قليل من العروض المسرحية الأجنبية أثناء زيارتها للبلاد العربية . وإذا كان جورج أبيض قد تلقى فن التمثيل على يد ممثل فرنسي قبل الحرب العالمية الأولى ، فإن زمناً طويلاً سيمضي قبل أن يتاح لغيره مثل هذا التلقي . وكل ما تلقاه المسرحيون السوريون مثلاً من تعلم على يد الأجانب هو ما أخذه عبد الوهاب أبو السعود عن جورج أبيض حينما أقام في مصر عاماً وبعض عام وتعرف على الممثل الكبير . وكان الممثلون السوريون والعرب عموماً يتعلمون فن التمثيل بشكل أساسي على يد الفرق المسرحية المصرية التي كانت تزور سورية وغيرها من الأقطار العربية منذ بداية القرن العشرين حتى الحرب العالمية الثانية . وكان التمثيل عند هذه الفرق يتراوح بين الهزل الرخيص وبين الجدية المفرطة المغرقة في استدرار الدموع . ولأن الجميع لم يتعلموا أصول التمثيل الأجنبي فقد كانت أساليبهم في التمثيل والإخراج نابعة من إحساسهم بالمسرح وبدوره الاجتماعي وبعلاقته بالجمهور أكثر مما كانت نابعة من تعلم مناهج التمثيل . أما بعد الحرب العالمية الثانية فقد تغير الحال تغيراً جذرياً . لقد أخذ المسرحيون يطلعون على المسرحيات الأجنبية كما هي عليه بعد ترجمتها ترجمة دقيقة بأسلوب عادي يقصد إلى نقل المعنى دون تشويه أو تغيير . ولم يقف المترجمون عند مشاهير المؤلفين من أمثال شكسبير وموليير ، بل قاموا بترجمة أكثر التراث المسرحي . ولم يمض على نهاية الحرب العالمية الثانية أربعون عاماً حتى كان القسم الأعظم من التراث المسرحي الأجنبي قد ترجم إلى العربية . وقد قامت المؤسسات الرسمية ودور النشر في عدد من الأقطار العربية بمهمة ترجمة هذا التراث على شكل سلاسل مسرحية شهرية كما فعلت وزارات الثقافة المصرية والسورية والكويتية . والنقطة الهامة في هذه السلاسل المترجمة أن كل مسرحية منها توضع لها مقدمة واسعة تتحدث عن الكاتب وعصره والمدرسة الأدبية التي ينتمي إليها . ولم تقف الترجمات عند التراث المسرحي القديم ، بل واكبت أحدث المسرحيات الأجنبية . وامتدت الترجمات إلى المسرحيات الممتدة على اتساع العالم من أمريكا إلى أوروبا إلى آسيا . فأتيح للكاتب العربي ، بهذا الشكل ، أن يطلع على التيارات المسرحية الصغيرة والكبيرة منها في شتى أنحاء المعمورة . وبسبب ازدياد وسائل الاتصال في العالم عبر التلفزيون والسينما ، صار بإمكان المسرحي العربي أن يشاهد كثيراً من العروض المسرحية المعدة للمسرح أو للسينما أو للتلفزيون . وبسبب هذا التوسع في الترجمات صارت الثقافة المسرحية جزءاً من الحياة الفكرية العربية كما صار العرض المسرحي جزءاً من الحياة الاجتماعية العربية . فالمتفرج في المرحلة الأولى كان يكتفي بمشاهدة العروض المسرحية دون أن يهتم بالثقافة المسرحية . ولم يكن تاريخ المسرح وأصوله وقواعده وأصول نقده من دائرة اهتمام المثقف العادي بله المتفرج العادي . وكانت الثقافة الشعرية هي الطاغية على الحياة الفكرية . ودليل ذلك أن المعارك النقدية الكبرى في الهزيع الأخير من القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين كانت تدور حول الشعر والتجديد فيه . ولم ينل المسرح إلا جانب التعريف به على أضيق نطاق كما ذكرنا من قبل . أما النصف الثاني من القرن العشرين فقد صار المسرح ميدان معاركه النقدية . وبذلك صار ( البحث المسرحي ) يحتل مرتبة رفيعة في الحياة الفكرية تطغى على مرتبة ( البحث الشعري ) . بسبب هذا الاهتمام بالثقافة المسرحية أخذت الصحافة تهتم بالمسرح . وكان ذلك انعطافاً هاماً في حياتها . فبعد أن كان المسرح ينال أقل الزوايا في الصحف والمجلات ، صار يحتل أبرز مكان فيها . وكمثال على ذلك أن مجلة ( المعرفة ) السورية التي تصدر عن وزارة الثقافة أخذ المسرح مكانه فيها منذ العدد الأول الذي صدر في شهر آذار من عام 1963 . ولم تلبث أن خصصت عدداًضخماً للمسرح في عام 1964 ثم في العام الذي يليه ثم في الأعوام التي تلت . ثم بدأت تظهر المجلات المتخصصة بالمسرح كمجلة ( المسرح ) في مصر والعراق . ومجلة ( الحياة المسرحية ) في سورية . وعندما ظهرت مجلة ( الموقف الأدبي ) في أوائل سبعينات القرن القرن العشرين مع تأسيس اتحاد الكتاب العرب في سورية ، كانت الأبحاث المسرحية لا تنقطع عن أعدادها . وكانت تخصص بين الحين والآخر عدداً منها للمسرح . وفي كل قطر عربي أخذت تظهر مجلات فصلية بين الحين والآخر تختص بالمسرح . وأخذت أخبار العروض المسرحية وإصدارات الكتاب المسرحيين تحظى باهتمام الصحافة في أكثر الأقطار العربية . فترى مجلات وصحف لبنان والكويت والخليج وسورية تتلقف أخبار العروض المسرحية وكتب الدراسات عن المسرح وتتحدث عنها . أثناء ذلك أخذ المترجمون بترجمة أهم كتب النقد المسرحي القديمة والحديثة . وواكبوا الأبحاث المسرحية التي كانت تنشرها المجلات الأجنبية سواء منها التي تدور حول النظريات المسرحية أم حول العروض المسرحية . وهكذا صار المثقف العربي يعرف تاريخ المسرح لا من خلال نصوص متفرقة، بل من خلال تأريخ منهجي لتطوره ومدارسه واتجاهاته . وصار يعرف أصول الدراما وتطورها من الكلاسيكية إلى آخر الاتجاهات المعاصرة . ويضاف إلى هذا التوسع في الثقافة المسرحية أن الحركة المسرحية حملها المثقفون في كل أنحاء الوطن العربي . ولنذكر - كمثال على ذلك - أن ( ندوة الفكر والفن ) التي تشكلت في سورية في نهاية خمسينات القرن العشرين كانت من طلاب الجامعة في دمشق وأساتذتهم . وعلى هذا الغرار قام النشاط المسرحي منذ بداية الستينات في سورية ومصرولبنان . فقد حمله الجامعيون على أكتافهم . ولم يهل عقد السبعينات حتى كان المخرجون يعودون من الدراسة في البلدان الأجنبية إلى أكثر البلدان العربية . وفي أواخر عقد السبعينات أنشئ المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق . ومع أن عدداً من الأقطار العربية سبق سورية في إيفاد الطلاب لدراسة الفن المسرحي في الأقطار الأجنبية وفي إنشاء المعاهد المسرحية كمصر والعراق ، فإن انتشار الثقافة المسرحية لم يتم فيها إلا بعد الحرب العالمية الثانية على الشكل الذي ذكرناه . في مثل هذا الجو المسرحي المثقف لم يعد التأليف المسرحي قائماً على معرفة ساذجة بدائية لفن المسرح ، بل صار يعتمد على معرفة عميقة بأصول الدراما . وصار التمثيل والإخراج علماً منهجياً يتلقاه أصحابه . وفي الوقت نفسه صار للنقد أسلحته الماضية المعتمدة على أصول النقد وقواعده . ولم يعد يكفي فيه التذوق الشخصي أو الرأي الانطباعي العابر . لكن هذه الثقافة المنهجية التي حظي بها المسرحيون ونقادهم كانت (الورطة ) الكبيرة التي وقعوا فيها ومايزالون ، والتي هي نقطة الخلاف الجوهرية بين المبدع والناقد . والتي سنحتاج إلى وقت طويل للخروج منها . * * * لنتذكر ما قلناه في البداية عن تاريخ الإبداع الأدبي بأنه يتمحور في قواعد وأصول كانت تشكل مدارس أدبية تنتمي إلى عصور معينة محددة بعدد من السنوات . وكان كل مذهب أدبي ترجماناً عن الواقع الاجتماعي الذي عايشه المبدعون . وهذا يعني أن الكتاب المسرحيين الأجانب ينتمي كل واحد منهم إلى عصر معين وإلى مذهب معين . يضاف إلى هذا أن المذاهب المسرحية الأجنبية كانت جزءاً من التراث الأدبي للأمم التي عرفت المسرح . والكاتب المسرحي الأجنبي المعاصر يرث تاريخ أمته الأدبي كما يرث تاريخ مسرحها مبوباً مدروساً مقسماً إلى عصور ومذاهب ومدارس . وهو يعي ويعايش هذا التاريخ بوعي وتمثُّل لأنه تاريخه . فيكون تأثره بهذا التاريخ نابعاً من أصالته في فن المسرح . فيستطيع أن يوازن بين ما ورثه وبين ما يُبدعه دون اختلاط أو اضطراب . مثله في ذلك مثل الشاعر العربي المعاصر . فهو يعرف تاريخ الشعر العربي مبوباً مدروساً مقسماً إلى عصور ومدارس ومذاهب . ويميز -بدقة متناهية - بين خصائص الشعر الجاهلي والشعر الأموي والعباسي والأندلسي . ويدرك ويعايش هذا التاريخ بوعي وتمثل لأنه تاريخه . فإذا جدد أو ثار على تاريخه الشعري كان تجديده وثورته نابعين من أصالته في فن الشعر . فيستطيع إقامة التوازن بين ما ورثه وبين ما يُبدعه . ولهذا كان الشعر الحديث ابن الشعر القديم والثائرَ عليه في آن واحد . وقد نشأ هذا الشعر مكتمل الأدوات الفنية قادراً على الوقوف بجدارة وشموخ إلى جانب التراث الشعري العربي الشامخ . وحالة الممثل المسرحي الأجنبي تشبه حالة قرينه الكاتب المسرحي . فهو يعرف تاريخ العرض المسرحي لأمته . وهو ابنه ووارثه . وأصول التمثيل التي اتخذها لنفسه في العصر الحديث نتاجُ تطور طويل عايشها أجداده وقاموا به . وينتج عن ذلك أن الممثل الأجنبي في كل من الأمم التي عرفت المسرح له سماته وأساليبه الفنية الخاصة به ، مما يجعل العروض المسرحية الأجنبية تحمل سمات الأمم التي تنتمي إليها .ويكفي للدلالة على ذلك أن تشاهد عرضاً مسرحياً إنكليزياً أو فرنسياً أو روسياً . فسوف تدرك - دون أن تسمع الكلام - خصائص التمثيل لكل واحد من هذه العروض فتقول عنه إنه إنكليزي أو فرنسي أو روسي . ومع أن الكاتب والممثل في كل واحدة من الأمم الأجنبية يتبادلان التأثر والتأثير مع تراث الأمم الأخرى ، فإنهما يُخضعان ما يتأثران به إلى خصائص أمتهما وخصائص تراثها المسرحي الخاص بها . أما المسرحيون العرب فشأنهم مختلف عن شأن المسرحيين الأجانب اختلافاً جذرياً . لقد اطلعوا دفعة واحدة على جميع النصوص المسرحية المنتمية إلى عصور ومراحل ومدارس . وتأثروا بها كلها دفعة واحدة . أي أن الكاتب المسرحي يتأثر دفعة واحدة بالمسرح اليوناني وبمسرح شكسبير وبمسرح الكلاسيكية الفرنسية ومسرح الواقعية وبمسرح إبسن وتشيخوف دون أن يكون منتمياً إلى أمة واحد من هؤلاء الكتاب أو تلك المراحل . ويتأثر بتيارات القرن العشرين من السريالية إلى العبثية إلى البريختية . وقد يتأثر بتيارات مسرحية أصغر منها كمسرح الغضب أو مسرح القسوة . وقد يفتنه كاتب مجدد في أمريكا اللاتينية أو في الصين . ولأن الكاتب المسرحي العربي لا جذور له في هذا الفن تعصمه من الانبهار ، فقد تتراكم في نص واحد من نصوصه تأثيرات مختلفة متعددة متناقضة . فإذا تذكرنا أن كل واحد من الكتاب الأجانب الذي تأثر به الكاتب المسرحي العربي ينتمي إلى مدرسة أدبية تختلف في كثير أو قليل عن الكاتب الآخر ، أدركنا مدى الاختلاطات التي كانت تتم عند كل واحد من كتاب المسرح العربي . وتلك هي الورطة التي وجد الكاتب المسرحي العربي نفسه فيها . وكانت ( ورطة ) الممثل العربي شبيهة بورطة الكاتب أو أشد خطراً . فهو يتلقى أصول التمثيل في الجامعات الأجنبية أو عن المخرج الذي تلقى هذه الأصول في تلك الجامعات . وهذه الأصول التي تلقاها تنبع من تراث الأمة التي تلقّى العلم في جامعاتها ومن تاريخ العرض المسرحي فيها . ولأن الممثل العربي لا جذور له في هذا الفن ، فقد نقل هذه الأصول مجردةً عن تاريخها وعن تاريخ الأمة التي تلقّى العلم بين ظهرانيها . فكانت هذه الأصول معلقة في الهواء . وكانت أقرب إلى التقليد الأعمى الذي ينقل الشكل الظاهري الأجوف دون العمق الإنساني والجذر التاريخي . ودليل ذلك أن أكثر العروض المسرحية العربية التي يقدمها الدارسون لفن التمثيل لا تستطيع القول عنها إنها عربية إلا إذا سمعت الكلام فيها . فإذا لم تسمع الكلام ضاعت هويتها . وأعتقد أن العروض المسرحية المقدمة اليوم على امتداد الوطن العربي تؤكد هذه الظاهرة . ولعل ما جرى في المرحلة الأولى من تاريخ المسرح العربي يؤكد أيضاً هذه النقطة . فالممثلون في تلك المرحلة لم يطلعوا على أصول التمثيل والإخراج الأجنبية إلا على نطاق ضيق . فكانوا يخترعون وسائلهم . ومع أن هذه الوسائل كانت بدائية تتسم بالجهل بأصول فن التمثيل . فقد كانت نابعة من بيئتهم ومن ظروف مجتمعهم ومن تأثرهم بالجمهور المتلقي لفنهم . فكأنهم - رغم جهلهم وبدائيتهم - كانوا يبتكرون فن التمثيل العربي . فأثروا في مجتمعهم أبلغ تأثير . فلما جاء العلم بأصول التمثيل في المرحلة الثانية انقطع هذا التطوير للتمثيل العربي . و( انتقل ) الممثل العربي إلى أسلوب جديد منقول عن المسرح الأجنبي فكان ما ذكرناه عن غربة التمثيل عن جذره العربي . ووجد الممثل المسرحي نفسه معلقاً في الهواء . فوقع في ورطة شبيهة بورطة الكاتب المسرحي العربي . لكن المسرحي العربي - الكاتب والممثل - الذي وقع في هذه الورطة كان يحاول أن يشق لنفسه طريق الخلاص منها . فالكاتب الذي تأثر بمختلف الاتجاهات والمدارس المسرحية الأجنبية القديمة والحديثة ، ينتمي إلى عصر معين محدد وإلى جمهور مسرحي معين محدد . فكان مضطراً أن يعالج مشاكل اجتماعية وسياسية وإنسانية تهم جمهوره في عصره ومجتمعه . وكان عليه أن ينتقي شكلاً فنياً يستطيع مخاطبة جمهوره وإقناعَه . وفوق هذا وذاك ، فإن الكاتب المسرحي العربي ينتمي إلى تراث أدبي عريق إن لم يكن للمسرح فيه نصيب ، فإنه يفرض عليه ذائقة فنية وبلاغية هي الفيصل الأخير في جميع النتاج الأدبي للأدباء في المرحلة التي يكتبون أدبهم فيها . فكان الكاتب المسرحي الذي اختلطت عنده التيارات والمذاهب والعصور مضطراً أن يصوغ من مجمل ما تأثر به أسلوباً فنياً خاصاً به مُقنِعاً لعصره معجِباً لجمهوره متناسباً مع الواقع الذي يعيش فيه . وكان هذا الفعل أعظم إنجاز قام به المؤلفون المسرحيون العرب على امتداد وطنهم المترامي الأطراف . والدليل على ذلك ما نراه من تمايز كبير بين كتاب كل قطر عن كتاب القطر العربي الآخر . فالكتاب السوريون مثلاً ، تأثروا بأشتات متباينة من تراث المسرح الأجنبي . لكنهم خاطبوا جمهوراً واحداً هو الجمهور السوري في فترة أوائل ستينات القرن العشرين حتى نهايته . وعالجوا مشاكل تهم هذا الجمهور . فكان الكاتب المسرحي السوري يتعلم أصول الدراما كما أخذها عن المسرح الأجنبي . ثم يقرض هذه الأصول من هنا ومن هناك . ويضيف إليها شيئاً من بيئته وشيئاً من تاريخه . فيشكل في النهاية أسلوباً فنياً خاصاً به . ومع ذلك فإن جميع الكتاب المسرحيين السوريين - دون استثناء - يتمثلون أصول الدراما ذات الحبكة رغم قرضهم لأصولها . ويبنون القصة الدرامية المحبوكة . ويكتبون باللغة العربية الفصحى التي تفرض جلالاً وعمقاً وتعمقاً في البناء الدرامي . وقد تمسكوا بالكتابة بالفصحى لأن المواطن السوري لا يعترف على ( أدب ) غير مكتوب بالفصحى . ولا يتلقى كتاباً مطبوعاً بالعامية . وإذا حدثت استثناءات في هذا المجال فإن الاستثناء يؤكد القاعدة . وكان شأن الكتاب المسرحيين المصريين شبيهاً بشأن الكتاب السوريين . فهم يقدمون القصة المسرحية ذات الحبكة رغم اختلافاتهم في طريقة بنائها . لكنهم يكتبون بالعامية التي تفرض أسلوبها في البناء الدرامي لأن المواطن المصري يعترف بالأدب المسرحي المكتوب بالعامية . ويتلقى الكتاب المطبوع بالعامية . أما المسرح المغربي والتونسي فقد أهملا البناء الدرامي ذا الحبكة . ونهجا نهجاً مغايراً لنهج السوريين والمصريين . واتخذا العامية والفصحى معاً أسلوباً للكتابة دون أن يتخذ المتلقي فيهما موقفاً من العامية أو من الفصحى . ولأنهم اعتمدوا في هذين القطرين على المظاهر الاحتفالية الموروثة في مجتمعاتهم ، فقد كان الكتاب فيهما أكثر قدرة على الخروج على أصول الدراما التقليدية منها والمعاصرة . ويمكن لك أن تتابع خصائص التأليف المسرحي في كل قطر عربي . فتجد ، رغم تباين الكتاب ، رابطاً يجمعهم لأنهم أبناء عصر واحد ويتوجهون إلى جمهور واحد هو جمهورهم . وكان شأن الممثل المسرحي العربي كشأن الكاتب . فقد تلقى أصول التمثيل عن المدارس الأجنبية . لكنه - والمخرج من ورائه - يتوجه إلى جمهور معين في عصر معين . وهو أكثر الفنانين حاجة إلى استجابة الجمهور لما يقدمه من فن . وهو الذي يتلقى ردة الفعل المباشرة من الجمهور . وهي ردة فعل ضارية ساحقة قد تودي بالممثل أو ترفعه إلى أعلى . ولهذا كان الممثل مضطراً أن يصنع من مجمل ما تعلمه أسلوباً محلياً خاصاً به ، وينفذ بواسطته إلى عقول متفرجيه وقلوبهم . وكان على المخرج أيضاً أن يصوغ من أساليب الإخراج التي تعلمها أسلوباً محلياً عربياً يعين الممثل على مخاطبة جمهوره . وإذا كانت محاولات الممثلين والمخرجين في خلق هذا الأسلوب العربي تنجح مرة وتفشل مرة ، فإنها محاولة دائبة . ويمكن القول إنها الإنجاز الطموح الذي يسعى إليه الفنان العربي . فماذا فعل النقد في تقييمه لمحاولات الكاتب والممثل ؟ * * * كما تلقف الكاتب المسرحي تراث المسرح البشري كله دفعة واحدة خلال ما لا يزيد عن عشرين عاماً ، فإن الناقد تلقف هذا التراث ذاته بكل ما فيه من إبداع ونقد ينتميان إلى عصور وأمم ومناهج . وبكل هذه الذخيرة النقدية التي ورثها الناقد ، قابلَ الكاتبَ والممثلَ والمخرجَ وحاول النفاذ إلى ما قدموه لتقييمه . فوقع في ( ورطة ) كانت أشد قسوة وضراوة من ورطة الكاتب والممثل . إن الناقد الأجنبي في عصور المسرح المسرح المتعددة كان يقف أمام كاتب مسرحي ينتمي إلى مدرسة معينة بيَّنَ الناقدُ نفسُه مظاهرَها ووضع أصولَها . وكان الناقد يحاسب الكاتب على أصول هذه المدرسة . وهذا يعني أن الكاتب والناقد كانا يقفان عند عتبة أصول واحدة يعرفانها معاً ويتفقان أويختلفان عليها معاً . وكان الناقد يستخلص هذه القواعد من الكاتب أو كان يُلزمه بها . وهذه العلاقة بين الكاتب والناقد هي التي تشكل تاريخ المسرح وتاريخ النقد المسرحي الأجنبي . أما الكاتب والناقد العربيان فقد كانا يغوصان معاً في لجة التراث المسرحي إبداعِه ونقدِه دون أن يكون لهما دور في خلق أصوله كما فعل الكتاب الأجانب ، أو في استخلاص هذه الأصول كما فعل الناقد الأجنبي . وكان كلاهما يحاولان التمسك بأهداب الصناعة الفنية وبأهداب نقدها وذلك بالتثقف بها دون القدرة على خلقها . وإذا كان الكاتب ، بحكم صلته بالمتفرج واضطراره إلى معايشة عصره قد اضطر إلى خلق منهج فني خاص به ، فإن الناقد - والحديث عن الناقد المثقف - لم يستطع إدراك ما فعله الكاتب كما لم يستطع أن يختطَّ لنفسه منهجاً نقدياً ما . وهو لم يستطع الاهتداء إلى منهج نقدي يقيس به النصوص المسرحية التي تعلمت أصولَ الكتابة الأجنبية ثم تفلَّتت منها. يضاف إلى ذلك أمر آخر وهو أن الناقد كان يحاول أن يتمسك بالأصول النقدية التي تعلمها . وإذا بهذه الأصول تختلط عنده في كثير من الأحوال .وإذا به يمزج في البحث النقدي الواحد بين مذاهب ومناهج متعددة.كأن يتمسك بأصول الدراما الحديثة ( دراما القرن التاسع عشر أو الدراما البرجوازية ) وبأصول مسرح شكسبير وبالكلاسيكية الفرنسية . لكن الأخطر من ذلك أن الناقد ظل أسير الكتب النقدية ولم يدرك ما فعله الكتاب المسرحيون الذين حاول كل واحد منهم أن يستخلص لنفسه أسلوباً خاصاً به . والناقد معذور في ذلك لأنه وجد أمامه في مرحلة واحدة عدداً من الكتاب المسرحيين الذين لا يجمعهم منهج واحد أو متقارب على حين عرف في تاريخ المسرح شيئاً غير هذا . فالكتاب في عصر شكسبير مثلاً، كان لهم منهج متقارب . وكتاب الكلاسيكية الفرنسية تنطبق عليهم القواعد النقدية ذاتها . وكتاب الواقعية يسيرون على أصول الدراما الحديثة . أما الكتاب المسرحيون السوريون أو المصريون أو غيرهم ، فلا يجمع فريقاً منهم جامع رغم وجودهم في عصر واحد . وكان كل كاتب منهم يحتاج إلى منهج نقدي خاص به . وهذا ما لم يستطع النقدُ القيامَ به . فكانت الورطة التي وجد الناقد نفسه فيها . وهي عجزه عن استخلاص قواعد فنية تعتبر منهجاً نقدياً لدراسة الدراما في سورية أو في مصر أو في تونس أو في المغرب أو في غيرها من الأقطار . ومن هنا وقعت المفارقة المؤلمة بين الناقد وبين الكاتب . فالكاتب متفلِّتٌ من قواعد درامية محددة . والناقد يحاول أن يحصره في واحدة منها . والكاتب يخط لنفسه طريقاً مسرحية خاصة به . والناقد لم يستطع إمساك هذه الطريق . وأدى ذلك إلى أن يقف كل واحد منهما في طرف . ووقع العداء بينهما . وهو ليس ذاك العداء التقليدي الذي يكون دائماً بين المبدع والناقد . بل هو العداء الذي يدل على انبتات الجسور بين المبدع والناقد . فكان الحوار بينهما ، طوال ما يقرب من نصف قرن ، أشبه ما يكون بحوار الطرشان . وكذلك كان حال الناقد مع الممثل والمخرج - ومايزال الحديث عن الناقد المثقف - . فقد درس مناهج التمثيل والإخراج الأجنبية كما درسها الممثل والمخرج . لكن الممثل والمخرج كانا ينحوان في عملهما الإبداعي أحد نحوين: الأول يحاول أن يستخلص من الأصول الأجنبية منهجاً جديداً خاصاً بالممثل والمخرج العربيين . وهو منهج يمس المجتمع والعصر والجمهور الذي يقدمان إليه عملهما المسرحي . ولكي يحققا هذا المنهج كانا يقرضان أصول ما تعلماه ويخرقانه ويغيرانه . وقد يمزجان في العمل الواحد بين أساليب متعددة في الإخراج والتمثيل ليخرجا بأسلوب خاص بهما . فكان الناقد يرى عملاً (مغايراً ) لما يعرفه من أصول التمثيل والإخراج . فيتهم العمل المبدَعَ بالمثلبة والنقص متناسياً نجاح العمل المسرحي أو فشله في الوسط الاجتماعي الذي قدم فيه . وكانت تهمة ( مزج الأساليب ) أخطر تهمة يوجهها الناقد في هذا المجال. وهو لا ينتبه إلى أن هذا المزج هو سبيل المخرج والممثل إلى ابتداع أسلوب فني خاص بهما . فكان الممثل والمخرج يتهمان الناقد - وهو ذو معرفة وثقافة- بأنه لم يدرك جوهر ما فعلاه . وبما أن الغالبية العظمى من العروض المسرحية كانت تنحو هذا النحو ، على نجاح مرة وفشل مرة ، فقد ظهر النقد بعيداً عن أعظم إنجاز قام به الممثل والمخرج ، وغيرَ قادر على متابعة تطور وخلق بناء العرض المسرحي العربي . الثاني يحاول أن يتقيد بأصول التمثيل والإخراج تقيداً تاماً . فكان الناقد يرى عملاً ( مطابقاً ) لما يعرفه من أصول الإخراج والتمثيل فيرضى ويمدح دون النظر إلى نجاح العمل المسرحي أو فشله ، ودون النظر إلى قدرة هذا العمل على الحياة بين الناس . ورغم انزياح هذا المنحى النقدي عن جوهر النقد الذي يجب عليه أن يغوص إلى جوهر العملية الإبداعية - سواء منه ما تعلق بالنص أم بالعرض المسرحي - فإنه كان يستند إلى أصول نقدية يمكن أن تتطور أسسها ومناهجها بين أيدي النقاد . ويمكن أن تترك ضرباتُها العميقة أثراً على الكتاب والممثلين والمخرجين . ويكفي هذا النوع من النقد أهميةً وخطراً أنه نقد منهجي يمنع المبدعين عن الشطط . فكأنه الحارس الأمين على حرمة القواعد والأصول . لكن النقد المسرحي لم يحمل عبئه النقاد المثقفون وحدهم . فإن انتشار الصحافة الواسع في النصف الثاني من القرن العشرين خلق حالة جديدة . فالصحف يومية وأسبوعية وشهرية . والمجلات دورية محلية وغير محلية ، تخصصية وغير تخصصية . وهي كلها تطلب مادة نقدية تقوم بمهمة المتابعة الصحفية للإبداع المسرحي . ففُتِح الباب للنقد المسرحي أمام نقاد الأدب متمكنين من نقد الأدب أم غير متمكنين . وأمام المحررين الصحفيين متمكنين من نقد المسرح أم غير متمكنين . وإذا بالنقد المسرحي ينتهي إلى الشكل الذي صار معروفاً في أكثر المقالات والأبحاث النقدية . وقوامه تلخيصُ حكاية المسرحية ومجموعةُ آراء سريعة عن التمثيل والإخراج من نوع ( كان التمثيل رائعاً وكان الإخراج رديئاً وكان استخدام الإضاءة والموسيقى صحيحاً أو غير صحيح ) . فكأن النقد المسرحي ارتدَّ إلى حالته الأولى التي كان عليها في المرحلة الأولى أيام كان الذوقُ دون الثقافة المسرحية سلاحَ النقاد . وإذا استثنينا بعض المقالات والأبحاث النقدية المكينة عن النصوص والعروض المسرحية ، فإن أكثر ما قدمته أقلام النقاد في الثلاثين سنة الأخيرة في مختلف بقاع الوطن العربي كان ينقصها النفاذُ إلى بنية النص المسرحي العربي الذي أخذ يتمكن من فن الدراما ، والنفاذُ إلى بنية العرض المسرحي الذي أخذ يتكامل . وظهر المسرح العربي كأنه دون نقاد يتلمسون خصائصه التي جعلته واحداً من الحركات المسرحية العالمية . لهذا السبب نجد في حياتنا المسرحية ظاهرة لا تكاد تكون موجودة في المسرح الأجنبي. وهي أن أكثر الكتاب المسرحيين عندنا صاروا نقاداً للمسرح. وهكذا عاد المسرح العربي بعد قرن من عمره إلى نقطة بدايته . فكما وجد الرواد الأوائل أنفسهم مضطرين لشرح فن المسرح الذي ابتدعوه والدفاع عنه وتبيان أهميته في الحياة فتقدموا ( بخطبة ) إلى جمهورهم ، وجد المسرحيون العرب أنفسهم في النصف الثاني من القرن العشرين مضطرين لشرح نظرياتهم ولتبيان الآفاق المرجوة لعملهم المسرحي . فكان الكتاب المسرحيون أول نقاد المسرح في المرحلة الثانية أيضاً . والأمثلة على ذلك كثيرة . توفيق الحكيم يصدر عام 1956 " بياناً " يختمه بقوله ( أما بعد . فتلك هي المشكلات الفنية التي أحاول أن أجد لها حلاً . وما من حلول نهائية في الأدب والفن . إنما نحن نقوم بتجارب لا نهاية لها . نشغل بها حياتنا بأكملها . وليس من شأني النتائج )"(1)" . ويوسف إدريس يصدر أواخر عام 1964 " بياناً " آخر حول مسرحيته " الفرافير " لأن ( أحداً من النقاد لم يتتبع دور الفرافير في المسرح العربي ولايزال دورها إلى حد كبير مجهولاً بعض الشيء )"(2)". ويُتبع ذلك ببحث طويل عن المسرح المصري يختمه بقوله ( ولا يبقى أمامنا سوى استجلاء الجانب الأشق ، أشق جانب وهو : من أين ، وكيف يمكن ، وماذا بالضبط نقصد بمسرحنا المصري الحقيقي النابع منا ومن طبيعتنا والذي لا يمكن أن ينفصل عنها ) . ويصدر عصام محفوظ عام 1969 " بيان مسرحي رقم واحد " بعد تقديمه لمسرحيته ( الزنزلخت ) مبيناً فيه ما قصده من مسرحيته "(3)" . ويصدر سعد الله ونوس عام 1970 " بيانات لمسرح عربي جديد " لأنه يؤمن ( أن أي تنظير للمسرح لا ينبع من ممارسة فعلية للعمل المسرحي ومن الانغماس الواعي في الظاهرة المسرحية ، يظل مجرد جهد ذهني قاصر لا يستطيع أن يستكشف جوهر هذه الظاهرة وطبيعتها المركبة كظاهرة اجتماعية ثقافية ، كما لا يمكن أن يكشف لها عن طريق نمو صحي وسليم ) . وهو يطالب بالعرض الذي يخلق تجاوباً مع الجمهور رغم أن هذه الاستجابة تثير ( اشمئزاز جهابذة المسرح الراقي ذي الطقوس )"(4)". ويصدر روجيه عساف عام 1979 " بيان مسرح الحكواتي الذي يصرح بأنه ينحو نحواً مغايراً للأسلوب السائد في العمل المسرحي كما عرفته الأصول والقواعد . ويصدر عز الدين المدني عام 1981 بياناً ( نحو حركة مسرحية عربية حديثة). ويلخص بيانه بأنه إعلان رسمي عن الخروج على قواعد التأليف المسرحي المعروفة . ( فالنص المسرحي العظيم ، وكل نص عظيم ، يستحوذ ، يبلع ، يهضم النصوص الأخرى )"(5)". ويصدر عبد الكريم برشيد عام 1990 " بيان المسرح الاحتفالي الأول " . وقد ساهم في إصدار هذا البيان عدد من المسرحيين المغاربة لأنهم يريدون أن يتحملوا مسؤوليتهم ( في معركة النقد المعتمد على الاستنباط الموضوعي لتوليد التنظير السليم الذي يأتي من الممارسة السليمة )"(6)". وإذا كان هؤلاء قد أصدروا بيانات مسرحية لأن النقد عجز عن معرفة آفاق عملهم ، فإن عدداً آخر من الكتاب المسرحيين مارسوا النقد المسرحي . فكتبوا عن النصوص والعروض المسرحية . وكتبوا أبحاثاً في المسرح نظرية وتطبيقية . ويكفي أن نذكر من سورية علي عقلة عرسان ورياض عصمت وعبد الفتاح قلعجي . ومن مصر ألفريد فرج . وكان آخرون يصدِّرون مسرحياتهم بمفهومهم للمسرح أو يؤكدون في مقابلاتهم الصحفية منهجهم الذي اختطّوه كما فعل وليد إخلاصي وممدوح عدوان وغيرهما . وبمثل هذه البيانات والإيضاحات تقدم المخرجون إلى الساحة النقدية بوجهات نظرهم في بناء العمل المسرحي . فقدموا إضافات هامة في العملية النقدية كما فعل فواز الساجر وجواد الأسدي ويعقوب الشدراوي وغيرهم . * * * إن مجمل ما تقدم يبين أن النقد كان ضعيفاً في مواكبة النشاط المسرحي وفي رصد تطوره ورغبته في إقامة مسرح عربي يمد عيناً إلى التراث المسرحي الأجنبي و( يفترع ) لنفسه أساليبه وخصائصه . لكن النقد المسرحي ، رغم ذلك ، أسدى إلى الحركة المسرحية أجلَّ الخدمات التي يمكن تلخيصها بما يلي : 1 - نشر أخبار العروض المسرحية وأخبار الكتب والمسرحيات الصادرة . ومع أن هذه الأخبار ليست أكثر من مهمة صحفية إخبارية فإنها تقدم المادة الأولية لمؤرخي المسرح العربي . فمنها يستقي الناقد إحصائية ما صدر من كتب وما قُدم من عروض . وكثيراً ما كانت هذه الأخبار تضم أسماء الممثلين في العروض المسرحية . 2 - المتابعة الصحفية للحركة المسرحية في الصحف والمجلات . وذلك بكتابة مقالات نقدية حول النصوص والعروض المسرحية . وهذه المتابعة الصحفية هي المدار الأول للخلافات بين النقاد والمسرحيين التي سبق الحديث عنها . وعلى الرغم من كل أخطاء هذه المتابعات ، فهي التي حققت للنشاط المسرحي وجوداً إعلامياً دائماً ومكانة أدبية ونقدية مستمرة . وأعتقد أن شيوع المسرح يدين بالكثير لهذه المتابعات الصحفية . وهي ، بعد كل شيء ، ستكون الذاكرة الحية للعروض المسرحية التي طواها الزمن . فمنها سنستقي تاريخ الحركة المسرحية عبر ثلاثين أو أربعين عاماً . ومنها سنعرف التقييم الأول للمهرجانات المسرحية العربية والمحلية . فهي إذن ، تقدم مادة تأريخية ونقدية للحركة المسرحية . وهذه المادة يمكن للناقد المتمكن أن يغربلها وأن يستخلص منها مسار الحركة المسرحية في كل قطر عربي . 3 - وضعت كتب كثيرة عن تاريخ المسرح في كل قطر عربي . نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر كتاب ( المسرح في الأردن ) تأليف عبد اللطيف شما وأحمد سقم . و( المسرح المغربي ) تأليف محمد عزام . و (سبعون عاماً من المسرح اليمني ) تأليف سعد عولقي . وكتب عدنان بن ذريل في المسرح السوري . وكتاب جان ألكسان ( المسرح القومي والمسارح الرديفة في القطر العربي السوري ) . ولعل أهم خطوة خطاها النقاد في هذا الميدان هي مجموعة الكتب التي أصدرتها وزارة الثقافة المصرية عن المسرح المصري منذ عام 1876 حتى عام 1997 . 4 - بدأت منذ حوالي عشرين عاماً محاولة نقدية لخلق نظرية عربية في الدراما . فثمة باحثون كتبوا في تأصيل المسرح العربي . وقد توج هذه المحاولات محمد المديوني بكتابه الكبير ( إشكاليات تأصيل المسرح العربي ) وعلي عقلة عرسان بكتابه الهام ( الظواهر المسرحية عند العرب ) . وكتب سعد أردش عن ( المخرج ) وألفريد فرج عن ( المتفرج ) . وحاول الدكتور علي الراعي جاهداً أن يتلمس آفاق المسرح العربي مرة بعد مرة . وكتب علي عقلة عرسان كتابه ( سياسة في المسرح ) . ورياض عصمت ( البطل التراجيدي في المسرح المعاصر ) . وكتب عبد الرحمن زيدان ( قضايا التنظير للمسرح العربي من البداية إلى الامتداد ) . وقد أوردنا هذه الكتب على سبيل المثال لا على سبيل الحصر . * * * ذلك هو النقد المسرحي العربي على مدى قرن ونصف قرن بما له وما عليه . وقد حاولنا تقديم لوحة عامة عنه يمكن التفصيل فيها على أيدي باحثين آخرين . ولا شك أن ما قدمه النقد كثير . لكن ما لم يقدمه أكثر . فإذا كان قد واكب الحركة المسرحية مدافعاً عنها محققاً لها الإعلام والإشهار والتأريخ ، فإنه لم يتمكن من وضع نظرية للدراما العربية في أقطارها المختلفة . وقد آن الأوان لكي يقوم النقد بهذه المهمة . ويتم ذلك بأمرين : أولهما أن يقوم بتحليل النصوص المسرحية العربية ليستخلص تطورها والقواعد التي انتهت إليها كما استخدمها وطورها الكتاب المسرحيون . وثانيهما تحليل العروض المسرحية لتبيان وسائلها التي استخدمها المخرجون والممثلون لجعل المسرح فناً اجتماعياً وثقافياً صارت له مكانته في المجتمع العربي . وأعتقد أن ما تركه النقاد خلال قرن ونصف قرن يصلح مادة غنية لكي يقوم النقد المعاصر بهذه المهمة المزدوجة . (1) - ( نظرية المسرح ) ص 591 . (2) - المصدر السابق ص 595 . (3) - المصدر السابق ص 667 . (4) - المصدر السابق ص 675 . (5) - المصدر السابق ص 761 . (6) - المصدر السابق ص 737 . |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |