|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 03:16 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثالث: المسرح العربي - كـيـف بـدأ وإلـى أيـن انـتـهـى ؟ 1 - مدخل ليس مفرحاًوتمهيد حزين أنى ذهبت في الأقطار العربية سمعت المثقفين عموما والمسرحيين خصوصاً ، يشكون من حالة الانحسار التي انتهى إليها المسرح في قطرهم . فإذا قلتَ إن فئة المثقفين - والمسرحيون من بينهم - دائمو الشكوى من كل شيء فلا يعجبهم عجب ولا صيام في رجب ، وسألت الجمهور العادي لوجدت الشكوى نفسها . وهذه حالة نادرة من التوافق بين المثقفين وجمهورهم . فإن عامة الجمهور ، على اختلاف فئاته وشرائحه وانتماءاته ، ينظر إلى المسرح اليوم في شيء من الازدراء وشيء من قلة الاهتمام وكثيرٍ من التثاؤب والملل . وإذا جرى حوار بينك وبين واحد من هؤلاء المثقفين أو من هؤلاء الجمهور في أي قطر عربي ، وسمعت منه وصفَه لمسرح قطره بالانحسار ، وتحدث عنه بقسطٍ من الازدراء ولمحةٍ من قلة الاهتمام وفيضٍ من التثاؤب والملل ، وجدت نفسك تقول له : وكذلك الحال في مسرح قطرنا . فإذا ذكرتَ أمامه النشاط المسرحي الذي يعج في بلدك أو في بلده فلن يزيد الأمر بينك وبينه على الاتفاق بأن هذا النشاط ذاته هو الانحسار . فالانحسار اليوم ليس توقفاً في المسرح العربي وليس إيقافاً له . وليس وجهاً من وجوه تخلي الوزارات المعنية به عنه . ويمكن أن تذكر لـه ويذكر لك أنواع الدعم المادي والمعنوي التي يلقاها المسرح في بلدك وبلده . ويمكن أن تعدد لـه في بلدك عدداً من المهرجانات المسرحية السنوية التي تحتشد فيها طاقات المسرحيين ، والتي تبذل لها الجهاتُ المختصة المالَ والإعلام والاهتمام . وسرعان ما يعدد لك في بلده مثل ما ذكرت في بلدك . لكنكما تنتهيان معاً إلى إحساس كئيب بأن كل ذلك لا يعني إلا حالة الانحسار . ثم تتحسران معاً على أيام الازدهار التي بدأت في عقد ستينات القرن العشرين على استحياء الضعيف . ثم استوت في عقد سبعيناته على شموخ القوي . ثم بدأ الذبول يطوي أعلام القوة والشموخ منذ منتصف ثمانيناته حتى انتهى إلى اليباب في عقد تسعيناته لنستقبل القرن الحادي والعشرين بحالة مسرحية أقل ما يقال فيها إنها باهتة . وأوجعُ ما يقال فيها إن المسرح العربي فارغ الصالات شحيح المضمون زخرفي المظهر . الكوميديا فيه لا تُضحِك . والمأساة فيه لا تهز نفساً ولا تستدر دمعة ولا تثير الخوف والشفقة . فلا هو يقوم بعملية التطهير الأرسطية . ولا هو يحمل مهمة التغيير البريختية . طوى الحديث عن ( تأصيل ) نفسه في التربة العربية وركض وراء ( تلوين ) نفسه بالتجريب . اندثرت عنه النصوص القوية كما عجز عن استيلاد كتابٍ لدراما قوية . واستولد نصوصاً ضعيفة جعل منها وسيلة لشح التفكير هروباً إلى العجز عن النظر في المجتمع العربي بعين جريئة . أما أعلامه الذين يقفون على خشبته ممثلين ومخرجين ، أو الذين يقدمون له مادته النصية والدراسة النقدية المرافقة لـه ، فلا يشعرون بحماسة حينما يمثلون . ولا يتوهجون بحرارة التصفيق الذي قد يكون قوياً في نهاية العرض لكنه ليس عنيفاً وليس متجاوباً وليس دالاً على أن العروض المسرحية تترك آثارها الفكرية والنفسية والسياسية والاجتماعية كما فعلت عروض المسرح العربي في فترة الازدهار التي جرى الحديث عنها بينك وبين محاورك ، أو في الفترات السابقة التي تحدث عنها مؤرخو المسرح . ففي تلك الفترات كانت العملية المسرحية أشبه بقِدْرٍ موضوعة على نار . وقد ظلت هذه النار تُلهِب المسرحيين والجمهور مدة تقرب من مئة وأربعين عاماً . ثم تحولت إلى نار اصطناعية تخدعك بتوهجها دون أن تمتلك حرارة تلذع وتكوي ، وتحرق وتحرك . فكأن بين المسرح وجمهوره حاجزاً زجاجياً يشاهد كلٌّ من الطرفين فيه الطرفَ الآخر دون أن يلامسه . فلا يتصل تدفق العواطف اللاهبة الملهبة من جهة إلى جهة . وينصرف كل من الطرفين إلى بيته في نهاية العرض المسرحي دون أن يتقاسما تواشج المواقف الإنسانية . وكل ذلك يحدث تحت أضواء المسرح التي تسطع كل ليلة . وليس سطوعها إلا حالة عجز أصابت مفاصل المسرح العربي. فهل صحيح أن المسرح العربي بعد قرن ونصف قرن من حياته النابضة انتهى إلى مثل هذا البوار ؟ وإذا صح أنه انحسر فلماذا انحسر ؟ وإذا لم يصح ذلك فلماذا يُجمع المسرحيون والمثقفون والجمهور على إلصاق تهمة باطلة فيه ؟ للإجابة على هذه الأسئلة لا بد من استعراض مسيرة المسرح العربي خلال المائة والخمسين عاماً التي تشكل عمره وتاريخه . فإن ما حدث له في النهاية موجودةٌ بذورُه في البداية . والنقطة التي صار إليها هي المآل الحتمي للدرب التي سار عليها . 2 - الملامح الخاصة بالمسرح العربي لكي نضع يدنا على مسيرة المسرح العربي وإلى أين انتهى ، لا بد من استعراض الملامح الخاصة به بسبب ظروف نشأته وتطوره . أولها أن المسرح العربي كان وليد ( الحاجة ) ولم يكن وليد (الموروث الثقافي ) . فقبل قرن ونصف لم يكن له وجود عند العرب . وعلى الرغم من تطاول الحضارة العربية على مدى أربعة عشر قرناً وعلى مدى قارات العالم القديم الثلاث ، وعلى الرغم من استيعاب العرب لثقافات الشعوب جميعاً وهضمها وتمثلها وإعادة صياغتها فكراً وعلماً وأدباً واقتصاداً ، فإنهم لم يعرفوا المسرح لا لأنهم لم يشاهدوه بل لأنهم لم يحبوه . فلا شك أن التجار الذين كانت لهم علاقات بأوروبا شاهدوا أطرافاً من هذا الفن الذي كان يعود إلى الحياة في أوروبا حين كان العرب في ذروة قوتهم السياسية والحضارية لكنهم لم يألفوه . وإذا أخطأ مترجمو أرسطو في فهم المسرح فلأنه لم يكن من عدة ثقافتهم ولا ملبياً لحاجاتهم . ومن هنا ندرك عقم المحاولات الحديثة التي أرادت أن تثبت أن العرب في ماضيهم القديم عرفوا أشكالاً من المسرح . وليس هنا مجال الحديث عن هذه المحاولات وعن أسبابها . لكننا ننتهي منها إلى أن العرب لم يعرفوا المسرح بشكله المعروف كتابة وتمثيلاً إلا في أواسط القرن التاسع عشر ، وأنهم نقلوه عن أوروبا نقلاً حرفياً . ثم أخذوا يعملون فيه تعريباً وتقريباً لذوقهم. وقد اندفعوا نحوه لشعورهم بالحاجة إليه . فحين أخذوا يفيقون من ظلمات التخلف التي أوغلوا فيها منذ بداية الفتح العثماني ، أخذوا يتعلقون بكل المظاهر الحضارية التي كانت سائدة في الغرب . وكانوا يلهثون لاستدراك ما فاتهم من تطور العلوم والآداب خلال أربعة قرون سبقهم فيها الغرب وآن لهم - وقد فتحت عيونهم - أن يعودوا إلى مواكبة الحضارة وتقليدها حتى يتمكنوا بعد النقل عنها إلى التأثير عليها والإضافة إليها . ولأن المسرح حاجة اجتماعية وثقافية وحضارية ، فقد ظل بعيداً عن العرب بمقدار قربهم منه . فهو ليس كالشعر الموروث من أعماق تاريخهم وذواتهم . وهم يتلقفونه في دواوينه المطبوعة وفي محافل إنشاده بطريقة متفاعلة منفعلة قل نظيرها بين الأمم . ومازال الشعر رغم خروجه من مركز الدائرة الثقافية عند العرب فناً لا يستطيعون الاستغناء عنه ولا يتوقفون عن إنتاجه . ودليل انغراسه فيهم أن الفتى منهم يقرزمه عند ظهور الزغب في ذقنه وفي مواضع أخرى من جسده . ويسكب فيه ما يحس به من لهفة عواطفه أول تفتحها . فإذا آب إلى شجون الشباب وغاص في شؤون الرجال ظل الشعر يشده إليه حتى إن لم يكن مُلِمّاً من الثقافة بطرف . فكأن الشعر ينغرس في الأجنة داخل الأرحام . ولا يكاد يفارق الأجسام حتى الممات . والمسرح ليس كالرواية التي إن كانت مجلوبة من الغرب مثله ، فإنها موجودة في التراث العربي بشكل واسع . وطريقة بنائها القديم تشبه طريقة بناء حكايات الشعوب الأخرى وملاحمها وسيرها الشعبية قبل ابتكار فن الرواية في المرحلة الثانية من عصر النهضة الأوروبية . فهي إذن فن حديث عربياً وعالمياً . ولها جذور وأشكال تحولت عندنا وعند غيرنا إلى قواعد وأصول . ولأن المسرح حاجة اجتماعية وثقافية وليس إرثاً حياً في النفوس ، فقد ظل العرب يتعاملون معه بحذر كما يتعاملون مع قطعة هشة من الزجاج النفيس. وبقي المسرح عندهم قابلاً للانجراح حين يفقد جزءاً من ضرورته باعتباره حاجة . وهذا هو السبب في غيابه عن نشاطاتهم الثقافية غياباً تاماً في بعض الفترات . فحين يعجز عن تلبية الحاجة في فترة ما ، فإنه يتوقف ببساطة دون أن يهتم بتوقفه إلا نفر من المثقفين . وبهذا الشكل يصبح المسرح العربي مختلفاً عنه عند بقية الأمم . ويوجب على دارسه أن ينتبه إلى هذه الصفة الفريدة فيه فلا يقيسه بمقاييس المسرح عند الأمم الأخرى ، وأن ينظر إلى فعاليته وتأثيره من خلال هذه الخصوصية . وعند ذاك فقط نستطيع التأريخ له بشكل صحيح . وسوف نرى أن التعامل مع المسرح العربي باعتباره حاجة وليس إرثاً هو أحد المفاتيح الهامة في معرفة ما آل إليه المسرح العربي سواء اعتبرناه في حالة انحسار أم لا . ثاني ملامحه أنه ( ابن النهضة ) . وهو الأعجوبة المدهشة الوحيدة الجديدة المجددة التي لا شبيه لها في كل مفردات عصر النهضة ومفرزاتها . أما بقية مفرداتها فلها سابقات كثيرة في التاريخ العربي . فالاطلاعُ على الفكر الأجنبي وفلسفته وعلومه أمرٌ عادي وقديم في التاريخ العربي . وتلاقـُحُ الشعر والنثر بالأجنبي من آداب الأمم عرفه العرب منذ الألوية الأولى للفتح الإسلامي. حتى الأشكال التي أخذها أصحاب الحكم والسياسة لها مشابهات قديمة . فإن تحول الحاكم مثلاً من خديوي أو داي أو باي إلى ملك أو سلطان أو أمير لم يغير كثيراً من جوهر الحكم . بل إن تحول منصب الوالي إلى منصب رئيس الجمهورية لم يغير كثيراً من سلطة الخليفة أو الوالي القديم . فكأن شأن الحكم والسياسة من الاحتلال العثماني إلى الاستقلال لم يخرج بالحكومات كثيراً عن أشكالها القديمة رغم ( دعاوى ) الحكام وغلواء شعاراتهم . والتجديد في الشعر والنثر لم يكن تجديداً خالصاً لأنه كان عودة إلى الأسلوب القديم . حتى حركة الشعر الحديث بعد قرن من بداية عصر النهضة ، كان لها سابقة في الشعر المولَّد الذي اصطفقت حوله الثورات الشعرية أواخر العصر الأموي وأوائل العباسي مع بشار بن برد وأبي نواس ثم ما تلاهما من نحو أبي تمام والمتنبي . وهكذا فإن مفردات عصر النهضة في تجديد الإهاب وتقليد الغرب وتطوير السياسة كانت - في المحصلة النهائية - شبيهة بما غبر في تاريخ العرب ومستندة إلى فعل حضاري قديم يعاد مثلُه في العصر الحديث . إلا المسرح . فهو نبتة جديدة كل الجدة . ولكن هذه النبتة الجديدة التي كانت ابنَ النهضة سرعان ما تحولت إلى والد لها . وإذا به ، طوال عمره ، يقف مدافعاً عن غايات عصر النهضة الفكرية والسياسية . فكان منذ نشأته حتى اليوم مقاتلاً شرساً عن الحرية والتقدم والعدالة . ولم تنصَبَّ جميعُ أعماله إلا في هذا الإطار . ولم يستطع الخروج أبداً عن هذا الإطار. ودليل ذلك أن الشعر الحديث والتقليدي كان ممكناً أن يستمر في ممالأة الحكام ورجال السلطان ظالمِهم وعادلِهم مادحاً لهم دون أن يُسقِطه ذلك في التفاهة ودون أن يُسقِطَ أصحابه في المكانة الاجتماعية ودون أن يُخرجه من حومة الشعر . وكان ممكناً أن يسافر بعض الشعراء من بلد إلى بلد آخر يمدحون أنظمته ورؤساءه وأن يسير سيرورته السابقة بجلال واقتدار واعتراف . أما المسرح فلم يستطع أن يقوم بمثل هذه المهمة . وهو يخرج عن أهدافه التي كانت له من أول عصرالنهضة بأحد شكلين : شكل تجاري يتخلى عن الدفاع عن القضايا الخطيرة لكل مرحلة من مراحل العرب المعاصرة . وكانت غاية هذا الشكل التجاري تتراوح بين الأُلْـهِـيَةِ البريئة الضاحكة المرحة التي لا تؤذي أحداً ولا تسيء إلى موقف ، وبين شكل ابتزازي يستدر أموال الناس باللفتة الجنسية والكلمة البذيئة . وكان مصير هذا الشكل أن الناس لم يعتبروه مسرحاً إلا من قبيل التجاوز . وأن النقد المسرحي لم يعتبره تراثاً ثقافياً للعرب فأسقطه من حسابه . وأن الدارسين للمسرح لم يقفوا عنده سواء كانوا من العرب أم من الأجانب . ووضعوه تحت سمته الحقيقية وهو أنه ليس من الفن وليس من الأدب . وشكل دعائي لسلطة أو لحاكم . وهذا الشكل ولد ميتاً ولم يتجاوز أبداً صفة الفن المشبوه الذي يروِّج لتلك السلطة أو ذاك الحاكم . وقد أسقطه الناس بعدم الاستجابة له . وأسقطه الدارسون بعدم اعتباره فناً أو أدباً . فظل أشبه باجتماع سياسي يذهب إليه الناس طائعين أو مرغمين . فيسمعون مجموعة من الخطب سرعان ما ينسونها على عتبة مكان الحفل . ولم يكن الموقف من هذا الشكل بهذه القسوة والحدة إلا لأن المسرح ولد ابناً للدفاع عن الحرية والعدالة ثم صار أباً لكل المدافعين عن الحرية والعدالة . وتأكيداً على ذلك نذكر أن المسرح كان في كثير من الأحيان يقع في المباشرة والخطابية في دفاعه عن هذين المحورين فيفقد كثيراً من مقومات الفن والأدب . لكنه في هذه الحالة كان يجد عند الناس محبة وعذراً وإعذاراً . فأدرجوه تحت اسم ( الفن الهادف ) الذي قد يختلفون معه لكنهم لا يقللون من احترامه على الإطلاق لأنه كان حريصاً على أهداف النهضة النبيلة . لقد ولد المسرح العربي منذ النسائم الأولى ليقظة العرب في منتصف القرن التاسع عشر . ثم تحول إلى ريح عاصفة . فخاض جميع المعارك العربية الفكرية والسياسية منذ ولادته . واستمر في هذه المهمة مع الانقلابات الاجتماعية الكبيرة التي عصفت بالوطن العربي . وكلما كان ينغمس في هذه المهمة كان يصعد . وكلما كان يتخلى عنها كان يهبط . وبذلك كان المسرح العربي - من دون مسارح الأمم جميعاً - مرتبطاً في الذاكرة العربية بأنه سلاح فكري اجتماعي يتخذ الفن لبوساً له . فلم يكن فناً محضاً على الإطلاق على عكس المسرح عند بقية الأمم . ثالث ملامحه أنه ( تقليد ) للغرب الذي هو العدو السياسي والصديق الفكري . والمقلِّد مهما أجاد منتَـقَـص . لكن تقليد المسرح الأجنبي مطلوبٌ فيه إجادةُ التقليد . والأثر المقلِّد لا يكون أصيلاً ولا قادراً على الولوج الحقيقي إلى جوهر النفس وحقيقة الظاهرة الاجتماعية . لكن التقليد في المسرح هو الوسيلة لجعل هذا الفن قادراً على هذا الولوج المزدوج . وهكذا وقع المسرح العربي منذ نشأته في براثن هذه المشكلة بوجهيها. فإذا أضفنا إلى ذلك أن العربي يعتبر نفسه سيداً من سادات البيان الأدبي وخصماً للغربي المستعمر وأنه يستعير منه أدواته لمحاربته فلا يكون إلا مقلداً له وكأنه ذيل من ذيوله ، أدركنا عمق معاناة المسرحي وجمهوره طوال المئة والخمسين عاما الماضية . ولا أعرف مفردة من مفردات عصر النهضة في بدايتها وبعد انطلاقها كانت وقْراً على أصحابها كمشكلة التقليد في المسرح . وقد حاول المسرحيون - وما أصعب ما حاولوه - التوفيق بين اكتساب الرفعة في المكانة الإبداعية بالتقليد ، وبين التخلص من الشعور بانتقاص المكانة بسبب التقليد . وأعتقد أن معالجة هذه المشكلة كانت واحداً من أهم ما أنجزه المسرحيون العرب ، وأنهم في كل مرحلة كانوا يتخذون منها موقفاً يحافظ على مكانة المسرح باعتباره وجهاً من وجوه النهضة وسلاحاً في تطوير المجتمع وبنداً من بنود الرقي الحضاري . وسوف نرى كيف عالجوا هذه المشكلة وكيف تجاوب الجمهور معهم في معالجتها . وأعتقد أن النقد المسرحي لم يقف عند هذه النقطة المشكلة بما تستحقه من الاهتمام مع أنها مرتكز تطور المسرح العربي . 3 - السمة المشتركة بين المسرح العربي وغيره إن المسرح العربي الذي تفرد بهذه السمات الثلاث التي ذكرناها ، أصابه ما يصيب المسرح في بقية أنحاء العالم . وجرى عليه ما جرى للمسرح في تاريخه الطويل . وهو أمر يجدر بنا الوقوف عنده حتى نفهم تطور مسرحنا . إن أهم صفة للمسرح أنه كان في تاريخه الطويل عبارة عن ( موجات) لم يزد عمر أطولها عن ثلاثين أو أربعين عاماً . وكانت هذه الموجات تحدث في فترة التغيرات العاصفة في مرحلة ما عند أمة من الأمم . فإما أن تمهد لهذا الانقلاب والتغيير ، وإما أن ترافقه أو تتأخر عنه . وهذه الموجات قليلة جداً في تاريخ المسرح . وكانت كل واحدة منها تقذف عدداً قليلاً جداً من الكتاب العظام. وكان هؤلاء الكتاب يخلقون في المسرح اتجاهاً فنياً جديداً يعصف بالاتجاه الذي كان سائداً قبلهم . وكانت أصول هذا الاتجاه تنعطف بأساليب التمثيل وبناء العرض . وإذا استندت كل موجة على شكل بناء قاعة العرض فلم تكن تنتهي حتى تكون قد عصفت أيضاً بشكل هذا البناء . وكانت كل موجة تنقضي بسرعة كما كانت تنشأ بسرعة . ثم يسير على نهجها عدد كبير من المؤلفين والممثلين ومديري العروض المسرحية ولفترة تزيد بالتأكيد عن ثلاثين أو أربعين عاما بكثير أو قليل . وخلال هذه الفترة التي يمتد تأثير كل موجة بعد انقضائها ، كان النقد يستخلص منها قواعدها وأصولها في شكل مدرسة فنية أو اتجاه أو أسلوب يُلزم الكتابَ الذين ساروا على ذيل هذه الموجة . وكثيراً ما كان الكتاب الذين يأتون في ذيل تلك الموجة العاصفة أكثر تقيداً بأصولها من الكتاب الذين ابتكروها . ولارتباط كل موجة ببلد من البلدان وفي فترة من الفترات فقد حمل كلُّ اتجاه مسرحي اسمَ البلد الذي نشأ فيه من خلال نفر قليل من الأسماء . وكانت هذه القواعد التي تنشأ في بلد محدد وفي مرحلة محددة تسيح في بقية البلدان ويسير على نهجها أجيال من الكتاب والممثلين . وسوف نستعرض هذه المدارس أو الاتجاهات وأسباب ظهورها كما أجمع عليها النقاد ومؤرخو المسرح . الموجة الأولى هي الكلاسيكية القديمة اليونانية . وقد حدثت في عصر ازدهار اليونان . ( فبرز الشعراء العظام ، ولعل من الأفضل أن نقول المسرحيين العظام ، ليعطوا العرض المسرحي بنيته الناضجة وبعده التاريخي العميق . ويتزامن هذا الازدهار مع انتصار الديموقراطية ومع بروز أثينا كقوة مهيمنة مسيطرة . وكذلك مع بداية علم التاريخ وولادة فن النحت )"(1)". وهؤلاء الكتاب العظام الذين خلقوا بداية ضخمة للمسرح في العالم وأسسوا أول مدرسة فيه ليسوا إلا ثلاثة هم سوفوكليس وأرستوفانيس ويوريبيدوس بعدما مهد لهم أسخيلوس الطريق. وقدحققوا ما حققوه في مدة لا تزيد عن ثلاثين عاما تقع في أواسط القرن السادس قبل الميلاد . وكانت مهمة المسرح عندهم تأكيدَ العلاقة بين الدولة القوية الناهضة وبين دينها . فكان جزءاً من هذه العلاقة . وقد ظل النقاد منذ أيام أرسطو حتى اليوم يحاولون استخلاص قواعد هذه الكلاسيكية وفلسفتها . فوجدوا أن النظام والوضوح وتبسيط الشخصيات بحذف الصفات الفردية منها وردها إلى الصفات الأساسية بحيث يقوم بناء الشخصية فيها على ثلاث أو أربع صفات كان منها الجلال والعظمة ، هي الركائز الأساسية لهذه المدرسة "(2)" . وحصيلة هذا الكلام كله أن المسرح اليوناني بمدرسته الكلاسيكية وبكتابه الثلاثة الكبار لم يكن أكثر من داعم لسياسة الدولة وهيمنتها على الجزء الذي امتدت سلطتها الاقتصادية والعسكرية عليه . ولهذا كانت الدولة تتولى الإنفاق على الحفلات المسرحية . الموجة الثانية هي الكلاسيكية الفرنسية الجديدة . ( وقد ازدهرت في عهد لويس الرابع عشر " ملك الشمس " . وحكومة لويس المطلقة هي المعادل السياسي لما في الكلاسيكية الجديدة من صرامة وتشدد . لقد ارتقى لويس إلى العرش وهو طفل . وأصبحت فرنسا أقوى أمة في أوروبا قبل أن يبلغ الحلم . وقد أنفق معظم حكمه الطويل في محاولة لتعزيز سلطان فرنسا وفي تنظيم آثار العبقرية الفرنسية وتحسينها . فلم يكن الملك مركزاً للسياسة الفرنسية فحسب ، وإنما كان أيضاً مركز الحياة الفنية والأدبية ) "(3)". وبهذه المركزية الصارمة ، حوَّل الملكُ فرنسا من إقطاعيات مستقلة تشبه الدول المستقلة إلى إقطاعيات منزوعة القوة السياسية فخلق الأمة الفرنسية الواحدة . فكانت الكلاسيكية الجديدة معادلة لهذا المنعطف الخطير . ولأن الكلاسيكية الجديدة كانت معادلاً سياسياً فقد كانت قواعدها الصارمة في قانون الوحدات الثلاث وقانون فصل الأنواع وجلال الأبطال وضخامة العواطف ترجماناً للمجتمع الطبقي المقسوم بحدود صارمة لا تجيز لطبقة أن تحيد عن البروتوكول كما لا يجيز لغيرها أن يختلط بها . ولأن نبلاءها يصفون أنفسهم بالعظمة فقد وجب أن يقتصر الموضوع المسرحي على ما يؤكد النبالة والعطمة . وفرسان هذه الكلاسيكية " الفرنسية " ثلاثة هم كورنيل وراسين وموليير الذين قدموا إنتاجهم في مدة لا تزيد عن ثلاثين عاماً . فلما انقضى عصرهم وعصر لويس الرابع عشر كانت التراجيديات من بعدهم تقليداً هزلياً لهم كما كان ملكا فرنسا الخامس والسادس عشر تقليد " مسخرة " للرابع عشر . ولكن هذه الكلاسيكة الـهُـزْأة ظلت المسارح تلوكها حتى الثورة الفرنسية . الموجة الثالثة هي العصر الإليزابيثي الإنكليزي . وينسبها بعض النقاد إلى الرومنسية اللاحقة كما يجعلها بعضهم اتجاهاً فنياً مستقلاً ليس كلاسيكياً رغم أنه أخذ منها أشياء . وليس من الرومنسية لأنه يفترق عنها بأشياء . هذه الموجة ظهرت في إنكلترا عندما كان ( كل فرد يشعر بأنه جزء من عالم جديد تمخضت عنه العصور الوسطى ، ألا وهو عصر النهضة . وكثير من الأشياء التي صار يؤمن بها لم يكن جده على علم بها . فالأرض ليست مركز الكون فهي تدور حول الشمس . والأرض ليست مسطحة ، ولكنها مستديرة . والسفينة نفسها التي أبحر بها سير فرانسيس دريك وطاف بها حول العالم ، كان يمكن أن تُرى في أي يوم راسية في أحد المراسي القريبة من لندن. وكانت هناك في الغرب البعيد بلاد فسيحة تعج بسكان عجيبين كانت حتى أوانيهم ومواعينهم مصنوعة من الذهب الخالص . والكنيسة لم تعد هي الكنيسة الرومانية الكاثوليكية وإنما أصبحت هي الكنيسة الإنكليزية . وكانت إنكلترا هي أعظم أمة فوق البسيطة وقاهرة أسطول إسبانيا الذي لا يقهر " الأرمادا " وسيدة البحار )"(4)". يضاف إلى هذا أن إنكلترا كانت تتحول إلى الاقتصاد الصناعي وتحول المجتمع من الإقطاعية إلى الرأسمالية . ألا تنتهي جميع مآسي شكسبير بموت عدد من السادة النبلاء ؟ وهذه الموجة الضخمة أنتجت ثلاثة فقط من الكتاب الكبار هم شكسبير ومارلو وجونسون . وكانت مسرحياتهم تستجيب لشكل بناء المكان المسرحي وللجمهور الذي يحب الفخامة والاستعراض كما يحب الحدث المثير الضخم بشخصيات ترتدي الأثواب المطرزة بألوان كثيرة . ودامت هذه الموجة مدة لا تزيد عن ثلاثين عاما . فلما انقضت هذه الأعوام وعاد المسرح الإنكليزي إلى الوجود بعد عودة الملكية ، كانت النصوص والعروض تقليداً باهتاً لمسرح هؤلاء الثلاثة . وظل النشاط المسرحي يجرجر أسلوبهم وقواعدهم زمناً طويلاً دون أن يمتلك قوتهم . الموجة الرابعة هي ( الرومنسية الفرنسية ) . وقد جاءت بها الثورة الفرنسية التي نسفت المجتمع القديم ودعت الإنسان الفرد إلى إطلاق العنان لعواطفه ووجدانه أن يتحررا بعد طول كبت . وكما نسفت الثورة ركائز المجتمع القديم ، نسفت الرومانسية قانون الوحدات الثلاث الكلاسيكي وخلطت الأنواع بعدما حطمت الطبقات . وغلَّبت عنصر الوجدان على عنصر العقل . وجعلت العاطفة تعلو على الالتزام بالحقيقة . وكما حاربت الثورةُ الفرنسية الأخلاقَ التقليدية الصارمة التي كانت سائدة في عصر الملكية ، كان الرومنسي مستقلاً عن الأخلاق التقليدية في عصره بل وكان معادياً لها . وبرزت الرومنسية بقوة في مدة لا تزيد عن ثلاثين عاماً. وكان فيكتور هيجو أبرز أعلامها . الموجة الخامسة هي ( الواقعية ) التي جاءت سريعة بعد الرومنسية مع الاكتشافات العلمية في أوروبا وتضخم الصناعة ورأس المال الذي سوف يتحول مع بداية القرن العشرين إلى الامبريالية ، والذي كان يراكم نفسه عبر الظلم الاجتماعي الطاغي ويبني المدن الصناعية السوداء . وقوام الواقعية ( أن الواقعي يرفض القيود التي تفرضها النظرة الرومنسية على مادة الموضوع ، كما يرفض ذلك الأسلوب المثالي الذي يكمن في عملية إضفاء سحر على مادة الموضوع المختارة . فهو ينبذ ما في الروح الرومنسية من مبالغة وتطرف زاعماً أن ذلك لايصدق على الحياة أو على مفهومه للحياة )"(5)". وبعد أن كان الرومنسي حالماً صار الواقعي يتحلى ببرودة رجل العلم المتحرر من التعصب. ويصدر أحكاماً أخلاقية صارمة بحيث تحول المسرح إلى منبر لمعالجة الموضوعات الاجتماعية بشكل واضح جلي لا مواربة فيه . وكان إبسن النرويجي ذروة الواقعية في المسرح وواضعَ قواعدها التي تقوم على إتقان تطور حكاية المسرحية من العرض إلى الذروة إلى الحل . وهذا الإتقان لم يسبقه شبيه من قبل . وقد انحلت الواقعية بسرعة كبيرة إلى أنماط منها الطبيعية التي ولد منها السريالية والتعبيرية وفروعٌ أخرى كثيرة كانت تسود المسرح في نهاية القرن التاسع عشر وأول العشرين . في الموجات الأربع الأولى نلاحظ أن كل واحدة منها كانت تنشأ في بلد واحد ثم تنتقل إلى بقية البلدان بالتقليد والاحتذاء . وكانت كل موجة تعيد النظر في البناء الدرامي الذي سبقها وتعيد ترتيب أركانه وتتخلص من عيوبه منسجمة مع تطور بناء مكان العرض . وبهذا الشكل تطور فن الكتابة وفن تجسيد الكتابة . ولا شك أن إبسن قد جمع مهارات الكتاب السابقين في المراحل الآنفة الذكر وخرج بشكل جديد هو ما يسمى ( الدراما الحديثة ) التي اكتسحت العالم . أما الموجة الخامسة فقد تجاوزت - لأول مرة في تاريخ المسرح - حدود المكان والقوميات فكانت أكثر عالمية مما سبقها . فقد ظهرت في وقت واحد في عدد من بلدان أوروبا . وسبب ذلك أن الرأسمالية كانت نظاماً سائداً في أوروبا ومسيطراً على العالم . هذه العالمية في الاقتصاد جعلت الموجة السادسة عالمية تماماً في القرن العشرين . وقد ظهرت هذه الموجة في أواسط القرن العشرين . أما تفرعات الواقعية التي تلت إبسن فكانت جرجرة لطريقته وذيلاً لها . ومع أن هذه الجرجرة خلقت كثيراً من الاتجاهات الصغيرة وأنتجت عدداً كبيراً من النصوص ، فإن ذلك كله لم يكن إلا تفريعات عادية للواقعية الصارمة الفذة المدهشة التي وضع إبسن قواعدها الأساسية . وكان ما كتب بعده ينحو نحوه في ضعف مرة وفي قوة مرة . وهذه الموجة السادسة كانت بنت النقمة على الرأسمالية التي خاضت حربين عالميتين رجَّت بهما الكرة الأرضية . وهذه الموجة السادسة الناقمة المنتقمة لبست أردية متعددة ورثتها من الموجات السابقة وأعادت تفكيك وتركيب عناصرها . فهي واقعية وتراجيدية وعبثية ورومنسية في آن واحد . واستفادت من كورس اليونان ومن جلال الكلاسيكية الحديثة ومن شفافية الرومنسية وعمق المأساة الشكسبيرية . وإن مراجعة بسيطة لمسرحيات بيرنديللو وآرثر ميللر وتينيسي ويليمز وبريخت ويونسكو ومسرح الغضب ومسرح القسوة وجميع التيارات التي هزت المسرح في أواسط القرن العشرين تدلك على هذا المزيج الغريب من أركان البناء الدرامي الذي يجمع خصائص المسرح السابقة رغم تباين الاتجاهات والآراء وأساليب البناء الدرامي . أما الصفة الأساسية في هذه الموجة فهي أنها متشكية بائسة ، وغاضبة ثورية تريد أن تقلب المجتمعات الحديثة . وأما بناؤها فمستند إلى البناء الإبسني محوَّراً مغيَّراً متمرَّداً عليه . ولكنها ، رغم كل تنوعاتها ، تشترك في صفة واحدة هي ( المأساوية ) في أعمق معانيها الموروثة عن المأساة القديمة . وجميع ما أنتجته هذه الموجة على امتداد العالم ينصب في المأساة حتى في أشد مسرحياتها كوميديةً وإضحاكاً . فكأن المسرح بعد فصله للأنواع أو بعد خلطه لها يصبح نوعاً واحداً هو المأساة التي تتخذ شكل كل الأنواع لكنها كلها حزينة لأن العالم حزين . وهو حزن إما غاضب وإما مستكين . وإذا كان القرن العشرون قرن الثورات الاجتماعية الضخمة في جميع أقطار العالم كما هو قرن المآسي العالمية الضخمة ، فإن التعبير المسرحي عن ثوريته ومأساويته وطموحه إلى التغيير ويأسه من التغيير تركَّز في فترة لا تزيد عن ثلاثين أو أربعين عاماً تبدأ مع ظلال الحرب العالمية الثانية وتنتهي بعدها بقليل . ليعود العالم كله بعد ذلك إلى الركود واجترار أعمال هذه الموجة والسير على منوالها . وهذه الموجة هي التي مخضت المسرح العربي منذ ستينات القرن العشرين فجعلته يتأجج . وحينما انطفأت انطفأ معها . وإذا عدنا إلى هذه الموجات الست السابقة وجدنا أن عمرها كلها لا يزيد عن مئتي عام خلال القرون الخمسة والعشرين التي هي عمر المسرح . وكان المسرح بين موجة وأخرى نشاطاً عادياً . فالموجة التي تأتي عنيفة حادة في بدايتها ، كانت تتحول بعد زخم الأعوام الثلاثين أو الأربعين إلى تماوج خفيف يستوحي منها دون قوة أو عنف . وهذا هو سر التراث المسرحي الضخم الذي أنتجته ست موجات فقط بعدد من الكتاب لا يزيد كثيراً عن خمسين . ولو عدنا إلى هذا التراث الضخم لوجدناه ينقسم إلى عدد من الذرى الضخمة القوية وإلى عدد كبير من ملحقات هذه الذرى . * * * هذه الملامح الثلاثة الخاصة بالمسرح العربي والرابعة العامة للمسرح، حكمت المسرح العربي بقبضة واحدة صارمة طبعته بطوابعها طوال المئة والخمسين عاماً التي انقضت من عمره . والمدهش أنها فعلت ذلك رغم نشأة المسرح العربي في أوقات مختلفة في الأقطار العربية من ناحية ، ورغم الاختلافات الكبيرة بين أوضاع هذه الأقطار من ناحية ثانية ، ورغم امتدادها الفسيح على جزئين كبيرين من آسيا وأفريقيا من ناحية ثالثة . ويمكن أن نرد ذلك إلى التاريخ العربي نفسه . فقد دارت هذه المسافة الشاسعة في فلك إمبراطوريتين كبيرتين . أولاهما الإمبراطورية العربية التي تمركزت في دمشق ثم في بغداد وكانت بقية الأقطار تابعة لها . ومع أن هذه الأقطار تمتعت باستقلالات ذاتية كانت تجعلها تحارب الدولة المركزية أحياناً ، فقد ظلت مرتبطة بالمركز دينياً وسياسياً . وكانت التيارات الثقافية فيها واحدة بتنوعها وتباينها . ولهذا كان الكتاب الموضوع في بخارى أو القاهرة أو قرطبة ، يسافر من بلده إلى البلدان كافة بسرعة قد تفوق قدرة الكتاب العربي اليوم على الانتقال من قطر عربي إلى قطر عربي آخر . وكان الناس يعتبرون هذا الكتاب من ذخائرهم دون أن يعبؤوا كثيراً بالخلافات السياسية القائمة بين هذه الأقطار . وثانيتهما الامبراطورية العثمانية التي وقف منها العرب في البداية موقف التأييد لأنها ( جامعة إسلامية ) كما سميت . ثم وقفوا منها موقف الرفض لأنها احتلال . ومع موقفهم هذا منها ، فقد ظلت هذه الإمبراطورية تربطهم فلم يستطيعوا الفكاك منها إلا بقوة السلاح . والأقطار التي انسلخت عنها إدارياً ظلت تتبع لها سياسياً . فكان مندوب السلطان موجوداً في كل عاصمة من الأقطار المنسلخة . وفي ظل هاتين الإمبراطوريتين كانت الأقطار العربية تندرج في تفكيرها واقتصادها ولغتها ودينها تحت إطار متشابه . أ لم تظل القوانين العثمانية سارية المفعول في أكثر الدول العربية حتى منتصف القرن العشرين ومنها ( مجلة الأحكام العدلية ) ؟ إن هذا التوحد بين الأقطار العربية رغم الاستقلال الذاتي ، جعل المسرح العربي يتسم بالملامح الثلاثة الأولى التي لا يمكن فهم تطوره إذا لم نضعها في اعتبارنا، والتي تصادفنا كلما تحدثنا عن المسرح في أي بلد عربي . أما السمة الرابعة العامة التي تقسم تاريخ المسرح إلى موجات قصيرة الأمد بالغة التأثير ، فإنها شأن عجيب في المسرح العربي لأنها من طبيعة فن المسرح . وقد تأثر بها المسرحيون العرب دون أن يقصدوا أو ينتبهوا . فهي قانون حتمي من قوانين التعبير المسرحي . وإذا بالعرب الذين هم أمة واحدة من أمم العالم ، والذين عرفوا المسرح في فترة متأخرة كثيراً عن بقية أمم العالم يخضعون لهذا القانون الصارم . وإذا بمسرحهم في عمره القصير يتكون من موجات لا يزيد عمر الواحدة منها عن ثلاثين عاماً . وفي كل موجة كان يظهر أعلام يطبعون المسرح العربي بطوابعهم . ثم تكون الفترة بين موجتين جرجرة للمرحلة السابقة وتمهيداً للمرحلة اللاحقة . وبهذا الشكل يمكن أن نقسم تاريخ المسرح العربي إلى ثلاث مراحل . (1) - ( مقالات نقدية في المسرح ) تأليف رولان بارت . ترجمة د . سهى بشور . منشورات المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق - عام 1987 - ص 6 . (2) - ( فن المسرحية ) تأليف فرد . ب . ميليت و جيرالد ايدس بنتلي . ترجمة صدقي حطـاب . إصدار دار الثقافة - بيروت - عام 1966 . ص 46 . (3) - المصدر السابق ص 121 . (4) - المصدر السابق ص 98 - 99 . (5) - المصدر السابق ص 327 . |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |