مراجعات في الـمـسرح العربي منذ النشأة حتى اليوم ـــ فرحان بلبل

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Wednesday, September 17, 2003 03:16 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

خاتمـة

المسـرح الـذي كـتـبـنـاه‏

مـوقـعـه ومـصـيـره‏

بدأ القرن العشرون مبشراً بتغيرات في العالم ضارية . واتتهى مباشراً تغيرات في العالم أشد ضراوة . وبين البداية والنهاية ، غنَّت البشرية أحلامَها أدباً عالمياً كان لنا - نحن العرب - نصيب فيه كبير . وكان للمسرح الذي كتبناه في هذا النصيب دور فعال جعل الأمة العربية تقف موقف المساواة بين شعوب العالم في الهتاف للحرية أرعدت به وقرعت أبواب التراث الإنساني لتدخل إليه . ويمكن اليوم أن نعيد النظر في الأدب الذي كتبناه ، وفي حصة المسرح من هذا الأدب .‏

* * *‏

لقد تميز هذا القرن بأنه عصر الصراع بين الامبريالية والاشتركية ، أو بين ما هو شر وكل ما هو خير .‏

فالإمبريالية دفعت الكرة الأرضية إلى حربين عالميتين حتى منتصف القرن . وأوقفتها على شفا حرب نووية حتى نهايته وبداية القرن الذي يليه . وحملت الاستعمارَ والاستغلالَ إلى أجزاء كثيرة من الكرة الأرضية . وابتلت شعوباً بالقهر والاستعباد . ونهبت من البر والبحر خيرات مادية ومعنوية . فكان الصراع معها مزيجاً من الدعوة إلى السلام ، ومن الحرب في سبيل الحرية والكرامة ولقمة العيش .‏

وقد انصب كل الأدب في هذا القرن في هذا الصراع في معناه الواسع. فلم يكن في محصلته إلا دعوة إلى الحق والخير والجمال . ولئن كان الأدب في كل عصوره يدعو إلى هذا الثالوث المقدس ، فإنه في هذا القرن اتشح بالسواد والدموع عبر خطوط التماس بين خندقين واضحي المعالم انقسم معهما البشر والأرض والفلسفات إلى قسمين متصارعين .‏

وإن مراجعة سريعة لأدب هذا القرن تؤكد هذا القول . إذ لم تكن التعبيرية والسريالية والواقعية النقدية إلا احتجاجاً صارخاً على الحرب العالمية الأولى وعلى سيطرة الامبريالية العالمية . ولم يكن التجريب في المسرح -وإن انصب في أشكال الأداء ومظاهره - إلا جزءاً من هذا الاحتجاج . ولم تكن الواقعية الاشتراكية إلا دفاعاً عن نظام اجتماعي حلم به كل المسحوقين والمظلومين . ولم يكن الشعر الحديث في شتى بقاع الأرض إلا ثورة وتمرداً على ما هو قائم وانعتاقاً إلى الحرية وتعبيراً عن الرغبة في التحرر . وارتبطت كل الاتجاهات الجديدة في الأدب بالنقمة على الشر والدعوة إلى الخير . فلم يكن مسرح برودواي في أمريكا ومسرح الغضب والقسوة في إنكلترا ومسرح العبث في فرنسا إلا صرخة على استعباد رأس المال للإنسان . ولم تكن البريختية إلا دفاعاً مستميتاً عن الاشتراكية تلقفتها شعوب الأرض وأعلنت بها رفضها للشر وإصرارها على الخير . وجاءت الرواية في كل بقاع الأرض - بمختلف اتجاهاتها وأساليب بنائها - تدور حول موضوع لا يتغير هو وضع الإنسان على خارطة الأرض المتمزقة بين حدَّي الظلم والظالم . وظل الأدب السوفياتي، طوال سبعين عاماً ، يتغنى بالاشتراكية التي اعتبرتها نصف الكرة الأرضية انتصاراً عظيماً لها . وأنتج أبناء المنظومة الاشتراكية أدباً هاماً ترك آثاره على الأدب العالمي . وكتب جميع الاشتراكيين في العالم - وما كان أكثرهم - أدباً هاجموا به ما هو كائن استشرافاً لما يحلمون أن يكون . وإذا كان أدب القرن العشرين قد اتخذ في كثير من مواقعه ومدارسه دروباً غير هذه الدرب الصارمة من الصراع ، فإنه تأثر بها وانصب فيها .‏

ولم يكن الأدب العربي في هذا القرن إلا جزءاً من أدبه . وكان في مجمله دفاعاً عن الحق والخير والجمال ، ودعوة إلى الحرية وجهاداً في سبيل التحرر . وإن مراجعة سريعة للشعر العربي ومعاركه طوال هذا القرن تكفي للدلالة على صحة ما ذكرناه . فقد كان حرباً ضارية على الاستعمار والتشتت القومي والجوع والظلم بقدر ما كان نشيداً للحب وإنسانية الإنسان . وسواء كان الشعر العربي كلاسيكياً أم حديثاً فقد حمل هماً وطنياً قومياً وسياسياً . وكان الشعر الحديث تجديداً هائلاً في البنيان الفكري والسياسي والاقتصادي للأمة العربية . ولم تكن معاركه في الحداثة والتحديث إلا تجديداً مستمراً لأساليبه ومضامينه دفاعاً عن تجديد حياة الأمة وخروجاً بها عن سبل الركود إلى جادة التطور . وسواء كنت مع الشعر التقليدي أم مع الشعر الحديث ، وسواء كنت مع قصيدة النثر أم خصماً لها ، وسواء اعترفت بالحداثة أم استهجنتها ، فإنك مضطر أن تحني هامتك اعترافاً بشرف المعركة التي خاضها الشعر ضد كل ما هو شر .‏

وإذا كان المسرح عند العرب حديث النشأة ، فإنه - منذ بداياته في القرن التاسع عشر وعند أولى خطواته المكينة في القرن العشرين - كان وجهاً من وجوه الحرب والسياسة والنضال . فقد حمل على الاستعمار في النصف الأول منه . ودافع عن الاشتراكية في نصفه الثاني . وارتبط ، بوثاق لا فكاك منه ، بالسياسة وأفانينها حتى كان في بعض وجوهه مسرحاً سياسياً . وفي بعض وجوهه الأخرى واقعياً يغوص في هموم الوطن والمجتمع . ولم يكن ما قدمناه من أبحاث في هذا الكتاب إلا جلاء لمواقفه هذه .‏

وإذا كان النشاط المسرحي بما يصحبه من فعل اجتماعي وتأثير جمعي يزول مع انطواء العروض المسرحية ومع مجيء أجيال جديدة ، فقد أنتج النشاط المسرحي العربي عدداً من النصوص القوية التي دخلت خزانة التراث الأدبي العربي . وكان ممكناً لها أن تدخل خزانة الأدب العالمي لو كان العرب يمتلكون الجيوش الكبيرة والأساطيل التي تجوب المحيطات . ولا يستغرِبنَّ أحدٌ هذا القول . ولا يعتبرنَّه نوعاً من العزة القومية مع أنه لا ضير من الاعتزاز بالقومية . فإن شواهد التاريخ تدلنا على أن الأدب العظيم لكل أمة من الأمم ، يبقى في خزانتها وحدها إذا لم يكن وراءه دول قوية تملك الجيوش والأساطيل فتحمله إلى أنحاء المعمورة وتخرجه من حدود بلاده إلى آفاق العالم . وهل أصبح شكسبير وموليير وتينيسي ويليامز وفيكتور هيجو والعديد من الكتاب العظام أعلاماً في التراث العالمي والإنساني لولا الدول القوية التي تقف وراءهم وتنشرهم بقوة الجيوش والاقتصاد والأساطيل ؟ ألم تدفع أمم هؤلاء العظام كثيراً من الجهد والمال لتعميمهم على البشرية ؟ ولو كان العرب يحتلون مكانة القوة في العالم ، لوجدت نصوص كتابهم المسرحيين في القرن العشرين وشعراءَهم وروائييهم ، يحتلون هذه المكانة العالمية .‏

وعلى الرغم من أن الرواية والقصة القصيرة حاولتا تصوير المجتمع والحياة بعيداً عن هذه المعركة المباشرة التي خاضها الشعر والمسرح ، فإنهما - في المآل - انصبتا في خضم هذه المعركة الاجتماعية والسياسية . والتقطتا من صفحات الحياة ما التقطه الشعر والمسرح .‏

وكل هذه الفنون - بالنقد الذي كتب حولها - انصب في المعركة القاسية بين الامبريالية التي تحمل معنى واحداً هو الاستبداد والاستغلال ، وبين الاشتراكية التي تحمل معاني واسعة وأشكالاً كثيرة . مثلهما في ذلك مثل (القتل) و ( الفرح ) . فللقتل شكل واحد هو القضاء على الحياة . وللفرح أشكال من الاحتفال متنوعة . وسواء كان الأديب العربي من دعاة الاشتراكية أم من خصومها - وهو ليس خصم الخير - فإن أدبه كان ينحو نحوها ويتأثر بها . فهو إما مدافع عن الاشتراكية أم مستنكر لها . وهو في كلا الحالين غائص في بحرانها .‏

* * *‏

لكن السنوات الأخيرة غيرت كل هذه المعالم التي سادت القرن العشرين في السياسة والأدب . وقلبت كل الموازين التي رسخت عليها الكرة الأرضية طوال تسعين عاماً من هذا القرن . فقد فتح الناس عيونهم فجأة وإذا بالكثير مما اعتنقوه ودافعوا عنه يبدو شديد التغير أو كثير التفاهة . وإذا بالمعركة الرئيسية التي بُني على حوافيها الأدب والدول والسياسات - وهي المعركة بين الاشتراكية والامبريالية - تنحلُّ إلى شيء هلامي معدوم الملامح . وإذا بكل الذين دافعوا عن الاشتراكية وحقوق الإنسان والحرية والعدالة يرتدون خاسرين كأنهم بذلوا ما فعلوه لشيء هو للخسران ينتمي . وكأن كل أناشيد الحرية التي بُحَّت أصواتـُهم فيها تلاشت في الهواء . وإذا كان لا بد للبشرية أن تغني للحق والخير والجمال ، فإن عليها أن تغير اليوم مزاميرها وأدواتها وموضوعاتها ، وأن تسير في دروب غير التي سارت عليها .‏

وإذن ، فإن البشرية اليوم تقف أمام ما كتبته من الأدب في القرن العشرين موقف المتسائل عن أهيمة وقيمة وصحة وصلاحية ما كتبت . فهل تستطيع اليوم أن تحترم ما كتبت من شعر ومسرح ورواية تجاوبت به أركان الأرض ، أم أن عليها أن تلقيه في مستنقع النسيان ؟‏

إن مراجعة سريعة أيضاً لهذا الأدب تجعلنا نستخلص نتائج جديدة قد تكون هذه الخاتمة الصغيرة لما خضنا فيه من مراجعة للمسرح العربي محاولةً أولى في الوصول إلى هذه النتائج . وتتلخص هذه النتائج في السؤال التالي : إذا كان أدب القرن العشرين قد خاض معركة إلى بوار فهل هو من البوار ؟‏

إن الأدب السوفياتي العظيم الشامخ يبدو اليوم كأنه لم يكن . وهو يتحدث عن مجتمع ثبت أنه غير صحيح . ولو حاولت أن تقرأ اليوم روايات جنكيز آيتماتوف وقسطنطين سيمونوف وغيرهما من عمالقة الرواية السوفياتية، فسوف تجدها تتحدث وتصف وتدافع عن مجتمع باد وانتهى . وكل المسرح السوفياتي العظيم انتهى إلى النهاية ذاتها . ومسرح بريخت العظيم تجاوزته تغيرات العصر فلم يعد بالإمكان أن تجد فيه ما كنت تجد فيه . ولو حاولت تقليد البريختية على المسرح اليوم فسوف تبدو مضحكاً دون أن تكون كوميدياً . حتى مسرح العبث الذي كان في بعض وجوهه تسفيهاً للبريختية وانشغالاً بأمور أكثر عمومية وشمولية ، يبدو اليوم قليل الأهمية . وكل مسرح الغضب الإنكليزي لن يدفعك إلى الغضب . ومسرح القسوة اليوم يبدو رخواً . ومسرح الواقعية الأميريكية يبدو مملاً سقيماً . فهل يبدو انجراف " بلانش " نحو الدعارة ، مثلاً، في مسرحية تينيسي ويليامز ( عربة اسمها الرغبة ) أمراً مهماً في حين تسقط أكثر المجتمعات في مستنقع دعارة الهزائم والجوع ؟‏

إن كل المسرح العالمي الذي تماوجت حوله البشرية في القرن العشرين واشتجرت حوله بالتأييد أو الشجب ، والذي تناقلته خشبات المسارح في اهتمام بالغ واحتفال مهيب ، يبدو اليوم قليل الأهمية ثورياً كان أم واقعياً أم ملحمياً أم عبثيا . وصار ذا موضوعات بالية تُشيح البشرية عنه وجهها واهتمامها فلا يحرك فيها إلا السخرية . ولا يدعوها إلا إلى الملل .‏

* * *‏

وأعتقد أن هذا الحكم على الأدب العالمي يصح على الأدب العربي‏

-ومنه المسرح - في القرن العشرين . بل قد يكون أكثر صدقاً وصحة على الأدب العربي منه على الأدب في كثير من بقاع الأرض . وقد يكون أصحَّ وأصدقَ على أدب النصف الثاني من القرن . وذلك لأن الأمة العربية كانت من أكثر الشعوب انغماراً في الصراع الذي دار بين الإمبريالية والاشتراكية . وكلما كانت تزداد تفتحاً ووعياً ، كانت الإمبريالية تزداد عداء لها . وكلما كانت تحقق انتصاراً في موقع من مواقعها كان الهجوم عليها يشتد ويعنف . وقد كان ذلك الاشتداد والعنف في النصف الثاني من القرن أبلغ وأضرى منه في نصفه الأول . ولذلك كان أدبها شديد الانغماس في هذا الموقع . وكان المسرح أكثر أنواع الأدب استغراقاً في ضراوة العداوة لها كما بينا فيما سلف من البحث . وقد دفعه إلى بليغ الحرب وشديد الخصام شيئان . فهو - أولاً - قائم على الصراع . وكلما اشتد الصراع فيه ازداد شموخاً وعلواً في كعبة الأدب . وقد وجد في هذه العداوة للإمبريالية مادة حريفة للصراع . فامتطاها نافذاً منها إلى كل عيوب المجتمعات العربية . وهو ثانياً مدفوع إلى هذه الضراوة في الصراع بضغط جمهوره الذي كان يتَّـقد حماسة في حربه لها .‏

إن انغمار الأدب العربي في الصراع مع الإمبريالية ومع كل ماهو شر وبيل على الإنسان ، جعل خروجه من حومة الحياة بعدما تغيرت ركائز الأرض أسرع وأبين . وكان خروج المسرح من لهيب الصراع إلى برود الموت أفجع وأوضح . فمن التفاف الناس الشديد حوله إلى الانفضاض المؤلم عنه . فلا غرابة إذا أصيب الكتاب المسرحيون بالذهول . فبالأمس كانوا أعلاماً في الحياة الثقافية والاجتماعية . وبالأمس كانوا نجوماً تعج بإنتاجهم خشبات المسارح في مشارق الخشبات العربية ومغاربها . وإذا بهم اليوم منسيّون يُذكرون - وأكثرهم أحياء _ كما يُذكر أثرٌ باد وانقضى . وبينما كان النقد الأدبي والمسرحي يجد في نصوصهم مادة ثرية للبحث واستخلاص القواعد والتقسيم إلى اتجاهات ومدارس ، صار النقد الأدبي والمسرحي يجد إنتاجهم أدباً مشكوكاً بقيمته .‏

هذه الحالة التي وصل إليها الأدب العربي والأدب المسرحي على الخصوص ، تجعلنا نسأل أنفسنا : ماذا يجب أن نعمل ؟ وإلى أي اتجاه نمضي؟‏

إن الدفاع عن كرامة الإنسان وعن الحق والخير والجمال هي الروح التي كانت تسري في أعطاف الأدب منذ فجر البشرية حتى اليوم . وسوف تظل تجري في أعطافه حتى يقضي الله في هذا الكون أمراً كان مفعولاً . وسواء وجدْتَ تطبيق ذلك في الاشتراكية التي ماتزال حلمَ الكثيرين من العرب ، أم وجدتَ تطبيق ذلك في منهج آخر ، فإنك لن تخرج عن الحلم بالعدالة كائناً ما كان الدرب التي تسلكها لتصل إلى ما تحلم . لكن ملامح الاشتراكية الجديدة التي تراها خيراً ، أو أي درب أخرى تراها خيراً ، قد تغيرت . وإن السبل إليها اختلفت . فلن يعاد غداً ما جرى بالأمس . وقد تكذب على نفسك فترى أن الإمبريالية هي السبب في إسقاط الاشتراكية . وقد تغالط نفسك فتردُّ سقوطَها إلى نخرها الذاتي وفسادها الداخلي . وقد تتوازن مع نفسك فترد سقوطها إلى الأمرين معاً . لكنك في كل الأحوال مضطر إلى التفتيش عن أسلوب جديد لتحقيق أحلام وطنك . وذلك يعني التفتيش عن أدب جديد بأساليب جديدة . وعن مسرح جديد يفكك المسرح العربي الذي مضى إلى عناصره الأولية ، ليصوغ منها نوعاً جديداً مختلفاً عنه في البناء والأشكال ، ومتفقاً معه في نقاء الحلم وصفاء الأمل . ولولا الحلم والأمل لما كان أدب على ظهر الأرض ولما أطلق الأدباء أغانيهم .‏

أما ما كتبه أدباؤنا في القرن العشرين في أنواعه المتعددة فيمكن القول إنه خرج من خزانة الأدب إلى متحف التاريخ الأدبي . وأرجو أن نملك الجرأة لنقول هذا .‏

وسواء اعترفنا بهذا أم لم نعترف ، فإن الشعر العربي ، تقليدياً كان أم حديثاً، لم يعد قادراً على العيش بين أيدي القراء . ولنضرب على ذلك مثلاً بقصائد أحمد شوقي الشامخة في الثورات العربية . فقد كانت بالأمس القريب جزءاً من حياتنا الثقافية نتمثلها على سبيل التعايش والتفاعل . لكنها اليوم‏

-ويستحسن أن نعيد قراءتها لنتأكد من ذلك - صارت شيئاً للاستذكار لا للتمثل . وصارت أقرب إلى الحادث التاريخي منها إلى الحدث القومي والسياسي . والخطأ ليس فيها . فهي ماتزال على شموخها . لكن المتلقين لها انسحقت نفوسهم فلا يجدون فيها إلا عنجهية باد الإحساس معها بحرارتها . والشعر الحديث الذي ارتبط أشد الارتباط بالهموم الوطنية والسياسية صار اليوم خارج دائرة الاهتمام الوطني والثقافي . ولو قدر لك ، مثلا، أن تراجع قصيدة الشاعر السوري المرحوم محمد عمران ( بغداد ) وتستعيد منها قوله :‏

ليت لي غيرُ صوتٍ ينادي‏

في السيوف الصديئة تحت غمد بلادي :‏

( نبهتهم مثل عوالي الرماح‏

إلى الوغى قبل نموم الصباح‏

فوارس نالوا المنى بالقنا‏

وصافحوا … )‏

لكنهم فوارس من خشب .‏

فوارس الهواء . ‏

لما وجدت في هذا المقطع حرارة أو صدى في النفس مع أن هذه القصيدة هزت ضمائر الناس منذ ثلاثين عاماً . وبمثل هذا البرود تقرأ اليوم شوامخ الشعر الحديث الملتهب الذي كان .‏

أما المسرح العربي ، فلا أحد يستطيع أن ينكر انطواء أعلامه وخروجَه من حومة الحياة . ولا شك أن الكثير من نصوصه كانت شامخة هزت أركان الدراما وأثارت مشاعر الناس . وهي ، فوق هذا كله ، إضافة حقيقية للتراث الإنساني . ودعوني أذكر بعض أعلام المسرح العربي على سبيل التذكير من ناحية ، ولأني أجد في ذكرهم حلاوةً لذيذة وأحس نحوهم باحترام شديد . فمنهم توفيق الحكيم ومحمود تيمور في مصر النصف الأول من القرن العشرين . ومنهم مراد السباعي وخليل الهنداوي في سورية في المرحلة نفسها . ومنهم في مصر نعمان عاشور الذي يدين المسرح الواقعي في الوطن العربي له بالفضل العميم . وألفريد فرج ومحمود دياب وميخائيل رومان ونجيب سرور وغيرهم ممن إن لم نذكرهم فإن لهم الحلاوة كلها والاحترام كله. ومنهم في سورية حسيب كيالي ووليد إخلاصي وعلي عقلة عرسان وسعد الله ونوس ورياض عصمت وممدوح عدوان وغيرهم ممن إن غفلنا عن ذكرهم فإنهم النتاج الثمين في المسرح العربي . ومنهم سعيد تقي الدين وعصام محفوظ وغيرهما من لبنان الريادة في المسرح العربي . ومنهم عز الدين المدني التونسي المجدد وعبد الكريم برشيد الاحتفالي المغربي مع الطيب العلج الطريف الأليف .‏

لكنك إذا حاولت تقديم نصوص هؤلاء الكبار اليوم فسوف يلقاك المتفرجون بالسخرية وعدم المبالاة لسبب بسيط جداً هو أن ماقالته مسرحيات هؤلاء من دفاع عن الكرامة وعن الإنسان يبدو اليوم متخلفاً وغريباً وبالياً .‏

بعد هذا كله . ورغم هذا كله . يجدر بنا أن نتوقف قليلاً ونحن نطلق هذا الحكم بمغادرة الأدب الذي كتبه العرب لميدان الحياة . فلئن صح أن التغيرات الهائلة ذهبت به فإنها لم تستطع أن تجعله يموت أو يندثر . وإذا بدا اليوم متخلفاً وبعيداً عن دائرة الاهتمام ، فإنه جزء من المعركة البشرية في سبيل الحق والخير والجمال . وكل أدب خاض هذه المعركة ظل أدباً حياً إن كان جميلاً أصيلاً . وإذا كانت الاشتراكية اليوم ، أو ما في سياقها من أفكار الدفاع عن الإنسان ، مهزومةً جريحةً فإنها ومعها كل ما يدافع عن الإنسان ، لا بد مضمِّدةٌ جراحَها وعائدةٌ إلى الميدان لتدافع من جديد عن كل ما هو جميل وخيِّر . وعند ذاك يعود إلى الحياة الكنز الذي أنجزه الأدب العربي في القرن العشرين . وسوف يجد الناس في المسرحيات العربية التي كتبها هؤلاء جوهرة تتلألأ على خشبات المسارح‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244