النزوع الأسطوري في الرواية العربية المعاصـرة – د. نضال الصالح

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب- 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 03:31 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

إرهاصات النزوع الأسطوري في الرواية العربية

ترتدّ بدايات النزوع الأسطوريّ في الرواية العربية إلى نهاية عقد الأربعينيات من القرن العشرين، أي إلى المرحلة التي بدأت تتأسّس معها ملامح الجنس الروائي العربي بمعناه الفنّي، والتي يمكن عدّها بداية لمنعطف روائي عربيّ جديد، كان يستمدّ أهميته ومكانته من شرطه التاريخي الذي بدا موّاراً بالحديث عن الذات القومية المضيَّعة من جهة، وعن الانتماء إلى العصر من جهة ثانية.‏

ففي تلك المرحلة، "التحوّل والاستكشاف" بتعبير سيّد حامد النسّاج، أو"ما بعد الانتساب أو التجنّس" بتعبير محمّد برّادة، أو"التطوّر" بتعبير محمّد الباردي، أصبح الاتجاه نحو استلهام التراث، بأشكاله وتجلّياته كافة، يشكّل معلماً واضحاً، رغبة "في نقد الأوضاع السياسية والقيم الأخلاقية إمّا بالحلم والفنتازيا، وإما باستيحاء الأساطير"(1).‏

وبتتبّع إنجازات الجنس الروائي العربي، آنذاك، يخلص المرء إلى أنّ ثمّة نتاجاً روائياً وفيراً نسبياً ممّا يمكن عدّه إرهاصاً بنزوع هذا الجنس إلى استلهام الأساطير، ما لبث، فيما بعد هزيمة حزيران 1967، أن تتَابعَ ليشكّل ظاهرة في المشهد الروائي العربيّ. ولاستجلاء كيفيات ذلك الاستلهام وآليات صوغه وأنساقه الجمالية، ولاستكشاف أهمّ السمات المميّزة له، ولاسيّما فيما يتّصل بدوره في التأسيس للظاهرة وإشاعتها فيما بعد، سأمثّل له بالنصوص الروائية الخمسة التالية:‏

1 – عــــودة الـــــروح:‏

لعلّ رواية توفيق الحكيم: "عودة الروح"(2) أول نصّ روائي عربي ينزع إلى استلهام الأسطورة، ولعلّها أول نصّ روائي عربي أيضاً يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالظاهرة التي تعالجها هذه الدراسة، أي: النزوع الأسطوريّ، ذلك أنّه ليس ثمّة أسطورة في الرواية، بل ثمّة استلهام لأسطورة، هي أسطورة الموت والانبعاث الفرعونية، أي: أسطورة "إيزيس وأوزوريس".‏

والنزوع الأسطوريّ في هذه الرواية يتجلّى من خلال تلك المطابقة التي ينتجها الروائي بين شخصية "سنية" التي يتهافت على حبّها أفراد أسرة واحدة و"إيزيس" بطلة الأسطورة الفرعونية، ومن خلال ما تشير إليه الأولى من حمولة رمزية دالّة على الثانية بوصفها رمزاً لمصر، إذ تنبّه محسن إلى أنّ: "شعرها مقصوص على أحدث طراز، وذهبت عيناه تتأمّل نحرها العاجيّ غاية في البياض، يعلوه رأس مستدير غاية في السواد، يلمع لمعاناً أخّاذاً، كأنّه قمرٌ من الأبنوس. وخطرت لمحسن صورة يراها في الكتاب المقرّر هذا العام للتاريخ المصري، صورة يحبّها كثيراً، وطالما قضى شطراً من حصص التاريخ يطيل إليها النظر وهو سابح في عالم الأحلام، لا يُنزله منه إلى الأرض إلا صوت المدرّس وقد بدأ في شرح الدرس، تلك صورة امرأة، شعرها مقصوص أيضاً.. وأسود لامع كذلك.. ومستدير كالقمر الأبنوس: إيزيس"(ج1: 143-144).‏

ومهما يكن من أمر انتماء الكثير من جزئيات المحكي في هذه الرواية إلى الكثير من جزئيات السيرة الذاتية لتوفيق الحكيم(3)، فإنّها تتجاوز ما هو سيري خاصّ إلى ما هو جمعيّ عام، يمتدّ ليعني مصر كلّها، بل إنّه يمكن عدّها محاولة روائية لكتابة سيرة مصر في مطلع القرن العشرين، قبل ثورة سعد زغلول 1919 وخلالها. وتتجلّى هذه السمة فيها من خلال نمذجة الحكيم لشخصياتها الرئيسية التي تغادر إطارها الواقعيّ لتكتسب معاني ودلالات خارج هذا الإطار من جهة، ثمّ لمكوّنات عالَمه الروائي الأخرى، التي تتمّ صياغتها داخل الرواية بوصفها حوامل جمالية للتعبير عن تلك المعاني والدلالات من جهة ثانية.‏

فالشخصيات الرئيسية الثلاث: "محسن"، و"عبده"، و"سليم"، التي تهيم حبّاً بسنية، ابنة الجيران، تمثّل معادلاً فنّياً للشعب المصري، كما تمثّل "سنية" نفسها معادلاً فنياً لمصر. ويتبدى ذلك من خلال إلحاح الروائي، في مواقع كثيرة من الرواية بجزأيها، على تسمية الأسرة التي تنتمي إليها تلك الشخصيات: "الشعب"، كما يتبدى من خلال المطابقة التي يقيمها "محسن"، كما أشرت إلى ذلك آنفاً، بين "سنية" و"إيزيس". ولعلّ توزيع الروائي شخصياته الثلاث تلك على وظائف اجتماعية ومعرفية مختلفة يثمّن ما يمكن عدّه محاولة منه للتعبير عمّا كان يضطرم في الشارع المصري آنذاك من أسئلة المثقفين عن معاني التحرّر والانتماء والنهضة، فقد كان "محسن" طالباً شاباً، و"سليم" ضابطاً، و"عبده" مشروع مهندس. ولعلّه، أيضاً، إشارة إلى ما كان يعتور ذلك الشارع من حالات التمزّق والفرقة التي كانت تبدّد جهود أولئك المثقفين، وتجعلها أسيرة أوهام خاصة بكلّ فئة منهم عمّن يبدو مؤهلاً لنيْل ودّ الأمّة، كما تمثّلها سنية في الرواية.‏

لقد أحبّ محسن، وعبده، وسليم، كلّ على طريقته، "سنية"، ابنة جارهم الدكتور حلمي، وابتكر، كلّ على طريقته أيضاً، الوسيلة التي تمكّنه من الاستئثار بقلبها. وعلى الرّغم من أنّ سبيلهم إلى لقائها كان محكوماً بعنصر المصادفة، الذي يتمدّد في الرواية باسطاً نفوذه على مكوّناتها كلّها، فقد كان هذا اللقاء نوعاً من الكشف عن قتام الواقع الذي كانوا يعانونه جميعاً، بل الذي يعانيه أبناء مصر كلّهم، إذ ما إن كان كلّ منهم يعود من منزلها، حين يلقاها أول مرة، حتى يستعر لديه إحساس حادّ بسطوة المفارقة بين عالمهم الذي يحيونه وعالم سنية، بين الواقع والمثال. فحين خلا محسن لنفسه مساء لقائه الأول بها لتعليمها أصول الغناء "شعرَ.. بسوء تلك المعيشة: خمسة أشخاص في حجرة واحدة! لأول مرة أحسّ بالحنق على تلك المعيشة المشتركة، التي كانت دائماً منبع هناء وصفاء وغبطة للجميع.. أي للشعب، حسب كلمتهم المتعارف عليها"(ج1: 106). والإحساس نفسه انتاب عبده بعد لقائه الأول بها أيضاً حين أصلح لأسرتها سلك الكهرباء: "أحسّ إحساس محسن تماماً عندما عاد هو الآخر من منزل الجيران للمرة الأولى، أحسّ الاشمئزاز، إذ يعيشون خمسة في غرفة واحدة"(ج1: 206)، كما انتاب "سليم" حين عاد من تفحّص بيانو الأسرة: "أحسّ لأول مرّة غرابة هذه المعيشة، كيف أنّه استطاع حتى الآن أن يحيا مع أربعة أو خمسة في حجرة واحدة"(ج1: 222). لكأنّ ثمّة هوّة سحيقة كانت تفصل بين "الشعب" وجذره الحضاري، ولذلك فقد كان الثلاثة يتلهفون للتوحّد بهذا الجذر، أو لاستعادته، أو للحظوة به.‏

كان كلّ منهم يسعى إلى خطب ودّ "سنية" بوصفه خلاصاً من وحدة شائهة تخفي تحتها تمزّقاً واقعاً، لا يمكن التحرّر منه إلا من خلال شخصية قادرة على جمع أوصال هؤلاء العشّاق لتردّ إليهم الحياة، على النحو الذي فعلته إيزيس، بطلة الأسطورة، بأوصال حبيبها أوزوريس، إذ لم يكن ثمّة معنى لهذه الحياة في وسطٍ أسريّ مبعثَر، والعلاقات فيه محكومة بالأهواء. وإذا كانت "سنية" قد تمكّنت من تطهيرهم من آثار الفرقة، فوحّدتهم باتجاهها، فقد انتهت بهم إلى حبّ أكبر، حبّ الثورة التي قادها "سعد زغلول"، فانخرطوا جميعهم فيها، كما لو أنّهم قد بُعثوا من الموت، والتي دفعت كلاً من عبده وسليم إلى إذابة رغباتهما الذاتية في آلام محسن، كما دفعت الأخير نفسه إلى تجاوز إخفاقه في استمالة سنية إليه، ثمّ إلى إذابة "أشجانه في أشجان بلده. الشعب كلّه ينسى ذاته ويندفع مع الموج ليلتحم مع القائد.. الذي ظهر ليقود المدّ الثوريّ الجديد ويعيد لمصر الروح"(4).‏

وممّا يعزّز رمزية "سنية" ومرجعيتها الأسطوريّة ما تجهر به الرواية نفسها في خاتمة جزئها الثاني، إذ يقول الآثاريّ الفرنسي: "أمّة أتت في فجر الإنسانية بمعجزة الأهرام لن تعجز عن الإتيان بمعجزة أخرى.. أو معجزات! أمّة يزعمون أنّها ميتة منذ قرون، ولا يرون قلبها العظيم بارزاً نحو السماء من بين رمال الجيزة! لقد صنعت مصر قلبها بيدها ليعيش إلى الأبد!"(ج2: 240)، ثمّ من خلال إشارة الروائي إلى تفجّر تلك الثورة "في شهر مارس. مبدأ الربيع. فصل الخلق والبعث والحياة"(ج2: 240)، كما تشير إلى ذلك أسطورة الموت والانبعاث الفرعونية، القائلة بميلاد حياة جديدة في مطلع الربيع من كلّ عام، حيث تتمكّن "إيزيس" من جمع أشلاء حبيبها "أوزوريس" وتعيده إلى الحياة(5).‏

والرواية، بالإضافة إلى إشاراتها للمعطى الرمزي الأسطوريّ فيها، لا تدّخر جهداً في إبراز ما يعزّز هذا المعطى، ويُعلي من شأنه وحضوره في تضاعيف السرد، ومن أمثلة ذلك ما يتّصل بصورة سنية خاصة، التي كانت بالنسبة إلى محسن "المعبود" الذي يجب أن لا يطوله أحد، والذي يجب أن يظلّ في عليائه المقدّس العصيّ على الامتهان، فحين حاول عمّه سليم التغزّل بمفاتنها الجسدية: "شعرَ بما لم يشعر به عابد ورع تقيّ متنسّك وقد رأى أحداً يهين معبوده بكلمات بذيئة"(ج1: 224). ثمّ تسمية مصطفى لها بـ"إلهـة الشرفة"(ج2: 167)، وما يتردّد من حوارات بين كثير من الشخصيات تدفع بذلك المعطى إلى الواجهة دائماً، وقبل ذلك كلّه تصدير كلّ جزء من جزئي الرواية بنصّ من "كتاب الموتى".‏

لقد حاول الحكيم أن يوفّر لروايته كلّ ما يمكّنه من استثمار الأسطورة الإيزيسية، وأن تكون هذه الأسطورة متكأه الفنّي للتعبير عن الأطروحة المركزية لخطابه الروائي، أي أطروحة انبعاث مصر من موتها الذي سكّن حركة التاريخ فيها آنذاك، ولذلك لم يكن يدّخر جهداً في بثّ كلّ القرائن الكافية للمطابقة بين مستويي التعبير لديه: المستوى الواقعي والمستوى الرمزي، وإلى حدّ بدت الرواية معه مشغولة باستجماع كلّ ما يفصح عن خطابها إلى بؤرتها السردية، الأمر الذي قد يفسّر تلك الاستطالات الزائدة والنافلة في عملية السرد، كما في حكاية الدكتور حلمي، والد سنية، عن مديرية بحر الغزال حيث قضى شطراً من حياته في السودان، وحديث القطار الذي أقلّ محسن إلى قريته دمنهور، وسوى ذلك. كما يفسّر إجماع كثير من النقّاد على القول إنّ الحكيم كان يفرض أفكاره على شخصياته، ويُنطقهم بما يعجزون عن النطق به بطبيعتهم، كما كان يتدّخل دائماً لتحقيق تلك المطابقة التي أشرت إليها في أكثر من موقع سابق، ولإخضاع حركة السرد لرؤى سابقة على النصّ، وليست منطلقة من سيرورة هذه الحركة وتطوّرها الطبيعيين(6).‏

ويصوغ ذلك كلّه "راوٍ مفارق لمرويّه"، عالِم بكلّ شيء، وعبر ما يسمّيه الشكلاني "توماتشفسكي"(Tomachevski)(7): "السرد الموضوعي"(Opjectiv)، إذ يبدو الروائي مطّلعاً على جزئيات عالمه التخييلي، حتى الأفكار السرّية لشخصيات هذا العالَم، التي قد لا تشعر بها هذه الشخصيات نفسها، أو عبر ما يسمّيه "ج. بويون"(J. Bouillon)(8): "الرؤيـة من الخلف" (Vision Par Derrière)، التي يبدو الروائي معها، ومن خلالها، كائناً متعالياً يقود حياة شخصياته ويحدّد مصائرها.‏

والرواية، بعامّة، شاهد ممتاز على تقاليد الكتابة الروائية العربية، إذ ينصاع الشكل الفنّي فيها إلى صيغة زمنية متواترة، تظلّ لصيقة بالمعنى الخطّي للزمن. وليس صحيحاً، في هذا المجال، ما رآه محمّد زغلول سلام من أنّ الروائي قد أحسنَ "نسجَ خيوط القصّة وربْطَ الصورة الجزئية بالصورة الكلّية"(9)، والصحيح هو ما ذهب إليه في موقع آخر من دراسته للرواية من أنّ سيطرة الفكرة على الشكل، أو غلبة الفلسفة على الواقعية، أدّت إلى اختلاط صور الشخصيات الواقعية برموزها، وأضعفَ خطوطها، كما أضعفَ بناءها الفنّي(10).‏

وإذا كان ثمّة ما يسوّغ للروائي استخدام العامّية المصرية على نحو مثير، أي: إلحاحه على تجسيد روح "الشعب" كما يتمثّل في الأسرة، فإنّ هذه العامية لم تكن معلّلة جمالياً على نحو كافٍ، وكثيراً ما كانت تسلب الرواية، وفي مواقع كثيرة منها، معنى انتسابها إلى الأدب، من غير أن ينفي هذا أهميّتها ودورها في التأسيس لخطاب روائي عربيّ جديد، يُمثّل النزوع الأسطوريّ أحد علاماته الأولى.‏

2 – إيــــزيس وأوزوريـــــس:‏

لا تكتفي رواية عبد المنعم محمّد عمرو "إيزيس وأوزوريس"(11) بالإفصاح عن انتمائها إلى ما يمكن عدّه صياغة روائية للأسطورة الإيزيسية من خلال عنوانها فحسب، بل من خلال ما يستكمل به الروائي هذا العنوان بآخر فرعي أيضاً: "قصّة من وحي الأسطورة المصرية الفرعونية". بمعنى أنّ الرواية تجهر، منذ عنوانها، بمادّتها الحكائية الخام، وتعلن عن انتسابها المطلق إلى ما سمّاه د. مراد عبد الرحمن مبروك: "الرؤية التسجيلية" التي يتمثّل الكاتب فيها التراث قبل الواقع(12)، والتي تكتفي بإعادة صوغ الأسطورة في شكل روائي. وبمعنى أنّها، أي الرواية، تفارق سابقتها رواية الحكيم، التي استلهمت الأسطورة الفرعونية نفسها.‏

وعلى الرّغم من أنّ الرواية توهم، في عنوانها الفرعي، بإنجاز كاتبها لنصّ روائي يستوحي الأسطورة الإيزيسية، أي باستلهامه لها، فإنّ هذا الوهم سرعان ما يتبدّد حين تبدأ المادة الحكائية بالإعلان عن وفائها للنصّ الأسطوريّ، وفي الصفحات الأولى منها.‏

فالروائي يتتبّع خطا الأسطورة على نحو يتّسم بـ"أمانته" التامّة لمصدره، منذ بشارة "حسي رع" للكاهن "باميلس" بولادة "أوزوريس" وأمره له بالتوجّه إلى مدينة "بوصير" ليشهد تلك الولادة: "لقد أوشكت السماء أن تكشف عن سرّها، وستكون أنت أسعد الكهنة، وسينتشر الخير والسلام على هذه الأرض المقدّسة أرض مصر"(17)، إلى ملء "أوزوريس" هذه الأرض عدلاً، والتفاف المستضعفين والفقراء حوله، وحول "إيزيس"، زوجته، ثمّ إلى تآمر أخيه "ست" الذي ساءه أن يلقى أوزوريس مكانة وتقديراً كبيرين لدى المصريين، فعزم على سلبه ذلك، مهدّداً إيّاه بقوله: "إنّ ست لن يرحم كلّ مَن تحدّثه نفسه بالوقوف في سبيل تحقيق آماله"(95)، إلى تمكّنه من قتله، ثمّ رميه جثّته التي وضعها في صندوق إلى مياه النيل، مروراً ببحث "إيزيس" وأختها "نفتيس" عنه، وعثورها عليه، ثمّ جمع أشلائه وإعادته إلى الحياة، وإنجابها "حورس" منه، وانتهاء بإعلان "حورس" الثورة على "ست" وانتصاره عليه.‏

ووفاءً من الروائي لمصدره الأسطوريّ، فإنّ الرواية لا تغادر هذا المصدر إلى راهن كتابتها، وتظلّ أسيرة خطاب هذا المصدر المعبّر عن إيمان مطلق لدى الذهنية الأسطوريّة بخلاص الجماعة وتحرّرها من الظلم والاستبداد على يدي فردٍ فحسب، منكرةً بذلك ما تلا تلك الذهنية من خطاب نقيض، منذ "دون كيشوته دي لامانشا"، رائعة الشاعر والروائي الإسباني "ميكيل دي سرفانتس" إلى عصرها الذي كان يصطخب بالكثير من الأفكار التي تثمّن الفعل الجماعي وتدعو إليه وتحاول تعزيزه. ومهما يكن صحيحاً أنّ الروائي "لم يقف عند حدّ الرموز التي توحي بها الأسطورة، ولا الإطار الإقليمي الذي يحكمها. ولكنّه أراد لها أن تكون وسيلته إلى بثّ مبادئه في الحرية والعدل والمساواة"(13)، فقد بدا ذلك كلّه مغلولاً إلى منطق الأسطورة نفسها، ومحاكاة لها على نحو سكوني يعكس سواه ولا يعكس ذاته.‏

وكما أعلنت "عودة" الحكيم عن انتسابها المطلق إلى تقاليد الكتابة الروائية العربية، وعن وفائها المطلق أيضاً لمقولات الاتجاه الرومانسي وأطروحات أعلامه، ولاسيّما فيما يتّصل باستلهام أساطير الأقدمين، أو بابتكار أساطير جديدة، فإنّ هذه الرواية تفعل ذلك أيضاً، بل إنها تبدي حفاوة شديدة الوضوح بتلك التقاليد، كما تبدي انصياعاً، شديد الوضوح أيضاً، لأشكال صوغها لمادتها الحكائية الخام، إذ يتمّ "تبئير"(Focalisation) المحكي فيها من خلال ما يُعرَف بـ:"التبئير الداخلي الثابت"(Focalisation Interne Fix)(14)، أي من خلال شخصية واحدة تهيمن على عملية السرد، وتتكفّل بصوغ الأحداث والشخصيات بإرادتها، ووفق رؤيتها.‏

ومع أنّ الرواية لا تبدو على صلة بمفهوم النزوع الأسطوريّ على نحو دقيق، إذ تكتفي بإعادة صوغ الأسطورة، من غير أن تكلّف نفسها عناء إعادة إنتاجها من جديد وفق رؤية منبثقة من شرطها التاريخي، وراهن الكتابة، إلا أنّه يمكن عدّها علامة على الإرهاصات الأولى للظاهرة، ما لبثت أن مدّت جذورها إلى أجزاء جديدة من الجغرافية العربية، بعد أن ظلّت رهينة أرضها التي نشأت فيها، مصر.‏

3 – مـــارس يحـــرق معدّاتـــه:‏

تفارق رواية الفلسطيني/الأردني عيسى الناعوري: "مارس يحرق معدّاته"(15) سابقتها: "إيزيس وأوزوريس" بإنجازها عالماً تخييلياً لا يعيد إنتاج أسطورة بل يستخدم المعطى الأسطوريّ للتعبير عن معطى واقعيّ، يحاول الروائي من خلالهما معاً هجاء الحرب وتمجيد السلام. لكنها، في الوقت نفسه، تتّفق معها في أنها هي الأخرى تُسلم مقاصد المحكي فيها قبل أن يبدأ الروائي بتشكيل هذا المحكي نفسه.‏

فإذا كانت "إيزيس وأوزوريس" قد أفصحت منذ عنوانيها الأساسي والفرعي عن محاولة إعادة صوغها لأسطورة بعينها، فإنّ "مارس يحرق معدّاته" لا تكتفي بذلك، بل تتجاوزه إلى تصدير الروائي لها بمقدّمة تحدّد، على نحو سابق للمتن الحكائي، الأطروحة المركزية لخطاب الرواية، وتسلب المتلقي فعّالية التأويل، إذ يقول: "لقد رأيتُ أنّ الحرب هي السبب الأهمّ في عدم تحقيق السعادة البشرية، فرأيت أن أجعل روايتي دعوة لتقبيح الحرب، وتحبيب السلام، فاخترتُ أن أجعل إله الحرب الأسطوريّ عند الرومان القدماء، يندم على أفعاله القبيحة في إثارة الحروب، وقذف البشرية بالويلات المريعة، فيحرق أدوات حربه، وينزل إلى الأرض ليعيد إليها السلام الذي فقدته بسبب جريمته"(9).‏

وقد صاغ الروائي ذلك عبر تصويره لعلاقة حبّ بين الشاب "أنطونيو" والفتاة "لونا"، ابني "مانيا"، القرية الرومانية الوادعة، والمترفة بطبيعتها الأخاذة، والمكلّلة بغار الأمن والسلام والتعاون بين أبنائها، حيث "الكلّ يحبّون الأرض، والكلّ يعملون فيها. وليس بينهم إلا كلّ قانع بقسمته، مقبل على أرضه، يبذل فيها نشاطه وعرقه، فتعطيه من كنوزها ما يجعله يعيش راضياً عن نفسه وحياته، وعن أرضه وقريته، وعن جيرانه، لا يطمع في ما لغيره، ولا يخشى أن يطمع غيره في ما لديه"(30). وما إن يتمّ تتويج تلك العلاقة بمباركة والد "أنطونيو" ووالدة "لونا"، وما إن تعبّر القرية والقرى المجاورة عن غبطتها جميعاً بهذا الحبّ، ويبدأ "أنطونيو" بجني بواكير فرحه بغلال تعاونية "أصدقاء الأرض" التي أنشأها مع بعض شباب القرى المجاورة، حتى يغير الكسالى والحسّاد من أبناء قرية "جونو" المتاخمة لـ"مانيا" على تلك الغلال، فيتلفون أرض التعاونية، وينتزعون ما فيها من غراس، وكان محرّضهم على ذلك إله الحرب "مارس"، الذي "ملّ.. من طول ما ضايقه السلام الطويل الذي نعمت فيه مانيا، فأراد أن يحرّك فوقها صواعقه"(99). وعلى الرّغم من تضرّع الإلهتين: "سيريس" و"فينوس" للإله الأكبر "جوبيتر" ليكفّ "مارس" عن تنفيذ عزمه على إلحاق الدمار بالقريتين، فقد بدأ مارس "عمله الإلهي العظيم بالشكل الذي يريده"(103)، كما قال "جوبيتر"، إذ اندفع ينظّم "بيده السحرية غير المنظورة"(110) اجتماعات "الجونيين" الذين كانوا يعدّون للاستيلاء على خيرات "مانيا"، و"يسيطر بإرادته على أفكارهم"(110)، فانتشر شبّانهم يُعملون السلب والنهب في أسواق "المانيين"، واندفع الرجال في الليل "فحصدوا غير قليل من زروعهم، وقطعوا وأتلفوا عدداً من أشجار بساتينهم البعيدة. والمواشي التي كانت تبيت خارج القرية، لم يظهر لها ولا لرعاتها أيّ أثر"(120).‏

وبعد أن عركت رحى الحرب الطرفين، وحين لم يعد ثمّة قلب يستطيع احتمال ما لحق بالجميع من فجائع، ووفاء لما كان الروائي قد قطعه على نفسه، في مقدّمته للرواية، تحرّك ضمير الإله "مارس"، ونظر حوله "فإذا الإلهتان فينوس وسيريس تقفان إلى جانبه. فتخاذل جسمه الجبّار أمام نظرات العتاب الحزين التي كانتا ترميانه به، ودموع الألم التي كانت تندى بها عيونهما الجميلة"(152)، فما كان منه إلا أن قال: "لقد آن لمارس، المحارب الجبّار، أن يخلع درعه وخوذته، وأن يقذف بمعدّات حربه كلّها إلى النار، ويخرس الصواعق التي طالما روّع بها البشرية الآمنة. إنّ قلبي قد تمزّق في داخلي، أيتها الزميلتان الطيبتان، وضميري أدمته الندامة من مناظر الدماء والأهوال التي ارتكبتها يداي في الأرض. لقد عجنت الأرض بالدماء والمآسي، وها أنذا أعود نادماً على شروري الكثيرة. وهذه دروعي وآلات حربي، أحرقها أمامكما ندامة، ومركبتي النارية هذه سأحوّلها إلى تراب، وسأكفّر عن آثامي المريعة بأن أحمل الرفش والمعول، وأنزل إلى الأرض أعزقها وأفلحها مع بقايا أهلها، لأعيد إليهم بيديّ ما انتزعته منهم بهاتين اليدين المجرمتين نفسيهما"(153).‏

إنّ كلّ شيء لدى الروائي محدّد على نحو سابق للكتابة، ولذلك فإنّ الرمز لديه يبدو مباشراً "لا يحتاج تتبّعه إلى مجهود ذهني"(16). وعلى الرّغم من أنّ الواقع، كما يبدو، كان منطلقه للتعبير عن ذلك الرمز، فإنّ قصديات الخطاب المهيمنة على مكوّنات هذا العالم كانت تقصي من مجالها قوانين الواقع، ولا تدع "للشخصيات أن تمارس أفعالها بحرّية في الحدود المرسومة لها، وفي اللحظة الحاسمة تعطّل حركتها وتشلّ قدرتها على ممارسة الفعل"(17)، حتى ليبدو الروائي نفسه "إلهاً" آخر، يبسط نفوذه على هذه الشخصيات، ويحدّد أفعالها ومصائرها في آن.‏

وما هو أسطوريّ في الرواية لا يعدو كونه ملصقاً تنتجه مجموعة من الثنائيات المتقاطبة فيما بينها: قرية مانيا / قرية جونو، الحبّ / الحقد، الحرب / السلم، العطاء للأرض / الجحود بها.. وغالباً ما يتمّ صوغ ذلك عبر منظومة سردية يهيمن الوصف فيها على نحو يكاد يستأثر بمجمل فعاليات الخطاب، وينتمي، في أغلبه الأعمّ، إلى ما يسمّيه "ريكاردو"(Ricardou): "الوصف السابق للمعنى"(18)، الذي غالباً ما يبدو معنياً بسطوح الأشياء، ومهموماً بالبرهنة على المنجَز الحكائي، ومن خلال بنى أسلوبية لصيقة بتقاليد البلاغة العربية، ومعبّرة عن نفوذ واضح لذات الروائي الذي يبدو عالماً بكلّ شيء، وقادراً على النفاذ إلى القصيّ من أعماق شخصياته، وناطقاً بلسان حالها. وكثيراً ما تبدو هذه الشخصيات ساكنة، ومستقرّة، وتتّسم بثبات خصائصها النفسية من مفتتح النصّ إلى منتهاه، ومسوّغ ذلك رغبة الروائي في تقديم عالمه التخييلي على نحو جامع مانع، ومحدّد في دلالة بعينها.‏

ومع أنّ الرواية تُحدث ما يشبه الانزياح فيما يتّصل بشخصية إله الحرب الروماني، إذ تدفعه إلى التكفير عن خطاياه بعد أن أتى الدمار على كامل القريتين، أو كاد، ثمّ إلى المشاركة في إعادة بناء ما هدّمته الحرب، إلا أنها لا تضيف جديداً إلى مرجعها الأسطوريّ، فـ"مارس"، لدى الرومان، ينتمي إلى الآلهة الضدّية، أي التي تؤدّي وظيفتين متناقضتين، فكما هو إله للحرب فهو إله للازدهار النباتي أيضاً(19).‏

وعلى النحو الذي اتّسمت به روايتا: "عودة الروح"، و"إيزيس وأوزوريس"، من وفاء واضح لمنطق الحكاية التقليدية التي تلوي عنقها للمعنى الخطّي للزمن، ولا تنتج انتهاكات له أو "مفارقات سردية"(Anachronies Narratives) فيه، تتقفّى "مارس يحرق معدّاته" خطا سابقتيها في هذا المجال، إذ تسير الأحداث على نحو متتابع يعطي للرواية بعض ملامح التقليد فيها.‏

لقد أراد الروائي، كما يبدو، تشخيص الواقع العربيّ في المرحلة التي أنجز فيها نصّه، أي التعبير عمّا كان يتهدّد الأرض الفلسطينية من محاولات السلب والانتهاك، غير أنّه توسّل لتحقيق ذلك برؤية مثالية توهم بالواقع ولا تقوله، وتكتفي بملامسة سطحه ولا تنفذ إلى الجوهريّ فيه، بل إنها تتعالى عليه، ولا تستثمر مصدرها الأسطوريّ على نحو مبدع يعيد صياغة هذا المصدر من جديد، أو يرهّنه تاريخياً، أو يطلقه من إسار دلالاته المنجَزة.‏

4 – نـــرســـــيس:‏

تنطلق رواية السوري أنور قصيباتي: "نرسيس"(20) من الأسطورة اليونانية المعلّلة لخلق زهرة النرجس، أي أسطورة الفتى اليوناني "نرسيس"(Narcissus)، الذي كان بارع الجمال، تحبّه فتيات مدينته، ولم يكن يبادلهن ذلك. وحين برّح هذا الحبّ بإحداهن صلّت لتبتليه الآلهة بحبّ نفسه، فاستجابت "نيميس"، إلهة الغضب العادل، لها، كما تروي الأسطورة، إذ جعلته يرى صورته في غدير كان يشرب منه، فعشقها لتوّه، حتى هزل وهو منحنٍ فوق الغدير، إلى أن فارق الحياة. وحين بحثت العذارى اللواتي أحببنه عنه ليقدّمن له ما يليق بطقوس الموت لم يجدنه، بل وجدن، حيث كان ينحني، وردة جديدة جميلة سمّينها باسمه(21).‏

والرواية تظلّ أسيرة هذه البنية العامة للأسطورة، لكنّها، في الوقت نفسه، تستلهم هذه الأسطورة على نحو منزاح عن جذرها الدلالي، ولاسيّما عمّا يسمّى في التحليل النفسي: "النرجسية"(Narcissisme)، أو "الفناء في الذات"(Nirvana) إلى دلالة جديدة، تصبح شخصية "نرسيس" معها رمزاً فلسفياً، يعني، فيما يعنيه، أنّ الجمال العظيم يتطلّب حبّاً عظيماً. والجمال العظيم في الرواية هو الحضارة التي يتطلّب تحقّقها وجود نخبة عظيمة تفنى في هذا الجمال، وتبدو وحدها المؤهلة لإحداث تغييرات في الواقع حولها. إنّ التحوّل الحضاري، كما تصوغه الأطروحة المركزية للرواية، مرهون بأفراد مميّزين من سواهم من أبناء المجتمع.‏

وغالباً ما تتجلّى هذه الأطروحة من خلال شخصية نرسيس الذي ما يفتأ يردّد، في مواقع كثيرة من الرواية، أنّ النخب الثقافية هي الحقيقة الاجتماعية الوحيدة القادرة على تحقيق تقدّم نوعي في مجتمعاتها، وما غيرها من الفئات الاجتماعية الأخرى سوى "رعاع" يثيرون "التقيؤ"، وأنّ "معظم الذين أو جدتهم الآلهة هم زوائد على الحياة"(73).‏

لقد كان لقاء "نرسيس" بالأمير "كينثوس"، ابن ملك اسبرطة، في احتفالات الأثينيين بأعياد الإله "أبولو"، الذي يمكن عدّه بمثابة "الإعلان"، أي الحدث الذي سيمارس فيما بعد تأثيراً حاسماً على حياة البطل(22)، إيذاناً باكتشافه أنّ الجمال لا معنى له من دون حبّ عظيم يليق به، بمعنى أنّ الأفكار العظيمة تتطلّب أفراداً عظماء ومميّزين، الأمر الذي علّله "لينوس"، مرافقه، بقوله إنّ "نرسيس" لم يحبّ "كينثوس"، بل أحبّ فيه نفسه: "ليس نفسك الحالية. إنما النفس الطموحة التي تحلم بأن ترتفع إلى مستواها"(31)، وأنّ "كينثوس" ليس سوى "نرسيس المستقبل، الذي يريده نرسيس الحاضر"(32).‏

وما لبث هذا الاكتشاف أن تحوّل إلى حقيقة دفعت "أريون"، معلّم "نرسيس"، إلى الفناء في شخصية "نرسيس"، ومن ثمّ إلى اختياره الموت بإلقائه نفسه في فوّهة بركان، معبّراً عن ذلك الفناء من خلال الرسالة التي تركها بقوله: "يا حبّي يا نرسيس.. اكتشفت حقيقة مروّعة، كانت السبب الأول، لدفعي إلى فوّهة البركان، وهي أنني عاجز عن حبّك"(204). كما دفعت "هسيود"، المثّال البارع، إلى الفناء في شخصيته أيضاً، إذ جاء تمثال "بورياس" على صورة "نرسيس" نفسه. وكما انتهى هذا الفناء بـ"أريون" إلى الانتحار، انتهى بـ"هسيود" إلى المرض أولاً، ثمّ إلى الموت أخيراً.‏

وكما انتهت الأسطورة بـ"نرسيس" إلى ذلك المصير الفاجع الذي سلبه وجوده المادي، وحوّله إلى رمز للذات المستغرقة في أناها، والمشغولة بمركزة الأشياء جميعها في محرقها الخاصّ، فإنّ "نرسيس"، في الرواية، ينتهي إلى المصير ذاته، ولكن ليس بسبب فنائه في نفسه، بل بسبب إحساسه بعدمية الحياة التي سلبته تلك النخبة المثقّفة التي كانت حوله، فبعد أن برّح به موت "فيدون"، و"هسيود"، بوصفيهما هذه النخبة، وقف ذات يوم على ضفّة بركة ليرتشف ماء منها "لكنه قبل أن يمسّ المياه بشفتيه، ارتدّ عنها فجأة، وهو شبه مذعور، عندما رأى وجهه متمدداً.. يحدّق فيه.. فهتف.. بانشراح نشوان: - لقد وجدتك أخيراً يا أيها الجمال العظيم"(295). وذات يوم، وفيما كان يطيل التحديق في صورته على الماء، نبتت "زهرة عبقرية التكوين.. كانت تنحني على صفحة المياه البراقة، تتأمّل خيالها المرتسم عليها، بينما كانت قطرات من الطلّ، تنزّ من مسام أوراقها، وتتجمّع في نهايتها، ثمّ تساقط على صفحة الغدير، قطرة.. قطرة"(316).‏

والرواية ألصق ما تكون بالفلسفة الوجودية التي طغت على معظم التجارب السردية السورية في عقد الستينيات(23)، فـ"نرسيس" يبدو في الرواية قلقاً، مأزوماً، تتناهبه أحاسيس متناقضة، يقول لـ"فيدون": ".. ليس لي مستقبل، ولا أومن بشيء. وماضيّ الذي يمدّني بالذكريات، أخذ يبتعد عني، ليقف وراء ولادتي. لم أعد سوى لحظات حاضرة مليئة بالقلق والانفعال"(138). وليس ثمّة، في تقديره، ما يستحقّ العناء في هذه الحياة إن لم تكن الحياة نفسها جديرة به. وحسب المرء المميّز، في تقديره أيضاً، أن يمسك بلحظات يستطيع أن يرتفع بنفسه، ولنفسه، من أن يفتّش عن وسيلة لرفع العصر كلّه(24).‏

والروائي، في حمأة إلحاحه على دور النخبة في إحداث تحوّلات حضارية، يستثمر مصدره الأسطوريّ على نحو شائه، يُعلي من شأن فئة اجتماعية بعينها، ويسلب الجماعة دورها في، ومكانتها من، هذه التحوّلات.‏

وبهذا المعنى، فإنّ استثمار الروائي لهذا المصدر يدخل في إطار "التوهّم"، وليس في إطار "التخييل"، ذلك أنّ "الأول مظهر زائف للواقع.. بينما التخييل صناعة صور رامزة أو معبّرة عن الواقع"(25). وما صداح "نرسيس" الدائم بأنّ "الأقلّية هي النخبة، ولها وحدها حقّ التشريع، وتعيين الحكّام"(70)، وما تعبير "فيدون" الذي دعا "نرسيس" إلى مشاركة الشباب الأثيني تخليص "اسبرطة" من حكم الطاغية "أموكلاس"، القائل: "يجب أن نبرز قوّتنا.. وغلبة الرعاع لن تدع لك وقتاً هنيئاً"(131)، سوى إشارتين من إشارات كثيرة تتدافع في الرواية لتثمين هذه الأطروحة وتعزيز حضورها في ذاكرة المتلقّي بين موقع وآخر في حركة السرد الروائي، الأمر الذي يعلّل ما ذهب إليه د. إبراهيم السعافين من أنّه على الرّغم من أنّ الإطار العام للأحداث في الرواية يبدو واقعياً، فإنّ "حركتها.. تنضبط إلى فلسفة ميتافيزيقية ترمز إلى موقف يتعالى على الواقع"(26).‏

وبعامّة، فإنّ الرواية تنجز ذلك كلّه عبر بنية سردية تضع مكوّنات العالَم الروائي جميعها في خدمة الشخصية الرئيسية، بدءاً بأمّه التي لم تكن سوى أداة أرسلتها الآلهة لتنجبه: "كانت أجمل فتاة في أثينا، وأشدّهن رقّة، وسمو خيال، مع رجاحة في التأمّل. آه.. يا للآلهة. كأنّ مهمتها كانت فقط وضع نرسيس. فماتت بعد سنة واحدة من إنجابها له.. حالما أدّت مهمتها التي أقبلت للحياة لأجلها"(153)، وانتهاء بالشخصيات الأخرى التي تبدو، كافّة، على "علاقة خاصة بنرسيس، وتتحدّد مواقفها وأفعالها نتيجة لهذه العلاقة"(27).‏

وبعامّة أيضاً، فإنّ تقنية "المشهد"(Scène) / "خطاب الأقوال" هي التقنية البنائية المهيمنة على معظم فعاليات الإخبار السردي في الرواية، إذ تطغى الحوارات بين الشخصيات طغياناً واضحاً، عبر واحد وعشرين فصلاً، يكاد كلّ منها يستقلّ بالحوار بين شخصيتين فحسب، كما تكاد تمّحي معه تقنية "العرض" / "خطاب الأحداث"، متوسلة لذلك بمنظور "الرؤية من خلف"، الذي يبدو الروائي من خلاله "كلّي المعرفة"(Omniscience)، عارفاً كلّ شيء عن شخصيات عالمه الروائي، ومطلعاً على دواخلها، وقادراً على اختراق حواجزها، ومستخدماً ضمير الغائب الذي يُعدّ أكثر ضمائر الخطاب السردي حضوراً في هذا النوع من الرؤى السردية، بل "سيّد الضمائر السردية"، وأيسرها استقبالاً، وأكثرها تداولاً وصلاحية لأن يتوارى وراءها السارد فيمرّر ما يشاء من أفكار(28). وكثيراً ما ينوء السرد الروائي تحت وطأة "زوائد وأورام لا قيمة لها في بناء الرواية"(29)، وتحت وطأة انتهاكات لغوية عدّة: نحوية، وصرفية، وإملائية.‏

5 – العنقــاء أو تاريـخ حسـن مفتــاح:‏

تشكّل الأسطورة جزءاً أساسياً من شواغل المصري لويس عوض الإبداعية، كما في مجموعته الشعرية "بلوتولاند"، ولاسيّما قصيدة "الحبّ في سان لازار" التي تستلهم أسطورة "أوديسيوس وبينلوبي" على نحو منزاح، بل مقلوب، عن مصدرها الأسطوريّ، إذ تتبادل الشخصيتان المركزيتان الأدوار فيما بينهما، فتجوب "بينلوبي" البحار والقفار، بينما يقضي "أوديسيوس" الأيام في انتظار عودتها إليه.‏

وتمثّل روايته "العنقاء أو تاريخ حسن مفتاح"(30) أحد أهمّ نتاجه الإبداعي تعبيراً عن ذلك الشاغل لديه، وأحد أهمّ العلامات الدّالة على إرهاصات الظاهرة في الرواية العربية. وعلى الرّغم من أنّه يمكن عدّ هذه الرواية نوعاً من السيرة الذاتية لكاتبها، أو شاهداً، كما عبّر الروائي عن ذلك في مقدّمته لها، على ضريح مرحلة من حياته، مع ما تتضمّنه هذه السيرة من انزياحات عن أسّها الواقعيّ، فإنّه يمكن عدّها، في الوقت نفسه، شاهداً أيضاً على ضريح مرحلة من حياة مصر، بسبب لهاثها وراء حمّى التنظيمات السياسية التي عرفتها مصر في الأربعينيات من القرن العشرين، عندما كانت البلاد تعاني وطأة الإرهاب والدعوة إليه.‏

والرواية تستلهم أسطورة العنقاء التي تُعدّ واحداً "من أمثلة التبادل الثقافي بين الحضارات ومن أمثلة تحوّلات الرموز واغتنائها على مرّ العصور ودخولها في شبكات رمزية ذات دلالات قديمة جديدة متجدّدة"(31)، بسبب شيوعها في معظم أساطير الشعوب، وتردّدها لدى هذه الشعوب بأسماء مختلفة: "العنقاء" عند العرب، و"السمندل" عند الهنود، و"بنو" عند المصريين القدماء، و"الفينيق" عند الآشوريين فاليونانيين فالرومان، و"السيمرغ" عند الفرس.. وإنْ كانت ثمّة فروق جزئية بين أسطورة شعب وآخر في هذا المجال. وتشكّل شخصية بطلها "حسن مفتاح" الحامل الأساس الذي تنهض به، وعليه، تلك الأسطورة، ليس بوصفه الشخصية الرئيسية في الرواية فحسب، بل بوصفه الشخصية الأمثل للتعبير عن خطاب الرواية نفسها أيضاً، أي: عمّا يجسّد أطروحتها في نبذ العنف وهجائه، ودعوتها إلى عدم الاحتكام إلى السلاح في حلّ قضايا الإنسان.‏

لقد رأى "حسن مفتاح"، الشيوعي المصري، أنّ ثمّة خراباً يتهدّد حزبه، كما يتهدّد مجتمعه بعامة، ولذلك كان عليه أن يبعث هذا الخراب من الرماد الذي انتهى إليه، وقبل ذلك أن ينبعث هو من رماد العطالة التي سكّنت حركة التاريخ في مجتمعه، وأوقفتها عن التدفّق والجريان. وعلى الرّغم من أنّه لم يكن يؤمن بأنّ القتل يمكن أن يكون وسيلة المظلوم للثأر من ظالميه، إذ رفض رغبة صديقه المنتحر "فؤاد منقريوس" بقتل شبيهه "علي عبد الله" لتحلّ روح عليّ في جسده، وليقوى على الثأر لنفسه من غريمه الثري، وزير النساء، "سرهنك"، الذي أغوى خطيبته "زكية حنين" فاقتادها إلى منزله، وعرّاها، والتهم عذريّتها وهي راضية، ولم يكن ثمّة سوى أسبوع على موعد زفافها إليه.‏

قال فؤاد له، وهو يحتضر: "بالموت ينطفئ القلب وتخرج الروح من الجسد وتطير الشرارة في الهواء وتظلّ حائرة أربعين يوماً تبحث عن مكان تسكن أو تختبئ فيه، فإنّ لم تجده انطفأت واستراحت إلى أبد الآبدين"(66). وقبل أن تنقضي الأيام الأربعون التالية لانتحاره، أطلّت روحه من خلل غبش أحمر في مرآة كبيرة في غرفة حسن، مذكّرة إياه بقتل "عليّ"، لكنّ "حسن" لم يلبّ نداءه الجديد، لأنّ فعل القتل بالنسبة إليه كان مرهوناً بأداء خدمة للجماعة، للأمة. كان مستعدّاً لقتل ألف رجل "إذا حقّق ذلك خيراً عاماً"(157)، لقتل كلّ "الباشوات" ولشنقهم بيده، لو أمكن ذلك، واحداً واحداً، كلّ في مكان الجريمة التي ارتكبها بحقّ الشعب.‏

على الرّغم من ذلك، فقد عزمَ، حين اختارته "إرادة الشعب" التي هي من "إرادة الله"، كما قال، وهيّأته لتحطيم تلك "الآلة الجهنمية الكبرى"(109)، التي كانت تفترس وطنه. وحين انتهى إلى أنّ "التناسخ(32) سنّة الوجود.. رأس التطوّر"(206)، عزمَ على قتل "سيّد قنديل"، ابن عمّه، الفلاح الذي يشبهه تماماً، لتحلّ روح "سيّد" في جسده، بل لتنبعث روح سيّد من جذرها التاريخي، جذر مصر المعبّر عن التجدّد والانبعاث، ليتحد به، و"ليتجدّد بهذا الاتحاد كلاهما"(206). وسرعان ما توجّهت روحه إلى قريته "دماريس"، حيث يعيش سيّد، وبكلّ ما أوتي لها "من عزم وغلظة.. دفعت بسيّد من فوق الجرف العميق فاختلّ توازنه، وارتفعت منه صرخة أليمة وهوى من حالقٍ ثمّ ارتطم رأسه بالماء فأحدثَ دويّاً عظيماً أعقبه خوار عالٍ ثمّ رشاش عالٍ"(207)، وفي أعماق الماء أخذت "روح حسن مفتاح وروح سيّد قنديل تقتتلان.. لتحلّ الأولى مكان الثانية"(207).‏

وقبل أن ينقضي شهر على ارتكابه جريمة القتل، وعلى انتقال روح سيّد إلى جسده، كان قد أنجز "كرّاستين: الأولى تشمل تقريراً للجنة المركزية عن برنامج الإصلاح كما يتصوّره.. أمّا الثانية فقد كانت نشرة يثبت فيها أنّ الشعب المصري شعب مادّي نموذجي لتطبيق النظام الشيوعي عليه"(245). ثمّ ما لبث أن أعدّ خطة محكمة تمكّن حزبه من الاستيلاء على السلطة، مؤكّداً أنّ "النظام الشيوعي آتٍ لا ريب فيه"(319)، وصاخباً في وجه عزرائيل، الذي جاءه مطالباً بروح سيّد، بقوله: "أنا حسن مفتاح. أنا الألف أنا الياء.. وبعد غدٍ سوف ترى مَن يكون حسن مفتاح. أنا الشعب.. وكلمة الشعب فوق كلّ كلمة. بعد غدٍ تُفتَح السجون. بعد غدٍ نرقص في الشوارع. بعد غدٍ نحطّم الأصنام.. "(360).‏

وعلى الرّغم من تلك الأموال التي أغدقتها "مونا ربيع"، سليلة الأرستقراطية، على حزبه، معبّرةً له عن استعدادها للتخلّي، من أجله، ليس عن طبقتها فحسب، بل عن ابنتها ماجدة أيضاً، ثمّ من إعداده قوائم سوداء لمن سيتمّ اغتيالهم من مسؤولي السلطة. على الرّغم من ذلك، فقد رفض مشاركة اللجنة المركزية لحزبه في تنفيذ ما كان قد خطّط له، تكفيراً عن الإثم الذي ارتكبه بحقّ سيّد، وتعبيراً عن إيمانه الجديد بأنّ "العنف لا يجدي. لا تكتبوا التاريخ بالدماء. لا تبنوا مصر بالجثث"(379).‏

ولعلّ أكثر تجلّيات الأسطوريّ بروزاً في الرواية هو تلك المشابهة التي يقيمها الروائي بين شخصية حسن مفتاح وشخصية حوريس، ابن إيزيس وأوزوريس، في أسطورة الموت والانبعاث الفرعونية، والتي يجهر بها الروائي على لسان راويه، حين تأكّد لحسن أنّ مصر قد بلغت حدّاً من الاستبداد والبطش والعبودية يستدعي مخلّصاً يشبه حوريس، الذي استردّ لأبيه عرشه المغتصَب. ففي "دماريس فهمتْ روح حسن مفتاح الروح الأكبر الذي يسيطر على الوادي. إنّ الابن قد اندمج في الأب.. وطأطأ أوزيريس رأسه منذ أن أصبح (تحتُ) كبير الآلهة في الدولة الحديثة. قال (تحت): أنا الألف أنا الياء، أنا البداية أنا النهاية، أنا الكلّ أنا الواحد، أنا الكلّ في واحد. وحين سمع أوزيريس هذا طأطأ أوزيريس رأسه أمام (تحت). وحين طأطأ أوزيريس رأسه أمام (تحت) طأطأت الأشجار رؤوسها، وطأطأت الأبقار رؤوسها وسجدت المنازل.. وسكت الهواء وتعلّقت أنفاسه رهبة وخشوعاً، وغاصت تماسيح النيل إلى الأبد"(203). وكان لا بدّ لتلك الروح من "أن تتقمّص شخص حوريس المخلّص، وأن تهيب بأوزيريس قائلـة: انهض، انهض يا أوزيريس أنا ولدك مفتاح، جئتُ أردّ إليك الحياة" (204).‏

وتكاد الرواية لا تترك جزئية من جزئيات الأساطير الفرعونية، أو رموزها، من دون أن تأتي على ذكرها، فحمار سيّد، في قريته دماريس، لا يمدّ عنقه ليشرب الماء، بل لـ"يشرب من دموع إيزيس"(198)، وحين تتمكّن روح حسن من تقمّص روح سيّد، وفي طريق عودة الأول من القرية إلى القاهرة، يحسّ بأّنه "الآن يحيا بين أحضانه أمّه العجوز خيمي وأبيه العجوز حابي، ولكنّه لا يعلم بأنّ أمّه خيمي لم تعد العذراء السمراء التي كانت يوم أن زفّتها الآلهة إلى النيل.. وأنّ أباه حابي لم يعد الفتى القويّ الجيّاش ذا الذوائب السمراء الذي كان يوم زفّته الآلهة إلى مصر بل شاخ وابيضّت غدائره فهو لا يُخصب كلّ عام ولا ينجب من صلبه المردة والعمالقة والأبطال والتياتين"(205).‏

ولدى اجتيازه النهر، من دماريس إلى سمالوط ليصل إلى القاهرة، يبدو له أنّ في ربّان الزورق "ملامح من شارون ربّان الآلهة، ناقل الأرواح عبر أشيرون نهر الأحزان، والزورق لا يعبر النيل بل يعبر أشيرون نهر الأحزان، وتلك الأعشاب الشيطانية التي انتشرت على الشاطئ هي الأرواح الملعونة، وأبقار الزورق والمسافرون والدجاج ليسوا أبقاراً ولا مسافرين ولا دجاجاً، ولكنّهم أرواح في طريقها إلى الحساب في دولة بلوتو العظيم، وحسن مفتاح ليس متنقّلاً إلى سمالوط بل إلى هاديس التي لم ترَ النور منذ أن تزوّج أريبوس المظلم أمّه نيكس الظلماء وأنجبا الأثير والأنهار. إنّ حسن مفتاح ليس متنقّلاً إلى القاهرة بل إلى خليج النار، خليج تاتاروس. وهذا الصوت الذي يهدر في أذنيه هديراً رتيباً ليس صوت القطار بل صوت الغوريات الجائعات. لسوف ينهشنه نهشاً مع مقدم المساء. لسوف يضربنه بالسياط إن أقبل النهار"(221).‏

ولا يتحدّد النزوع الأسطوريّ في الرواية بأساطير المصريين القدماء فحسب، بل يمتدّ ليشمل أساطير عدّة من الشرق والغرب أيضاً، فالروائي يستدعي أسطورة "فاوست" وشيطانه "مفستوفوليس"، وجزءاً من حكايات ألف ليلة وليلة، وقصة حي بن يقظان، وأسطورة "بروميثيوس"، وسوى ذلك من أساطير ورموز أسطوريّة وحكايات تتّصل بأكثر من نسب مع ما هو أسطوريّ، تعزّز الأسطورة المركزية في الرواية، وتُعلي من شأن خطاب هذه الأسطورة، أي: القيامة بعد الموت، والتجدّد والانبعاث، كما تُعلي من شأن المشابهات الكثيرة التي يقيمها الروائي بين تحوّلات بطله حسن وأبطال تلك الأساطير والرموز والحكايات، ولاسيّما فيما يتّصل بتمرّد هؤلاء الأبطال على حال العماء التي كانت تفتك بالواقع حولهم.‏

وإذا كان الروائي يبدي حفاوة شديدة بتلك المشابهات، فإنّ من أكثر هذه المشابهات بروزاً، بل من أشدّها دلالة، واتصالاً بالتعبير عمّا يجسّد شخصية المخلّص التي يُمثّلها حسن، هو ما يتبدّى في خاتمة الرواية من استدعاءات لشخصية المسيح من جهة، ومن استعارات أسلوبية لخطاب العهد الجديد من جهة ثانية. إذ يقدّم حسن لـ"مونا" رغيفاً لتوزّعه على أعضاء اللجنة المركزية لحزبه، وفيما هو يلفظ أنفاسه الأخيرة تضع "مونا" إكليل شوك خفيّ حول رأسه، وتغسل قدميه بالخمر، وتتضرّع إليه قائلة: "لا تتركني يا معلّم"(436). ويتجلّى الخطاب الأسلوبي للعهد الجديد بنداء حسن: "لقد سمعتم أنّه قيل للزعماء: الاتحاد قوّة. أمّا أنا فأقول لكم إنّ الخصام في سبيل الحقّ خير من الشركة على الضلال.. لقد سمعتم أنّه قيل للزعماء إنّ الغاية تبرّر الوسيلة. أمّا أنا فأقول لكم: في الشعب تلتقي الوسائل والغايات.. والآن لم يبقَ إلا أن أبارككم باسم الثالوث المقدّس ماركس وأنجلز ولينين.. طوبى لكم إذا عذّبوكم من أجل الشعب.. وكلّما دبّ اليأس إلى قلوبكم فارسموا علامة المشنقة. فالمشنقة رمز الخلاص. المشنقة رمز الفداء. المشنقة باب الحياة الأبدية"(435). وغير خافٍ ذلك الاستبدال الذي ينتجه قول حسن بين المشنقة والصليب.‏

وكما تنزع الرواية إلى ما هو أسطوريّ، تبدو، في مواقع منها، لصيقة بما هو عجائبي، إذ ينتاب "حسن" تردّدٌ بين مستويين من التأويل لما أحسّ به وهو يرى صورة فؤاد المتوفّى تطلّ عليه من خلل غبش المرآة الكبيرة في غرفته: مستوى يأبى التصديق بأنّ ما رآه كان حقيقة، وآخر يقرّ بذلك ولا يُنكره: "إنّ كلّ ما رآه وسمعه أثناء الليل كان محض خيال.. وهو لا شكّ محموم. كلّه باطل. أسمعتَ يا حسن مفتاح؟ باطل.. أسمعتَ يا حسن مفتاح؟ ولكنّ القطّ الأسود تحطّم.. فكلّ ما رآه وسمعه أثناء الليل كان حقيقة"(156).‏

ويتمّ "تبئير" ذلك كلّه، وسواه من مكوّنات المحكي في الرواية، من خلال راوٍ ممثَّل، أو ما يُصطَلح عليه باسم: "الكاتب الضمني"، أو "الشخصية الظلّ"(33)، إذ يختار الروائي موقف المشارك في سرد حوادث الرواية، وعلى الرّغم من أنه لا يقوم بفعّالية السرد هذه بنفسه، بل ينيب عنه راوياً آخر، فإنّه يحلّ في شخصية حسن مفتاح، ويُنطقه باسمه، وينيبه عنه في تقديم أفكاره في قالب روائي يعاني الكثير من نوافل السرد، كما في هواجس "الصاغ ممدوح الشربيني"، الضابط بالقلم السياسي، الذي كان يلاحق "حسن" دائماً، وفي حكاية أو حكايات سرهنك، الثريّ وزير النساء.‏

وإذا صحّ ما ذكره لويس عوض، في مقدّمته للرواية، من أنّ توفيق الحكيم قال له حين قرأ مخطوط روايته أوائل 1965: "لو أنّ هذه الرواية صدرت حين كُتبتْ لغيّرت مجرى الرواية العربية"(50)، فإنّه ليس ثمّة في الرواية ما يفصح عن ذلك، أو يومئ إليه. فالبناء الروائي يبدو شديد الصلة بتقاليد الجنس الروائي العربي، والرواية نفسها تبدو مثقلة بالجزئيات والتفاصيل التي تبسط هيمنة غاشمة على هذا البناء، والتي تبدو ، في الأغلب الأعمّ منها، أسيرة أسّها الواقعيّ، وبالمعنى المبذول لمفهوم الواقعية، أي: النقل الآلي عن الواقع دونما إعادة إنتاج جمالي له. الأمر الذي ينفي، في الوقت نفسه، ما أشار إليه عوض، في المقدّمة نفسها، من أنّه قد أعاد صياغة "الخامة" الدّالة على وجود حقيقي لمادته الحكائية بما يتّسق وأدوات الفنّ. ولعلّ ذلك ما دفع د. علي الراعي إلى القول إنّ للرواية علاقة واضحة "بأدب الدعوة الذي يحتفي بالأفكار.. بقليل من التفنّن"(34)، كما دفع د. طه وادي إلى القول إنّ السرد في الرواية يبلغ درجة الإملال، وإنّ الرواية نفسها تتّسم بخطابيتها التي تتجلّى في انتقادات حسن مفتاح لسلبيات المجتمع(35).‏

والرمز، بل الرموز، التي رأى وادي نفسه بحقّ أنّ الرواية مثقَلَة بها، لا تكتفي بأنّها تُسلِم دلالتها، أو دلالاتها، إلى القارئ على نحو جهير ومباشر فحسب، بل إنّها تصادر عليه حقّه في التأويل، وتحدّد له، على نحو سابق للمحكي الروائي، تلك الدلالات. وليس صحيحاً ما ذهب إليه د. الراعي من أنّ الكاتب يجيد وصف شخصيات عالمه الروائي، ويتعمّق في خلفيّاتهم(36)، فالوصف في الرواية، الذي لا يُعنى بالشخصيات فحسب بل يمتدّ ليشمل مجمل مكوّنات هذا العالم أيضاً، يبدو نافلاً، وسابقاً للمعنى، ومحدّداً له. وهو، في أغلبه الأعمّ، ينتمي إلى ما يسمّيه "جينيت": "الوصف التزييني"، الذي يُعدّ "التمرين الأكثر تقويماً للبلاغة المستحدثة"(37).‏

ولعلّ من أهمّ ما يميّز فعاليات صوغ المحكي في الرواية هو اتكاء هذه الفعاليات إلى تقنية سردية مهيمنة، هي "الاسترجاع"(Rétrospection)، إذ كثيراً ما يوقف الراوي حركة السرد في نقطة بعينها ليرتدّ إلى ماضي كثير من شخصياته، ليس الرئيسية فحسب، ومن دون أن يكون لهذا الارتداد وظيفة ما سوى إثقال جسد الرواية بالمزيد من النوافل الحكائية التي لا تؤدّي أيّ دور في السياق السردي، كما في ارتداده، على سبيل المثال، إلى ماضي شخصياته الرئيسية حين كانوا طلاباً في مدرسة "المنيا" الثانوية، مستعيداً أسماء زملائهم في الدراسة، وصفاتهم، وأسماء إداريي المدرسة، وصفاتهم أيضاً، ومن غير أن يكون لذلك كلّه صلة ما بمستقبل الحكاية، أو دور ما في تغيير وضعيات المحكي. إنّ كثيراً من الحوافز في الرواية ينتمي إلى "الحوافز الحرّة"(Motifs Libères)، بتعبير "توماتشفسكي"، أو"العناصر الميتة"، بتعبير "فورستر"، أي تلك التي لا ضرورة لها بالنسبة إلى المتن الحكائي، بمعنى أنّ القصة تظلّ محتفظة بانسجامها إذا سقطت منها(38). وغالباً ما تبدو الاسترجاعات بوصفها "استرجاعات داخلية غيرية القصّة"، أي التي تتناول مضموناً قصصياً مختلفاً عن مضمون الحكاية التي يتمّ سردها في اللحظة الحاضرة، كإضاءة سوابق شخصية تمّ إدخالها حديثاً إلى حركة السرد، أو استعادة ماضي شخصية غابت عن هذه الحركة لوقت، والتي رأى "جينيت" أنّها من وظائف "الاسترجاع الأكثر تقليدية"(39).‏

وإذا كان العمل الأدبيّ "مجموع عدد كبير من القرارات الانتقائية والربطية التي تعيّن البنية الخاصّة.. فيما يخصّ نمط معناه وبلاغته، وعقدة المحسنات التي تنقل المعنى إلى القارئ وتؤثّر في ردود فعله"(40)، وإذا كان الفنّ، بعامّة، لا يُعنى بالجزئيات التي لا تؤدّي دوراً في مغازي السرد، فإنّ ذلك كلّه لم يكن يعني الروائي في شيء، الأمر الذي جعله يحشد نصّه بما لذّ له من استعارات من الموروث السردي كيفما اتفق، ومن غير أن يفرّق بين العنقاء بوصفها أسطورة والتقمّص بوصفه عقيدة، فـ"العنقاء أصلاً تلد(41) في النار وتموت في النار ثمّ تلد، إلا أنّها تظلّ عنقاء ولا تتقمّص جسداً غير جسدها.. إنها تحرق ذاتها لا ذات الآخر"(42).‏

(- هوامش وإحالات:‏

(1) - النسّاج، د. سيّد حامد. "بانوراما الرواية العربية الحديثة". ص (71).‏

(2) - ط2. مكتبة الآداب، القاهرة 1937. وقد صدرت طبعتها الأولى سنة 1933.‏

(3) - للتوسّع، انظر: ناجي، إبراهيم. أدهم، إسماعيل. "توفيق الحكيم". ص (126) وما بعد. بدر، د. عبد المحسن طه. "تطوّر الرواية العربية الحديثة في مصر 1870 – 1938". ص (379). سلام، د. محمد زغلول. "دراسات في القصة العربية الحديثة. أصولها، اتجاهاتها، أعلامها". ص (171).‏

(4) - سلام، د. محمد زغلول. "دراسات في القصة العربية الحديثة. أصولها، اتجاهاتها، أعلامها". ص (173).‏

(5) - انظر: القمني، د. سيّد. "أوزيريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة". ص (84).‏

(6) - انظر، على سبيل المثال، كلاً من: الراعي، د. علي. "دراسات في الرواية المصرية". ص (100). بدر، د. عبد المحسن طه. "تطوّر الرواية العربية الحديثة في مصر". ص (382). ألن، روجر. "الرواية العربية، مقدمة تاريخية ونقدية". ص (37).‏

(7) - انظر: لحمداني، د. حميد. "بنية النصّ السردي من منظور النقد الأدبي". ص (46).‏

(8) - انظر: قاسم، د. سيزا أحمد. "بناء الرواية، دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ". ص (132).‏

(9) - سلام، د. محمد زغلول. "دراسات في القصة العربية الحديثة. أصولها، اتجاهاتها، أعلامها". ص (173).‏

(10) - انظر: المرجع السابق. ص (181).‏

(11) - ط2. مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة 1956. وقد صدرت الطبعة الأولى منها سنة 1945.‏

(12) - انظر: مبروك، د. مراد عبد الرحمن. "العناصر التراثية في الرواية العربية في مصر". ص (23).‏

(13) - النسّاج، د. سيّد حامد. "بانوراما الرواية العربية الحديثة". ص (74).‏

(14) - انظر: جينيت، جيرار. "خطاب الحكاية، بحث في المنهج". ص (201).‏

(15) - ط1. دار المعارف، القاهرة 1955. سلسلة "اقرأ". العدد (147).‏

(16) - السعافين، د. إبراهيم. "تطوّر الرواية العربية الحديثة في بلاد الشام". ص (513).‏

(17) - المرجع السابق، الصفحة نفسها.‏

(18) - انظر: ريكاردو، جان. "قضايا الرواية الحديثة". ص (166).‏

(19) - انظر: عثمان، سهيل. الأصفر، عبد الرزاق. "معجم الأساطير اليونانية والرومانية". ص (385).‏

(20) - ط1. دار الثقافة، بيروت 1964.‏

(21) - انظر: هاملتون، أديث. "الميثولوجيا". ص (129).‏

(22) - انظر: جينيت، جيرار. "خطاب الحكاية، بحث في المنهج". (214).‏

(23) - للتوسّع، انظر: الخطيب، د. حسام. "سبل المؤثرات الأجنبية وأشكالها في القصة السورية". ص (73).‏

(24) - انظر: الرواية. ص (219).‏

(25) - الكردي، د. عبد الرحيم. "السرد في الرواية العربية المعاصرة". ص (106).‏

(26) - السعافين، د. إبراهيم. "تطوّر الرواية العربية الحديثة في بلاد الشام". ص (514).‏

(27) - المرجع السابق. ص (517).‏

(28) - انظر: مرتاض، د. عبد الملك. "في نظرية الرواية، بحث في تقنيات السرد". ص (177).‏

(29) - السعافين، د. إبراهيم. "تطوّر الرواية العربية الحديثة في بلاد الشام". ص (517).‏

(30) - ط1. دار الطليعة، بيروت 1966. وقد أشار الروائي، في مقدّمته لها، إلى أنه كتبها وهو في الثانية والثلاثين من عمره، ما بين القاهرة وباريس، من أكتوبر 1946 إلى سبتمبر 1947، وأنها ظلّت حبيسة أدراجه إلى ما بعد نحو ربع قرن. انظر: المقدّمة. ص (7).‏

(31) - عجينة، د. محمد. "موسوعة أساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها". ج (1). ص (339).‏

(32) - للتوسّع في هذا المجال، انظر: الباشا، محمد خليل. "التقمّص وأسرار الحياة والموت في ضوء النصّ والعلم والاختبار". ص (5).‏

(33) - انظر: العيد، يمنى. "تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي". ص (97).‏

(34) - الراعي، د. علي. "الرواية في الوطن العربي". ص (52).‏

(35) - انظر: وادي، د. طه. "صورة المرأة في الرواية المعاصرة". ص (296).‏

(36) - انظر: الراعي، د. علي. "الرواية في الوطن العربي". ص (51).‏

(37) - بارت، رولان. "النقد البنيوي للحكاية". ص (111).‏

(38) - لحمداني، د. حميد. "بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي". ص (22).‏

(39) - جينيت، جيرار. "خطاب الحكاية، بحث في المنهج". ص (61).‏

(40) - هالبرين، جون. وآخرون. "نظرية الرواية، مقالات جديدة". ص (96).‏

(41) - كذا في الأصل، والصواب: "تُولَد"، والأكثر صواباً أنها "تُبعث".‏

(42) - العظمة، د. نذير. "سفر العنقاء، حفرية ثقافية في الأسطورة". ص (292).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244