النزوع الأسطوري في الرواية العربية المعاصـرة – د. نضال الصالح

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب- 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 03:31 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الباب الأول : مرجعيات النزوع الأسطوري و شواغله - المرجعية الثقافية

النزوع الأسطوريّ في الرواية العربية المعاصرة، شأن أشكال التجريب الجمالي الأخرى، ليس فعّالية إبداعيّة معلّقة في الفراغ، بل استجابة لضرورة تاريخية / ثقافية / فنّية استدعتها، وهيّأت لها، ثمّ أشاعتها فيما بعد، مجموعة من المؤثرات التي كانت تضطرم في الواقع العربي منذ نهايات القرن التاسع عشر، والتي ما تزال تمارس تأثيرها الواضح في الراهن منه أيضاً.‏

وبتتبّع إنجازات الرواية العربية في هذا المجال، ثمّ المناخ الذي نشأ فيه هذا الشكل من أشكال التعبير السردي، يخلص المرء إلى أنّ ثمّة مرجعيّات ثلاثاً له: ثقافية، وسياسية، واجتماعية، تشكّل، في مجموعها، نسقاً بنائياً واحداً تقوم بين مكوّناته علاقات جدل واضحة، بمعنى أنّه لا يمكن عزل هذه المكوّنات بعضها عن بعض، كما لا يمكن النظر إلى واحدة منها بمنأى عمّا يستكمل به هذا النسق وجوده.‏

وعلى الرّغم من أنّ هذه المرجعيّات لا تعني الظاهرة الأسطوريّة وحدها، كما لا تعني الجنس الروائي وحده، فحسب، بمعنى صوغها لمعظم ظواهر التجريب في الأدب العربي الحديث، وحضورها في معظم الأجناس الأدبية العربية الحديثة أيضاً، فإنّها، في الوقت نفسه، تبدو خاصّة بالظاهرة، كما تبدو الظاهرة نفسها المجلى الأساسي لها. ومن قرائن ذلك إلحاح مصادر الدراسة جميعها عليها، وتمثّلها لها معاً في النصّ الروائي الواحد.‏

ومن المهمّ الإشارة، هنا، إلى أنّ تنضيد هذه المرجعيّات الثلاث من جهة، ومكوّنات كلّ مرجعيّة من جهة ثانية، ثمّ مستويات، أو مظاهر، التعبير، عن كلّ مكوّن من جهة ثالثة، على النحو الذي سيتبدّى في تضاعيف الدراسة، يرتبط بالظاهرة نفسها، كما يرتبط بمصادر هذه الدراسة، أي بالمكانة التي يشغلها من الظاهرة ومن المصادر بآن. بمعنى أنّه إجراء نقديّ محايث، ينطلق من داخل المرجعيّات والمكوّنات نفسها، ومن تجلّيات هذه المرجعيّات والمكوّنات معاً فيما هو خارج نصّي معبّر عن الحراك الثقافي والسياسي والاجتماعي العربي، وفيما هو نصّي، تجهر به النصوص الروائية أحياناً، وتكنّي عنه بوسائلها الجمالية أحياناً ثانية. أعني أنّ ثمّة اتصالاً وثيقاً بين ما هو خارج نصّي يرتبط بمرجعيّات الظاهرة على المستوى الواقعي، وما هو نصّي يرتبط بالمتون الروائية. أعني أكثر: أنّ ثمّة تماهياً بين مرجعيّات النزوع الأسطوريّ في الرواية العربية المعاصرة وشواغل هذا النزوع، فما يبدو مؤثّراً ثقافياً أجنبياً في الظاهرة، على سبيل المثال، يبدو فعّالية نصّية في المتن الروائي، أو مصدراً من مصادر هذا المتن ومكوّناته السردية، وما يبدو مرجعية سياسية، على سبيل المثال أيضاً، يبدو واحداً من مؤرّقات الخطاب، وهاجساً من هواجسه.‏

ومهما يكن صحيحاً، في هذا المجال، أنّ العلاقة بين العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وبين التطوّرات الأدبيّة ليست دائماً على درجة واحدة من الوضوح، فإنّ ثمّة طموحين لهذه الدراسة، وفي هذا الجزء منها بخاصة، هما: اكتشاف ذلك الشرط الواقعي / الجمالي، الذي أرهص بالظاهرة، ثمّ أشاعها في المشهد الروائي العربي، وشواغل مصادرها ومؤرّقاتها فيما يتّصل بهذا الشرط، أي هواجسها على المستويين الواقعيّ والفنّي، من دون أن يعني ذلك إقراراً من نوع ما بأنّ ثمّة تماثلاً بين البنى الأدبية ومثيلاتها على المستويات: الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، بقدر ما يعني محاولة لتعرّف هذه البنى في سياقاتها الواقعية، وعلى النحو الذي يعدّ النصّ الأدبي، الرواية هنا، مصدره الأساسي لاستقراء ذلك كلّه، ومن ثمّ اكتشاف النسق، أو الأنساق، التي تنبثق الظاهرة منها، وتُجلّي نفسها داخلها.‏

المرجعية الثقافية‏

ترتبط نشأة الجنس الروائي العربي، شأن نشأة الأجناس الأخرى في الأدب العربي الحديث، بأسئلة عصر النهضة التي أرهصت بها نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والتي كان من أهمّ شواغلها تأمّل الذات العربية المتأخرة حضارياً وتمثّلِ إنجازات الغرب المتفوّق حضارياً.‏

وإذا كان من أكثر هواجس تلك الأسئلة بعامّة، منذ بدايتها وعبر مسيرتها، سؤال العلاقة مع الآخر الأوروبي وكيفية استعادة الذات العربيّة المضيّعة في آن، فإنّ الجنس الروائي العربي لم يخرج على إطار ذلك الهاجس. فكما كانت الرواية العربية، في نشأتها وتطوّرها واتجاهاتها وملامح التجريب والتجديد فيها، وفي أغلبها الأعمّ، شكلاً من أشكال اقتفاء أثر الرواية الغربية، ونوعاً من المحاكاة لإنجازاتها، تعبيراً عن الإحساس بتخلّف الواقع العربيّ وتفوّق الآخر الأوروبي، فقد كانت، في الوقت نفسه، تعبيراً عن وعي الروائيين العرب الحادّ بمحاولات الهيمنة الثقافية لهذا الآخر من جهة، وبحثاً عمّا يستردّ لهؤلاء الروائيين إحساسهم، على المستويين الفردي والجمعي، بالذات والأصالة القومية في مواجهة تلك المحاولات، أو عمّا يمكّنهم من الاستفادة من تلك الإنجازات من دون أن يسلبهم ذلك هوّيتهم وانتماءهم إلى الجذر الذي يصدرون عنه، من جهة ثانية.‏

وتتجلّى سمة التقاطب بين ثنائية محاكاة الآخر المتفوّق والبحث عن الذات القومية الهاجعة من خلال نزوع الجنس الروائي العربيّ إلى الأسطورة أيضاً، فكما يبدو هذا النزوع شكلاً من أشكال المحاكاة لتحوّلات الجنس الروائي في الغرب، يبدو، في الوقت نفسه، شكلاً من أشكال السعي إلى تأصيل عربيّ لهذا الجنس الأدبيّ الوافد. بمعنى أنّ محاولات التجريب التي أبدتها الرواية العربية، وما تزال، لم تكن تعني استثماراً مجّانياً لإنجازات الآخر الجمالية، ولا نوعاً من التبعية له، بقدر ما تعني محاولة لتحرير نفسها من نفوذ البلاغة التقليدية وأنماطها التي ظلّت شائعة لفترة غير قصيرة من الزمن، والتي بدا لمعظم الروائيين العرب أنّها استنفدت طاقاتها في التعبير عن الواقع.‏

وانطلاقاً من ذلك، فإنّه يمكن التمييز بين نوعين من المؤثّرات الثقافية: مؤثّرات وافدة، وأخرى عربية، منطلقة من التراث أحياناً، ومن إنجازات الأجناس الأدبية العربية الحديثة التي سبقت إلى استلهام الأسطورة أحياناً ثانية.‏

1 – المؤثـرات الثقافيــة الأجنبيــة:‏

مهما تكن النتيجة التي خلص إليها نبيل سليمان، في معرض استقرائه لإجابات عدد من الروائيين السوريين حول دور المؤثرات الثقافية في نتاجهم، والقائلة إنّ "العلاقة مع المؤثرات الثقافية الأجنبية عليلة إلى هذا الحدّ أو ذاك"(1)، فإنّ ذلك لا ينفي الدور الذي نهضت به تلك المؤثرات في إحداث تحوّلات في الرواية العربية المعاصرة، كما لا ينسحب على مجمل الروائيين العرب، وعلى مجمل الإبداع العربي الحديث، وهي نتيجة ترتبط بمرحلة محدّدة من تاريخ التجربة الروائية العربية ولا تمتدّ لتشمل مسار هذه التجربة منذ نشأتها إلى الآن.‏

لقد رفدت هذه المؤثرات الأجناس الأدبية العربية الحديثة بعامّة بأساليب تعبير جديدة، وحرّرتها من هيمنة البلاغة التقليدية، وأفصحت، في الوقت نفسه، عن تلك القابليات الكثيرة التي يتمتّع بها الجنس الروائي بخاصة لاستيعاب إنجازات الآخر، وعن كفاءته في تمثّلها، وانفتاحه على مختلف أشكال الإبداع الإنساني، وإعادة صوغها من جديد، كما عبّرت عن كفاءة الروائيين العرب أنفسهم في اختزال مراحل طويلة نسبياً من عمر الرواية في الغرب، ولم يكن لهذه المؤثرات أن تمارس حضورها في تطوّر تقنيات التعبير الأدبي العربي الحديث بمعزل عن شرطيها السياسي والاجتماعي، من دون أن يعني هذا ربطاً آلياً بين طرفي المعادلة، ذلك أنّ أيّ محاولة من هذا النوع تلوي عنق الحقيقتين: التاريخية والأدبية، وتجعل من الممارسة النقدية التي تلجأ إلى هذا النوع من الربط فعّالية خارج نصّية من جهة، وسابقة على مصادر الممارسة نفسها من جهة ثانية.‏

وغالباً ما تتبدّى تلك المؤثرات من خلال مكوّنين رئيسيين: يبدو أولهما مؤثراً عاماً في مجمل أشكال التجريب في الأدب العربي الحديث، ويتّصل الثاني اتصالاً مباشراً بظاهرة النزوع الأسطوريّ في الجنس الروائي العربي: الاتجاهات الفنية، أو المذاهب الأدبية، الوافدة، والترجمة.‏

أ – الاتجاهــات الفنّيـــــة:‏

على الرّغم من أنّ كلّ اتجاه من الاتجاهات الفنية التي أنجزها الغرب، على امتداد عقود طويلة، نشأ على أنقاض سابقه، أو سابقيه، وبدا بوصفه بناء جديداً لوعي جديد في معنى الإبداع ووظيفته، أو وظائفه، وعلى الرّغم أيضاً من أنّ ثمّة تبايناً يصل، أحياناً، حدّ القطيعة فيما بين الاتجاهات جميعها، فإنّ ثمّة، أيضاً، ما يوحّدها معاً، هو دعوتها جميعاً إلى الاغتراف ممّا له صلة بالأسطوريّ. وتتجلّى هذه السمة في كلّ من: الكلاسيكية، والرومانسية، والرمزية، والسريالية، والواقعية السحرية، خاصة.‏

فقد دعا الكلاسيكيون إلى النظر إلى الآداب اليونانية والرومانية بكثير من التقدير والتمجيد، وإلى استيحاء موضوعات تلك الآداب وأساليب القدماء في التأليف، وغالباً ما كانوا يعنون بمفهوم الاستيحاء متابعةَ ما قدّمه أولئك من أنواع أدبية خالدة، أو "بعث الثقافة والآداب اليونانية واللاتينية القديمة"(2)، ولاسيّما الأساطير والملاحم.‏

وإذا كانت الرومانسية قد نشأت بوصفها حركة احتجاج ضدّ النظام الطبقي الذي يسلّع كلّ شيء، ويُنتج جملة من العلاقات الاقتصادية التي تُحدث تبايناً حاداً بين أفراد المجتمع، وتجعل أحلام الطبقات اللاهثة وراء حاجاتها اليومية ضرباً من الوهم، فقد كانت، في الوقت نفسه، الاتجاه الفنّي الأكثر ملاءمة للتعبير عن حالات التضاد بين الواقعيّ والحلميّ، والأكثر كفاءة في رصد نزوع تلك الطبقات إلى ابتكار عوالم ما فوق واقعية تجد فيها خلاصها من وطأة الواقع حولها، وتمكّنها من تطهير ما يحتشد فيه من شرور سالبة لحقّ المقهورين طبقياً في حياة إنسانية كريمة.‏

وارتباط الرومانسية بالخيال الجامح يعزّز صلة هذا الاتجاه الفنّي بما هو أسطوريّ، أي بما يُنتج فضاءات تخييل يتمّ من خلالها تأمّل الكون والوجود عبر أساليب تعبيرية تشظّي نفسها في عوالم ما فوق واقعية لترصد، أو لتعبّر، عمّا هو واقعيّ. لقد ألهبت الحكايات الأسطوريّة الخيال الجامح لدى معظم الرومانسيين الأوائل، الذين أبدوا حنيناً لا يُقاوم لكلّ ما هو غامض وبدائي، ووجدوا في الأساطير ضالّتهم المنشودة، وإلى الحدّ الذي عدّوها معه "أصلاً للفنّ والدين والتاريخ"(3).‏

وغير خافٍ أنّ الأساس الذي تنهض الرومانسية عليه هو ما يطلق عليه أعلامها: "روح الشعب"، التي لا تجد تحقّقها الأمثل، في نظرهم، إلا في الثقافة البكر لهذا الشعب، أي في : أساطيره، وخرافاته، وحكاياته الخارقة. ويعزّز ذلك قول "شيلينغ"(Schilling)، أحد أبرز أولئك الأعلام، إنّ الأسطورة ليست وهماً، بل هي "عين الحقيقة"، بمعنى أنّ ثمّة علاقة وثيقة تربطها بالواقع(4)، ولعلّ ذلك ما كان يدفعه إلى الإشادة بأهمية الأسطورة بوصفها قصيدة العالم الكبرى، ولعلّه أيضاً ما كان يدفعه إلى الدعوة إلى نظرة جديدة إلى العالم، وإلى تركيب أسطوريّ جديد له(5). وتتبدّى هذه السمة على نحو واضح في أطروحة "رينيه ويليك"(René Wellek)، الذي رأى أنّ "كلّ الرومانسيين الكبار خالقو أساطير.. لا تُفهم أعمالهم إلا من خلال محاولتهم تفسير العالم تفسيراً أسطوريّاً شاملاً يمسكون هم بمفاتيحه"(6)، رغبة منهم، كما رأى "إليوت"(Eliot)، في "إحداث توازٍ مستمرّ بين العالم القديم والجديد، للسيطرة على تلك الصورة من العقم والفوضى التي تكوّن تاريخنا المعاصر"(7).‏

وعلى نحو يكاد يكون مطابقاً للاتجاهين السابقين، الكلاسيكي والرومانسي، في هذا المجال، أكّدت الرمزية أهمّية الأسطورة في الأدب، إذ "كان الرمزيون يدركون أنّ الشعر ينبغي أن يكون مثالياً، وأنّ الفكرة لا يُعبّر عنها بشكل مباشر، بل من خلال نقاب من الأساطير الرمزية، تحبوه قيمة عالمية، خارج.. حدود المكان والزمان"(8).‏

وتُعدّ السريالية التي "تهدف إلى تمزيق الحدود المألوفة للواقع المعروف عن طريق إدخال علاقات جديدة ومضامين جديدة غير مستقاة من الواقع التقليدي"(9)، أكثر الاتجاهات الفنية نأياً عن الواقع، وأكثرها نهماً لإبراز التناقض الذي يُحدث شروخاً عميقة في الذات الإنسانية، تنتجها حالات التضاد بين ما هو واقعيّ وما هو فوق واقعيّ. ولعلّ ذلك ما يفسّر أنّ السرياليين كانوا "ربّما أكثر من غيرهم، موجهين نحو الأسطورة.. نحو خلق الأساطير"(10)، ولعلّ ذلك ما دفعهم إلى "تأليه" الحبّ لكي يكون أمراً واقعاً، أو سلاحاً أدبياً "يحمي الفرد في صميمه من مجتمع أدمن الروتين حتى العذاب"(11). لقد دعا السرياليون إلى تمجيد العنصر الغنائي في الإنسان، أو ما أطلقوا عليه اسم "الخيال الخلاق"، ورأوا أنّ هذا الخيال يمكّن المبدع من صنع "ميثولوجية جديدة بوسعها أن تكون دليلاً للسعادة، لضرب من فردوس أرضيّ"(12) مفقود.‏

وتُمثّل الواقعيّة السحرية، بوصفها شكلاً من أشكال التحرّر من قوانين الواقع الموضوعي، دعوة إلى ارتياد آفاق ما فوق واقعيّة تعيد الإنسان "إلى ينابيع الأسطورة وطفولة العقل البشري"(13)، وبكارة الأشياء، امتداداً للاتجاهات الفنية السابقة في هذا المجال، وإن بدا أنها تنتج قطيعة معها. ولعلّه من المهمّ الإشارة هنا إلى أنّ الواقعية السحرية ليست مرادفاً للعجائبي، كما يلحّ د. الرشيد بوشعير على ذلك في أكثر من موقع في كتابه "أثر غابرييل غارسيا ماركيز في الرواية العربية"(14)، فالأولى تهدف إلى "التقاط الأسرار التي تختفي تحت مظاهر الواقع"(15)، ولا تُنتج تردّداً لدى المتلقّي بين مستويين من التفسير لهذه الأسرار كما يفعل العجائبي.‏

ولعلّه من المهمّ أيضاً، وفي هذا المجال، الإشارة إلى أنّ الواقعية السحرية ليست نقيضاً للواقعية بمفهومها الشائع، بل هي إثراء لهذا المفهوم "وإدخال لعنصر جدلي في تركيبها، وتأكيد لعوامل حقيقية فعّالة في بنيتها"(16). بمعنى أنها تكوّن واقعاً جديداً "ترقد في داخله المظاهر الموضوعية للواقع جنباً إلى جنب مع لبّ الأسطورة"(17)، واقعاً حيّاً وثريّاً "لا تسيّره قوانين الطبيعة التجريبية وإنما يخضع لقوى عليا تنتمي لدنيا السحر في محاولة لفضّ أسرار الكون"(18).‏

لم تعرف الرواية العربية "منذ مخاضها العسير المهادنة في تحرير نوعها من هيمنة النوع الأدبيّ الواحد، أو الاتجاه الأدبيّ الواحد، أو التقنيات الثابتة. ولم تتوقّف عن تجديد نفسها أو تحرير مبدعيها من سطوة كلّ سلطة فكرية أو فنّية"(19)، فما إن كانت تجد نفسها في مواجهة اتجاه مهيمن، حتى كانت تبدي تمرداً عليه، وتهجس ببديله، أو ببدائله المنبثقة من الضرورتين التاريخية والجمالية لمجتمعاتها.‏

وعلى الرّغم من أنّ المتتبّع لسيرورة هذه الرواية وتحوّلاتها لايقف على ما يمكن عدّه انتماء لهذا النصّ الروائي أو ذاك لاتجاه بعينه، وبالمعنى الدقيق للمصطلح، إذ غالباً ما يتداخل أكثر من اتجاه في نصّ روائي واحد، فإنّ ذلك لا ينفي الدور الذي نهضت به الاتجاهات المشار إليها آنفاً، وسواها، في حراك الجنس الروائي العربي، وفي كفاءة هذا الجنس في محاكاة تلك الاتجاهات، وتمثّلها، وربّما إنتاجها من جديد.‏

لقد أحدثت الاتجاهات الفنية الوافدة جميعها، وبنسب متفاوتة وشروط تاريخية وجمالية متمايزة، تطوّراً ملحوظاً في مختلف الأجناس الأدبية العربية الحديثة، وقد تجلّى الاتجاه الكلاسيكي في الجنس الروائي من خلال تبنّي الرواد الأطروحة المركزية لهذا الاتجاه، أي محاكاة الأقدمين والنسج على منوالهم، وكان من أهمّ مظاهر هذا التبنّي نشوء الرواية التاريخية التي سعى كتّابها إلى استعادة المضيء من التاريخ العربي، وإلى إعادة إحياء الأشكال السردية العربية القديمة، وأساليبها الفنّية. وإذا كان معظم كتّاب هذه الرواية قد عني باستنهاض سير العظماء من القادة في التاريخ العربيّ، فإنّ المنجَز الروائي لهذه السير غالباً ما كان يضفي على أولئك القادة صفات مفارقة للصفات الإنسانية، وتبدو خاصة بأبطال الملاحم والأساطير. الأمر الذي يمكن تبيّنه في أعمال الروائي السوري معروف الأرناؤوط التاريخية، على سبيل المثال، التي تحفل بنماذج "تكاد تكون غير إنسانية، إن لم نقل من أفـق أعلى من الأفق الإنساني.. أفق أسطوريّ، أفق أنصاف الآلهة الإغريق"(20).‏

وعلى الرّغم من أنّ هذه السمة المميّزة للرواية التاريخية لا تعني نزوعاً أسطوريّاً فيها، فإنّها، في الوقت نفسه، تومئ إلى تأثّر كتّاب هذا النوع من الروايات بأحد أهمّ منطلقات الاتجاه الكلاسيكي، أي عبادة الفرد بوصفه صانعاً للتاريخ، بما يمتلكه من قوى أسطوريّة تجعله مفارقاً لما تمتلكه الجماعة البشرية، بل لما يجاوز طاقات البشر وقدراتهم.‏

وما لبث هذا الاتجاه أن تراجع، بسبب عوامل عدّة، مفسحاً المجال لظهور الاتجاه الرومانسي الذي وطّد حضورَه العربيّ عددٌ من التجمّعات الأدبية، أمثال: "جماعة الديوان"، و"جماعة أبولو"، و"عصبة العشرة". وعلى الرّغم من أنّ تأثير هذه التجمّعات بدا خاصاً بالتجربة الشعرية العربية، فقد امتدّ هذا التأثير إلى مختلف الأجناس الأدبية العربية الأخرى، ولاسيّما مع النصف الثاني من الأربعينيات التي شهدت ما يمكن وصفه بهيمنة للاتجاه الرومانسي على مجمل النتاج الروائي العربي آنذاك، وما بدا أنه إرهاصات للنزوع الأسطوريّ في هذا النتاج. وسرعان ما عبّر ذلك التأثير عن حضوره مع مطلع الخمسينيات، إذ "انفتحت أبواب الأدب العربي لمختلف أنواع المؤثرات.. ومن ثمّ اقتباس الأساليب الفنية من الآداب الأوروبية والأمريكية وملاءمتها، بدرجات متفاوتة من النجاح، من أجل استيعاب الموضوعات المحلّية"(21).‏

وبدا من الطبيعي، آنذاك، أن تتنازع تلك الأساليب، أو الاتجاهات، معظم الكتّاب العرب، التي كان "في مقدّمتها: الميثولوجيا الإغريقية، والأدب الرومانتي الأوروبي، والرمزية الفرنسية.."(22). وإذا كان معظم الروائيين العرب، ولاسيّما أبناء مصر، قد "تأثّروا بأدباء رومانسيين بأعينهم، أكثر من تأثرهم بالقواعد العامة للمذهب الرومانسي"(23)، فإنّ هذه السمة لا تبدو وقفاً على الاتجاه الرومانسي وحده، بل إنها تمتدّ لتشمل مختلف الاتجاهات الفنية الأخرى. وقد تجلّى تأثير تلك الاتجاهات، وما يتفرّع داخلها من تقنيات، بوضوح تام، ولاسيّما الواقعيّة السحرية، مع بداية عقد الثمانينيات. فكثير من الأعمال الروائية الصادرة في ذلك العقد، ليس المصرية فحسب، يبدو"تأثرها بإنجازات الرواية الغربية، واستفادتها من مغامرات أصحابها"(24) الجمالية، من غير أن يعني ذلك شغفاً بإنجازات الآخر(25)، بل تعبيراً عن استجابة الروائي العربيّ لتحوّلات المشهد الروائي العالمي، وعن رغبته في بناء معمار روائي يتضمّن في داخله سلسلة من الدعوات التي تحرّض متلقّيه على بنائه من جديد، أي في بناء "نصّ قابل للكتابة"، بتعبير "بارت"(26).‏

ويمكن تلمّس تأثير تلك الاتجاهات في مصادر النزوع الأسطوريّ في الأعمال الروائية العربية المبكّرة التي أرهصت بهذا النزوع، ومن تلك الأعمال، على سبيل المثال، رواية توفيق الحكيم "عودة الروح"، التي تمثّل شخصية "سنية" فيها "قمّة الإحساس الرومانسي المثالي بالوطن المعبود والتغنّي بصفاته الخالدة"(27). ويتبدّى الاتجاه الرمزي في روايتي عيسى الناعوري وأنور قصيباتي: "مارس يحرق معدّاته"، و"نرسيس"، اللتين أفادتا "من عنصر الأسطورة في تأكيد قضايا أخلاقية فلسفية جمالية مع اختلاف في وضوح الرمز وبساطته، أو عمقه وتعقيده"(28). وتُعدّ الواقعية السحرية، التي تزاوج بين الواقعيّ والأسطوريّ عادةً، السمة الجمالية التي طبعت، وما تزال، معظم أشكال التجريب في المشهد الروائي العربيّ المعاصر، صادحة بما هو أسطوريّ أحياناً، وبما له أكثر من صلة بهذا الأسطوريّ أحياناً ثانية.‏

ب – الترجمـــــــة:‏

يُعدّ عصر النهضة العربية "عصر تكوين للفكر العربيّ الحديث الذي يدين بالكثير للترجمة، لأنّ النهضة كانت، بمعنى من المعاني، حركة ترجمة أملاها وعي المتنوّرين العرب بالتخلّف عن أوروبا فاتخذت شكلاً مباشراً من خلال ترجمة المؤلفات الأوروبية"(29). ولم يكن هدف هؤلاء المتنوّرين التعريف بالأدب الأوروبي والأدباء الأوروبيين، بل تحقيق غايات تنويرية تتمثّل في "الإصلاح الاجتماعي والسياسي الذي يمكّن العرب من بعث أمجادهم الماضية وإحياء قدراتهم السياسية والاقتصادية والثقافية"(30).‏

وقد مارست ترجمات أولئك المتنوّرين، كما في ترجمة رفاعة الطهطاوي لرواية الفرنسي "فرانسوا فينيلون"(François Finillon): "وقائع الأفلاك في مغامرات تليماك"، دوراً بارزاً في المحاولات الأولى للنزوع الأسطوريّ في الرواية العربية، وما لبثت تلك الترجمات أن تتابعت لتشكّل رافداً من أهمّ الروافد المؤثّرة في تحوّلات هذه الرواية، ومنها، على سبيل المثال، ترجمة سليمان البستاني لملحمة "الإلياذة" 1904، وترجمات أعمال الروسي "أنطون تشيخوف" الغنيّة بالأصداء والإشارات الميثولوجية(31)، وترجمات أعمال الإنكليزي "إليوت" الإبداعية والنقدية، الممتلئة هي الأخرى بالأساطير والإشارات الأسطوريّة.‏

ويبدو عقد السبعينيات أكثر عقود التجربة الروائية العربية بروزاً فيما يتّصل بالدور الذي مارسته الترجمة في المشهد الروائي العربي، ولاسيّما عندما أخذت ترجمات الرواية الأمريكية اللاتينية بالتتابع، التي أسهمت، وسواها من ترجمات روائية من آداب الشعوب الأخرى، وبما تضمّنته من إلحاح على المحلّي والشعبي والأسطوريّ ومن تخييل خلاق يُداخل بين ما هو واقعيّ وما هو فوق واقعيّ، في صوغٍ فنّي جديد للرواية العربية، وفي تمكينها من التحليق في فضاءات جديدة، وإلى حد دفع أحد المشتغلين بنقد الرواية إلى القول، بحماسة واضحة، إنّ الرواية الأمريكية اللاتينية أسهمت "بسهم كبير في هدي الرواية العربية وإرشادها إلى سواء السبيل"(32).‏

وغير بعيد عن الذاكرة فيض الترجمات المسرحية التي تجلّت عبر سلاسل: "روائع المسرح العالمي"، و"روائع المسرحيات العالمية"، و"مسرحيات عالمية" المصرية، و"المسرح العالمي" الكويتية، و"روائع الأدب الكلاسيكي الفرنسي" اللبنانية / المصرية، وسوى ذلك من سلاسل مسرحية، ثمّ فيض الترجمات الفردية، كما في جهود جبرا إبراهيم جبرا، وعبد الرحمن بدوي، التي كان لها جميعاً دورها المؤثّر في تعرّف المبدعين العرب إلى الأساطير الغربية، وإلى تعزيز تلك المكانة التي أخذت الأسطورة تحوزها في معظم أجناس الأدب العربي الحديث.‏

ولا يتحدّد تأثير الترجمة في نزوع الروائيين العرب إلى استلهام الأساطير، ونزوع سواهم من المبدعين في المجالات الأدبية الأخرى، بما تُرجم من أساطير اليونان والرومان وغيرهما من الشعوب إلى العربية، ثمّ بما تُرجم من إبداعات شعرية وروائية ومسرحية فحسب، بل يمتد ليشمل ما تُرجم أيضاً من دراسات في حقل الأسطورة والفكر الأسطوريّ، وفي النقد الأدبي، وسواهما من مجالات المعرفة الإنسانية، ويمكن أن أمثّل لذلك بما أفادته "الرواية العربية من ترجمات وقراءات لتنظيرات جيمس فريزر في تاريخ الأديان وتطوير الأساطير والعقائد البدائية"(33)، الذي يُعدّ كتابه "الغصن الذهبي، دراسة في السحر والدين": "مصدراً يكاد لا ينضب للأساطير والرموز المركزية في أدب القرن العشرين"(34).‏

تقدّم النصوص الروائية التي تشكّل مصادر هذه الدراسة ثلاثة أشكال لتجلّي الترجمة في الأدب العربي الحديث: يتعلّق الأول بالتقنيات الفنية المستخدمة في هذه النصوص، والمعبّرة، في أغلبها الأعمّ، عن تمثّل الروائيين لإنجازات الآخر، كتقنية تعدّد الأصوات، وتيّار الوعي، والوصف، ونمذجة الشخصيات..، ويتجلّى الثاني من خلال ما يتردّد في تلك النصوص من أساطير الشعوب الأخرى، وعبر شكلين لهذا التردّد: ما يبدو أسطورة مركزية ينهض بها النص الروائي، وعليها، وأساطير جزئية تتتابع، بين موقع وآخر في هذا النصّ أو ذاك، معزّزة دلالة، أو دلالات، تلك الأسطورة ثانياً. أمّا المستوى الثالث، فيتجلّى من خلال ما تمتلئ به تلك النصوص من إحالات دالّة على سعة المخزون المعرفيّ لدى الروائيين بمنجزات ذلك الآخر على المستوى الثقافي، أعني ما يتناسل داخل تلك النصوص من إشارات إلى أعلام أسطوريّين، وأسماء فلاسفة، وشعراء، وأدباء، ينتمي جميعهم إلى الغرب، الأوروبي خاصة.‏

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ ثمّة مسوّغين موضوعيين، كما يبدو، لامتلاء هذه النصوص بما يعبّر عن المستوى الثالث: يعكس الأول، كما أشرت إلى ذلك آنفاً، سعة المخزون المعرفيّ لدى الروائيين بتلك الترجمات، وفي أكثر من حقل من حقول المعرفة الإنسانية، ثمّ إتقان عدد منهم للغة أجنبية أو أكثر، كالروائييْن: جبرا إبراهيم جبرا، وإدوار الخرّاط، ويتجلّى الثاني من خلال انتماء عدد من الشخصيات الرئيسية إلى طبقة المثقّفين، إذا جاز التعبير، وإلى مفهوم النخب الثقافية أحياناً، كرمزي صفدي في رواية حليم بركات: "عودة الطائر إلى البحر"، ووليد مسعود في رواية جبرا إبراهيم جبرا: "البحث عن وليد مسعود"، وأعضاء خشخاشة الأنس (آدم، والرسّام، والشاعر، والمعلّم، والمدير)، والأسدي، والمهندسة ليلى، في رواية وليد إخلاصي: "الحنظل الأليف"، وميخائيل ورامة في رواية إدوار الخراط "رامة والتنين".‏

2 – المؤثـرات الثقافيــة العربيّــة:‏

أ - المؤثــرات التراثيـــة:‏

ترتدّ محاولات استعادة التراث السردي العربي، أو الالتفات إلى بعض علاماته، إلى نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، أي إلى بداية ظهور الاتجاه الكلاسيكي في الأدب العربيّ الحديث.‏

وتُعدّ ترجمات المنوّرين العرب، التي غالباً ما كانت تتزيّا بالأساليب العربية التراثية، رغبةً في تجذير خطابها في الوعي الجمعيّ العربيّ آنذاك، وتعبيراً عن عمق ارتباط هؤلاء المنوّرين بتراث أمّتهم الثقافي، أولى تلك المحاولات. كما في محاولة رفاعة الطهطاوي الذي لم يكتفِ بتحوير عنوان رواية الفرنسي "فينيلون": "Les Aventures De Telemaque" وتعريبه له مستخدماً أسلوب السجع: "وقائع الأفلاك في مغامرات تليماك"، بل ملأ الرواية بقصص عدّة من "ألف ليلة وليلة" ومن الأمثال والحكم الشعبية العربية، ووفق حامل جماليّ بنائي ينهج أساليب المقامات.‏

وإذا كانت هذه المحاولات قد أفصحت عن نفسها بقوّة في الأعمال الروائية الموضوعية، كما في "حديث عيسى بن هشام" 1905، لمحمّد المويلحي، و"ليالي سطيح" 1906، لحافظ إبراهيم، فإنّ وطأة تقليد النموذج الروائي الغربيّ، التي أثقلت كاهل التجربة الروائية العربية مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين، وجعلت هذه التجربة تعاني نوعاً من "الاستغراب"، أي الانبهار التامّ بإنجازات الآخر، والإحساس بالدونية أمامه، ووسمتها في الوقت نفسه بشيء من الهجانة، دفعت الروائيين العرب، من جديد، إلى الغوص على ذلك التراث، وإلى "البحث عن شكل روائي أصيل، يساير طبيعة تراثنا الماضي، ويعبّر عن واقعنا الحاضر"(35)، ويضفي، قليلاً أو كثيراً، من الأصالة على تلك التجربة التي دلّت، عبر نتاجها الصادر في الثلث الأخير من القرن العشرين على أنّ ثمّة "وعياً متزايداً وتآلفاً أكبر مع تقاليد النثر الكلاسيكي العربي"(36) الذي سبقت الرواية في الغرب إلى استلهامه.‏

ولم يكن هذا الوعي معنياً باستلهام ما تضمّنه التراث من نصوص سردية، على النحو الذي تمثّله رواية جمال الغيطاني: "الزيني بركات" 1974، التي تتناصّ في أكثر من مستوى منها مع "بدائع الزهور في وقائع الدهور" لابن إياس، بل تجاوزه إلى إعادة "إحياء الأساليب اللغوية القديمة المعبّرة عن روح العصر بكلام الأوائل"، كما في رواية محمود المسعدي: "حدّث أبو هريرة قال" 1973، وإلى إعادة إحياء الأنماط السردية القديمة، كما في "خطط الغيطاني" 1981 التي استلهمت خطط المقريزي، و"رحلة ابن فطومة" 1983، لنجيب محفوظ، التي استلهمت المنطق السردي لرحلة ابن بطّوطة، وسواهما. وغير خافٍ أنّ حكايات ألف ليلة وليلة تُعدّ النبع الأساس الذي نهل منه كثير من الروائيين العرب في هذا المجال، كما في "ألف ليلة وليلتان" 1977 لهاني الراهب، و"ليال عربية" 1980 لخيري الذهبي، و"ليالي ألف ليلة" 1982 لنجيب محفوظ.‏

ولعلّه من المهمّ الإشارة، هنا، إلى أنّ بعضاً من الروائيين العرب لم يكتفِ بإبداع نصوص روائية لها أكثر من صلة مع التراث، بل تجاوز ذلك إلى كتابات نظرية مهمومة بالدعوة إلى الحفر في هذا التراث وإلى إعادة اكتشافه وإلى استثماره على نحو يؤصل لكتابة روائية عربية لها هوّيتها الخاصة. ومن ذلك الإنجاز، على سبيل المثال، كتاب الروائي التونسي عزّ الدين المدني: "الأدب التجريبي" الذي يمكن عدّه بياناً يدعو الروائيين العرب إلى مواجهة حالات الاستلاب الثقافي وهيمنة التقاليد الثقافية الغربية، وإلى ابتكار البدائل العربية المناسبة، من خلال استعادة ما في التراث السردي العربي من تقاليد حكائية دالّة على انتمائها إلى جذرها العربيّ.‏

ولعلّه من المهمّ أيضاً الإشارة إلى أنّ أكثر الأساطير التي استلهمها الروائيون العرب ينتمي إلى ما يمكن تسميته بالأساطير أو بالرموز الأسطوريّة المشرقية / المتوسطية، المتجذّرة عميقاً في تاريخ المنطقة العربية، كالأساطير البابلية، والآشورية، والسومرية، والفينيقية، والفرعونية، وممّا يشير إلى عمق ارتباط هؤلاء الروائيين بميراث الجغرافية الثقافية العربية. ويمكن أن أمثّل لذلك برواية خضير عبد الأمير "ليس ثمّة أمل لكلكامش(37)"، التي تستلهم الرمز الأسطوريّ "جلجامش" في الملحمة الرافدية "هو الذي رأى"، ورواية "ممرّات الصمت" التي تستلهم أسطورة عشتار وتموز، وبما تحفل به رواية "رامة والتنين" من إشارات كثيرة إلى أساطير المنطقة، وبما تتضمّنه رواية "البحث عن وليد مسعود" ممّا يحيل إلى الإشارات نفسها.‏

ترتهن مصادر النزوع الأسطوريّ لمظهر من مظاهر استلهام الرواية العربية للتراث السردي العربي، أي: استدعاء نصوص من هذا التراث، وبثّها بين تضاعيف السرد، دونما محاكاة لأنماط السرد التراثية أو لتقاليد السرد التراثي. وعلى الرّغم من أنّ هذا المظهر لا يكفي وحده للقول إنّ ثمّة مؤثرات ثقافية عربية في هذه المصادر، ولاسيّما فيما يتّصل بنزوعها إلى ما هو أسطوريّ، فإنّه، في الوقت نفسه، يقدّم أكثر من دلالة على إسهام كتّاب هذه المصادر في الإجابة عن أسئلة الأصالة والمعاصرة من جهة، وعلى عمق وعيهم بما يتضمّنه ذلك التراث من إشارات تخصّب القول الروائي في الراهن، وتعمّقه، وتزيده غنى دلالياً، وتُشرعه على مستويات متعدّدة من التأويل من جهة ثانية، وعلى نحو يؤكّد الأطروحة القائلة إنّ "الخطاب الروائي الحديث.. وريث كلّ.. الظواهر الحكائية السابقة، بل هو استمرار خلاّق لكثير من سماتها وقيمها التعبيرية"(38).‏

ب – المؤثــرات المعاصــرة:‏

لا تتحدّد فعاليات الاستدعاء، أو التضمين، أو التحويل أحياناً، التي تنجزها مصادر النزوع الأسطوريّ حيال التراث، بما له صلة بهذا الأخير وحده، بل تمتدّ لتشمل ما يُصطلح عليه بـ"التفاعل النصّي الداخلي" أيضاً، أي التفاعل القائم بين نصّ الكاتب ونصوص غيره من الكتّاب المعاصرين له(39)، سواء كانت نصوصاً شعرية، أو سردية، أو سوى ذلك.‏

وغالباً ما يتجلّى هذا التفاعل من خلال جنسين أدبيين عربيين حديثين سبقا الجنس الروائي إلى استلهام الأساطير، هما: الكتابة المسرحية، والشعر. بمعنى أنّ النزوع الأسطوريّ في الرواية العربية المعاصرة لم يكن محاكاة لإنجازات الغرب الجمالية، أو جزءاً من المؤثرات الثقافية الأجنبية فحسب، بل امتداداً أو استكمالاً لمسيرة الإبداعيْن المسرحي والشعري العربيين أيضاً.‏

لقد سبقت الكتابة المسرحية غيرها من الأجناس الأدبية العربية الحديثة إلى الاغتراف من محيط الأسطورة، ففي وقت مبكّر نسبياً من نشأة هذه الكتابة في الأدب العربي الحديث كان المسرحيون العرب "يلجأون.. إلى اختيار.. أساطير الآداب القديمة.. ويحاولون تفسيرها تفسيراً جديداً على ضوء أفكارهم الحديثة"(40)، إذ أصدر توفيق الحكيم، على سبيل المثال، فيما بين عامي 1932 و1942، خمسة نصوص مسرحية يستمدّ جميعها متونه الحكائية الخام من عدد من أساطير الشرق والغرب، هي: "أهل الكهف"، و"شهرزاد"، و"براكسا"، و"نشيد الإنشاد"، و"بيجماليون"(41). وبتتبّع حركة التأليف المسرحي في سورية، على سبيل المثال أيضاً، خلال المرحلة الممتدة ما بين عامي 1942 و1967 يخلص المرء إلى أن ثمّة نزوعاً واضحاً لدى معظم كتّاب المسرح آنذاك إلى الأسطورة، إذ شهدت تلك المرحلة صدور "ثماني عشرة مسرحية.. اتخذت من الأساطير مصدراً لها.. تمثّل سدس ما نُشر من مسرحيات"(42) فيما بين العامين المشار إليهما آنفاً. وما لبث الشعر العربيّ أن وجد في الأسطورة معيناً ثرّاً من الدلالات، فقدّم، عبر أعلام الحداثة الشعرية أمثال: بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور وأدونيس (علي أحمد سعيد) وخليل حاوي، فيضاً من النصوص التي شكّلت الأساطير والرموز الأسطوريّة أحد أهمّ الحوامل الجمالية فيها، كأساطير الإغريق والبابليين والفينيقيين، وكأسماء "سيزيف وبروميثوس وأورفيس وأوديب وهرقل من التراث الأسطوريّ الإغريقي، وتموز وعشتار وأدونيس وأنكيدو من التراث الفينيقي والبابلي"(43).‏

ويمكن تجلية تأثير هذين الجنسين في نزوع الرواية العربية المعاصرة إلى الأسطورة من خلال ما يمكن عدّه سمات مشتركة بين مرجعيات، أو (عوامل) بتعبير د. علي عشري زايد، عودة الشعراء العرب إلى الأساطير، أو استلهامهم لها، ومرجعيّات النزوع الأسطوريّ في هذه الرواية، ثمّ بين كيفيات استلهام هذه الأجناس جميعها للأسطورة وشواغل هذا الاستلهام بآن. فلئن كانت الغاية الرئيسية من عودة المسرح والشعر العربيين إلى التراث نفعية تماماً، تسعى إلى تذكير المتلقّي بالقيم التي تضمن للجماعة بقاءها ومكانتها الحضاريين، كما تسعى إلى ابتكار وسائل قادرة على تعرية آليات القمع والاستبداد دونما مواجهة مباشرة مع رموزهما، وإلى استعادة مناخات البداءة الأولى حيث ثمّة "عالم آخر أكثر نضارة وأكثر بكارة"(44)، فإنّ نزوع الرواية العربية إلى الأسطورة لم يكن بمنأى عن تلك الغاية.‏

ولئن كان من أهمّ شواغل التجربة الشعرية العربية الحداثية، بالإضافة إلى تحرّرها من عمود الشعر العربي القديم وإيقاعاته وأنساقه اللغوية، تفاعلها مع بنيات نصّية غربية، أسطوريّة، وملحمية، ودينية(45)، فإنّ هذه التجربة أسهمت، على نحو مباشر أحياناً وغير مباشر أحياناً ثانية، في صوغٍ روائي جديد متمرّد هو الآخر على تقاليد التجربة الروائية العربية.‏

على أنّ أكثر المؤثرات وضوحاً في هذا المجال هو استدعاء النصوص الروائية العربية المعاصرة للأساطير التي أبدت الكتابة المسرحية والشعر حفاوة بها، أعني أساطير الموت والانبعاث من جهة، ورموزها الإنسانية والعربية من جهة ثانية، كتموز، وأدونيس، وأوزوريس، والمسيح، والخضر، وعلى النحو الذي يمكن تلمّسه في قصائد عدّة لكلّ من السياب، وحاوي، والبياتي، وسواهم، وممّا يبدو شائعاً في كثير من النصوص الروائية العربية كما سيتبدّى ذلك في موقع لاحق من هذه الدراسة.‏

( - هوامش وإحالات:‏

(1) - سليمان، نبيل. "الرواية السورية". ص (23 – 24).‏

(2) - مندور، د. محمد. "الأدب ومذاهبه". ص (45).‏

(3) - السواح، فراس. "مغامرة العقل الأولى، دراسة في الأسطورة". ص (12).‏

(4) - عجينة، د. محمد. "موسوعة أساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها". ج (1). ص (9).‏

(5) - انظر: ويمزات، ويليام. ك. بروكس، كلينث. "النقد الأدبي، تاريخ موجز النقد الرومانتي". ص (545).‏

(6) - ويليك، رينيه. مفاهيم نقدية". ص (121).‏

(7) - عيّاد، شكري محمّد. "البطل في الأدب والأساطير". ص (164).‏

(8) - داوود، د. أنس. "الأسطورة في الشعر العربي الحديث". ص (170).‏

(9) - راغب، د. نبيل. "المذاهب الأدبية، من الكلّاسيكية إلى العبثية". ص (185).‏

(10) - فراي، نورثروب. وآخرون. "الأسطورة والرمز". ص (50).‏

(11) - المرجع السابق. ص (52).‏

(12) - المرجع السابق. ص (51).‏

(13) - بوشعير، د. الرشيد. "أثر غابرييل غارسيا ماركيز في الرواية العربية". ص (5).‏

(14) - على الرّغم من أنّ د. بوشعير يميز، في الصفحة (14) من هذا الكتاب، بين العجائبي والسحري، فإنّه لمن اللافت للنظر استخدامه لهما بوصفهما مترادفين في أكثر من موقع، كما في الصفحتين: (5) و(12) على سبيل المثال.‏

(15) - فضل، د. صلاح. "منهج الواقعية في الإبداع الأدبي". ص (299).‏

(16) - المرجع السابق. ص (289).‏

(17) - المرجع السابق. ص (304).‏

(18) - المرجع السابق. ص (304).‏

(19) - عصفور، جابر. "زمن الرواية". ص (10).‏

(20) - مصطفى، شاكر. "القصة في سورية". ص (562).‏

(21) - الخطيب، د. حسام. "سبل المؤثرات الأجنبية وأشكالها في القصة السورية". ص (32).‏

(22) - المرجع السابق. ص (62).‏

(23) - وادي، د. طه. "صورة المرأة في الرواية المعاصرة". ص (20).‏

(24) - بدوي، د. محمد. "الرواية الجديدة في مصر، دراسة في التشكيل والأيديولوجيا". ص (79).‏

(25) - انظر: أبو حمدان، سمير. "النصّ المرصود، دراسات في الرواية". ص (32).‏

(26) - هالبرين، جون. وآخرون. "نظرية الرواية، مقالات جديدة". ص (249).‏

(27) - وادي، د. طه. "صورة المرأة في الرواية المعاصرة". ص (101).‏

(28) - السعافين، د. إبراهيم. "تطوّر الرواية العربية الحديثة في بلاد الشام". ص (509).‏

(29) - مرعي، د. فؤاد. "الترجمة ودورها في التفاعل الفكري بين العرب وأو روبا في العصر الحديث". مجلة "الموقف الأدبي". ص (12).‏

(30) - المرجع السابق. ص (13).‏

(31) - انظر: فراي، نورثروب. وآخرون. "الأسطورة والرمز". ص (65).‏

(32) - أبو حمدان، سمير. "النصّ المرصود، دراسات في الرواية". ص (6).‏

(33) - حليفي، شعيب. "شعرية الرواية الفانتاستيكية". ص (8).‏

(34) - فراي، نورثروب. وآخرون. "الأسطورة والرمز". ص (150).‏

(35) - مبروك، د. مراد عبد الرحمن. "العناصر التراثية في الرواية العربية". ص (26).‏

(36) - ألن، روجر. "الرواية العربية، مقدّمة تاريخية ونقدية". ص (15).‏

(37) - الرسم الإملائي لكلمة "كلكامش" كذا في عنوان الرواية، والأصل السومري له هو"جلجامش Glgamsh"، الذي تُلفظ الجيم فيه: "G"، ويؤثر بعض الدارسين تسميته "جلجميش"، كما لدى أنيس فريحة الذي قام بـ"تعريبه إلى وزن يقرب من الأوزان العربية". أنظر كتابه: "ملاحم وأساطير من الأدب السامي". ص (215). ويؤثر آخرون تعريبه إلى: "قلقامش"، أو"قلقميش". وقد آثرت، على امتداد البحث، استخدام الأصل السومري له، بسبب شيوعه في معظم الدراسات العربية والأجنبية، باستثناء عنوان الرواية.‏

(38) - العالم، محمود أمين. وآخرون. "الرواية العربية بين الواقع والأيديولوجيا". ص (11).‏

(39) - انظر: يقطين، سعيد. "انفتاح النصّ الروائي. النصّ، السياق". ص (123). والباحث يميّز، في هذا المجال، بين ثلاثة أشكال للتفاعل النصّي: الذاتي، والداخلي، والخارجي. للتوسّع، انظر: المرجع المذكور. ص (123) وما بعد.‏

(40) - بدر، د. عبد المحسن طه. "تطور الرواية العربية الحديثة في مصر". ص (379).‏

(41) - انظر: محبّك، أحمد زياد. "حركة التأليف المسرحي في سورية 1945 – 1967". ص (288).‏

(42) - المرجع السابق. ص (289).‏

(43) - زايد، د. علي عشري. "استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر". ص (230).‏

(44) - المرجع السابق. ص (54).‏

(45) - انظر: يقطين، سعيد. "انفتاح النص الروائي. النصّ، السياق". ص (104).‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244