النزوع الأسطوري في الرواية العربية المعاصـرة – د. نضال الصالح

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب- 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 03:32 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الرمز الاسطوري:

تُمثّل الرموز الأسطوريّة أحد أكثر أشكال استلهام الأجناس الأدبية العربية الحديثة، بما فيها الرواية، للمنجَز الأسطوريّ، بوصفها التعبير الأمثل "عن موتيفات غريزية كونية مختلفة، أو أنساق من السلوك والمعتقد الإنسانيين"(1)، ولأنّ الرموز بعامة، كالأسطورة تماماً، محلّ عمل دائب لا يتوقّف، بمعنى أنها حفريات حيّة ومتجدّدة على الدوام(2).‏

وفي التجربة الروائية العربية ثمّة الكثير من هذه الرموز، يشكّل بعضها أجزاء من المحكي الروائي، كما في رواية شكيب الجابري "وداعاً يا أفامية" 1960، التي تستلهم رمز بيجماليون، ورواية محمّد حسين شرف: "فينوس" 1973، ورواية جبرا إبراهيم جبرا: "السفينة" 1970، التي تستلهم رمز يولسيس، ورواية حنا مينة: "الشمس في يوم غائم" 1969، التي تستلهم رمز الرقص / المطهر، ويبدو بعضها الآخر هو هذا المحكي نفسه، بمعنى اندغامها فيه وصوغها لخطابه وسريانه في مكوّناتها كافّة، كما في النصوص الروائية التي ستشكّل مصادر هذا الفصل.‏

ومن المهمّ الإشارة هنا إلى أنّ إحالة كلّ نصّ من هذه النصوص الثلاثة إلى رمز أسطوريّ محدّد لا تعني انغلاق هذا النصّ على ذلك الرمز وحده بقدر ما تعني أنّ هذا الرمز هو الأكثر بروزاً من مجمل محفّزات الظاهرة الأسطوريّة فيه، التي غالباً ما تتعدّد وتتناسل في النصّ الواحد. فبالإضافة إلى المرجعيّة الأسطوريّة للعددين ثلاثة وسبعة اللذين يشكّلان أبرز تلك المحفزات في رواية "الحوّات والقصر"، على سبيل المثال، ثمّة رموز أسطوريّة أخرى، كالماء، والسمكة، والمخلّص، تمارس جميعها دوراً في تعزيز أسطوريّة الرواية من جهة، وفي تخصيب فعاليات القراءة والتأويل من جهة ثانية.‏

1 – العـــــدد:‏

تمتلك بعض الأعداد أهمّية بالغة وحضوراً مميّزاً في الفكر الإنساني، ومن أكثر تلك الأعداد شيوعاً، ومن أكثرها ارتباطاً بما هو أسطوريّ الأعداد: ثلاثة، وسبعة، وتسعة، التي نالت جميعها "حظوة خاصة عند غابر الأمم وفي سالف المعتقدات"(3)، ليس بسبب تردّد أصدائها في جنبات المغامرات التالية لجذورها الأسطوريّة فحسب، بل بسبب ارتباطها بدلالات سحرية في الكثير من تلك المعتقدات، وفي بعض الديانات، ولدى عدد من الشعوب، أيضاً(4).‏

والرواية العربية تزخر بالكثير من النصوص التي تؤدي هذه الأعداد، كلاً أو جزءاً، دوراً في متونها الحكائية، وفي التعبير عن استجابة الجنس الروائي لمختلف أشكال التجريب التي مكّنت هذا الجنس من استلهام "التراث والممارسات والطقوس السحرية والأسطوريّة في تشكيلات فنّية معقّدة"، منها: رواية "الحوات والقصر"، ورواية "ممرّات الصمت"، ورواية عبد الخالق الركابي "سابع أيام الخلق" 1994، وسوى ذلك.‏

- الحــــوّات والقصــــر:‏

تُعدّ رواية "الحوّات والقصر"(5) أحد أهمّ أعمال الطاهر وطّار الروائية، ولا تتأتّى أهميّتها تلك من كونها نصّاً إبداعياً صغيراً على مستوى الحجم وكبيراً على مستوى الدلالة، أو الدلالات التي تزخر بها فحسب، بل من كونها، أيضاً، نصّاً مفارِقاً لتجربة وطّار الإبداعية بعامّة، التي تنتمي، في أغلبها الأعمّ، إلى مفهوم الواقعيّة النقدية.‏

وتتجلّى هذه السمة الأخيرة في الرواية، وعلى النحو الذي يسم مجمل مصادر الدراسة، من خلال ترجّح الرواية نفسها بين مستويين سرديين: مستوى شديد الصلة بقوانين الواقع الموضوعي، وآخر متضاد معه، ومفارق له. فكما تجذّرُ الروايةُ انتماءها إلى العالَم الواقعي، تصوغ، في الوقت نفسه، عالماً تخييلياً منبتّ الصلة بمواضعات العالَم الأول، وموّاراً بالرموز الأسطوريّة التي تتجلّى من خلال أربعة حوافز سردية أساسية: شخصية علي الحوّات، بطلها، الذي تقدّمه الرواية بوصفه شخصية فاضلة، ونقية، وخالية من شوائب الواقع تماماً، ومنبتة الصلة بجذرها الاجتماعي الطالعة منه، ومندغمة بالطبيعة، وشغوفة بها، لكأنّها ناهضة لتوّها من أول الخلق، ثم الأعداد ثلاثة وسبعة وتسعة بما تزخر به جميعاً من دلالات سحرية ذات جذور أسطوريّة، فالسمكة التي تعبّر هي الأخرى عن رمز أسطوريّ، وأخيراً الماء بوصفه رمزاً أسطوريّاً أيضاً.‏

وغالباً ما يتمّ التعبير عن ذلك كلّه من خلال مجموعة من الثنائيات الضدّية، والدالّة على تخييل روائي يُعنى بالواقع ولكن بوسائل غير واقعية، فكما يبدو علي الحوّات شخصية إنسانية يمكن أن يكون لها مثيلها في أيّ من المجتمعات الإنسانية، على مستوى الممارسة والعلاقة بالآخرين بخاصّة، يبدو، في الوقت نفسه، شخصية أسطوريّة تمتلك من القوى ما يبدو خارقاً للمألوف ومجاوزاً لإمكانات البشر. وكما تحيل حوافز النزوع الأسطوريّ الأخرى: الأعداد، والسمكة، والماء، إلى معطى واقعيّ، تُنتج، في الوقت نفسه، قطيعة معه، بل تقوّضه لتنجز بديله الأسطوريّ، تثميناً لذلك المعطى، وإثراءً له، وليس نأياً عنه.‏

ففي الطرف الأول من الثنائية المعبّرة عن المعطى الأسطوريّ لشخصية الحوّات، أي الطرف المعبّر عن الممارسة الاجتماعية، يبدو "علي الحوّات" كائناً لفظياً أكثر منه واقعياً، فهو"لم يسرق يوماً، لم يكذب مرّة. لم يتعدّ على أحد. لم يثلب في عرض، أو يتعرّض بسوء لغيره.. ولِعَ بالصيد منذ صباه فلم يكن يفارق الوادي، يحمل قصبته وعدّته على كتفه، ويتسرّب مع الشعاب قبل طلوع الشمس، ولا يعود إلا بعد غروبها. وأحياناً كثيرة، يبيتُ هناك.. طعامه من الماء.. يترقّبه كلّ سكّان القرية ليوزّع باسماً صيده"(11)، إنّه "يفعل الخير وكفى"(19).‏

وتتدافع في الطرف الثاني من الثنائية نفسها مجموعة من الصفات الدّالة على كونه شخصية أسطوريّة، مفارقة لما هو إنسانيّ. فهو يحادث سمكته التي اصطادها نذراً للسلطان، وهو حين أشير عليه بعدم دخوله قرية بني هرار صوناً لدمه منهم "مرّ في وضح الشمس دون أن يراه أحد. تكوّر مثل غمامة، واقتحم الشوارع. ظنّ الناس أنّه زوبعة، ظنّوا أنّه ثعبان مشعر يلتفّ في الرمال، ويركب الريح السموم"(31)، وقيل، عندما حاولت فرق الشرّ ووحدات الفحش في القرية التعرّض له، إنّ ثمّة "قوّة خفية صدّتهم عن الهجوم عليه"(31)، وما إن حاولت عجوز شمطاء إغلاق الطريق عليه، طالبة إيّاه لتضاجعه، حتى "اقترب منها. نفخ.. فالتهمتها نار زرقاء، وتذاوبت دون أن تخلّف أثراً"(31). ويُمثّل نداؤه المدوّي في الوادي، حين لمح السمكة قائلاً: "فليكن"(16)، ثمّ امتثال السمكة لهذا النداء الذي جعلها تتمدّد تحت قدميه، أكثر الإشارات الدالّة في هذا المجال، والمعبّرة عن مبدأ القوّة الخالقة للكلمة(6)، الشائع في كثير من أساطير التكوين، ولدى معظم الشعوب.‏

ويتجلّى الحافز الثاني، الأكثر تعبيراً عن النزوع الأسطوريّ في الرواية، والمتّصل بسحرية العدد من خلال ذلك الحضور المهيمن لمجموعة من الأعداد السحرية على معظم مكوّنات الفعل الروائي: ثلاثة، وسبعة، بخاصّة، حيث "تبدأ الأحداث بالتفتّح التدريجي وفق منطق تخييلي.. تسري فيه تعويذة الأرقام السحرية في محاولة لتأكيد البنية الأسطوريّة"(7). وعلى الرّغم من أنّ "صبري حافظ" قد تنبّه إلى مكانة العدد ثلاثة في نسيج الرواية، فإنّه، في الوقت نفسه، لم يذكر سوى إشارتين له فحسب، كما أنّه لم يبذل جهداً في اكتشاف الخصائص المميّزة لتجلّياته(8). فباستثناء تحقيق علي الحوّات لنذره في اليوم الثالث من بدء الموعد الذي وضعه لتنفيذه، أي صيده سمكة ليقدّمها إلى السلطان بمناسبة نجاته من غزو الملثّمين له، فإنّ تجلّيات هذا العدد تتضمّن دلالات سلبية دائماً. فأخوة علي الحوّات العتاة ثلاثة، وعلي نفسه يفقد ثلاثة من أعضاء جسده في طريق رحلته إلى السلطان: يده، ولسانه، وعينيه. ومناصب السلطة القامعة ثلاثة: الحجابة، والحراسة، والاستشارة. وحصان الفارس الذي يقف على مدخل قرية الأعداء، خلال حصارها، يصهل ثلاث مرّات. ومن المهمّ الإشارة، في هذا المجال، إلى أنّ لبتر يد علي الحوّات، ثمّ لقطع لسانه، وأخيراً لفقء عينيه، الأقانيم الثلاثة اللازمة للتغيير، جذراً أسطوريّاً، فكما هو شائع في معظم الأساطير أنّ الخصم يميل دائماً إلى سلب خصمه طاقته الذاتية، أو معدن روحه(9).‏

ويُعدّ العدد سبعة أبرز محفّزات النزوع الأسطوريّ في الرواية، وهو يتواتر في تضاعيف السرد تواتراً يبدو معه مكوّناً أساسياً من مكوّنات المحكي الروائي، بل رمزاً تكاد تفقد الرواية بغيابه الكثير من ثرائها الدلالي. ولئن كان العدد ثلاثة قد اتّسم بطغيان إشاراته إلى ما هو سلبيّ، فإنّ هذا العدد يتّسم بترجّحه بين طرفي ثنائية متقاطبين، على النحو الذي تتّسم به البنية الأسطوريّة بعامة، التي تنهض، كما رأى "ستراوس"(Strauss)، على مجموعة من الثنائيات الضدّية، أو ما سمّاه "الأزواج المتقابلة"(Les Dichotomies) التي تعكس الطابع الجدلي لمفهوم البنية نفسه. يشير الأول منها إلى الواقع الذي تعانيه القرى السبع التي تشكّل المملكة، ويعبّر الثاني عن توق هذه القرى، بما فيها علي الحوّات نفسه، إلى الخلاص من ذلك الواقع.‏

ففي الطرف الأول يتعرّض السلطان لهجوم الملثّمين "بعد اليوم السابع من رحلته في الغابات"(8)، ويدعو النبي الذي لم يتمكّن من تبليغ رسالته إلى قرية "بني هرار" بأن لا يسكن القرية "غير لقيط أثيم هرب من قومه، فيه الرذائل السبع والعيوب السبعة"(30)، ويرسل الرجال الملثّمون الذين يجتاحون قرية التصوّف سبعة منهم إلى علية القوم ليسلّموهم ما لديهم من سلاح، وتقرّر قرية التصوّف، بعد أن افتضّ الملثّمون جميع الأبكار فيها "أن تُفتَض بكارة كلّ وليدة، من طرف الشيخ الملتحي، قبل أن تبلغ أربعة أسابيع"(37)، وثمّة سبع قمم تحيط بقرية الأعداء، ومراكز الحراسة التي يقطعها علي الحوّات في طريقه إلى القصر سبعة، وحين تراه السلطانة تأمر "بجلده سبعمائة جلدة"(67)، وبعد أن تظهر عليه أعراض الإعياء يظنّ الحرّاس أنّه أصيب بمرض فتّاك بفعل عقار دسّته قرية الأعداء في جسده ليعدي القصر، ثمّ يدخلونه مغارة وينتظرون "ما سيؤول إليه أمره بعد سبعة أيّام"(67)، وأعداء القصر واللصوص الذين يحكمونه "لهم سبع وسبعون صفة، وينطقون بسبع وسبعين لغة"(70)..‏

وفي الطرف الثاني يحدّد علي الحوّات موعداً للوفاء بنذره بأسبوع، ويفي بهذا النذر باصطياده "سمكة تزن سبعين رطلا"(15)، وينتظر الأنصار الذين كانوا يعدّون للإطاحة بالسلطان ورجاله "سبعة أسابيع"(41) لكي تصلهم إشارة من القصر، فيبدؤوا معركتهم معه، ويتعاقب "سبعة خطباء على المنصّة"(43) ليلقي كلّ منهم خطبة تعبّر عن احترام قريتهم لعلي الحوّات، وثمّة سبعة أسباب تدفع قرية الأعداء / الأباة إلى السماح لعلي الحوّات بالمرور من قريتهم في طريقه إلى القصر، وهاجسهم هو"تحريك الحاسة السابعة عشرة"(59) التي تعني لديهم "حاسّة التزوّد الذاتي.. [ و] يتعاون على هذا العمل، سبعة أنبياء، وسبعة رسل، وسبعة مخترعين، وسبعة حكماء"(60). والشاب الذي يخترع دواء لتخليص رجال قرية الحظة من حال الخصاء التي اختاروها لأنفسهم تعبيراً عن ولائهم للقصر عكف على ذلك مدّة "تسعة وسبعين شهراً"(47)، ويظلّ هذا الشابّ يقوم مقام رجال القرية المخصيين طوال "سبع(10) وتسعين شهراً"(47)، وبوجمعة الحوّات الذي يفسّر ميل الملوك والسلاطين إلى الجري وراء الأشياء تفسيراً سياسياً يعلّل من خلاله المفارقة بين طبقة الحكّام والحوّاتين "يحمل اسمه.. رقم سبعة إذا ما اعتبرنا الجمعة أسبوعاً"(11)، ورحلة علي الحوّات، التي "هي في حقيقتها رحلة بحث عن المعرفة تكتمل دورتها زمنياً باكتمال اليوم السابع"(12)، وسوى ذلك.‏

ويعضّد ذلك كلّه، أي بما يعلي من شأن النزوع الأسطوريّ في الرواية، ما يتدافع من محفّزات أخرى، كالماء رمز الموت والانبعاث في مجمل أساطير الشعوب، إذ ترتبط حياة علي الحوّات به ارتباطاً وثيقاً على مستويين: رمزي وواقعيّ(13)، وكالسمكة التي عدّها "يونغ": "رمزاً للانبعاث والتجدد"(14) أيضاً. ولعلّ من أكثر تجلّيات الأسطوريّ في هذا الرمز هو محادثاتها مع علي الحوّات، وألوانها التي "لا يمكن حصرهـا، أو تمييزها. ليست ألواناً عادية"(16).‏

2 – جلجــــامـــش:‏

نشأت ملحمة جلجامش الرافدية "من أساطير عديدة.. جُمعت كلّها وصُهرت فنّياً لتتمحور حول شخصية جلجامش المركزية"(15)، ومهما يكن من أمر نسبة بطل هذه الملحمة إلى التاريخ أو إلى الأسطورة(16)، أو سواهما، فإنّها تُعدّ مثالاً "على خلود العمل الفنّي الذي يتجاوز الزمان والمكان"(17)، ليس بسبب المكانة التي حازتها، في الكثير من فروع الدراسات الإنسانية، منذ اكتشاف مدوّناتها المتفرّقة الأولى، فحسب، بل بسبب المكانة التي حازتها في الكثير من النصوص الإبداعية والأعمال الفنية في مواقع مختلفة من الجغرافية الثقافية العالمية أيضاً.‏

وعلى النحو الذي يسم معظم أشكال استلهام الروائيين العرب لما هو أسطوريّ يتجلّى هذا الرمز في التجربة الروائية العربية عبر شكلين: شكل يستلهمه استلهاماً جزئياً، بمعنى تضمينه في موقع ما من النصّ، كما في رواية عبد الرحمن مجيد الربيعي "الأنهار"، وآخر يبدو الرمز من خلاله متناً في النصّ، كما في رواية "ليس ثمّة أمل لكلكامش".‏

- ليـس ثمّة أمــل لكلكــامش:‏

يرتدّ النزوع الأسطوريّ في تجربة خضير عبد الأمير الإبداعية إلى مجموعته القصصية "عودة الرجل المهزوز" 1970، التي تزخر نصوصها بالإشارات والرموز الأسطوريّة(18)، وتُمثّل روايته "ليس ثمّة أمل لكلكامش" أحد أكثر منجَزه الإبداعي تعبيراً عن المكانة التي يحوزها هذا النزوع في تجربته بعامة.‏

والرمز الأسطوريّ في هذه الرواية لا يتجلّى من خلال عنوان الأخيرة فحسب، بل من خلال ما يتناسل داخلها من وحدات سردية يبدو الرمز عبرها حاملاً جمالياً للكشف "عن حدّة الصراع ولا معقولية العالم الخارجي وبطش القوى الغامضة التي تهدّد عالم الإنسان"(19) المعاصر. ولئن كان موضوع الأسطورة في الأصل "يدور حول البحث عن الخلود، الدافع الكامن في أساس الكثير من ميثولوجيا الشرق"(20)، فإنّ موضوع هذه الرواية يدور حول البحث عن الذات المستلَبة بفعل عوامل واقعية تُمعن في تغريب هذا الإنسان وتجعله، بتعبير الوجوديين، قشّة في مهبّ الريح، أو بتعبير خليل، بطلها، باحثاً عن كنوز وهمية تعيد لخياله مسحة الثقة الأبدية التي تتحرّك نحو التلاشي.‏

لقد وجد خليل نفسه مطروداً من بيت أبيه الذي قال له: "أنت لا شيء، حياتك مجرّد عبث.. صرفتَ الكثير في توافه الأمور فأرجو أن تنصرف من بيتي"(9)، فكان عليه، بعد أن كره بنفسه "رتابة الحياة. المال، الجنس، المتعة"(9)، أن يجدّ في البحث عمّا يمكّنه من أن يكون "شيئاً". عملَ، في البداية، في مقهى ناءٍ، تتّسم مفردات فضائه كلّها بعذريّتها، حيث "الفراغ الموحش الناصع"(13)، و"الغارق في ركام العدم"(15)، وحين عرفه صديقٌ لأبيه عزّ عليه أن يرى ابن تاجر يدير مقهى جمع له أكياساً من المال طالباً إليه مغادرة عمله ليعود إنساناً آخر. وعلى الرّغم من بذله أمواله كلّها في المدينة البحرية التي حطّ فيها رحاله بعد مغادرته المقهى، فإنّه لم يجد السعادة التي كان ينشدها، بل لم يجد ما يستردّ له ذاته الضائعة، أو يحقّق معنى لوجوده، فحلمَ بامتلاك "حجر كريم يكون.. صانع المعجزات المتعدّدة"(28). وبامتلاكه هذا الحجر، وبانبعاث "مبرقان" منه، قوّته التي طلب إليه "مبرقان" نفسه أن يحافظ عليها، بدأ رحلته الحقيقية في الوصول إلى ذلك المعنى الذي تكشّف له في كلّ ما ينفع الجماعة ويحرّرها من قوى الشرّ التي تتهدّد وجودها وتسلبها حقّها في حياة كريمة.‏

وعبر هذه الرحلة، ومن خلالها، تتناسل مجموعة من المحفّزات السردية المعبّرة عمّا هو أسطوريّ في الرواية، والتي يمكن تنضيدها في مجموعتين: أولى تتمثّل في المشابهات التي ينتجها المحكي الروائي بين خليل ومرجعه الأسطوريّ جلجامش، وفي مواجهاته لقوى أسطوريّة، كوحش المدينة الخرافية، ووحش المدينة البيضاء، والداء الذي أصيبت به ابنة أمير المدينة الخضراء، وثانية تضمّ الرموز الأسطوريّة التي يحيل إليها كلّ من: الحجر الكريم، والبحر، والقاضي، وطقوس التضحية.‏

وباستثناء ما تقوله ابنة أمير المدينة الخضراء لخليل بعد أن خلّصها والمدينة من الوحش: "لقد رأيتَ كلّ شيء"(52) كما تبدأ ملحمة جلجامش: "هو الذي رأى كلّ شيء"، فإنّ الروائي لا يشير إلى مرجعه الأسطوريّ، أي جلجامش، على امتداد الرواية. وغالباً ما تتجلّى المشابهات بين خليل ومرجعه من خلال أكثر السمات بروزاً في هذا الأخير، فكما كان جلجامش يلهث وراء النساء دائماً، كان خليل "ينشد الدفء في أحضان النساء وينتقل كلّ ليلة من واحدة إلى أخرى"(7)، وكما أراد الأول أن يُجري تعديلاً تاماً على نمط حياته وسلوكه بعد صراعه مع "أنكيدو"، أراد خليل أن يغيّر كلّ ما نشأ عليه "أن يبدأ أو لا يبدأ، يكون.. أو لا يكون"(8). ولئن كان "جلجامش" قد وجد في "أنكيدو" صديقاً مخلصاً ومساعداً له في قتل "خمبابا / حواوا"، حارس غابة الأرز، فإنّ الثاني يجد في "مبرقان" ذلك الصديق المخلص والمساعد لها في قتل وحش المدينة الخرافية(21). وكما خشي جلجامش الموت بعد فقده أنكيدو كان خليل يمتلئ حزناً لشعوره بأنه سينفصم يوماً ما عن هذا العالم(22)، وكما تخلّى الأول عن "حقّ الليلة الأولى"، بل عن لهاثه الدائم وراء النساء، لم يعد خليل، هو الآخر، بعد أن بدأ رحلة اكتشافه لمعنى وجوده، ذلك "الرجل الوالغ في رائحة المرأة، المتتبّع لخطواتها"(25).‏

وعلى الرّغم من أنّ الرواية تشي، منذ عنوانها: "ليس ثمّة أمل.."، وبتصدير الروائي لها بحديث فتاة الحان "سيدوري" إلى جلجامش، الذي يعني، كما رأى كثير من علماء الأساطير "دعوة إلى موقف نهليستي عدمي من الحياة"(23)، بمآل خليل إلى النتيجة نفسها التي انتهى إليها جلجامش بعد محاولاته المريرة من أجل الوصول إلى نبتة الخلود وعودته إلى "أوروك" مستسلماً لقدره المحتوم في الموت، فإنّها، في الوقت نفسه، تؤكّد أن بطلها، كرجعه الأسطوريّ، "ربح وعي شرطه الإنساني، أو أنه جعل الإنسان يعي شرطه"(24)، وما يمنح المعنى لوجوده الذي يتجاوز، من خلاله، ذاته كفرد ليذيبها في الجماعة التي ينتمي إليها. كما تؤكّد، على النقيض ممّا ذهب إليه الكثيرون ممّن درسوا الأسطورة / الملحمة، كمرجعها، أنّ "هدف الحياة ومعناها قائم فيها، في الممكنات غير المحدودة التي تتيحها لنا"(25) من جهة، وفي أنّ الخلود الحقيقي يبتدئ، كما رأى زوج ابنة الأمير التي عالجها خليل، بـ"نقل الوعي الإنساني الخيّر إلى أعماق كائنات متغيّرة"(113).‏

وقد حقّق خليل فعّالية النقل تلك بتحريره سكّان المدينة الثانية من الوحش الذي كان يسلبهم ماء النهر، والذي كان "له في كلّ شهر فتاة يتمّتّع بها ويُطلقها في جزيرته، أو في الحقيقة يقتلها"(45)، ولاسيّما بعد أن قدّم مبرقان إليه سيفاً أثرياً ما إنْ هوى به على ذلك الوحش حتى "امتدّت سواقي المياه سريعة متلاحقة تجري نحو النهر المتيبّس"(51)، وحتى أقيمت الولائم والحفلات في كلّ مكان، وأخذت "المدينـة الغافية قرب ينبوع الماء ومجرى النهر تتألّق ليلاً"(54)، وتتناوب بيوتها وقصورها الباذخة استضافة خليل تكريماً له على صنيعه. كما حقّقه في تحرير المدينة البيضاء من وحشها أيضاً، الذي "نصفه إنسان ونصفه الآخر حيوان"(80)، والتي لم يقو أحدٌ من سكّانها على الاقتراب منه لتخليص الفتاة الجميلة التي اشترطت على كلّ مَن تقدّم إليها بأن يمرّ أمامه ثمّ يرجع سالماً، لتتخذ منه البديل، ولتترك نفسها بين يديه. وأخيراً في شفائه لابنة أمير المدينة الخضراء، التي كانت مصابة بمرض جلدي عانت الكثير بسببه، وأودى بأعناق الكثير من الأطبّاء لأنهم أخفقوا في علاجه.‏

وبهذا المعنى، وعبر هذه الأفعال، يبدو خليل رمزاً للمخلّص. وقد عبّر الروائي عن ذلك بوصفه له حين سمع بقصّة وحش المدينة الثانية بقوله: "ابتدأت قواه تتكلّم وتتخذ سمت المخلّص"(46)، ثمّ بوصفه له وللمدينة التي حرّرها من ذلك الوحش: لقد "حطّم الأسطورة، وغيّر الشكل العام للمدينة، ونثر بين منعطفاتها أريج الأزهار وألوان الورود وأوراق الأشجار المشبعة برطوبة الماء"(56).‏

وتعاضد المجموعة الثانية التي تضمّ كلاً من: الحجر الكريم / الفصّ، والبحر، والقاضي، وطقوس التضحية، مكوّنات المجموعة الأولى في تعزيز النزوع الأسطوريّ في الرواية، ليس عبر مصدره جلجامش فحسب، بل عبر ما تزخر به الرواية من إشارات أسطوريّة أيضاً، تجمع بين ما ينتمي إلى العلّية السحرية بمعناها الشعبي وما ينتمي إلى مجال الفكر "الميثوبي". ففي معتقدات الأقدمين والمعتقدات الشعبية ثمّة الكثير من الأحجار الكريمة التي لها وظيفة خرافية وخارقة(26)، على النحو الذي يتجلّى في مبرقان الذي خرج من محارةٍ، ما إنْ رفع خليل غطاءها حتى ظهر في الداخل "فصّ صغير الحجم مائي اللون"(32)، وما إن قلبَ الفصّ بين كفّيه حتى مادَ به المكان وانبعث صوت قائلاً: "أنا فصّك الكريم، أنا مبرقان"(35)، ثمّ: "أنا قوّتك يا خليل، فاحرص عليّ دائماً"(36)، وقد مكّنه هذا الحجر / مبرقان من اجتراح خوارق كثيرة، منها: تقديمه سيفاً أودى بحياة وحش المدينة الخرافية بضربة واحدة، ومساعدته له في القضاء على وحش المدينة البيضاء، وإعادته إلى الأرض سالماً حين أمره القاضي بحمله إلى أعالي السماء ليرسله من هناك هالكاً.‏

وتبدو علاقة خليل بالبحر، كما يبدو البحر نفسه، أحد أهمّ محفّزات المجموعة الثانية الدّالة على ما هو أسطوريّ في الرواية، ولعلّ من أهم ما يميّز هذه العلاقة هو ترجّحها بين قطبين متناقضين يعكسان الدلالة الأسطوريّة للماء في معظم المغامرات الفكرية الأولى، فقد كان البحر بالنسبة إليه "المنطلق الوحيد لتلك الغاية الغائصة في أعماق الأبدية"(24)، أو الطاقة التي تعيد إلى الكون "إشراقته الأولى"(27)، حيث لم يكن الإنسان يعاني، آنذاك، أي إحساس بانفصاله عن العالم حوله. وغالباً ما كان يرى أنّ غايته تلك مرتبطة بالأرض والماء بوصفهما "الكشف والرمز، الحلّ والعقدة"(24)، أي بوصفهما رمزاً لقيامة الذات من رمادها الذي ينتجه ذلك الإحساس بالانفصال عن العالم. غير أنّ هذه الطاقة نفسها، أي: البحر، سرعان ما تبتلع أموال خليل كلّها، وتذيب كنوزه في أمواجها، ويعتصر "القعر جميع تلك الآمال التي كانت تراوده كحلم وأسطورة"(27)، وسرعان أيضاً ما تمنحه رقية الأمل، حين ترسل إليه مبرقان من محارة من ذلك القعر.‏

ولا تتحدد سمة التقاطب تلك بالبحر وحده، بل تمتدّ إلى وحش المدينة الخرافية أيضاً، فقد قيل لخليل إنّ هذا الوحش هو"باني.. المدينة، وحينما سكن الناس قربه التجأ إلى جزيرته وعاقبهم بأن قطع الماء عنهم"(45)، بمعنى جمعه بين قوّتين متضادتين: قوّة الخلق وقوّة الهدم. وغير خاف ما يتضمّنه قتل خليل لهذا الوحش من إحالة إلى العماء الأول، بل إلى النظام الذي انبثق من ذلك العماء، ويتجلّى ذلك في وصف الراوي للوحش وخليل يهمّ بضربه: "امتدّت سحابة سوداء افترشت سطوح الضوء الباهت وامتدّ لسان هوائي يجري مسرعاً كفحيح لمئات من الأفاعي ذات الرؤوس المرقّشة والمثلّثة وكبُر ثمّ تكثّفت الظلمة حتى أصبحت سوداء عارمة"(50).‏

كما تمتدّ إلى طقوس التضحية التي كان سكّان تلك المدينة يؤدّونها من أجل حصولهم على الماء، فكما يبدو موت الفتاة / الأضحية انتهاء إلى العدم يبدو، في الوقت نفسه، فداء للجماعة وبعثاً لها من ذلك العدم الذي يترصّدها، إذ تقول إحدى النساء لخليل حينما رأى موكب تقديم أجمل فتيات المدينة للوحش: "هذه جنازة يا بنيّ. الموكب جنازة"(48)، يعني الحياة كما يعني الموت.‏

ويبدو قاضي تلك المدينة معادلاً للأفعى التي سلبت جلجامش نبتة تجديد الحياة، فقد تمكّن، بمكره، من سلبه حجره الكريم الذي يرمز إلى تجديد الحياة أيضاً بفعل ما ينتج عنه من قوى تستهدف "امتلاك العالم والبقاء الدائم بين رحابه"(84) بتعبير الفتاة التي أنقذها خليل من وحش المدينة البيضاء. ولئن كانت إشكالية جلجامش المركزية تكمن في مواجهة الموت، ولئن كانت هذه الإشكالية نفسها قد انتهت به إلى القول إنّ "الحياة رغم قصرها حافلة بما هو نبيل وعظيم، والإنسان قادر على تفجير لحظاتها والإمساك بعنان زمنها المنطلق نحو الأمام، لا لإيقافه.. بل لترويضه واستنفاد ممكناته"(27)، وإنّ الخلود الحقيقي يكمن فيما يعود بالنفع على الجماعة، فإنّ إشكالية خليل الكامنة في البحث عن ذاته وعن معنى لوجوده تنتهي به إلى القول إنّ الوصول إلى هذه الذات وتحقيق ذلك المعنى مرتبطان باستنهاض الفرد لقواه المعنية بالجماعة أيضاً، أي بما يمكّنه من البقاء الدائم بين رحاب العالم.‏

3 – المخلّــــــص:‏

تشيع فكرة الاعتقاد بالمخلّص، أو المنقذ، أو المحرّر في كثير من الديانات، السماوية والوضعية، وفي كثير من المذاهب أيضاً. وغالباً ما يتّسع هذا الاعتقاد في المجتمعات التي "تفكّر تفكيراً ثيوقراطياً.. وبين شعوب قاست الظلم ورزحت تحت نير الطغيان سواء من حكّامها، أو من غزاة أجانب"(28). ومهما تكن الأسماء التي تقنّع بها المخلّصون في تلك الديانات والمذاهب، فإنّ ثمّة مهمّة واحدة لهم جميعاً، هي ملء الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً، أو إقامة "ملكوت الله"، أو حكمه، أو دولته. أي إقامة فردوس أرضي لا موقع فيه للظلم أو الاستغلال أو الاستبداد(29). وباستقراء المنجَز الأسطوريّ الذي أبدعته المخيّلة البشرية، ولاسيّما أساطير الموت والانبعاث، يخلص المرء إلى أنّ ثمّة جذوراً لهذا الاعتقاد لدى الكثير من المجتمعات والشعوب القديمة التي أبدعت ذلك المنجَز، ومن أمثلة تلك الجذور: دوموزي، وتمّوز، وأوزوريس، وأدونيس، وسواهم.‏

وفي التجربة الروائية العربية نماذج عدّة لهذا الرمز، منها: "العجوز" 1974 لأفنان القاسم، و"العشّاق" 1977 لرشاد أبو شاور، و"الحنظل الأليف" 1980 لوليد إخلاصي، و"حافّة الفردوس" 1983 لنبيل عبد الحميد، و"إمام آخر الزمان" 1984 لمحمّد جبريل، و"الزمن الآخر" 1985 لإدوار الخرّاط، و"من البحّار القديم إليك" 1995 لدلال خليفة. وغالباً ما يترجّح استلهام الروائيين العرب لهذا الرمز بين شكلين: شكل يوظّفه توظيفاً جزئياً بمعنى تضمينه كمتفاعل نصّي ينتمي إلى حقل "التناص"(Intertextualité)، أي دونما تحويل له، كما في رواية الخرّاط: "الزمن الآخر"، وثان يوظّفه توظيفاً كلّياً بمعنى تضمينه كمتفاعل نصّي ينتمي إلى حقل "الميتانص"(Métatextualité)، كما في رواية القاسم "العجوز". ويمكن التمييز، في هذا المجال، بين مستويين تعبيريين: مستوى يتبدّى الرمز من خلاله على نحو مباشر، كما في روايتي: "حافّة الفردوس"، و"إمام آخر الزمان"، وآخر ينتمي إلى مفهوم "الاستيحاء"، كما في روايتي: "الحنظل الأليف"، و"من البحّار القديم إليك".‏

- الحنظــــــــل الأليـــف‏

يُمثّل "التجريب" السمة الأكثر بروزاً في إبداع وليد إخلاصي الروائي، وقد تجلّت هذه السمة لديه منذ روايته الأولى: "شتاء البحر اليابس" 1965، ثمّ ما لبثت أن شغلت لنفسها موقعاً لافتاً للنظر فيما تلا من روايات، عبّرت جميعها عمّا اصطُلِح عليه باسم "الحساسية الروائية الجديدة" التي كان من أهمّ صفاتها استثمار ما يزخر به التراث الإنساني من رموز وإشارات أسطوريّة، يبدو المخلّص أكثرها حضوراً، وأكثرها تعبيراً عن مؤرّقات الكتابة في أدبه بعامة، كما في شخصيتي: آدم البرّي في "الحنظل الأليف"، ومحبّة الجمر في "باب الجمر" 1984.‏

يترجّح المحكي في رواية "الحنظل الأليف"(30) بين حكايتين: حكاية الأسدي والمهندسة ليلى ومعلّم المدرسة، وحكاية آدم لأفراد شلّة الأنس: الرسّام والمدير والشاعر والمعلّم. وعلى الرّغم من أنّ ثمّة ما يبدو تضاداً بين هاتين الحكايتين، إذ ترتهن الأولى إلى الواقع، وتتوسّل الثانية مفهوم العجائبي للتعبير عمّا هو أسطوري، فإنّ كلاً منهما تعضّد الأخرى على مستوى الأطروحة المركزية في الرواية، أطروحة العودة إلى رحم الطبيعة، أو إلى قيم البداءة الأولى، لتحرير الإنسان من بطش القوى السالبة لقيم الحقّ، والخير، والجمال، بل لتحريره من قوى الاستبداد السياسي خاصة.‏

وتتجلّى رمزية المخلّص في الرواية من خلال شخصية آدم الذي بدأ حكايته لأفراد شلّة الأنس بما يشبه التراتيل الملحميّة المؤسسة للحكاية: "هي دورة، والدورة تعني العودة. تبنون فتكبر فيأتي الزلزال هزّة أرضية أو طائر شؤم يمسّ بريش جناحيه المرأة الجميلة فيجعلها لا تنجب، والشجرة فلا تثمر، والأغنية لا تصبح قمحاً، والدعاء طعنات تدخل القلب فلا ترحم"(33).‏

أحسّ بالوحدة قبل أن يولد، فاختار أن يكون نحّاتاً، وأن يخرج من المدن المزدحمة هرباً من الجنون والتلوّث، وبحثاً عن وجودٍ بكرٍ لم يشوّهه الزيف. وما إن حقّق توحّده بالطبيعة له ذلك: "كان ثوبي خشناً فاستمتعت بنعومته، وكان كوخي ضيّقاً فاتسعتُ به، والحذاء الخشبي كان ثقيلاً فطرتُ به، وكان الصحن صغيراً فشبعتُ منه"(46)، حتى تبدّدت هناءته تلك، حين باغته رجلان ملثّمان أرغماه على مرافقتهما إلى قصر أمير البلاد. قال أحدهما له: "أميرنا، نحتفل بذكرى تولّيه الإمارة بعد شهرين قمريين. لقد أجمع مجلس المدينة على تكريمه في تمثال طبيعي أو نصب يليق بحبّنا له. وأنت من سيفعل ذلك، والخزائن أمامك مفتوحة"(53).‏

وفي القصر، وجد رجلاً ملثّماً أعدّ لخدمته، ثمّ فتاتين حملتا إليه الطعام: عزّة، وزنبقة. وما إنْ ارتطمت عيناه بنافذة عالية، حيث أريد له أن يقيم، حتى خُيّل إليه أنّ ثمّة طيراً يضرب زجاجها ويختفي. وبين إغماضة عين وانتباهتها سقطت من النافذة حصاة ناعمة شُدّت إليها رقعة من ورق قديم، بسطها فإذا هي رسالة: "كنّا في انتظارك فجئتنا. مقدمك بشير خير. ابحث عنّا تجدنا"(66).‏

وفيما بعد لقائه عزّة، بعيداً عن أعين القصر، وعرضها عليه أن تكون دليله إلى المهمّة التي انتدبته الرسالة لها، وبعد لقائه الأمير الذي خرج له من جدار في القاعة حيث اقتيد لمقابلته، ثمّ تحديده المكان الذي سيقيم التمثال فيه، وتجواله في ساحات المدينة، وأزقّتها، وحواريّها، استدرجته امرأة، لا يبين منها سوى عينيها، إلى قبو معتم، فوجد نفسه أمام مجموعة من البشر: "رجال ونساء وأطفال كبار ملأوا الزوايا والفسحة الضيّقة، وكانوا كتماثيل شقيّة تتقن الصمت الأبدي. قالت المرأة التي قادتني إلى الجحر: - وصلتك الرسالة؟ لابدّ أنّها وصلتك"(95)، ثمّ وفيما يشبه ترديد الجوقة قال الجميع: "ما كان الأمير أميراً في يومٍ من الأيّام، ولكنّه انتصر بالمكر والدهاء والقسوة. اغتصب القصر والمدينة والأرزاق. هربَ مَن هرب، ولجأ الباقون إلى الأقبية، وسُجن آخرون"(97).‏

كان الجمع من الذين لزموا الصمت بانتظار مَن يخلّصهم من أسرهم الطويل، ويُحرّر الأمير الحقيقي وأصحابه من السجن. وذات عزلة عاد طائر النافذة إلى آدم برسالة جديدة تقول: "ألم يحن بعدُ وقتُ تحريرنا؟"(105)، وعندما أشرف على إنجاز التمثال، وأخذ يعدّ لبنائه في ساحة المدينة الكبرى، بحضور الأمير وحاشيته، وبينما كان الحشد يتابع العمل سقط حجر كبير قريباً من الأمير، فسقط القائد على أميره يحميه بجسده، وسرعان ما أعدّت محاكمة للرجال الثمانية الذين كانوا مكلّفين بنصب التمثال، وسرعان، أيضاً، ما نطق كبير القضاة بالحكم: "الأمر واضح، وتهمة الاعتداء على حياة أميرنا ثابتة.. الأحكام واضحة، فالموت مصير كلّ خائن.. ذلك الذي رمى الحجر هو الفاعل المنفّذ.. أمّا الباقون.. فهم الشركاء.. وهناك محرّض غرّر بكم"(111).‏

وبينما كان آدم يتابع عمله في تمثال الأمير، ويدير رأس التمثال بين كفّيه، انفصل هذا الأخير عن الجسد، ثمّ تفتت على أرض القاعة كما الخزف، فاتّقدت في نفس آدم مخاوف كثيرة لم ينقذه من أتونها سوى صوت عزّة التي شدّته من ذراعه "وهي تتمتم بخوف متماسك: اتبعني دون أي كلمة أو سؤال وإلا كان الموت مصيري ومصيرك"(116)، والتي سرعان ما أنشبت أظافرها في التراب، ثمّ عادت إلى التمتمة من جديد: "إنّه هنا.. لا بدّ أنّه هنا"(117)، ووجد آدم نفسَه يشاركها عملها في الحفر حتى ظهر حجر مربّع تتوسطه حلقة من حديد، "إذ ذاك هتفت عزّة: "إذا كان الحظّ حليفنا فمن هنا يبدأ الممرّ"(118)، وحتى وصلا إلى سجن الأمير العادل وحرّراه من الأسر، كما حرّرا الأسرى من سجنهم الطويل.‏

ولا تتحدّد الرمزية الأسطوريّة لآدم، بوصفه مخلّصاً، بعمله المشار إليه آنفاً فحسب، بل ثمّة، في تضاعيف السرد، محفّزات مختلفة ممّا يمكن عدّه استعارات أسطوريّة تعزّز هذه الرمزية وتثمّن حضورها داخل الرواية، ومن تلك المحفّزات / الاستعارات ما يتعلّق بصفات آدم المادّية، من مثل قول المعلّم عنه: "فالرجل عجيب"(29)، أو وصفه له بأنّه "ما من بطن حملته"(30)، أو القادم من "بلاد لم توجد من قبل على الخريطة"(32). ومنها ما هو معنوي يبدو آدم معه، ومن خلاله، شخصية مطابقة للقدّيسين، والمصلحين، الذين ينشدون أحضان الطبيعة ملاذاً لهم من طاغوت الواقع حولهم. ففي الغابة يجد آدم عزاء له من جنون المدن المزدحمة وتلوّثها، ويتوحّد بها حتى ليصبح الاثنان كلاً واحداً، وحتى ليبدو هذا التوحّد شكلاً من أشكال الحلول لدى المتصوّفة، فيصير هو هي، وتصير هي إيّاه: "بتّ لا أميّز جلدي من هواء الطبيعة التي اقتربت مني حتى لامستني فساكنتها فعرفتُ لأول مرّة معنى الابتسامة المستمرّة وإحساس الرضى الدائم.. آهٍ أيّتها الأرض البكر، إنني ابنك الذي سيمكث مع ترابك حتى تُبعث العظام من جديد.. إنني أنتِ فهل تستقرّين تحتي كما أرتعش فوقك.. فلقد نسيتُ أهلي وأصحابي وأوطاني السابقة من أجلك"(46-47).‏

كانت الغابة / الطبيعة، بالنسبة إليه، الفردوس، أو الجنّة التي حرّرته من شوائب المدنيّة الزائفة، وأطلقته في عالَم أثيري لا ينتمي إلى عالَم البشر: "في الغابة لم أعرف النوم الميّت ولا الصحو المتيقظ"(70). وغالباً ما كان يجد في تذكّره الدائم لها ما يبدّد وحشة المهمّة التي أرغِم عليها، فحين أحسّ بأنّ ثمّة تقلّصات تحاصره وهو في طريقه إلى القصر، أول مرّة، لم يجد له دواء من تلك التقلّصات سوى "العودة إلى حديقتي. الكوخ حنون، وفراش القشّ ليّن، والطيور الأليفة والأعشاب متعاطفة، أدواتي الصلبة صدوقة والفراشات تنشر البشارات وأزاهير الأرض تغنّي للتراب ويزدهر التراب بالألوان"(55)، وحين قرأ الرسالة الأولى التي قيل له فيها إنّ الأمير اغتصب الإمارة، ثمّ أرغمه رجال هذا الأمير الملثّمون على إغماض عينيه قبل اقتياده إلى القصر، لم يكن ثمّة ما يعزّيه سوى: "استعادة الحياة العارية النقية في غابتي"(69). والإحساس نفسه انتابه عندما رأى الأمير أول مرّة: "داهمتني الغابة واستلبني الحنين إليها"(84). وعلى الرّغم ممّا تلا ذلك اللقاء من حفل عظيم أقامه الأمير له، فإنّ حنينه إلى الغابة ظلّ يناوشه، ويمزّقه، ويفتته إلى شظايا تختلط الأحلام فيها بالوساوس بالرسوم التي أعدّها لتمثال ذلك الأمير. وعندما سأله الأخير فيما إذا كان يحب أن يصبح فنّان القصر الدائم هتف برجاء: "بل أريد أن أعود إلى حديقتي"(105). ولم يجد راحة لنفسه، وثمّة خوف مستعر يمزّقه من أن يكون هو المقصود بالغريب الذي قيل إنّه حرّض الرجال على اغتيال الأمير، إلا "في استعادة صور الغابة إلى مخيّلتي"(112)، وكثيراً ما كان يردّد: "لِمَ لا يعود الناس إلى الطبيعة؟"(135).‏

ولئن كانت الغابة، في مجمل أساطير الشعوب، رمزاً لبدائية الأشياء وفطريّتها ونقائها، وتعبيراً عن الأصل والخصوبة والرحم الذي صاغ البدايات الأولى للوجود، فإنّ المرأة، في مجمل هذه الأساطير أيضاً، تحمل الدلالات نفسها، وهو ما سيجده آدم في شخصية "عزّة"، المرأة التي قادته إلى أولئك الذين حكم الأمير الغاصب عليهم بالسجن إلى الأبد، والتي ستكون غابته الجديدة وملاذه ممّا يتهدّد وجوده خارج غابته الأصل التي اختارها بنفسه. وبذلك يضيف الروائي محفّزاً أسطوريّاً جديداً إلى رمز المخلّص لديه، فـ"عزّة" لا تكتفي بأن تكون دليل آدم إلى سجن أمير البلاد العادل، بل تمنحه قوّة خارقة تمكّنه من تحدّي المستحيل، وعزيمة هائلة على إنقاذ هذا الأمير وأبناء مدينته المخلصين، ولاسيّما بعد أن عبّرت، في السرداب، عن حبّها له، الحبّ الذي يفعل المعجزات كما قالت، والذي يبدو أحد أهمّ أطروحات الرواية، بل أهمّها على الإطلاق.‏

إنّ "عزّة" هي بكورة الحياة وعذريّتها وبدائيتها: "عزّة هي غابتي.. وأجد فيها طعم التوت البرّي الذي افتقدته"(102)، كما هي مبدعة النظام بعد عماء الأشياء وفوضاها: "أمّا عزّة، فكانت تحمل.. عبء الترتيب وإعادة النظام والنظافة إلى القاعة"(103). ولعلّ من أبرز ما يشير إلى السمة الأسطوريّة في هذه الشخصية تمتمتها بحروف وأرقام لم يفهم آدم معناها، حين كانت تجدّ في البحث عن نقطة بداية الممرّ المؤدّي إلى سجن الأمير الحقيقي، ثمّ إحساس آدم بتماهيها معه، وهما ينزلان إلى الحفرة المؤدّية إلى ذلك السجن، حتى لـ"تصبح واحداً من أضلاعه"(119)، لكأنّها الأمّ الأولى التي انبثقت من جسد الرجل الأول.‏

وثمّة، في الرواية، محفّزات أسطوريّة أخرى، كما في السرداب الذي يقود آدم وعزّة إلى سجن الأمير الحقيقي، والذي يُمثّل معادلاً فنّياً لأسطورة التكوين القائلة بانبعاث الحياة من الموت، أو النور من الظلمة، وكما في فعّالية النحت التي يقوم بها آدم لتمثال الأمير الغاصب، والتي تعبّر عن سمة التقاطب المميّزة لكثير من الرموز الأسطوريّة عادة، والقائلة إنّ أي خلق يتطلّب فعل دمار سابق عليه. فإذا كانت هذه الفعّالية تنتهي إلى الموت، بالنسبة إلى الأمير الغاصب، فإنّها، في الوقت نفسه، تتضمّن فعّالية خلق بالنسبة إلى الأمير الحقيقي. وتتجلّى هذه السمة، أي: التقاطب، على نحو أشدّ وضوحاً في قول عزّة لآدم وهما يبدأان رحلة السرداب: "حلمتُ منذ أيّام أنّي أموت معك في مكان ضيّق"(119)، ثمّ قولها: "حلمتُ لأكثر من مرّة.. أنّي أعيش معك"(119).‏

وإلى جانب هذه الاستعارات الأسطوريّة جميعها التي تزخر بها الحكاية الثانية في الرواية ثمّة في الحكاية الأولى استعارات أسطوريّة أخرى تجعل من الرواية أحد أكثر إبداع إخلاصي دلالة على كفاءة منتجه الواضحة في هندسة عالَمه التخييلي، حتى ليمكن وصف الرواية بأنّها أشبه ما تكون بلوحة فسيفساء تتوضّع كلّ جزئية منها في مكانها المناسب والمعبّر عمّا يُعرَف بـ"التحفيز التأليفي"(Compositionnelle Le Motivation) الذي يعني أنّ كلّ حافز أو إشارة في القصّة لا يرد بشكل اعتباطي، بل تكون له وظيفة أو علاقة بما يأتي من القصة(31).‏

لقد اختار الروائي "قبواً ليكون بداية التاريخ، وهيّأ له رجالاً بدائيين لا يحدّ خيالاتهم حدّ أو عائق"(32). كان شعار أمسياتهم: "اتركوا دينكم عند مدخل القبو، واخلعوا يقينكم على العتبات. هنا نغتسل بماء التحرّر من كلّ شيء"(16)، وكان لهم طقوسهم الخاصّة، وصلاتهم الخاصّة التي باتت، بالنسبة إليهم، أشبه ما تكون بقانون اتفقوا عليه وردّدوه في أبهاء قبوهم الكبير: "دعنا لأنسنا أيّها العالَم المليء بالضجة والسياسة والأعراف وبرامج الإعلام المكتوبة والمبثوثة"(17)، كما كانوا يزيّنون جدران ذلك القبو برسوم أثرية تذكّر بما اعتاد الإنسان القديم أن ينقشه على جدران المغاور والكهوف. وقد عزّز الروائي هذه السمة الأسطوريّة المميّزة لعلاقتهم بالعالَم بصورة الأسدي "الشيخ العابس مقطوع الذراع"(13) الذي يبدو"آدم النحيل المقدّد الجلد"(18) الوجه الآخر له.‏

لقد أحبّ الأسدي المدينة حتى "الوله"(77)، وعلّل بناء قلعتها على شبكة من الممرّات السرّية بـ"عبقرية الإنسان في العودة إلى الرحم"(40)، وأبدى محاولات عدّة، وهو يصارع الموت، في الوصول إلى "الجذور التي قضى.. حياته بأسرها باحثاً عنها"(126)، إلى أعماق "المغاير"، حيث كان "إنسان حلب الأول وربّما أنّه الإنسان الأول"(40) يؤسس لبواكير المجتمعات المستقرّة.‏

وكما كانت عزّة بالنسبة إلى آدم ملاذه الجديد الذي أحيا غابته المضيّعة داخله تبدو المهندسة ليلى كذلك بالنسبة إلى معلّم المدرسة أيضاً. وإذا كان الروائي قد اكتفى بالمشابهة بين عزّة والغابة من غير أن يضمّن هذه المشابهة أيّ مرجع أسطوريّ مباشر لها، فإنّه يجهر بذلك فيما يتّصل بليلى، إذ يتذكّر المعلّم، في لقائه الثاني بها، تمثالاً أحبّه كان قد رآه في المتحف، تمثال ربّة الينبوع "بابتسامتها الغامضة ووعاء الحياة بين كفّيها يتدفّق بشلال من الصمت المثير"(19).‏

كان الخراب الذي يتهدّد المدينة القديمة الهاجس الأكثر قسوة في حياة ليلى، ليس لأنّها عاشقة، كالأسدي، لهذه المدينة فحسب، بل لأنّها "كارهة للفوضى"(20) التي كانت تترصّد المدينة بسبب تجّار البناء والسماسرة، كما لو أنّها سليلة ربّات الخلق اللواتي تقدّمهن الأساطير بوصفهن مبدعات للنظام، الأمر الذي سيفصح المعلّم عنه في خاتمة الرواية بقوله: "ليلى هي المدينة، عيناها هواء المدينة العليل، وجسدها الحجارة التي تحمل نبض الحضارة. شعرها هو الخضرة وكلماتها غيوم الخريف التي تبشّر بالمطر الذي تعشقه الأرض البعل"(154).‏

( - هوامش وإحالات:‏

(1) - فراي، نورثروب. "الأسطورة والرمز". ص (5).‏

(2) - انظر: القمني، د. سيّد. "الأسطورة والتراث". ص (21).‏

(3) - الدقاق، د. عمر. "منزلة العدد (7) في الفكر العربي". ص (53).‏

(4) - للتوسّع في هذا المجال يمكن العودة إلى: لالو، شارل. "الفنّ والحياة الاجتماعية". ص (287). الدقاق، د. عمر. "منزلة العدد (7) في الفكر العربي". القمني، د. سيّد. "الأسطورة والتراث". ص (69).‏

(5) - ط2. دار الهلال، القاهــرة 1987. وقد صدرت طبعتها الأولى عن دار البعث، قسنطينة 1980.‏

(6) - انظر: مجموعة كتّاب. "سحر الرمز، مختارات في الرمزية والأسطورة". ص (40). خليل، خليل أحمد. "مضمون الأسطورة في الفكر العربي". ص (50).‏

(7) - حافظ، د. صبري. "الحوّات والقصر، البنية التكرارية وتعرية المقموع السياسي". ص (153).‏

(8) - انظر: المرجع السابق. ص (152).‏

(9) - انظر: زيعور، د. علي. "التحليل النفسي للذات العربية، أنماطها السلوكية والأسطوريّة". (172).‏

(10) - كذا في الرواية، والصواب: "سبعة".‏

(11) - حافظ، د. صبري. "الحوّات والقصر، البنية التكرارية وتعرية المقموع السياسي". ص (152).‏

(12) - المرجع السابق. ص (155).‏

(13) - انظر: المرجع السابق. ص (152).‏

(14) - عوض، ريتا. "أسطورة الموت والانبعاث في الشعر العربي الحديث". ص (43).‏

(15) - هووك، صموئيل هنري. "منعطف المخيّلة البشرية، بحث في الأساطير". ص (42). المقداد، د. قاسم. "هندسة المعنى في السرد الأسطوريّ الملحمي، جلجامش". ص (48).‏

(16) - للتوسّع، انظر: السواح، فراس. "كنوز الأعماق، قراءة في ملحمة جلجامش". ص (26).‏

(17) - المرجع السابق. ص (12).‏

(18) - ط2. مكتبة بسام، الموصل 1985. وقد صدرت طبعتها الأولى عن مكتبة النهضة، بغداد 1972.‏

(19) - ماضي، شكري عزيز. "انعكاس هزيمة حزيران على الرواية العربية". ص (104).‏

(20) - هووك، صموئيل هنري. "منعطف المخيلة البشرية، بحث في الأساطير". ص (30).‏

(21) - انظر: ماضي، شكري عزيز. "انعكاس هزيمة حزيران على الرواية العربية". ص (180).‏

(22) - انظر: الرواية. ص (15).‏

(23) - السواح، فراس. "كنوز الأعماق، قراءة في ملحمة جلجامش". ص (275).‏

(24) - المقداد، د. قاسم. "هندسة المعنى في السرد الأسطوريّ الملحمي، جلجامش". ص (80).‏

(25) - السواح، فراس. "كنوز الأعماق، قراءة في ملحمة جلجامش". ص (275).‏

(26) - في المعتقد الشعبي أنّ لحجر العقيق دوراً مباركاً، فما إن يضع حامله يده في الماء حتى تُهرع إليه فلول السمك.‏

(27) - السواح، فراس. "كنوز الأعماق، قراءة في ملحمة جلجامش". ص (266).‏

(28) - بسيسو، عبد الرحمن. "استلهام الينبوع..". ص (411).‏

(29) - انظر: الهاشمي، باسم. "المخلّص بين الإسلام والمسيحية". ص (50) وما بعد.‏

(30) - ط1. دار الكرمل، دمشق 1980.‏

(31) - نقلاً عن: لحمداني، د. حميد. "بنية النصّ السردي من منظور النقد الأدبيّ". ص (22).‏

(32) - الرزّوق، صالح. "الحنظل الأليف، دراسة في الزمان والمكان". مجلّة "المعرفة". ص (183).‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244