|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 03:32 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الباب الثالث: في البناء الروائي - التشكيل السردي لا تكمن قيمة النص الأدبي فيما يقوله فحسب، بل في كيفية أو كيفيات أدائه لهذا القول أيضاً. وإذا كانت هذه الكيفية / الكيفيات هي ما يجعل منه عملاً أدبياً, فإنّ الجنس الروائي يبدو أكثر الأجناس الأدبية كفاءة في ابتكار الكيفيات التي تتعدّد بها, وعبرها, وسائط نقل المحكي الروائي من كونه مادة خاماً إلى كونه فناً. لقد عُدّت الرواية, دائماً, مركّباً "غير مستقرّ, ومنطقة متغيّرة من أنواع مختلطة"(1), تتراسل فيما بينها لتنتج تخييلاً يتّسم بتعدّد معانيه وثراء ومقاصده, ويثير لدى متلقيه استجابة من نوعٍ ما, كما يدفعه إلى إعادة كتابته ثانية وفق سويته المعرفية ومخزونة الثقافي, ومقدرته على اكتشاف المضمَر فيه. ولئن كان "جوهر الأسطورة لا يكمن في الأسلوب أو طريقة السرد أو النحو، بل في الحكاية التي رويت فيها"(2), أي في انفصالها عن الأساس اللغوي الذي بدأت سيرها فيه، فإنّ الإبداع الذي يستلهم هذا المنجَز من منجزات المخيّلة البشرية يتطلّب جوهراً مطابقاً, يتجاوز دوالّ الأسطورة, أو مضمونها السردي، إلى ما يسمّى: "دلالة الدلالة". ولذلك، فإنّ "أسطرة" الروائي لنصّه, أو استلهامه لأسطورة ما, لا يكمنان في إعادة إنتاج ذلك المنجَز, بل في تفجيره برؤى ودلالات جديدة تحمل موقفاً من الراهن. بمعنى "عصرنة" الأسطورة على المستويين الدلالي والبنائي, وتحويل النصّ المؤسطَر من كونه عملاً مكتملاً إلى كونه عملاً قيد الاكتمال، وذلك بالقراءة المنتجة له، التي تعيد كتابته من جديد وهي تحاول تفكيك ما يتناسل فيه من إحالات نصّية, تزيد ما هو خارج نصّي عمقاً، وثراء, وتعدّداً في مستويات التأويل. ولا يتحقق ذلك كلّه بمعزل عن معمار روائي يتجاوز محكي النص بوصفه متناً إلى هذا المحكي بوصفه بناء, ويجادل بين هذين الطرفين كما لو أنهما كلّ واحد لا يمكن إعادة بناء أحدهما على المستوى الدلالي بمنأى عن إعادة بناء الدلالات التي يتضمنها هذا الآخر أيضاً. أعني: معماراً روائياً يحرّض متلقّي النص على البحث في "أدبيّة"(Littérarité La) هذا النص, بتعبير السرديات, وهو ما يطمح هذا الباب إلى استجلائه في مصادر الدراسة من خلال ثلاثة فصول, تمثّل في مجموعها أبرز الخصائص المشتركة بين مجمل هذه المصادر, وفي هذا المجال بخاصة, كما تمثل مكوّنات كلّ منها أبرز الحوافز / الوسائط الدالة على مدى امتلاكها ذلك الحق الذي سماه "تودوروف": "حق المثول في تاريخ الأدب". وعلى الرّغم من أن هذه الحوافز / الوسائط لا تبدو خاصة بالنصوص الروائية التي تنتمي إلى الظاهرة التي تعنى بها هذه الدراسة, بل تمتد لتشمل معظم النتاج الروائي العربي الصادر في العقود الثلاثة الأخيرة فإنّها, في الوقت نفسه, تبدو شديدة الحضور في هذه النصوص, وإلى حد يمكن القول معه إن هذه المصادر تنتج مظاهر سردية تكاد تكون مميزة تماماً من سواها من مظاهر التجريب التي أبداها الجنس الروائي العربي في العقود المشار إليها آنفاً. وبعامة, فإنّ مقاربة هذه الحوافز / الوسائط، هنا، تنطلق من الأطروحة القائلة: إن "الحديث عن المحتوى في حد ذاته ليس حديثاً عن الفن أبداً"(3), ومن أن قيمة هذا المحتوى تتجلى على نحو أشد وضوحاً, وأكثر تأثيراً, من خلال الأدوات التي يتوسل بها هذا النص أو ذاك في صوغ ذلك المحتوى وطريقة / طرائق بناء المبدع له. ( - هوامش وإحالات: (1) - مارتن، والاس. "نظريات السرد الحديثة". ص (48). (2) - شتراوس، كلود ليفي. "الأنثروبولوجية البنيوية". ص (16). (3) - مارتن، والاس. "نظريات السرد الحديثة". ص (16). التشكيل السردي: ينهض كلّ محكي روائي، بل كلّ فعّالية سردية، أياً كان الجنس الأدبي الذي تنتمي إليه، على حاملين أساسيين: "متن" و"مبنى"، أو: "قصة" و"حبكة"، أو: "قصة" و"خطاب"، أو "حكاية " و"سرد"، وسوى ذلك من أسماء تحيل إلى هذه الثنائيات المعبرة عن ترجح السرود، عامة، بين هذين الحاملين. يُقصد بالمتن / القصة / الحكاية: "الموادّ قبل اللفظية في نظامها التاريخي"(1)، أو "الحدث ممثّلاً في تطوّره الزمني وعلاقاته السببية"(2)، أي: المادة الحكائية الخام. أما المبنى / الحبكة / الخطاب / السرد، فهو: "كلّ التغييرات التي يحدثها السارد في مواد القصة قبل اللفظية"(3)، أو "جميع المقومات التي يضيفها الكاتب إلى القصة"(4)، والتي تشمل مجمل عناصر المحكي: السرد، والشخصيات، والمنظور السردي، والزمن، والفضاء: الجغرافي، والنصي، والدلالي، و... ولعلّ من أهم السمات المميّزة لفعاليات إنتاج المحكي في مصادر الدراسة هو أن الظاهرة التي تُعنى بها هذه الدراسة لا تبدو وقفاً على متون هذه المصادر وحدها، بل تمتد لتشمل تلك الفعاليات نفسها أيضاً. بمعنى أن ما هو أسطوريّ في النصوص الروائية الممثلة للظاهرة يتجاوز محكي هذه النصوص، متونها، إلى خطاباتها، أي إلى طرائق صوغها السردي لموادها الحكائية الخام. الأمر الذي سيحاول هذا الفصل تبيّنه من خلال عناصر ثلاثة فحسب: بناء السرد، أنماطه ومظاهره، وبناء الشخصيات، وسائله وعلاماته اللغوية، وبناء الزمن، تقنياته وإجراءاته. وهي العناصر الأكثر تعبيراً عن السمة المشار إليها آنفاً من جهة، وعما يبدو تضافراً بين حاملي الفعّالية السردية: المتن والمبنى / القصة والحبكة / القصة والسرد.. من جهة ثانية. 1 – بنــــاء السّـــــرد: يتكوّن السرد، في مجمل أشكال المحكي بعامة، من عنصرين أساسيين: السرد، بمعنى: خطاب الأحداث، والعرض، بمعنى: خطاب الأقوال. ومهما يكن من أمر الاختلاطات الكثيرة التي حفّت، وما تزال، بهذا المصطلح، السرد، ثم من أمر تعدّد وسائل الدرس النقدي لتحليل الفعاليات التي يتمّ بها، وعبرها، إنتاج هذين العنصرين، في الإبداع الروائي بخاصة، فإنّه يعني، في معظم الدراسات التي عنيت به: "الكيفية التي تروى بها القصة"(5)، أو: "طرق تشكيل الحكاية وأساليب عرضها"(6). ويمكن التمييز بين مستويين للتعبير عن تلك الكيفية / الطرائق: أنماط السرد، ومظاهر السرد. أ – أنمــاط السّـــرد: يشكّل عنصرا الخطاب الأساسيان: السرد، والعرض، النمطين الرئيسيين اللذين ينهض بهما وعليهما معظم فعاليات التخييل السردي بعامة، وتتناسل داخل هذين النمطين أنماط فرعية تنتجها العلاقات التي تقوم، عادة، بين كلّ من: السرد والخطاب، والسرد والعرض، والسرد الوصف. وبتتبّع كيفيّات تجلّي هذين النمطين في مصادر الدراسة يخلص المرء إلى أن ثمّة ما يشبه المواضعة لدى مجمل الروائيين على إنجاز سرد حداثي، لا يكتفي بتمرّده على إرادات السرد التقليدي وابتكاره بدائل فنية لتلك الإرادات فحسب، بل ينتج، أيضاً، ما يسميه "فرانك كرمود": "الوفرة في تداخل المغازي المتعدّدة"، التي كانت، كما رأى "كرمود" نفسه، "من اختراع روائيين تفحصوا إمكانيات السرد"(7). ولعلّ من أهم السمات المميزة لذلك الإنجاز تقديم المحكي الروائي في هذه المصادر من خلال منظومة سردية تتخذ من تقنية "التفتيت"(Déformation) التي تعني: "زحزحة التطابق بين النظام التتابعي للأحداث الموصوفة وبين نظام تواليها في الرواية"(8) معماراً لها، إذ لا يتمّ تقديم ذلك المحكي على نحو متتابع، بل من خلال تقسيم هذا المحكي إلى أجزاء يتمّ توزيعها بين أرقام أحياناً، وفصول أحياناً ثانية، وعنوانات أحياناً ثالثة، وهذه كلّها معاً أحياناً رابعة. ولا تتحدّد تلك المنظومة بالسمة المشار إليها آنفاً فحسب، بل تتجاوزها إلى امتلاء تلك المصادر بنمطي السرد معاً، وإلى ترجّح أكثرها بين هذين النمطين، ثم إلى استهلال محكيّها، باستثناء رواية "الحوّات والقصر"، بالنمط السردي الأول، وأخيراً إلى إنتاج، أكثرها أيضاً، بنية روائية مفتوحة تدمّر "يقينيات المعنى" بتعبير "والاس مارتن"(9). ففي رواية "عودة الطائر إلى البحر" يتمّ تقسيم المحكي إلى ثلاثة أقسام يحيل كلّ منها إلى مرحلة زمنية محددة: "العتبة"(11-20 حزيران 1967)، و"أمواج الأصوات والريح الجنوبية" (5-10 حزيران 1967)، الذي يتكوّن بدوره من ستة أجزاء يحيل كلّ منها إلى أيام الهزيمة الحزيرانية، ويحمل كلّ منها أيضاً عنواناً يختزل المضمون السردي لكلّ جزء، وأخيراً: "أيام عديدة من الغبار"(11 – 20 حزيران 1967). وغير خافٍ ما يتضمّنه هذا التقسيم من إشارة إلى انتماء البنية الروائية إلى الشكل الدائري المغلق، إذ يؤول المحكي في القسم الثالث إلى النقطة التي كان قد بدأ منها في القسم الأول، معبراً من خلال هذه البنية عن مآل الواقع العربي بعد الهزيمة إلى ما قبلها بسبب الحكم الجائر الذي ألحقته الآلهة / الغرب الاستعماري بالهولندي الطائر / العربي من جهة، وبسبب الخراب المدمِّر الذي كان يفتك بمفاصل ذلك الواقع كافة من جهة ثانية. وتتناسل داخل تلك البنية تقنيات سردية عدّة، تبدو تقنية التقطيع السينمائي أكثرها جلاءً، وأشدّها تعبيراً عن رغبة الروائي في تدمير منطق الحكاية بمعناه التقليدي، ثمّ في إنجاز بنية روائية قوامها الانتقال بين أكثر من فضاء جغرافي في وقت واحد. وتفارق رواية "ليس ثمّة أمل لكلكامش" سابقتها من حيث اتكاؤها إلى بنية سردية مغايرة، بنية تقليدية تحفظ للحكاية طابعها الشفاهي على الرّغم من تفتيت الروائي مادّته الحكائية إلى أجزاء يكاد يستقل كلّ منها برواية حدث واحد فحسب من أحداث رحلة بطلها خليل بحثاً، كجذره الأسطوريّ، عن معنى لوجوده في الحياة. وبعامّة، فإنّ تقنيات السرد / الإخبار تبدو التقنية الأكثر بروزاً في هذه البنية التي يضمر فيها الوصف ضموراً واضحاً، مفسحاً المجال لما يمكن عدّه هيمنة لتقنية الحوار الداخلي التي مكّنت الروائي من استجلاء الأعماق الأكثر غوراً في نفسية خليل، والأشدّ تعبيراً عن رغبته، أي الروائي، في ملاحقة وقْع الأحداث على بطله، وليس الأحداث نفسها. وعلى الرّغم من أن رواية "فساد الأمكنة" تتابع خطا "ليس ثمّة أمل.." فيما يتصل بتفتيت المادة الحكائية إلى أجزاء / فصول، فإنّها تفارقها، في الوقت نفسه، في عدم استقلالية كلّ جزء / فصل بحدث محدد. وعلى الرّغم أيضاً من هيمنة نمط السرد على نمط العرض، أو"الخطاب الخارجي" بتعبير "جينيت"، فإنّ من أهم ما يميز الأخير، في هذه الرواية، وفي مواقع كثيرة، هو بثّه بين تضاعيف الأول، حتى ليكاد يكون متماهياً معه، ومنتسباً إلى سواه وليس إلى نفسه. ومن المهم الإشارة، هنا، إلى حفاوة الروائي بتقديم سرود تاريخية / جغرافية للكثير من مكوّنات عالمه الروائي، الأمر الذي قد يسوّغ امتلاء السرد، واختلاطه بآن بتقنية الوصف، إذ ما إن يكاد ينتهي سرد من هذا النوع، حتى يبدأ آخر. ومن أمثلة ذلك وصف الروائي لأرض الدرهيب، الزاخر بما هو دال على تلك الحفاوة من جهة، وعلى الأسلوبية المميزة لتقنية الوصف في الرواية من جهة أخرى: "فالمكان.. حافل بمخلفات البشر، حيث يتقوس باطن الدرهيب، وتنحدر قمته إلى السفح، عند المنتصف تقريباً، تستوي الأرض وتصبح ممهدة، شبه دائرة أولاً حيث أقيمت البيوت الخشبية ودورة المياه، ثم تنبعج الدائرة الممهدة، مكوّنة فناء أمام البيوت الثلاثة تتناثر فيه بقايا الخشب وعادم الآلات وبقع الزيت السوداء وبراميل الصاج، وينبعج الفناء مكوّناً درباً ضيقاً يصعد حيناً ثم يبدأ بالغوص بين الصخور. يغوص ويغوص، حتى يصبح نفقاً منحوتاً مكشوف السقف على الفضاء"(125-126). وتنتج رواية "البحث عن وليد مسعود" قطيعة تامة مع تقاليد الكتابة الروائية العربية، وتقيم أكثر من صلة مع إنجازات الرواية الحداثية. وهي لا تفعل ذلك من خلال توزيع مادتها الحكائية على اثني عشر فصلاً، يحمل كلّ منها عنواناً ذا حمولة شعرية واضحة، ومعبرة، على نحو كنائي، عن جوهر الحدث الذي يتضمنه كلّ فصل، فحسب، بل من خلال إنتاجها سرداً موّاراً بمختلف تقنيات السرد الحداثي، بدءاً من تيار الوعي، إلى الوصف الخلاق الذي "ينزع إلى ابتعاث معنى"(10)، ويؤدي وظيفة رمزية داخل النص، إلى الاستفادة من تقنيات الفنون، ولاسيّما الموسيقى، إلى التداخل بين نمطي السرد الأساسيين، وبين أنماطهما الفرعية، إلى الاتكاء على تقنية "التواتر"(Fréquence)، التي، من أشكالها الأربعة الأساسية، كما صنفها "جينيت"، رواية ما وقع مرة واحدة مرات عدة(11)، إذ تقوم كلّ شخصية من الشخصيات التي عرفت وليد مسعود عن قرب برواية حدث اختفائه، ثم بتعليل بواعث هذا الاختفاء من وجهات نظر مختلفة يلقي كلّ منها المزيد من الضوء على شخصية وليد، كما يلقي المزيد من الضوء على الواقع الذي دفع "وليد" نفسه إلى اختيار ذلك الاختفاء، وإلى ترك سيارته على قارعة الطريق الصحراوي الذاهب إلى سورية، مخلّفاً وراءه شريط تسجيل فحسب "قال فيه أشياء كثيرة، ولم يقل الشيء الوحيد الذي تحرق الجميع إلى معرفته: إلى أين ذهب"(16). وإذا كانت الروايات السابقة قد وازنت بين نمطي السرد الأساسيين: الإخبار، والحوار، واستهلّت محكيّها بالنمط الأول، فإنّ رواية "الحوّات والقصر" تغلّب النمط الثاني من جهة، وتفتتح محكيّها به من جهة ثانية. ومسوّغ ذلك، كما يبدو، طبيعة الحدث الروائي الذي يجعل علي الحوّات في مواجهة دائمة مع الآخرين، الطائعين منهم للقصر والمتمردين عليه. وكما يضمر الوصف ضموراً واضحاً في رواية "ليس ثمّة أمل.." يبدو ضامراً في هذه الرواية أيضاً، الأمر الذي يمكن تعليله على نحو مطابق للتعليل الذي قدّمته لطغيان نمط العرض / الحوار على نمط السرد / الإخبار، أي إلحاح الروائي على "مَسْرَحَة"(Dramatisation) عالمه التخييلي دائماً. وإذا كانت "البنية الشعبية للأسطورة بنية حركية وتكرارية تنهض على الجدل بين الدورات المختلفة للحدث، والرامزة إلى الدورات المختلفة للحياة"(12)، فإنّ هذه البنية تتجلّى في حركة السرد، التي تتواتر فيها حوافز تأليفية تنتمي إلى ما يسمّيه "توماتشفسكي": "الحوافز الجمالية" التي تجعل الحدث في نطاق المحتمل دائماً، وتراعي مقتضيات البناء الجمالي، وتدخل في علاقة تناغم تام مع مختلف عناصر المحكي الروائي(13). ويتمّ تنضيد المحكي في رواية "الحنظل الأليف" من خلال فعاليتين سرديتين أساسيتين: "التتابع"(Consécutive), الذي يُقصَد به الحفاظ على سير الأحداث والشخصيات والزمن إلى الأمام, و"التناوب"(Alternative), الذي يعني رواية حدث, ثم تعليقه للانتقال إلى حدث آخر, ثم العودة إلى الحدث المعلّق, ويتجلى هذا المنطق في حكاية آدم بخاصة, التي لا يتمّ تقديمها دفعة واحدة, بل من خلال توزيعها داخل الحكاية الثانية, حكاية معلم المدرسة والمهندسة ليلى والأسدي. بمعنى روايتها من خلال منطق الحكاية داخل الحكاية. وتقوّض رواية "رامة والتنين"، كرواية جبرا, أنماط السرد التقليدية, التي يتعلّق السابق فيها باللاحق، ويحدّده, ويوجّه نموّه, لتبدع سرداً يتّسم بإنتاجه مفارقات تنتهك بنية التتابع السردي, وتخفيه متأثرة ببنية الحلم أو الذاكرة(14), وتزيح السابق عن موضعه إلى موضع آخر, وتفقده دوره في تأسيس الأحداث وتمهيدها(15). ويتجلى ذلك بخاصة من خلال بعثرة الأسطورة المحرِّكة في الرواية بين أكثر من موقع في حركة السرد، حتى لتبدو البنية الروائية هي أوزوريس نفسه الممزق إلى أشلاء, متوسلاً الروائي, في إنتاجه لهذه البنية, بنمط السرد الذي يبسط هيمنة واضحة على نمط العرض, ويلاشيه أحياناً, ويفسح المجال, أحياناً ثانية, لبروز تقنية التداعيات التي لا تحفل بالوصف كثيراً. وعلى الرّغم من أن فعاليات تنضيد المحكي في رواية "ممرّات الصمت" تشي بخضوعها لمنطق التتابع السردي, فإنّ هذه الفعاليات ما تلبث أن تتكشّف عن انتهاكات عدة لذلك المنطق, وعن إشادتها منطقاً آخر تمور في داخله تقنيات سردية مختلفة, يختلط فيها السرد بالوصف, والأول بالعرض, وإلى حد يكاد يتماهى كلّ منهما بالآخر أحياناً. ومن اللافت للنظر، وعلى نحو يكاد يكون مضمراً, تناوبُ عددٍ غير قليل من الفصول الثمانية والعشرين التي تشكّل مجموع المحكي في الرواية بين الشخصيتين الرئيسيتين: سعيد مروان وسليم عبد الجليل. وتكاد السمات السابقة نفسها تتجلى في رواية "آخر الملائكة" أيضاً, التي تمتد على اثني عشر فصلاً يبدو كلّ منها معنياً بتقديم وحدة حدثية مستقلّة بنفسها ومتممة لما سبقها. ولعلّ من أهم ما يميز هذه الرواية هو امتلاؤها بالتفاصيل والجزئيات التي تتدافع داخل حركة السرد معبرة عن رغبة الروائي, كما يبدو, في تقديم صورة جامعة مانعة عن المجتمع العراقي في المرحلة التي ترصدها الرواية، وعلى أكثر من مستوى: اجتماعي, وسياسي، واقتصادي، وثقافي. الأمر الذي قد يعلّل, كما أرى, بروز نمط الإخبار السردي الزاخر بالوصف، الخارجي غالباً، ونحول خطاب الأقوال الذي يُستعاض عنه بمحاولات الروائي الواضحة, والدائمة، لـ"مَسْرَحَة" النمط الأول. ب – مظاهــر السّــــــرد: على الرّغم من تقنّع مظاهر السرد بأسماء مختلفة: "المنظور", و"وجهة أو زاوية النظر", و"المقام السردي"، و"جهات الحكي", و"الرؤيات", و"البؤرة السردية", و"حصر المجال", و"التبئير"(16), وسوى ذلك, فإنّها, في هذه الأسماء جميعها، تعني: "أسلوب تقديم المادة"(17) الحكائية, أو"الطريقة التي يدرك بها الراوي الأحداث المحكية"(18)، أو "اختيار الإخبار السردي"(19)، أو"علاقة الراوي بما يروي, وبمن يروي، وفي ما يستخدمه الراوي من تقنيات تساعده على تحقيق روايته"(20). بمعنى حفاوتها جميعاً بالمكوّن الأول من مكوّنات السرد الثلاثة: الراوي، والمروي, والمروي له، الذي يحدّد آليات تنظيم السرد، وكيفيات أدائه, وطريقة تقديمه للأحداث والشخصيات. وبعامة, فإنّ تلك الآليات / الكيفيات في مصادر الدراسة تترجح بين شكلين رئيسيين: شكل "الراوي الخارج عن نطاق مرويّه"(Narrateur Heterodigetique), "برّاني الحكي", بتعبير سعيد يقطين, الذي غالباً ما يصوغ هذا المروي بضمير الغائب، والذي يبدو طاغياً على معظم فعاليات الإخبار السردي في هذه المصادر/ النصوص, ثمّ شكل "الراوي المتماهي بمرويّه"(Narrateur Homodietique), "جوّاني الحكي" بتعبير يقطين أيضاً، إما بوصفه جزءاً من الأحداث التي يرويها, وإما بوصفه شاهداً عليها. وبعامة, أيضاً, فإنّ المصادر التي ينتمي الرواة فيها إلى الشكل الأول توهم بحيادية هؤلاء الرواة, وتضمر, في داخلها, رواة موجَّهين، يكاد يكون كلّ منهم لسان حال الروائي نفسه أحياناً. فعلى الرّغم من أن اختيار الإخبار السردي في رواية "عودة الطائر إلى البحر" يتمّ من خلال الراوي المفارق لمرويّه, أو من خلال ما يسمى: "السرد غير المتجانس مع المسرود", أي: "سرد الراوي الغائب عن الحكاية التي يرويها"(21), فإنّ هذا السرد يحمل في أحشائه راوياً حاضراً في المحكي الروائي, أو راوياً ممثلاً, ينيبه حليم بركات عنه في سرد أحداث الرواية، ويحلّه في شخصية بطله رمزي صفدي، والذي غالباً ما يبدو كلّ شيء مصفّى من خلال وعيه فحسب، حتى ليمكن القول إن ثمّة تماهياً بين ذات الراوي وذات الروائي. وتكاد السمة السابقة نفسها تتبدى في فعاليات تبئير المحكي في رواية "ليس ثمّة أمل.." التي ينتمي الراوي فيها إلى ما يصطلح "بويون" عليه بصيغة: "الراوي < الشخصية"، أو "السرد الموضوعي"(Narrative Objectif) بتمييز "توماتشفسكي"، الذي يبدو الراوي فيه عالماً كلّ شيء عن شخصياته، ومطلّعاً على دواخلها النفسية، وقادراً على النفاذ إلى القصي من أعماقها، والذي ينجز مهمة صوغه لمرويّه على نحو تبدو معرفته بهذا المرويّ أكبر من معرفة خليل نفسه. وعلى الرّغم من انتماء المظهر السردي في رواية "فساد الأمكنة" إلى مثيله في الرواية السابقة، أي مظهر الراوي العالم بكلّ شيء، والمالك لقوى تمكّنه من هتك حجب شخصياته وأستارها، ومن إدراك ما يدور في خلدها، فإنّ من أهم ما يميز هذه الرواية من سواها من مصادر الدراسة، في هذا المجال، هو إنتاجها ضمير خطاب ثانياً، يُمثّل الصوت الثاني / الداخلي في شخصية بطلها نيكولا، وعلى نحوٍ يذكّر بصنيع الشعراء العرب الأقدمين الذين تزخر قصائدهم بمثل هذه التقنية الأسلوبية الدالة على إحساس الشاعر الحاد باغترابه عمّا حوله، وعلى حنينه الجارف إلى مَن يبثّه شكواه من لواعج هذا الاغتراب. غير أن التنوع في ضمائر الخطاب السردي لا يخلّص الرواية من هيمنة الراوي الكلّي المعرفة، كما لا ينفي عن مظهر السرد فيها ارتهانه إلى بؤرة سردية واحدة. وتفارق رواية "البحث عن وليد مسعود" سابقاتها في هذا المجال، إذ تتحرر فعاليات صوغ المروي فيها من هيمنة الراوي الواحد، الذي يستبدّ، عادة، بمهمة إنجازه وحده تلك الفعاليات، وبإخضاعها لصوته الأيديولوجي أحياناً، إذ يتمّ تقديم المادة الحكائية، بل الحدث الواحد، حدث اختفاء وليد مسعود، من خلال شخصيات متعدّدة في الرواية، تبدو جميعا أجزاء من ذلك الحدث، وشاهدة عليه، ومساهمة فيه بنسب متفاوتة. بمعنى انتماء تلك الفعاليات إلى ما يُصطلَح عليه بـ"التبئير الداخلي المتعدّد"(Focalisation Interne Multiple)، أو"الرواية البوليفونية"(Roman Polyphonique). ويهيمن على طرائق اختيار الإخبار السردي في رواية "الحوّات والقصر" نمط "التبئير الخارجي"، الذي يعني، حسب "جينيت"، أن تُبأّر الحكاية على شخصية ما وليس من خلالها، فيُروى ما تفعله الشخصيات وليس ما تفكّر فيه أو تراه، وتكون معرفة الراوي أقلّ من معرفة هذه الشخصيات التي غالباً ما يتمّ وصفها وصفاً خارجياً دونما تمكّنٍ من ولوج عوالمها الداخلية. وتنتج الرواية، أحياناً، ما يُسمّى: "الأنا الثانية" للشخصية، أو صوتها الداخلي، عبر تقنية الحوار الداخلي نفسها، إذ ينتقل خطاب السرد من ضمير المتكلّم إلى ضمير المخاطب للشخصية نفسها، معبّراً عن تردّد علي الحوات بين إرادتين: إرادة التغيير، وإرادة الصمت. ويصوغ المحكي في رواية "الحنظل الأليف" ثلاثة رواة: أوّل ينهض بمهمّة حكاية الحكاية، بل حكاية الحكايات، أو تدوينها، ويتجلى في استهلال الرواية وخاتمتها، وثانٍ يُمثّله معلم المدرسة الذي يروي حكاية علاقته بكلّ من الأسدي والمهندسة ليلى من جهة، وبأفراد خشخاشة الأنس من جهة ثانية، أي ما يعبّر عن المستوى الواقعي في الرواية، وثالث يُمثّله آدم البري الذي يروي حكاية رحلته من الغابة إلى سجن الأمير العادل، أي ما يعبّر عن المستوى الأسطوريّ. ولعلّ من أهم ما يتسم به هؤلاء الرواة الثلاثة هو موقع كلّ منهم ممّا يرويه، فالراوي الأول، الذي يُمثّل أنا الروائي، راو مفارق لمرويّه، بينما يبدو كلّ من الراويين الآخرين راوياً متماهياً بمرويّه. فالأول ليس جزءاً من الحكاية التي يرويها، ولم يكن شاهداً عليها، على حين يُمثّل المعلم وآدم جزءاً ممّا يرويه كلّ منهما، بوصفه شاهداً على الأحداث ومساهماً فيها، وبدرجات متفاوتة وواضحة بين كليهما في هذا المجال. وإذا كان آدم يحدّد سيرورة الحكاية، ويوجهها، بمعنى أنّه يبدو شخصية فاعلة في الرواية، فإنّ المعلم يكتفي بسردها، ويتّسم بكونه شخصية وظيفية، يستكمل الروائي من خلالها الأطروحة المركزية لروايته، أي أطروحة هجاء القمع والاستبداد، وتعريتهما. ومع أنّ الراوي الأول لا يحوز سوى مساحة ضئيلة نسبياً من فعّالية الحكي، إلا أنه يؤدي دوراً مهمّاً في الكشف عن مكوّنات تلك الفعّالية: شخوصاً وأحداثاً، وأزمنة، وأمكنة، وعلاقات، ودوراً في التأسيس لها. غير أنّ تعدّد الرواة لا يعني تعدّداً في الأصوات، بمعنى أنّه لا يسم الرواية بسمة "البولفونية"، فالمحكي لا يتمّ تقديمه من منظورات سردية مختلفة، بل يستأثر صوت المعلم، وحده، بصياغة ذلك المحكي، وبمهمّة أداء الحكاية، أو الحكايات، في الرواية، حتى حكاية آدم نفسه. ولا يتحدّد ما ينجزه إدوار الخراط، في روايته "رامة التنين" في هذا المجال، بما رأته فريال جبوري غزول: توليفاً "موفّقاً بين تكنيكيين.. أولهما يرتبط بزاوية المنظور.. الذي يقدّم لنا شخصية واحدة أو عدة شخصيات من زوايا مختلفة ومتباينة مثلما فعل لورانس داريل في رباعية الإسكندرية. وثانيهما يرتبط بالدورية (Cycle)، يتناول شخصية أو عائلة ليقدّمها عبر القصص المتفرقة"(22)، بل يتجاوزه إلى ما يمكن وصفه بمماهاة الروائي بين ضميري خطاب سرديين يبدوان متضاديين على المستوى النحوي، ومتعاضدين على المستوى الاستعاري: ضمير الغائب، الظاهر، الذي ينهض برواية حكاية ميخائيل مع رامة، وضمير المتكلّم الذي يؤدّي الوظيفة نفسها ولكن على نحو مضمر. أعني أنه على الرّغم من صوغ الخراط لمرويّه بالضمير الأول، فإنّ الثاني، المضمَر، هو الذي يحدّد منظورات الرواية كافة: الأيديولوجية، والنفسية، والزمكانية، والتعبيرية. وعلى الرّغم من استبداد الراوي العالم بكلّ شيء، والخارج عن نطاق مرويّه، بمعظم فعاليات أداء هذا المروي في رواية "ممرّات الصمت" وعلى الرّغم أيضاً، من أن هذا الراوي هو الذي يوجّه سيرورة ذاك المروي وبناءه، ويستأثر بمهمة تشكيله جمالياً، فإنّ ثمّة أكثر من موقع في الرواية يتخلّى فيه هذا الراوي عن سلطته السردية المهيمنة، مفسحاً المجال لبروز مظهر سردي آخر ينجزه، في الأغلب الأعم من تلك المواقع، صوت سعيد مروان، الذي يتكفّل بصوغ المستوى الأسطوريّ في الرواية. على حين لا تتجلّى هذه السمة الدالة، كما أرى، على وعي جمالي عالٍ، في رواية "آخر الملائكة" التي يكتفي الروائي فيها بتقديم مرويّه من خلال مظهر سردي فحسب، هو مظهر الراوي الكلّي المعرفة، الذي يُبدي كفاءة خارقة في معرفة أغوار شخصياته وأعماقها النفسية، وفي ضبط الإيقاع المحدّد لحركتها، ولوسائل أدائها لمهامها فيما يعني مقاصد الروائي وغاياته، وإلى حدّ يبدو صوت الراوي / الروائي معه جهيراً، وسابقاً على فعّالية الإبداع، ومحدّداً القراءة من خلال هذا الصوت وحده فحسب. 2 – بنــــاء الشـــخصيّات: تُعدّ "الشخصية الحكائية"(Le Personnage) مكوّناً أساسياً من مكوّنات السرد، وعلى الرغم من أنّ ثمّة طريقتين تنظّمان فعّاليات بناء هذا المكوّن في معظم المنجَز السردي عادةً: "التحليلية"(Analytique), التي تعني أن يراقب الروائي الشخصية من الخارج, ويرسمها من الخارج أيضاً, ويدرس أفكارها وتطوّرها وبواعث هذا التطور, ويفسّر بعض تصرفاتها, ويعطي رأيه في أفعالها, وردود أفعالها, ومواقفها على نحو صريح ومباشر, والطريقة "التمثيلية"(Représentative), التي يدع الروائي الشخصية فيها تعبّر عن نفسها بنفسها, وبوساطة غيرها من شخصيات الرواية, ويتجنّب التعليق عليها, على الرّغم من ذلك, فإنّ لكلّ روائي وسائله المميزة في أداء هذه الفعاليات. وإذا كانت هذه السمة تتبدى في معظم الإبداع الروائي العربي, والعالمي أيضاً, إلى الحد الذي يمكن القول معه إنّه ما مِن نصّ روائي يشبه نصاً آخر في هذا المجال, ولدى الروائي الواحد أحياناً, فإنّها تتبدّى على نحو أشدّ وضوحاً في حقل التجريب الروائي, الذي يُعدّ النزوع الأسطوريّ جزءاً منه, والذي يمكن تبيّنه في مصادر هذا النزوع من خلال تعدّد تلك الفعّاليات, وتنوّعها, وغناها, بآن. أ – وســائل بنــاء الشــخصيّات: ينطلق هذا الجزء من الدراسة من الاقتراح الذي قدمه الناقد واللغوي الفرنسي "فيليب هامون"(Philippe Hamon), من أجل التعرّف إلى بناء الشخصية في النص الروائي, والذي ينهض على أنّ ثمّة مقياسين أساسيين لذلك: "المقياس الكمي", الذي ينظر إلى كمية المعلومات المعطاة صراحة حول الشخصية, و"المقياس النوعي", الذي يتتبّع مصادر تلك المعلومات حول الشخصية, هل تقدّمها الشخصية عن نفسها مباشرة أو بطريقة غير مباشرة عن طريق التعليقات التي تسوقها الشخصيات الأخرى أو المؤلف, أو فيما إذا كان الأمر يتعلّق بمعلومات ضمنية يمكن أن نستخلصها من سلوك الشخصية وأفعالها. وباستجلاء الوسائل التي لجأ إليها الروائيون في بناء شخصياتهم الرئيسية, فإنّ أطروحة "هامون" نفسه القائلة إنّ الشخصية في الحكي هي تركيب جديد يقوم به القارئ أكثر ممّا هي تركيب يقوم به النصّ, تتجلّى بوضوح تام في معظم هذه المصادر, فعلى الرّغم من أنّ ثمّة الكثير ممّا يحدّد السمات المميزة لتلك الشخصيات, وممّا يجهر بالتقنيات الدالة على طرق بنائها, فإنّ ثمّة الكثير أيضاً ممّا يحرّض القارئ على وعي المضمَر من الشخصية وليس الشخصية نفسها. ولعلّ من أهمّ ما يميز رواية "عودة الطائر إلى البحر"، في هذا المجال, هو أنّ الروائي لا يكتفي بتنويع تلك التقنيات / الوسائل في تقديمه لشخصيتيه الرئيسيتين: رمزي صفدي وباميلا, من خلال السرد كثيراً, ومن خلال أقوال رمزي وباميلا نفسيهما قليلاً, بل إنّ اختصاصه في علم الاجتماع, الذي بدا تأثيره واضحاً فيما يتعلّق بتصويره لهاتين الشخصيتين(23), بدا تأثيره واضحاً في كمّ المعلومات المعطاة حولهما أيضاً, وفي ملء عالمه التخييلي بحشد كبير من الشخصيات, أتاح له "أن يصوّر بكثير من التوفيق أحداث الأيام الستة"(24). ويُعنى خضير عبد الأمير في روايته "ليس ثمّة أمل لكلكامش" بالسمات الداخلية لشخصية بطله خليل، بل إنّه يكاد يكتفي بهذه السمات التي تتدافع بين أكثر من موقع في حركة السرد تدافعاً لافتاً للنظر ودالاً على انتماء الرواية إلى ما يصطلح "ادوين موير"(Edwin Muir)، عليه باسم "رواية الشخصية"، التي يكون الحدث فيها تابعاً للشخصية، والتي تتسم الأخيرة، فيها أيضاً، بثباتها الانفعالي. وبعامة، فإنّ وسائل الروائي لتقديم تلك السمات تترجح بين نمطي السرد الأساسيين: الإخبار، والعرض، وعلى نحو يكاد يكون متساوياً بينهما. وينثر صبري موسى السمات المميزة لشخصية بطله نيكولا في روايته "فساد الأمكنة" بين أكثر من موقع في الرواية، وعلى الرّغم من حفاوته الواضحة بتقديم السمات الانفعالية لهذه الشخصية، ولسواها أيضاً من الشخصيات الأخرى، أكثر من حفاوته بسماتها الخارجية، فإنّ الأخيرة تشدّ أزر ما هو انفعالي، وتنتج نوعاً من المطابقة معها، فبقدر ما يتمتّع "نيكولا" بسمات أسطوريّة على مستوى الوعي الذي يجعله لصيقاً بالدرهيب ومندغماً فيه، بقدر ما يوفر الروائي له من السمات المادية ما يجعله مميزاً تماماً من البشر العاديين على هذا المستوى، ويبتكر له منها ما يجعله نموذجاً يتعانق فيه ما هو واقعي مع ما هو أسطوريّ. ولئن كان الروائي قد أشار إلى أصداء بعض النماذج الأدبية في هذه الشخصية، كنموذجي سيزيف وأوديب، فإنّ ثمّة أصداء لنماذج أخرى، كنموذجي زوربا بطل "كازانتزاكي"، وعجوز الأميركي "ارنست همنغواي" في "الشيخ والبحر"(25). وتتّسم شخصية وليد مسعود، في رواية جبرا "البحث عن وليد مسعود" بكثافتها النفسية العالية التي يختلط فيها الواقعي بالأسطوريّ، والتي يتمّ تجسيدها روائياً من خلال هذين المستويين اللذين ينموان جنباً إلى جنب. وعلى الرّغم من أن وليد مسعود يبدو بطلاً غائباً / حاضراً، بمعنى أنّه "موجود في غيابه وحضوره ومؤثر في كلّ شخصية مهما كان موقفها منه رافضاً أو مؤيداً"(26)، فإنّ ذلك لا يعني أنه "شخصية طاغية، باطشة، وهو وحده الغاية، وكلّ من حوله وسائل"(27)، أو "وسائط، ناقلة للمعلومات"(28)، أو أنّ وليداً نفسه "تركيب فكري ذهني"(29)، بقدر ما يعني تقنية فنية توسّل بها الروائي لتجنّب الوقوع فيما أسمّيه: "أوتوقراطية الصوت الواحد". ولعلّ من أكثر السمات بروزاً في هذه التقنية هو حرص الروائي الواضح على "غموض شخصية وليد مسعود الأسطوريّة حتى آخر صفحات الرواية حتى لتشكك إحدى الشخصيات في وجوده أصلاً وتعتبره جماعاً لشخصياتها"(30). ولئن كان على العمل الروائي أنّ "يقدّم.. شخصيات في حال الفعل"(31)، فإنّ رواية "الحوّات والقصر" تنجز هذه المهمّة تماماً. وبسبب ضمور نمط السرد / خطاب الأحداث، فإنّ معظم السمات المعبّرة عن هذه الشخصية يتمّ تقديمها من خلال نمط العرض الذي يهيمن هيمنة واضحة على مجمل أنماط السرد الأساسية والفرعية. بمعنى انتماء الرواية، في هذا المجال، إلى ما يسمّيه "موير": "الرواية الدرامية" التي تتوازن فيها قيمة الشخصية وقيمة الحدث، وينهض الخطاب، الحبكة بتعبير "موير" نفسه، على أساسهما معاً، كما يكون عنصرا التوتّر والتوقّع أساسيّين، والشخصيات فعّالة(32). غير أنّ السمة الأخيرة في شخصية الحوّات، أي الفعالية، لا تتجاوز كونها إلحاحاً لدى الحوّات على إنجاز مهمّة وصوله إلى القصر لتقديم واجبات الولاء للسلطان مهما تكن معوّقات هذا الوصول، بمعنى أنّها لا تعبّر عن تطوّر هذه الشخصية التي تتّسم بأنّها ثابتة / سكونية Statique، وتبقى على حالها من مفتتح النصّ إلى خاتمته من غير أن يطرأ أي تعديل عليها. وتتميز رواية "الحنظل الأليف" من سابقاتها في هذا المجال ومن مجمل مصادر الدراسة بأنها ليست رواية شخصية / بطل، بل رواية شخصيات / أبطال، تتفاوت أدوارهم في الحدث الروائي، لكنهم جميعاً يسهمون في صياغة هذا الحدث: الأسدي ومعلم المدرسة والمهندسة ليلى من جهة، وآدم البري وأفراد خشخاشة الأنس من جهة ثانية. وغالباً ما يتمّ تقديم السمات المميزة لهذه الشخصيات من خلال إسهام كلّ منها في ذلك الحدث، فالأسدي، على سبيل المثال، عاشق حلب القديمة، بل المولّه بها، لا يتجلّى بوصفه كذلك، أي عاشقاً للمدينة, إلا من خلال الفعل الذي يقوم به لكي يصل إلى رحم هذه المدينة، إلى الجذر الذي انبثق منه الإنسان الأول الذي سكن مغاورها وكهوفها، وليس من خلال السرد أو الوصف. والمستويات الثلاثة، التي رأى د. محمد بدوي أنها تميز وسائل إدوار الخراط في بنائه لشخصية رامة في رواية "رامة والتين"، والتي تتجلّى من خلال علاقة رامة بميخائيل، ومن خلال رامة نفسها، أي من خلال ما تراه هي عن نفسها ثم من خلال ميخائيل، إذ تنتقل رامة، في هذا المستوى، من كونها شخصية روائية إلى كونها رمزاً، وصيغة، ومعنى تجريدياً(33)، لا تغطي مجمل وسائل الروائي لبناء هذه الشخصية، بل إنّ ثمّة مستوى رابعاً لا يقلّ أهمية عن المستويات الثلاثة تلك، وربما يفوقها في هذه الأهمية، هو ما يتردّد على ألسنة الشخصيات التي عرفت رامة عن قرب خلال عملها في أكثر من موقع: ممثلة، وممرضة، وآثارية، وثورية، وروائية. كما أن تلك المستويات، الثلاثة فحسب، لا تبدو خاصة برامة وحدها، بل تمتدّ لتشمل وسائل الخراط لبناء شخصية ميخائيل أيضاً، إذ يتعرّف القارئ إلى هذا الأخير من خلال علاقته برامة أحياناً، ومن خلال ميخائيل نفسه أحياناً ثانية، ومن خلال رامة أحياناً ثالثة. وإذا كانت مهمّة الروائي، كما يرى "فورستر"، هي "أن يدفعنا إلى الاقتناع بالعالم الذي يقدّمه والشخصيات التي يصنعها"(34)، فإنّ هذه المهمّة لا يتمّ إنجازها على نحو كافٍ في رواية "آخر الملائكة"، ليس بسبب صدور الشخصيات، الرئيسة بخاصة، في هذه الرواية، عن إرادة سابقة على الكتابة كما يبدو فحسب، بل بسبب بناء الروائي لها من خلال نمط السرد وحده، الذي يتكفّل بتقديم مجمل سماتها المادية والنفسية أيضاً. فشخصيات: حميد نايلون، وبرهان عبد الله، وخضر موسى، والملا زين العابدين القادري, وسواها، تبدو شخصيات ناجزة، وينهض كلّ منها بأداء وظيفة في الخطاب الروائي على نحو يحقّق للكاتب رغبته الواضحة في هجاء كلّ شيء في الجغرافية السياسية العراقية. بمعنى تبعيّة هذه الشخصيات لذلك الخطاب وتشكيل الروائي لها وفق إرادة تقدّم مقاصد النص عل النص نفسه. والأطروحة النقدية القائلة إن الشخصية الحكائية "بمثابة دليل Signe له وجهان أحدهما دال Signifiant، والآخر مدلول Signifie.. دال من حيث إنها تتخذ عدة أسماء أو صفات تلخص هويتها. أمّا الشخصية كمدلول، فهي مجموع ما يقال عنها بواسطة جمل متفرقة في النص أو بواسطة تصريحاتها، وأقوالها، وسلوكها"(35)، تتجلّى بوضوح تام في وسائل بناء فاضل الربيعي لمجمل شخصياته الرئيسية والثانوية في روايته "ممرّات الصمت"، التي تتّسم، في مجملها أيضاً، بأنها نامية / دينامية Dynamique. فالروائي يتيح لكلّ شخصية من هذه الشخصيات فرصة وجودها المستقلّ عنه من جهة، ويدعها تعبّر عن نفسها من جهة ثانية، وينوّع في طرائق هذا التعبير ومواقعه من جهة ثالثة. ويمكن أن أمثّل لذلك بشخصيتي سعيد مروان / تموز، وزهرة / عشتار، اللتين يتمّ تقديم كلّ منهما من خلال نمطي السرد الأساسيين: السرد، والعرض، ومن خلال أنماطه الفرعية، الوصف خاصة، وعبر مواقع مختلفة من الرواية، وفي تضاعيف المستويين الواقعي والأسطوريّ، وعلى نحو دالّ على وعي الروائي بأنّ أهمية النص لا تكمن في محتواه، بل في كيفية بنائه لهذا المحتوى. ب – العلامــة اللغويــة للشــخصيّة: يترجّح استخدام الروائيين لأسماء شخصياتهم الحكائية بين مستويين تعبيريين دائماً: مستوى اعتباطي، يخلو الاسم معه من أي دلالة، وآخر رمزي، يبدو الاسم معه موحياً، وزاخراً بالدلالات المعبرة عن السمات المميزة لهذه الشخصية: المادية والمعنوية. وكما يبدو أن ثمّة ما يشبه المواضعة لدى معظم الروائيين على إنجاز سرد حداثي لا يكتفي بتمرّده على إرادات السرد التقليدي، بل بابتكاره بدائل فنية لتلك الإرادات، ثمّة ما يشبه المواضعة لدى، معظمهم أيضاً، في هذا المجال، أي فيما يعني العلامات اللغوية لشخصياتهم الحكائية، الرئيسية خاصة، التي تتجلّى في انتماء هذه العلامات إلى المستوى التعبيري الثاني، المستوى الرمزي. الأمر الذي يثمّن كما أرى، المعطى الأسطوريّ في هذه المصادر، ويُعلي من شأنه، كما يعلي من شأن ما هو واقعي، بسبب انتماء مجمل تلك العلامات إلى الواقع وصدورها عنه. غير أن هذه المواضعة لا تنفي، في الوقت نفسه، تنوّع الوسائل التي لجأ إليها كلّ من هؤلاء الروائيين في صوغه للعلامة اللغوية لشخصيته الرئيسية من جهة، وللشخصيات الثانوية أحياناً من جهة ثانية. إذ بينما يكتفي عدد منهم بالاسم الأول للشخصية، يقرن عدد آخر هذا الاسم بنسبته، وبينما يسمّي عدد منهم مجمل شخصياته، الرئيسية والثانوية، يختزل عدد آخر بعض شخصياته إلى أكثر صفاتها المادية أو المعنوية بروزاً. فحليم بركات، في روايته "عودة الطائر على البحر"، يقرن اسم بطله رمزي بـ"صفد" للدلالة على انتمائه الفلسطيني، وعلى الرّغم من صواب ما انتهى "روجر ألن" إليه من أنّ رمزي صفدي هذا "رمز" لحليم بركات نفسه، مستدلاً على ذلك بإضافته ياء المتكلّم إلى كلمة "رمز"(36)، فإنّ هذا الرمز لا يعني الروائي وحده، بل يمتدّ ليكون رمزاً للمثقّف العربي، وفي مختلف أجزاء الجغرافية العربية، ومن قرائن ذلك إلحاح بركات على إلحاق "نا" الدالة على الفاعلين بمجمل الأفعال والأسماء لدى حديثه عن حالات الخراب والعطب المدمّرين، التي أفضت إلى الهزيمة الحزيرانية، والتي يبدو المثقّف العربي أكثر قطاعات المجتمع اكتواء بها. ولا يبدو إطلاق خضير عبد الأمير اسم خليل على بطل روايته "ليس ثمّة أمل.."، اعتباطياً، فثمّة ما يشير إلى علاقة صوتية فيها بعض التماثل بين هذا الاسم ومرجعه الأسطوريّ جلجامش من جهة، وما يشير إلى أكثر الصفات بروزاً في شخصية خليل قبل أن يبدأ رحلة بحثه عن معنى لوجوده من جهة ثانية. والسمة نفسها تتجلّى في اسم مبرقان، مساعد خليل وخلّه الوفي، والوجه الآخر لأنكيدو، فما إن كان خليل يتعرّض لضائقة ما، حتى كان يجد مبرقان أمامه، بين إغماضة عين وانتباهها، كأنّه البرق الخاطف. وتجدر الإشارة، إلى أنه باستثناء هاتين الشخصيتين الرئيسيتين، خليل ومبرقان، فإنّ ما تبقى من شخصيات في الرواية يخلو من العلامات اللغوية، وكثيراً ما يختزلها إلى أكثر صفاتها الخارجية دلالة: قاضي المدينة، وإنسان المقهى، وفتاة المدينة البيضاء، و.. ويجهر صبري موسى في تصديره لروايته "فساد الأمكنة"، ثمّ في الجزء الأول منها "الدرهيب، ملمح شبه نهائي"، بأنّ نيكولا، بطله، يحمل اسم قدّيس قديم، وما تلبث الرواية نفسها أن تتكشّف عن شخصية فيّاضة بالقداسة، بل عن شخصية زاخرة بالإشارات إلى فلسفة التصوّف التي تعني، فيما تعنيه، الزهد، والإعراض عن الملذات، والاستغراق في تأمّل الخلق لمعرفة الخالق. ومن تلك الإشارات رفض نيكولا لكلّ المغريات التي قدّمتها إيليا الكبرى له، ووقوفه عارياً، كلّ يوم، في صحراء الدرهيب "تحت شمس أغسطس الجهنمية"(124)، كأنّه على صليب متخيَّل، وحلمه الدائم بالمعرفة، وامتزاجه العضوي بالمكان إلى حدّ وصوله "إلى حالة من الوجود تقترب من اللاوجود"(207). وثمّة حمولة دلالية واضحة في اسم وليد ونسبته، الشخصية الرئيسية في رواية جبرا "البحث عن وليد مسعود"، وتتجلى هذه الحمولة من خلال امتلاك وليد الكثير من السمات النفسية الدالة على عدم مغادرته قيم الطفولة، التي من معانيها تعلّق الطفل الدائم بحضن أمه / الأرض كما تتبدّى في الرواية، وامتلاء أيامه بمعاني البراءة، والنقاء، والطهر. فعلى الرّغم ممّا أنجزه وليد في حياته من نجاحات، بعيداً عن أرض وطنه فلسطين، فقد كان ثمّة حنين جارف يعتمل في داخله، "إلى أمه، إلى الأرض"(35). وما ولعه الدائم بالنساء سوى تعبير عن ولعه الدائم بذلك الجذر الذي افتقده، بالأرض / الأم التي ظل طوال حياته يحلم بالعودة إليها. وما وصف إحدى الشخصيات لعلاقاته بأنها "كانت.. تحتدم وتبرد بتلقائية فُطر عليها"(12)، ووصف أخرى له بالسذاجة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في مواقع سابقة من هذه الدراسة، وما اختياره لاسمه بنفسه(37)، سوى إشارات ثلاث فحسب ممّا يؤكد صلته بتلك المعاني المرتبطة بالطفولة ارتباطاً وثيقاً. ومع أن نسبته، مسعود، تبدو مرتبطة باسم أبيه، إلا أن ارتباطها بحياته يبدو أشدّ وثوقاً، فحنينه الجارف إلى الجذر الذي ولد فيه، وبحثه الدائم "عن ذلك التوازن الذي تحدّث عنه طوال حياته، ولم يجده قط"(13)، وإحساسه، الدائم أيضاً، بأنه يعيش في عالم "زلق، مقلقل، في صعود وهبوط مستمرين، يتخطيان العقل والمنطق"(14)، أفرغت حياته من أي طعم للسعادة "رغم تهافت الناس عليه، رغم تهافت الدنيا عليه"(107). وباستثناء علي الحوّات في رواية "الحوّات والقصر"، وأخوته الثلاثة: جابر، وسعد، ومسعود، وبوجمعة، أحد الحوّاتين، وصاحب المتجر الشيخ ابن داود، فإنّ الطاهر وطار يختزل ما تبقّى من شخصيات في هذه الرواية إلى ما يشير إلى وظائفها الاجتماعية أحياناً: حوّات أول، حوّات آخر، السلطان، الوزير، المستشار.. وإلى أعمارها أحياناً ثانية: العجوز، شيخ كبير، كهل، الشاب.. وإذا كان الروائي قد علّل سبب نسبة بطله إلى المهنة التي يمارسها، أي الحوّات، بقوله: إنّ "الحوّات والصيّاد رمزٌ إلى الصبر والبحث في الأعماق والالتذاذ بتجدّد التجربة بين كلّ صيد"(38)، فإنّ تسميته له بعليّ تبدو معللة أيضاً. فعليّ، الذي تحيل علامته اللغوية إلى العلوّ، والرفعة، يتجلّى كذلك داخل المتن الحكائي، فهو"لم يسرق يوماً، لم يكذب مرّة، لم يتعدّ على أحد. لم يثلب في عرض، أو يتعرّض بسوء لغيره"(11). على حين تبدو أسماء أخوته مفارقة لطبائعها، فجابر يحطّم، بفأسه، رأس الطفل الذي فحش فيه، وسعد نحس حقيقي يُرغم جدّته لأمّه على سرقة مجوهرات المستحمّات له، ومسعود يجلب الهمّ والغمّ لكلّ من هم حوله. وتتميز رواية "الحنظل الأليف" من سابقاتها في هذا المجال ومن مجمل مصادر الدراسة وربما من كثير النصوص الروائية العربية باكتفاء الروائي بتسمية شخصياته النسوية فحسب: ليلى، وعزة، وباختزال معظم شخصياته الذكورية إلى ما يشير إلى مواقعها الاجتماعية أحياناً: الأمير، والحاجب، والمدير، ومعلم المدرسة.. وإلى وظائفها الإبداعية أحياناً ثانياً: الشاعر، والرسام، والموسيقي.. ولعلّ في إطلاق الروائي اسمي: ليلى، وعزة، على شخصيتيه النسويتين، استجابة من نوع ما للمطابقة بين ارتباط هذين الاسمين بالتراث وبنى الوعي لدى كلّ من معلم المدرسة الذي كان شغوفاً بليلى كشغفه بمغاور المدينة وكهوفها، أي بجذورها الضاربة في القدم، ثم آدم الذي وجد في عزة ما يعزّيه عن اقتلاعه من الغابة التي اختار الإقامة فيها، ليس فراراً من قتام المدن فحسب، بل رغبة، كما يبدو، في استعادة بدايات الخلق، حيث لم يكن آدم الأول يعاني أي إحساس بالاغتراب عن الواقع حوله. وغير خافٍ أنّ ثمّة صلة بين عزة واسمها الذي يعني الشموخ، والأنفة، وإباء الذل، والذي تجسّد في أفعالها التي قامت بها لتحرير المظلومين من سجنهم الطويل. وإذا كان صبري موسى قد أفصح في مفتتح روايته "فساد الأمكنة" عن ارتباط اسم بطله نيكولا باسم قديس قديم، فإنّ إدوار الخراط يفصح في روايته "رامة والتنين" أيضاً عن ارتباط اسم بطله ميخائيل باسم الملاك ميخائيل، ولكن على لسان هذا البطل نفسه الذي يقول لرامة: "هل تعرفين يا حبيبتي أن الملاك ميخائيل هو شفيعي، وسميي وملاكي الحارس؟ هكذا قيل لي وأنا صغير. وقيل لي أيضاً إن مياه النيل لا تفيض أبداً إلا عندما ينزل الملاك ميخائيل، في ليلة عيده، على أرض مصر، ويبكي"(16). وسرعان ما يفيض السرد الروائي بما هو دال على امتداد ميخائيل الملاك في ميخائيل الرواية، الذي يبدو مسكوناً، هو الآخر، بهواجس الخصب كي تتهدّم الأسوار، وتتدفق مياه الحياة المختلطة في بحر مفتوح الأفق. وعلى الرّغم من أن فريال جبوري غزول تنبهت، في معرض دراستها المهمة لهذه الرواية، إلى أن اسم رامة مشتق من الفعل "رَامَ" أي "طلَبَ"، واستدلّت على ذلك بقول رامة نفسها: "كلّ شيء على ما يرام إذا ما انتهى على ما يرام"، ثم خلصت إلى القول إنّ رامة بالنسبة إلى ميخائيل هي المراد والمنى من ناحية المعنى(39)، فإنّ ما لم تنتبه إليه، ولعلّه ما مِن أحد من الذين درسوا هذه الرواية قد انتبه إليه، هو أن رامة تستجمع لنفسها المعاني كلّها التي يعبّر عنها الجذر اللغوي للفعل "رام"، ومن تلك المعاني: لزوم الشيء وألفته ومحبته، وأن "الرام" ضرب من الشجر ينبت إلى جانب المياه الدافقة(40)، وهو ما تفصح عنه علاقة ميخائيل برامة من جهة، وما تتسم به شخصية رامة ذاتها التي لم تثنها نائبات الواقع حولها عن التمسّك بالخيارات التي ارتضتها لنفسها والتي عبرت عن صلتها بالشجر بقولها لميخائيل: "أنا.. أحب الشجر"(104)، من جهة ثانية. وبينما يكتفي فاضل الربيعي في روايته "ممرّات الصمت" بتسمية شخصيتيه النسويتين الرئيستين: زهرة، وفردوس، باسمهما الأول فحسب، يقرن النسبة باسمي شخصيتيه الذكوريتين الرئيستين أيضاً: سعيد مروان، وسليم عبد الجليل. وبينما تتقنّع زهرة باسمها الحقيقي أحياناً، وبجذرها الأسطوريّ عشتار أحياناً ثانية، وبينما يتقنع سعيد مروان باسمه الحقيقي أحياناً أيضاً، وبجذره الأسطوريّ تموز أحياناً ثانية، يحتفظ كلّ من فردوس وسليم عبد الجليل بعلامتيهما اللغويتين الواقعيتين على امتداد الحركة السرد الروائي.. ومسوّغ ذلك انتماء شخصيتي زهرة وسعيد إلى مستوى الأسطوريّ في الرواية وتعبير فردوس وسليم عن المستوى الواقعي. وبعامة، فإنّ العلامات اللغوية لهذه الشخصيات الأربع علامات رمزية تترجح بين مستويين دلاليين: المطابقة بين الشخصية وعلامتها اللغوية، كما في شخصيتي زهرة وسعيد مروان، ولاسيّما نسبته، والمفارقة بين الشخصية وعلامتها اللغوية كما في شخصيتي فردوس وسليم. فزهرة، التي من دلائل جذرها اللغوي والأسطوريّ بآن الخصب والنماء، دائبة التوق إلى الماء، إلى يوم الجمعة، حيث اكتمال الخلق، ليجد سعيد مروان "نفسه تحت سطوتها يسبح، يجدف بزورقه النشوان في التيار المعاكس للزمن، أو التيار المواجه للزمن"(19)، ولتمنحه تلك القوة الخالقة التي مكّنته من مواجهة قوى العماء المعوّقة لجهوده في بناء البيت للغائب المخلّص، ولتؤكد المعطى اللغوي لنسبته، أي: "الحجارة البيض البراقة التي تكون فيها النار وتقدح منها النار"(41). وتتبدى المفارقة بين كلّ من فردوس وسليم وعلامتيهما اللغويتين في أنّ حياة فردوس كانت جحيماً دائماً، فهي لم تذق يوماً هانئاً طوال عمرها، وقضت غيلة بيديّ سليم عبد الجليل الذي أخلصت له ومنحته جسدها، لكنه جحد حبّها، وكانت حياته كلّها على مبعدة غير منظورة من اسمه. وتمثل شخصية برهان عبد الله في رواية "آخر الملائكة" نموذجاً واضحاً لانتماء العلامات اللغوية للشخصيات الرئيسية في مصادر الدراسة إلى المستوى الرمزي، فإذا كان البرهان، في اللغة، يعني: "الحجة الفاصلة البينة"(42)، وفي الاصطلاح: "العمليات الذهنية التي تقرّر صدق قضية ما بواسطة الاستنتاج، أي بربطها ربطاً ضرورياً بقضايا أخرى بديهية، أو سبقت البرهنة على صحتها"(43)، فإنّ مجمل تصورات برهان عبد الله عن حوامل الثورة التي تخلّص مجتمعه من ربقة الاحتلال البريطاني، ومن الجهل والتخلف اللذين يعصفان بهذا المجتمع، تنطلق من الدلالة الاصطلاحية لاسمه، وليست محاولات استدعائه الدائمة لملائكته الثلاثة، في "العلّية" المهجورة، سوى تجسيد لتلك التصورات. 3 – بنـــاء الزمـــــن: يتضمّن كلّ نص روائي زمنين: زمن خطّي، يخضع للتتابع المنطقي للأحداث، وزمن متعدّد الأبعاد، لا يتقيد بذلك التتابع. وعامة، فإنّ كلّ نص روائي، أيضاً، ينتج تعارضاً بين الزمنين، لصلة الأول بالمتن الحكائي / القصة / الحكاية كما هي في الواقع، ولصلة الثاني بفعاليات تنضيد الأحداث داخل النص، أي بالمبنى الحكائي / الحبكة / الخطاب / السرد. وغالباً ما ينتج هذا التعارض، أو عدم تطابق نظام القصة مع نظام السرد، بسبب المفارقات السردية التي يولّدها النص، والتي تترجّح بين مظهرين سرديين أساسيين، تتحدّد صيغة كلّ منهما بالنسبة إلى موقعه من راهن السرد: - "الاسترجاع"(Rétrospection)، أو"السرد الاستذكاري"(La Récit Analeptique)، الذي يعني استعادة أحداث سابقة للحظة / راهن السرد. - "الاستباق"(Anticipation)، أو"السرد الاستشرافي"(La Récit Proleptique)، الذي يعني "كلّ حركة سردية تقوم على رواية حدث لاحق أو ذكره مقدّماً"(44). وغالباً أيضاً ما يكون لكلّ مفارقة سردية: "مدى"(Portée)، و"سعة"(Amplitude). يُقصد بالأول: "المجال الفاصل بين نقطة انقطاع السرد وبداية الأحداث المسترجعة أو المتوقعة"(45)، أو"المسافة التي تفصل بين الحدث المروي واللحظة الحاضرة"(46)، وبالثانية: المدة التي تستغرقها المفارقة، أو التي يغطّيها الاسترجاع أو الاستباق(47). ولا تتحدّد تقنيات بناء الزمن، في النص الروائي، بالمظهرين المشار إليهما آنفاً فحسب، بل ثمّة مظاهر سردية أخرى تنتمي إلى هذا المجال: اثنان منها يسرّعان حركة السرد: - "الخلاصة"(Sommaire)، التي تعني "سرد أحداث ووقائع يفترض أنّها جرت في سنوات أو أشهر أو ساعات، واختزالها في صفحات أو أسطر أو كلمات.. دون التعرض للتفاصيل"(48). - "القطع / الحذف"(Ellipse)، الذي يعني "تجاوز بعض المراحل من القصة"(49)، أو أن ثمّة أجزاء من الحكاية مسكوت عنها في النص. وآخران: "الاستراحة"(Pause)، و"المشهد"(Scène)، يؤديان وظيفة نقيضة لوظيفة المظهرين السابقين، هي تعطيل حركة السرد، وإيقاف نموها، بسبب ارتباط الأول بتقنية الوصف، والثاني بتقنية خطاب الأقوال. ويكاد لا يخلو نص روائي من المظاهر السابقة جميعها، وإن بدا أن ثمّة تفاوتاً في المكانة التي يحوزها هذا المظهر أو ذاك بين نص روائي وآخر، وفي النص الروائي الواحد. ويتجلى هذا التفاوت في مصادر الدراسة بوضوح تام، فعلى حين يمارس الاسترجاع نفوذاً ظاهراً في مجمل فعاليات تخطيب الزمن في هذه المصادر، يُطلّ الاستباق برأسه على استحياء، ظاهر أيضاً، في تلك الفعاليات. وعلى وحين يشكّل كلّ من الخلاصة والحذف المظهرين السرديين الأكثر بروزاً من مظاهر البناء الزمني، فيما يعنى تسريع السرد أو تبطئته أو إيقاف نموه، ينحسر الدور الذي يمارسه كلّ من الاستراحة والمشهد في هذا المجال. ومسوّغ ذلك، كما يبدو، حفاوة كتّاب هذه المصادر بخطاب الأحداث أكثر من حفاوتهم بخطاب الشخصيات من جهة، ورغبتهم في إنجاز كتابة روائية تُبدي وفاء لتقاليد السرد بالقدر نفسه الذي تبدي معه تمرّداً على هذه التقاليد من جهة ثانية. أ – الاسترجــاع والاستبـــاق: تُمثّل تقنية الاسترجاع التقنية السردية المهيمنة على مجمل تقنيات البناء الزمني في مصادر الدراسة، التي غالباً ما تُقدَّم الأحداث فيها بوصفها ماضياً تمّ وانتهى، ويقوم الروائي باسترجاعه أو باستدعائه ليحقّق، من خلال ترهينه له، أهدافاً مضمونية وفنية بآن. ولا تتحدّد هذه السمة بما له صلة بالزمن الخارجي للنص الروائي، بل تمتد لتشمل أزمنته الداخلية أيضاً، إذ يلجأ كثير من كتّاب تلك المصادر إلى إيقاف الحدث عند نقطه محددة من حركة السرد لرواية حدث سابق عليه، إمّا لإضاءة ماضي شخصية تمّ إدخالها حديثاً إلى هذه الحركة، أو لاستعادة ماضي شخصية غابت عن تلك الحركة لفترة من الزمن أو لسدّ ثغرة زمنية في النص. وعلى الرّغم من نحول الدور الذي تنهض به تقنية الاستباق في تحطيم خطّية الزمن وتراتبيته فيما يعني بنية الإيقاع الزمني لمصادر الدراسة، وبنسب متفاوتة بين مصدر وآخر، فإنّها في الوقت نفسه، تبدو محمّلة بالدلالات على ارتباط النزوع الأسطوريّ في هذه المصادر بمظانّه الأسطوريّة التي لا تعترف بوجود "خطوط فاصلة دقيقة بين الحاضر والماضي والمستقبل"(50). ولعلّ من أهمّ ما يميز هاتين التقنيتين، الاسترجاع والاستباق، في مجمل المصادر هو تعدّد الأشكال التي يتجلى من خلالها كلّ منها، فكما ثمّة استرجاعات داخلية، وخارجية، ومختلطة، ثمّة في هذه الاسترجاعات ما هو غيريّ القصة، وما هو مثليّ القصّة، وكما ثمّة استباقات داخلية وخارجية، ثمّة في هذه الاستباقات ما هو تكميليّ، وتكراري، و.. ففي رواية "عودة الطائر إلى البحر" يتوزّع المحكي بين ثلاثة أقسام يؤشّر كلّ منها إلى زمن محدد: "العتبة"، الذي يُمثّل استباقاً للمتن الحكائي، و"أمواج الأصوات والريح الجنوبية"، الذي يشكّل برمّته استرجاعاً لأحداث سابقة على أحداث القسم الأول، و"أيام عديدة من الغبار"، الذي يرتد إلى النقطة التي بدأ الحدث الروائي منها. وبمعاينة هذه الأقسام الثلاثة، والإحالات الزمنية لكلّ قسم، فإنّه يمكن التمييز بين حركتين أساسيتين للزمن في هذه الرواية: الحركة الأولى تمتدّ من الخامس إلى العاشر من حزيران، كما يتمّ التعبير عنها في القسم الثاني، والحركة الثانية تمتدّ من الحادي عشر إلى العشرين من حزيران، كما يتمّ التعبير عنها في كلّ من القسمين الأول والثالث، المعبّرين عن البنية الدائرية والمفتوحة، بآن، لزمن الخطاب في الرواية(51). وعلى الرّغم من أنَّ القسم الثاني يخضع، من خلال ما يتضمّنه من تقسيم المحكي فيه إلى ستة أيام متتابعة زمنياً: اليوم الأول، الثاني، الثالث..، إلى ما يبدو تعاقباً في حركة الأحداث على المستوى الزمني، فإنّ ذلك لا يعني انصياع هذا القسم لخطّية تراتبية في هذا المستوى، فثمّة في اليوم الواحد انتهاكات واضحة لذلك التعاقب. بمعنى أنّ العناوين الفرعية / الأيّام المرتّبة على نحو تعاقبي لا تُخضع حركة الزمن داخلها لمنطق التعاقب نفسه، إذ يلجأ الروائي إلى تقنية القطع السينمائي لتحقيق "أغراض فكريّة.. معيّنة، فبينما يصوّر الجموع الغفيرة التي تستمع إلى البيانات والموسيقى الصاخبة وتكتفي بالتصفيق، تنتقل عدسة الرواية إلى الضفة الغربية حيث.. جموع النازحين بتأثير القصف الشديد، (و) عزمي عبد القادر الذي سيحارب ولو وحيداً"(52). وإذا كانت العلاقات الزمنية في (أيّة) قصة أسطوريّة.. لا يمكن إداركها إلا منسوبة للعلاقات المكانية(53)، وإذا كان "كاسيرر" رأى أنه لا يوجد أي تمايز واضح بين هاتين العلاقتين، إذ إن كلّ توجّه في الزمن يفترض توجّهاً في المكان، فإنّ تقنيتي الاستباق والاسترجاع، في هذه الرواية، تؤكّدان نفي ذلك التمايز. فعلى الرّغم من أن الأحداث تنهض في فضاءين جغرافيين: فضاء بيروت وفضاء فلسطين، فإنّ الزمن يبدو واحداً، وموقّعاً إيقاعاً سريعاً ومعبّراً عن علاقات التداخل بين الزمان والمكان من جهة، وعن السرعة المرعبة التي تمّت خلالها الأحداث نفسها"(54) من جهة ثانية. وباستثناء استرجاع واحد، يوقف تدفق الزمن في رواية "ليس ثمّة أمل لكلكامش" هو حديث الروائي عن عودة "مبرقان" إلى مالكه الجديد القاضي بعد أن أنزل "خليل" في أرض المدينة البيضاء، فإنّ مجمل البناء الزمني، في هذه الرواية، يخضع لمنطق التتابع، حتى لتكاد الرواية أشبه ما تكون بالمرويّة الشفوية أكثر منها فنّاً روائياً. وواضحٌ أنّ هذا الاسترجاع الوحيد هو استرجاع داخلي، مثليّ القصّة، وأنّ "المدى" الذي يحدّد المسافة الزمنية، الفاصلة بين الحدث المسترجّع والنقطة الزمنية، التي انطلق منها هذا الحدث مدى قصير، على حين تبدو "السعة" التي يستغرقها طويلة نسبياً. وعلى النقيض من الرواية السابقة تبدي "فساد الأمكنة" انتهاكاً واضحاً لخطّية الزمن، وتنتج إيقاعاً زمنياً يبدو خاصّاً بها، ومفارقاً تماماً بمعناه "الفيزيقي / الكرونولوجي". وعلى الرّغم من ارتهان هذا الإيقاع لصيغة الماضي دائماً، فإنّ هذا الماضي له حقيقة الحضور، بمعنى كونه "ماضياً من حيث الحكي.. حاضراً من حيث الدلالة"(55). وغالباً ما ينهض الإيقاع المشار إليه آنفاً على تقنية الاسترجاعات التي لا يتمّ تأشير أمدائها، كما في استرجاع الروائي لإرهاصات العلاقة بين نيكولا وايليا، الذي ينتمي إلى ما يسمّيه "جينيت": "الاسترجاع الخارجي" الذي تكون سعته كلّها خارج سعة الحكاية المركزية، والذي يؤدّي وظيفة واحدة هي إكمال هذه الحكاية لتنوير القارئ. وتنتمي الاستباقات، غير الكثيرة في الرواية، إلى نمط "الاستباق الداخلي مثليّ القصّة والتكميلي"، الذي يعني رواية حدث له صلة بالأحداث الرئيسية في القصة، أو الإشارة إليه، على نحو سابق لحدوثه، والذي يسدّ مقدّماً فجوة زمنية لاحقة، كما في الاستهلال الذي يسميه الروائي: "الدرهيب، ملمح شبه نهائي"، والذي يرهص فيه بحدث اغتصاب ايليا، ابنة نيكولا، وولادتها، ثم سرقة ابنها منها وإطعامه للذئاب. ويبدو المحكي برمتّه في رواية "البحث عن وليد مسعود" استرجاعاً لأحداث سابقة على راهن السرد، وإذا عدّ المرء هذا الاسترجاع وحدة سردية كبرى، فإنّ كلّ قسم من أقسام الرواية، الاثني عشر، التي تشكّل، في مجموعها، ذلك المحكي، يبدو وحدة سردية صغرى، بل استرجاعاً أصغر ضمن استرجاع كبير، ويتضمّن بدوره، وداخله، وحدات سردية / استرجاعات أشدّ صغراً. ويفصح القول التالي للدكتور جواد حسني، الذي يتصدّر الرواية: "تمنيّت لو أن للذاكرة أكسيراً يعيد إليها كلّ ما حدث في تسلسله الزمني، واقعةً واقعة، ويجسّدها ألفاظاً تنهال على الورق"(11) عن امتلاء الرواية بمفارقات سردية كثيرة، باسترجاعات واستباقات بآن، وإلى الحدّ الذي يبدو معه أنّ لكلّ قسم إيقاعه الزمني الخاص، بسبب نهوض شخصية بعينها بأداء مهمّة إنتاج المحكي فيه. وبعامّة، فإنّ مجمل هذه الاسترجاعات والاستباقات داخلي، ليس لأنَّ المحكّي كلّه، ومن جهة الشخصيات جميعها التي تنتجه، يبدو معنيّاً بشخصية وليد مسعود، بماضيه على نحو أدقّ، أي قبل أن يدع سيارته على قارعة الطريق الصحراوي ويختفي، فحسب، بل أيضاً، لأنّ مجمل هذه الاسترجاعات والاستباقات متضمَّن في الحقل الزمني لحكاية وليد مسعود من جهة، ولأن الحكاية داخل الحكاية تبدو المنظومة السردية المهيمنة في الرواية من جهة ثانية. وعلى الرّغم من إذعان الإيقاع الزمني في رواية "الحوّات والقصر" للزمن بمعناه الخطّي، فإنّ ثمّة ما يمكن الاصطلاح عليه بـ"الاستباق الضمني"، أي الذي لا تجهر به الرواية، وتدفع بقارئها إلى استنتاجه. ومن أمثلة هذا الاستباق تعريف الروائي، في الصفحات الأولى، بأخوة علي الحوّات الثلاثة، على نحو يدعو إلى الاستنتاج بأنّهم هم أولئك الذين يتحكّمون بأمور القصر، وينهبون الناس، قبل أن تُفصح الرواية في خاتمتها عن صواب مثل هذا الاستنتاج. كذلك ثمّة استرجاعات داخلية مثلية القصة وتكميلية، لأنّها تتناول خطّ الحكاية نفسها الذي ينهض بها محكيّ الرواية وعليها، ولأنّها تسدّ ثغرة زمنية في هذا المحكي، منها حكاية الحوّات بوجمعة عن تعرّض السلطان لمجهولين "كمنوا له، وقيل إنّهم هاجموه في المخيّم مع طلوع الشمس"(9). وكما يبدو المحكيّ بمجمله في رواية "البحث عن وليد مسعود" استرجاعاً سابقاً على راهن السرد يبدو مثيله في رواية "الحنظل الأليف" أيضاً، ويُمثّل الجزء الأول من هذه الرواية، المسمّى: "اللقاء الأول والأخير بالرجل الذي روى حكاية لا تصدّق"، أكثر النماذج جهارة بهذه السمة، إذ لا تعدو الأجزاء الأخرى التالية لهذا الجزء كونها استرجاعات لسدّ الثغرات الحكائية فيه، كما لا تعدو كونها بسطاً للأحداث والشخصيات التي تمّ اختزالها، وإلى الحد الذي يشكّل معه نوعاً من الاستباق المؤسِّس للمحكي الروائي. ولعلّ من أهم السمات المميّزة للأخير في هذا المجال هو إنجازه إيقاعاً زمنياً داخلياً يكاد يكون تجسيداً للإيقاع النفسي للشخصية الرئيسية التي تنهض بمهمة صوغ ذلك المحكي، أي معلّم المدرسة الذي يستجمع لنفسه الكثير من خصائص الشخصيات الفاعلة في الحدث الروائي: الأسدي، وآدم البرّي بخاصّة. وتبدو رواية "رامة والتنّين" أكثر مصادر الدراسة حفاوة بإنتاج المفارقات السردية، بنوعيها الأساسيين: الاسترجاع والاستباق. ومسوّغ ذلك ما يمارسه تيّار الوعي من نفوذ واضح في حركة السرد، وفي وسائل تشكيل الراوي لمرويّه الذي يبدو مجموعة نثارات حكائية تتضافر فيما بينها وتتعاضد لتنجز الحكاية الجذر في الرواية، وهي أكثر مصادر الدراسة، أيضاً، امتلاء بمعظم أشكال التجلي الجمالي للنوعين معاً، للاسترجاع بمظاهره الرئيسية الثلاثة: الخارجي، والداخلي، والمختلط، وبمظاهره الثانوية: غيريّ القصّة، ومثليّ القصّة التكميلي، ومثليّ القصة التكراري، والمختلط الجزئي، والمختلط الكامل، وللاستباق بمظهريه الرئيسيين، وبمظاهره الفرعية، وللأمداء والسعات المتباينة فيما بينها أيضاً، حتى ليمكن عدّ الرواية من خلال ذلك التنوّع والغنى والتعدّد في هذا المجال معرضاً لوسائل الرواية الجديدة في بنائها للزمن. فكثيراً ما يتمّ إيقاف تدفّق الزمن لترتدّ حركة السرد إلى ماضي الشخصيتين الرئيسيتين: ميخائيل ورامة، منتجة "أمداء" كبيرة أحياناً، وصغيرة أحياناً ثانية، و"سعات" طويلة أحياناً، وقصيرة أحياناً أخرى، وتتناول خط الحكاية المركزية للرواية أحياناً، وتخرج على هذا الخطّ أحياناً ثانية، وكثيراً أيضاً ما تتوجّه هذه الحركة إلى المستقبل، منتجّة السمات نفسها المميزة لفعاليات الارتداد تلك. ولكي لا يظلّ هذا التفكيك للإيقاع الزمني في الرواية معلّقاً في الفراغ، سأمثّل له باسترجاع رامة لعلاقتها برئيس الوزراء السوداني، التي تبدو استرجاعاً مختلطاً وجزئياً، لأنّ نقطة مداها سابقة لبداية الحكاية المركزية ونقطة سعتها لاحقة لها، ولأنّها تتضمّن حذفاً زمنياً يتجاهل أجزاء كثيرة من المسافة الزمنية الفاصلة بينها وبين راهن السرد، كما يبدو مدى المفارقة السردية فيها كبيراً، بسبب ما يفصل بين زمن حدوثها ونقطة توقف الحكاية المركزية، كما تبدو سعة هذه المفارقة قصيرة، بسبب اختزال تلك العلاقة بأسطر قليلة. وتتّسم الاسترجاعات غير الكثيرة، التي تتردّد في رواية "ممرّات الصّمت" بتجاوزها الوظيفة الأساسية للاسترجاع عادة، أي: سد الثغرات الزمنية في المحكي الروائي إلى أداء وظيفة تنويرية داخل هذا المحكي، هي الكشف عن الطبائع المميزة للشخصيات، ثمّ بكون بعضها استباقات في الوقت نفسه، كما في ارتداد الراوي إلى ماضي سليم عبد الجليل: "هو ذا سليم عبد الجليل أخيراً! هجر المدينة منذ سنوات. ربّما فرّ منها أو طُرِد. لم يكن لصّاً ولا قاتلاً، ولكنه كان بنظر الجميع مشرّداً أكثر من لصّ"(39)، الذي لا يكتفي بكونه استرجاعاً يرممّ المسكوت عنه في السرد، ويكشف عن ماضي الشخصية فحسب، بل يُرهص بالدور الذي سينهض به سليم في الحدث الروائي، الذي ما يلبث أن يعزّز هذا الاسترجاع، ويؤكّد محتواه، وذلك حين يسطو سليم على البيت الذي أعدّه الناس بانتظار الغائب المخلّص، وحين يتنكّر لفردوس التي أحبّته وأخلصت له ووقفت إلى جوار قلبه المشرّد عندما كان هؤلاء الناس يحيطونه "بعشرة كيلومترات من الظنون بكلّ أسلاكها الشائكة، الجارحة، من الخشية والتوجّس والنبذ"(39). وعلى النقيض من "مرات الصّمت" تمتلئ رواية "آخر الملائكة" بالاسترجاعات التي تتّسم، في أغلبها الأعمّ، بأدائها الوظيفة التقليدية للاسترجاع، أي ملء الثغرات الزمنية في الحكاية، وبُعد الفجوات في حياة الشخصيات المحورية وتنوير القارئ(56). ثمّ بصدورها عن الراوي الذي ما إن يشعر بأنّ ثمّة ما لم يقله في سياق صوغه لمرويّه، حتى يرتّد مفصّلاً أحياناً، ومختزلاً أحيانا أكثر. وهي، في أغلبها الأعمّ أيضاً، استرجاعات خارجية تظلّ "سعة" كلّ منها خارج "سعة" الحكاية المركزية، أو أنّ حقلها الزمني غير متضمَّن في الحقل الزمني لهذه الحكاية. ومن أمثلة ذلك إيقاف الراوي تدفّق الزمن ليعلّل إضافة كلمة "نايلون" إلى اسم "حميد" الذي طُرد من عمله في شركة النفط الإنكليزية: "والقصّة كما يرويها.. العمّال.. هي أن حميداً، الذي كان يعمل سائقاً خاصاً عند المستر ماكنلي وزوجته، أراد أن يجّرب حظّه عند الزوجة.. فقد عاد ذات يوم من سفره.. وهو يحمل إليها هدية بسيطة، جورب نايلون. ولكن المسز ماكنلي، التي لم تكن لتعتبره أكثـر من خادم لها، رمت الجورب في وجهه وطردته.."(17). ب – الخلاصـــة والحــذف: يُعدّ النصّ الإبداعي مجموعة من الاختيارات المنظّمة التي تعّين بنيته الخاصة به، وغالباً ما تخضع هذه الاختيارات لمقاصد منتج النصّ، الذي قد يرى في جزئية حدثيّة ما دلالةً، أو كمّاً من الدلالات، تستدعي تضمينها في النصّ دون حذف منها، أو اختزال لها. وقد يلجأ إلى الحذف، أو الاختزال، أو إلى كليهما معاً، إنْ بدا له أنّ هذا الاختيار أو ذاك يحقّق له الأغراض الفكرية والجمالية التي تقف وراء إنجازه للنصّ. ولأنّه ما مِن نصّ سردي يتطابق فيه زمن القصّة مع زمن السرد، بمعنى إنتاجه مفارقات سردية، فإنّه ما مِن نصّ سردي أيضاً يبدو زمن القصّة فيه مساوياً لزمن السرد، أو أنّ محكيّة في السرد هو محكيّه في الواقع تماماً. الأمر الذي يعلّل ما يتناسل في مجمل السرود من فعاليات التقديم والتأخير لبعض الأحداث ومن فعاليات التخليص والحذف لبعضها الآخر، والذي يعلّل، أيضاً، أنّ لكلّ نص إيقاعه الزمنّي الخاص به، والمميّز له من سواه من النصوص السابقة عليه، أو المعاصرة له، وربمّا لدى الروائي الواحد أحياناً. وإذ كان مجمل مصادر هذه الدراسة قد عبّر عن إنجازه لفعاليات التقديم والتأخير تلك، وعلى النحو الذي أشرت إليه في الجزئية السابقة من الدراسة، فإنّ مجملها، أيضاً يعبّر عن إنجازه لفعاليات التلخيص والحذف، وبنسب متفاوتة بين مصدر روائي وآخر، وبين فعالية وأخرى في المصدر الروائي الواحد، وبوسائل متباينة تحدد بنية الإيقاع الزمني المميّز لكلّ مصدر. وعلى الرّغم من أن الكثير من الحذوف التي تنتجها فعّاليات "تخطيب" الزمن في هذه المصادر يبدو مُصرّحاً به، وبارزاً، فإنّ ذلك لا يعني انتماء هذه المصادر إلى الكتابة الروائية التقليدية، كما رأى د. حميد لحمداني في معرض تفكيكه لإنجازات المناهج النقدية حول الزمن في الرواية(57)، ليس لأنّ معظم هذه المصادر يبدي تمرّداً واضحاً على تقاليد الكتابة الروائية فحسب، بل لأن النتيجة التي انتهى لحمداني إليها لا تنسحب على مجمل الإبداع الروائي، ومنه هذه المصادر نفسها. ففي رواية "عودة الطائر إلى البحر" التي لا يتجاوز الزمن الواقعي فيها يوماً واحداً هو اليوم الثاني لوصول بطلها رمزي صفدي إلى عمان يمتدّ الروائي بعيداً نسبياً في الزمن، فيرتدّ إلى طفولة رمزي، وإلى مشاركته في تظاهرة للزنوج حين كان طالباً في أمريكا، ويستشرف ما بعد الهزيمة، ملخّصاً الحدث المركزي في الرواية، حرب حزيران، في صفحات قليلة، ومنتجاً حذوفاً زمنية تتّسم في مجملها بأنها "حذوف ضمنية"، أي: "التي لا يُصرّح في النصّ بوجودها بالذات، والتي.. يمكن للقارئ أن يستدلّ عليها من ثغرة في التسلسل الزمني أو انحلال للاستمرارية السردية"(58)، كما في انتقالات الراوي / الروائي من حدث إلى آخر في سرده لوقائع اليوم الثاني من الحرب، من غير أن تؤشّر هذه الانتقالات إلى الزمن المحذوف من تلك الوقائع. ويتّسم الإيقاع الزمني في رواية "ليس ثمّة أمل لكلكامش" بإنتاجه "خلاصات" تبدو كثيرة من جهة، ومحمّلة بالدلالات على تخيّر الروائي من حياة بطله خليل ما يضيء الأطروحة المركزية لنصّه، وما يماثل هذه الحياة مع الجذر الأسطوريّ لخليل، أي: جلجامش، من جهة ثانية. فالروائي يلخّص ما انصرم من حياة خليل قبل أن يغادر منزل أبيه في أسطر قليلة، وفي إشارات سريعة، تعبّر عن رغبته الظاهرة في تأكيد ذلك التماثل، وعن تخّيره ما يعزّز مقاصد الكتابة لديه، بآن. كما يتّسم ذلك الإيقاع بإنتاجه حذوفات زمنية صريحة، أو معلنة، "تصدر إما عن إشارة (محدّدة أو غير محدّدة) إلى ردْح الزمن الذي تحذفه.. وإما عن حذف مطلق.. مع إشارة إلى الزمن المنقضي عند استئناف الحكاية"(59)، كما في قول الراوي: "وبعد عدّة أيّام انقطع فيها الرجل عن المجيء حضر ومعه جمعٌ كبير من الناس ومعهم أكياس الذهب"(16) وفي قوله: "وحينما تلفّت إلى نفسه بعد أيّام.."(25). وثمّة في رواية "فساد الأمكنة" الكثير من المسكوت عنه في حياة الشخصية الرئيسية نيكولا وفي تاريخ الدرهيب معاً، وثمّة، أيضاً، الكثير من "الخلاصات" التي تختصر الحدث الممتدّ على مساحة زمنية طويلة نسبياً إلى أسطر قليلة يكتفي الروائي فيها بالتقاط الدّال فحسب من هذا الحدث، وكما اتّسمت الحذوف في الرواية السابقة "ليس ثمّة أمل لكلكامش" بتحديدها الزمن الذي تُسقطه، تتّسم الحذوف في هذه الرواية بتلك السمة أيضاً، التي من أمثلتها إسقاط الراوي خمسة أيام من انتظار الباشا وماريو، شريكه، عودة قرص الذهب المنهوب من المنجم: "وفي اليوم السادس هبّوا جميعاً مع الفجر، على ضجّة الإبل وهي تحطّ في باحة المنجم ليجدوا فرقة الهجانة التي كانت تواصل البحث في الصحراء، قد عادت بصيدها الثمين"(172). وتُمثل رواية "البحث عن وليد مسعود" أغزر مصادر الدراسة وأكثرها امتلاء بـ"الخلاصات" و"الحذوف" معاً، بسبب صدور المحكي في هذه الرواية عن أكثر من راوٍ / شخصية، ينتج كلّ منها الإيقاع الزمني الذي يكاد يكون مغايراً تماماً لسواه من الإيقاعات الزمنية التي تنتجها الشخصيات الأخرى. فالدكتور جواد حسني، على سبيل المثال، الذي يسهم في إنتاج المحكي الروائي، يختزل خمس عشرة سنة من حياة وليد مسعود في أقلّ من سطر، مكتفياً بالإشارة إلى عمل وليد في البنك العربي خلالها. وإذا كان معظم الحذوف في الروايات السابقة قد ترجّح بين نمطين: صريح وضمني، فإنّ معظم الحذوف في هذه الرواية ينتمي إلى النمط الافتراضي، الذي تستحيل فيه "مَوْقَعَة" الزمن المنقضي عند استئناف الحكاية(60)، كما في انتقال عيسى ناصر، الذي يروي سيرة طفولة وليد مسعود، من الحديث عند مغادرة أولاد مسعود الفرحان مقاعد الدراسة، إلى الحديث عن سفر وليد إلى إيطاليا لدراسة اللاهوت، إذ لا يمكن معرفة المسافة الزمنية الفاصلة بين هذين الحدثين من جهة، ولا معرفة كمّ المسكوت عنه بينهما من جهة ثانية. وترتهن البنية السردية في رواية "الحوّات والقصر" إلى إيقاع سردي لاهث بفعل ما يتناسل داخل هذه البنية من اختزالات ظاهرة ومعبّرة عن رغبة الروائي في قول كلّ ما يمكن بأقلّ ما يمكن، ومن حذوف دالّة على اختياراتٍ بعينها من الأحداث التي تعرّض علي الحوّات لها في رحلته إلى قصر السلطان، تفي، كما بدا للروائي، بأداء مقاصد الرسالة التي رغب في إيصالها إلى القارئ. ويعبّر الإيقاع السردي اللاهث في رواية "الحنظل الأليف"، كسابقتها، عن رغبةٍ واضحة لدى الروائي في قول كلّ ما يمكن بأقلّ ما يمكن أيضاً، وتتجلّى هذه السمة من خلال التكثيف الشديد الذي يبديه الروائي في صياغته للأحداث، وفي اختزال كلّ حدث إلى الجوهري منه، ثمّ من خلال الثغرات الزمنية الكثيرة نسبياً، التي تتواتر بين موقع وآخر من السرد، ويتبدّى ذلك في خلوّ هذا السرد ممّا يُسمّى: "الاستغراق الزمني"(La Durée)، أحد أشكال المفارقات الزمنية في السرود بعامة، والذي يعني أنّ "الفترة الزمنية الموصوفة مساوية تقريباً لزمن القراءة"(61)، الأمر الذي يعلّل، كما أرى، اختزال الروائي مكوّنات عالمه التخييلي إلى أكثر دلالاتها عمقاً، وإلى أكثرها أهمية في أداء رسالة النصّ. ولعلّ من أهمّ ما يميز الإيقاع الزمني في هذه الرواية هو توافره على أنواع مختلفة من الحذوف: صريحة أحياناً، وضمنية أحياناً ثانية، وافتراضية أحياناً ثالثة، يتمثّل الأول في تحديد الراوي الزمن المحذوف من يوميات معلّم المدرسة في المعتقل، وفي التقاطه لأكثر هذه اليوميات تعبيراً عن تفنّن السلطات القامعة في ابتكار الوسائل التي تمكّنها من إبادة الخارجين على إرادتها، أي في إعدام المعلّم بواسطة الماء البارد. ويتمثّل الثاني، أي الحذف الضمني الذي لا يصرح بالزمن المحذوف، بالمسافة الزمنية الفاصلة ما بين فرار آدم البّري إلى الغابة واقتياده إلى قصر الأمير ليضع له تمثالاً التي يمكن للقارئ الاستدلال عليها من خلال الفجوة الزمنية الظاهرة في حركة السرد، ويتمثّل الثالث، الافتراضي، في استحالة "موْقَعَة" الزمن الفاصل ما بين نقطة انقطاع سرد معلّم المدرسة لحكاية مرافقته الأسدي وليلى إلى مغاور المدينة القديمة واستئناف آدم البّري سرده لحكايته مع الأمير الغاضب. وعلى الرّغم من امتلاء السرد، في رواية "رامة والتنين" بالفيوضات الحكائية فثمّة الكثير من الخلاصات والحذوف فيها بآن، وعلى الرّغم أيضاً من أنّ هذه الخلاصات والحذوف تبدو معنيّة بالشخصيتين الرئيسيتين ميخائيل ورامة فحسب، فإنّها لا تسلب شيئاً من السمات المميّزة لهاتين الشخصيتين، بل إنها تسهم، أحياناً، في تكثيف الإشارات الدّالة على أكثر هذه السمات بروزاً، وأفصحها تعبيراً عن كلّ منهما. ويمكن أن أمثّل لتلك الخلاصات باختزال سنة كاملة من حياة رامة، سنة 56، التي شهدت العدوان الثلاثي، إلى نحو صفحة فقط، تضيف على الرّغم من كثافتها، المزيد من الضوء على شخصية رامة، وتعزّز امتلاء هذه الشخصية بما هو أسطوريّ. وبعامّة، فإنّ معظم الحذوف، التي تنتهك خطّية الزمن في الرواية، ينتمي إلى النوع الصريح المحدد الذي يؤشّر الزمن المنقضي عند استئناف الحكاية، كما في قول ميخائيل لرامة: "هل تعرفين أنني منذ عشرين سنة هنا في الإسكندرية أيام الصعلكة والعربدة.. عندما كنت اليوم كلّه والليل كلّه في الشوارع والمقاهي والسينما.. قالت له لا أصدق أنت تخترع بالتأكيد"(59). وعلى النحو نفسه تبدو الحذوف في رواية "ممرّات الصّمت" صريحة ومعلنة، ومحددة، ولصيقة، في الوقت نفسه، بالمتواتر من تقاليد الكتابة في هذا المجال، أي ممّا درج عليه الكثير من النتاج الروائي في تحديده للقفزات الزمنية فيه: (مضت ثلاث سنوات) أو (انقضت أيام عشرة على تلك الحادثة)، أو (وبعد ستة أشهر من وصوله إلى المدينة).. كما في قول الراوي عن سعيد مروان: "إنه يتذكر ما حدث بعد ذلك، وقبل ذلك أيضاً، تلك السنوات العشر البعيدة التي لا يريد لها أن تتلاشى كحلم عذب. كان لا بد أن يتذكرها جيداً، إذ غالباً ما كانت تأخذه معها إلى أحلامها وكوابيسها، إلى العمق.. ولكن دون أن يصلا أبداً"(16)، وكما في تحديده للسنوات التي غاب سليم عبد الجليل خلالها عن المدينة: "لا شك أنّه هو! ولكن أتكون ملامحه قد تغيرت على هذا النحو في ثلاث سنوات فقط حتى يبدو كجندي فرّ للتوّ من ثكنته، مغبّراً ومرهقاً"(36). وتجهر رواية "آخر الملائكة" بما يحدّد الثغرات الزمنية في حركة السرد التي تمتلئ كما أشرت إلى ذلك في موقع سابق من الدراسة بمفارقات سردية كثيرة. وغالباً ما تتبدّى هذه الثغرات على شكل حذوف مطابقة على مستوى النوع لمثيلتها في رواية "ممرّات الصّمت"، أي بوصفها حذوفاً وفيةً للمتواتر من تقاليد الكتابة الروائية في هذا المجال، محددّة، وصريحة ومعلنة، وتؤشّر الزمن المنقضي عند استئناف الحكاية. ومن اللافت للنظر ارتهان معظم الحذوف في هذه الرواية إلى صيغة أسلوبية واحدة، تعكس بعضاً من الأسلوبية المميّزة للغة الرواية بعامة، إذ تبدو مفردة "وبعد" القاسم المشترك بين هذه الحذوف جميعاً: "وبعـد شهر من ذلك"(12)، "وبعـد أسبوعين.. من هذه الواقعة"(51)، "وبعـد ساعة أو أكثر من الخطابة"(103). ( - هوامش وإحالات: (1) - مارتن، والاس. "نظريات السرد الحديثة". ص (139). (2) - مجموعة كتاب. "في نظرية الأدب, مقالات ودراسات". ص (34). وللتوسع .انظر: لحمداني، د. حميد. "بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي". ص (21). (3) - مارتن، والاس. "نظريات السرد الحديثة". ص (141). (4) - المرجع السابق. ص (140). وللتوسع, انظر: لحمداني، د. حميد. "بنيـة النص السـردي..". ص (21). تودوروف، تزيفيتان. "الأدب والدلالة". ص (39). مجموعة كتّاب. "في نظرية الأدب, مقالات ودراسات" ص (34). الباردي، د. محمد. "الروايـة العربيـة والحداثـة". ص (96). الكردي، د. عبد الرحيم. "السرد في الرواية المعاصرة". ص (27). (5) - لحمداني، د. حميد. "بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي". ص (45). (6) - الكردي، د. عبد الرحيم. "السرد في الرواية العربية المعاصرة". ص (110). (7) - هالبرين، جون. وآخرون. "نظرية الرواية، مقالات جديدة". ص (254). (8) - تودوروف، تزيفتيان. "الأدب والدلالة". ص (35). (9) - انظر: مارتن، والاس. "نظريات السرد الحديثة". ص (106). (10) - ريكاردو، جان. "قضايا الرواية الحديثة". ص (166). (11) - انظر: جينيت، جيرار. "خطاب الحكاية, بحث في المنهج" .ص (130). (12) - حافظ، د. صبري. "الحوّات والقصر، البنية التكرارية وتعرية المقموع السياسي".ص (151). (13) - انظر: لحمداني، د. حميد. "بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي". ص (23). (14) - انظر: مجموعة كتّاب. "الأدب العربي, تعبيره عن الوحدة والتنوع". ص (187). (15) - انظر: بدوي، د. محمد. "الرواية الجديدة في مصر, دراسة في التشكيل والأيديولوجيا". ص (89). (16) - للتوسّع حول هذه المفهومات, وسواها ممّا يتصل بمظاهر السرد, يمكن العودة إلى: الصالح، نضال. "مفهوم التبئير في السرديات". مجلّة "المعرفة". العدد (434). (17) - قاسم، د. سيزا أحمد. "بناء الرواية, دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ".ص (131). (18) - فضل، د. صلاح. "بلاغة الخطاب وعلم النص". ص (330). (19) - الباردي، د. محمّد. "الرواية العربية والحداثة". ص (282). (20) - العيد، يمنى. "الراوي: الموقع والشكل". ص (10). (21) - فضل، د. صلاح. "بلاغة الخطاب وعلم النص". ص (311). (22) - مجموعة كتّاب. "الأدب العربي, تعبيره عن الوحدة والتنوع". ص (190). (23) - انظر: ألن، روجر. "الرواية العربية, مقدمة تاريخية ونقدية". ص (119). (24) - سالم، جورج. "المغامرة الروائية, دراسات في الرواية العربية". ص (181). (25) - انظر: عطية، أحمد محمّد. "أصوات جديدة في الرواية العربية". ص (73). (26) - المرجع السابق. ص (60). (27) - هلسا، غالب. "فصول في النقد". ص (70). (28) - المرجع السابق. ص (64). (29) - عبد الهادي، فيحاء قاسم. "نماذج المرأة / البطل في الرواية الفلسطينية". ص (39). (30) - عطية، أحمد محمّد. "أصوات جديدة في الرواية العربية". ص (61). (31) - هالبرين، جون. وآخرون. "نظرية الرواية, مقالات جديدة". ص (62). (32) - انظر: لحمداني، د. حميد. "بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي". ص (18). (33) - انظر: بدوي، د. محمد. "الرواية الجديدة في مصر, دراسة في التشكيل والأيديولوجيا". ص (104). (34) - انظر: بحراوي، حسن. "بنية الشكل الروائي. الفضاء، الزمن، الشخصية". ص (15). (35) - لحمداني، د. حميد. "بنية النصّ السردي من منظور النقد الأدبي". ص (51). (36) - انظر: ألن، روجر. "الرواية العربية، مقدّمة تاريخية ونقدية". ص (119). (37) - يروي عيسى ناصر, الذي كان صديقاً لمسعود الفرحان, أبي وليد, أن "وليد" سُمّي "خميس", عند ولادته, ترضية لأمه وأخيها خميس, وأن "مسعود" كان يريد تسميته: "فرحان" باسم أبيه. انظر: ص (101) من الرواية. لكن "وليد" ما إن كبر قليلاً, كما قال والده، حتى "جاءني باسمه من حيث لا أدري". (38) - الأعرج، واسيني. "الطاهر وطار، تجربة الكتابة الواقعية. الرواية نموذجاً". ص (127). (39) - انظر: مجموعة كتّاب. "الأدب العربي ، تعبيره عن الوحدة والتنوّع". ص (181). (40) - للتوسّع، انظر: ابن منظور. "لسان العرب". مادة "رأمَ". (41) - المرجع السابق. مادة "مرو". (42) - المرجع السابق. مادة "برهن". (43) - الجابري، د. محمد عابد. "بنية العقل العربي". ص (383). (44) - جينيت، جيرار. "خطاب الحكاية، بحث في المنهج". ص (51). (45) - لحمداني، د. حميد. "بنية النصّ السردي من منظور النقد الأدبي". ص (74). (46) - جينيت، جيرار. "خطاب الحكاية". ص (59). (47) - انظر: لحمداني، د. حميد. "بنية النصّ السردي..". ص (75). (48) - المرجع السابق. ص (76). (49) - المرجع السابق. ص (77). (50) - زيرافا، ميشال. "الأسطورة والرواية". ص (5). (51) - انظر: يقطين، سعيد. "تحليل الخطاب الروائي..". ص (153). (52) - ماضي، شكري عزيز. "انعكاس هزيمة حزيران على الرواية العربية". ص (59). (53) - المقداد، د. قاسم. "هندسة المعنى في السرد الأسطوري الملحمي, جلجامش". ص (138). (54) - ألن، روجر. "الرواية العربية, مقدمة تاريخية ونقدية". ص (122). (55) - مبروك، د. مراد عبد الرحمن. "العناصر التراثية في الرواية العربية في مصر". ص (218). (56) - انظر: يقطين، سعيد. "انفتاح النص الروائي. النص، السياق". ص (56). (57) - انظر: لحمداني، د. حميد. "بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي". ص (77). (58) - جينيت، جيرار. "خطاب الحكاية, بحث في المنهج". ص (119). (59) - المرجع السابق. ص (118). (60) - انظر: جينيت، جيرار. "خطاب الحكاية, بحث في المنهج". ص (119). (61) - مارتن، والاس. "نظريات السرد الحديثة". ص (164). |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |