المسرح العربي المعاصر قضايا ورؤى وتجارب ـــ د.عبدالله أبو هيف

دراسة - منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 03:58 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

2 - المسرح العربي في المغرب بيَن التقاليد والتجديد

-1-‏

يحتل المسرح في المغرب مكانة خاصة في مجمل الحركة المسرحية العربية، ويجري باستمرار تقدير جهد الفنانين المغاربة وهم يتقدمون المسرح العربي بحثاً وتجديداً وبخاصة في الممارسة المسرحية حيث يتوفر على المسرح المغربي رجال مشهود لهم في التأليف والإخراج. لقد فتّق هؤلاء المسرحيون مكامن المسرحية، وأضاؤوا ـ حيثما حلوا ـ مكاناً مظلماً يخرج منه جمهور كبير يرضى وينتفع. ويروي لنا من عايش مغامرة المسرح في المغرب ـ أمثال الدكتور سلمان قطاية ـ حكايات طويلة عن صلابة الإرادة وقوة الانتماء من أجل بناء مسرحي شاهق باعتباره إسهاماً حضارياً بالدرجة الأولى. وقد أجاب هؤلاء المسرحيون على بعض أسئلة المسرح العربي مبكرين: استمداد عراقة الماضي ورؤيا المستقبل، وهذا كله لا يخفى على عشاق المسرح. فقد شاهدنا عروضاً مغربية للطيب الصديقي وأحمد الطيب العلج وعبد الكريم برشيد وغيرهم، وشاهدنا أيضاً عروضاً محلية لبعض المسرحيات المغربية مثل «السعد» و«حليب الضيوف»، وكان استقبال الجمهور لها في المرات جميعها باعثاً على الإعجاب والتقدير حتى غدا المسرح المغربي ماثلاً للعيان حين يدور الحديث عن جديد أو نفيس في المسرح العربي. فهل هي صورة ناصعة حقاً أن تتقدم الحركة المسرحية في المغرب العربي على مثيلاتها؟‏

إن الإجابة السريعة تفضي بنا إلى حقيقة مفادها أن المسرح في المغرب، مثله مثل المسرح العربي عموماً، مشغول بدواعي نهوضه، ومايزال يعاني من المشكلات نفسها، وهو ما يكشف عنه كتابان حديثان عن المسرح المغربي، الأول لأديب السلاوي بعنوان «المسرح المغربي، من أين وإلى أين»(1)، والثاني لعبد الرحمن بن زيدان بعنوان: «من قضايا المسرح المغربي»(2)، والكاتبان من المغرب العربي، وقد طبع الكتاب الأول بدمشق، بينما طبع الثاني في مكناس، وستكون لنا وقفة، من منظور بحثنا، مع هذين الكتابين للتعرف على واقع المسرح المغربي عن كثب، لأنهما الأحدث في معالجة تطور المسرح المغربي(3)، على أن نستكمل مناقشة بقية الآراء، لنستخلص من ذلك كله قضية المسرح العربي في المغرب بين التقليد والتجديد.‏

-2-‏

يفتتح السلاوي كتابه بإقرار مشكلات ماتزال تؤرق العاملين في المسرح العربي، وفي مقدمتهم رجال المسرح المغاربة، فيؤكد أن تاريخ المسرح العربي لا يتعدى قرناً من الزمن، ثم يقرر أن «هذه حقيقة لا جدال فيها» مما يلقي بعض الظلال على دراسته، وإلا متى أصبحت هذه المسألة حقيقة ولا جدال فيها أيضاً؟ أنه يقرر هذا كله في السطر الأول من الكتاب، ثم يقرر حقائق أخرى كثيرة ماتزال موضع نقاش. هكذا ببساطة، يصادر الباحث أفكار المتلقي عن فكرة المسرح العربي باعتباره هو مرجعاً لا يرقى إليه الشك أو مجرد الجدال أو المناقشة أو الحوار، وهو أمر يجافي البحث العلمي، عندما نعرف أن المسرح العربي مايزال ـ في أحسن أحواله ـ نبتاً مهملاً في التاريخ، وفي الواقع، يحتاج إلى عون ورعاية القائمين عليه، وإلى غيرة محبيه ممن هم على الخشبة أو بين صفوف الصالة. لذا، لن نفاجأ قط أمام أحكام المؤلف القاطعة، وهي غالباً أحكام قيمة بشأن المسرحية والمسرحيين في المغرب العربي، بينما النقد يسعى في مسعى آخر.‏

والحق، أن هذه الآراء تشير إلى طوابع الكتابة النقدية في المغرب، ولا نستغرب في هذا المجال تباين الرأي الواسع في تقويم «وجه» أو «اتجاه» أو «الحركة المسرحية» بعد ذلك.‏

يوزع أديب السلاوي كتابه إلى الفصول التالية: ماذا لا نريد من المسرح، مسرح الهواة في تجربة المسرح، المسرح الاحترافي: ما له وما عليه، التأليف المسرحي في المغرب، إطلالة على اتجاهات الكتابة المسرحية، اتجاهات الإخراج المسرحي بين التراث والمعاصرة، ما هو مستقبل المسرح في بلادنا، الوضعية المسرحية... بديلها. وهناك فاتحة، ربط فيها بين موضوعه بواقع المسرح العربي، فتحدث عن النهوض المسرحي العربي في القرن التاسع عشر، وانتقل إلى رافد آخر لهذه «المسيرة المظفرة» مسيرة المسرح العربي، ويتمثل هذا الرافد بظهور مجموعة من الفرق المسرحية الشرقية وبتأليف فرق وطنية عام 1923م، من قدماء تلاميذ مدينة فاس وسلا والرباط بتشجيع من العلماء والأدباء، والوجهاء الذين رأوا في المسرح خدمة للغة العربية، وتهذيباً للذوق الجميل» (ص8).‏

واليوم أصبح للحركة المسرحية في المغرب «أعلامها وروادها، وتقوم على فرق هاوية ومحترفة، ومراكز للتخصيص المسرحي، وكتاب ونقاد ومختصين في الإخراج والإنارة والديكور والملابس، ,مسارح وقاعات ومسؤولين». ثم يطرح السلاوي السؤال التالي: «هذه الحركة، هل تحتاج إلى تقييم، وإلى وقفة تاريخية للنقد الذاتي، ولتركيزه؟».‏

ويجيب: «فإن البحث في أغوارها، وتقييمها من الداخل أضحى مسؤولية تاريخية يتحملها النقاد قبل غيرهم من الأدباء والمفكرين» (ص11). فكان هذا الكتاب هادفاً ـ كما يرى مؤلفه ـ إلى خلق حوار جديد ورؤية جديدة لهذه الحركة ولمفعوليتها التاريخية والفكرية بين رجال المسرح والنقاد من جهة وبين جمهور المسرح ورواده من جهة أخرى.‏

يؤكد السلاوي على مصاعب البداية المسرحية العربية من خلال التفاعل والتأثير المبكر بين المشرق والمغرب، فالمسرح ابن أواخر القرن الفائت وأوائل هذا القرن، ويؤكد في الوقت نفسه على حاجة المسرح العربي في المغرب إلى حوار الماضي والحاضر. ثم يكرس غالبية صفحات كتابه للتنظير على حساب التحليل والتطبيق المراجعة، وهذا الولع بالتنظير لا ينير الحركة المسرحية، ولا سيما مكرور القول دون تمحيص كاف لأفق الممارسة المسرحية كما هو الحال عند السلاوي.‏

أن فصل «ماذا نريد من المسرح» يعيد صياغة أسئلة الموسم المسرحي، ويستطرد، وهي أسئلة مبثوثة في ثنايا الفصول الأخرى تعكس تعلق المؤلف بالكلمات الكبيرة وإصدار الأحكام القاطعة كما هو الحال في قوله: «إن مسرحنا يتحرك في اتجاهات ثلاثة:‏

- اتجاه يهدف إلى إرضاء الجمهور الكبير، فيعمل على إضحاكه، وضياع وقته بما لا علاقة له بالمسرح ومفهومه.‏

- واتجاه، يقلد موجة التجديد التي تعم العالم الغربي، فيفلسف الأشياء أو يشكلها بلغة بعيدة عن جماهيرنا، وعن قضاياها، ونضالاتها.‏

- واتجاه ثالث: يعمل على تزييف الواقع المغربي وتقديم صور مشوهة عنه، لا تمت له ولقضاياه ولواقعه بصلة.‏

من هنا، من خلال هذه الحصيلة التي تكررت خلال سنوات طوال، تتضح لنا صورة الأزمة التي يعيشها مسرحنا». (ص17).‏

ولعل في هذه الكلمات الكبيرة والأحكام القاطعة تشخيصاً للظاهرة: الولع بالتجديد على حساب التقاليد، فهناك تقليد للمسرح في الغرب، وتجاهل مطلق لرؤية الواقع والتغيير، لذلك كانت صرخة السلاوي: «هل يكون من الضروري أن يقوم أحد بإقناع كتابنا المسرحيين بمسؤوليتهم؟ أعتقد جازماً أنه ليس من الضروري اليوم وغداً، من وضع منبه على دماغ بعض المؤلفين والكتاب المسرحيين الذين لا ينفكون يتشدقون بالتقدمية والوعي، وهم عن هذه المفاهيم بعيدون ورجعيون».‏

ويضيف على سجيته أو هكذا عفو الخاطر:‏

«إن بداية عصور الانحطاط العربية ترجع إلى فقدان الالتزام، ثم ليس ثمة تعارض بين حرية الكاتب ـ مسرحياً كان أو روائياً أو قصصياً ـ وبين التزامه، لأن حرية الكاتب جزء من حرية الوطن والمواطن... الخ» (ص26).‏

إن منطلقات كهذه لا توفر للنقد حدوده في التعامل مع موضوع البحث، لأنها كتابة تغفل عن معطيات المسرح المغربي في واقعه وفي مستقبله وفي انتمائه للمسرح العربي، وتؤثر في الوقت نفسه الانصياع للمزاج السياسي أو الشخصي، لأن هناك شواهد عديدة في التأليف والعرض وفي تطور الحركة المسرحية المغربية تنفي هذه الأحكام، وتؤكد حقيقة التقدم الذي يشهده المسرح المغربي وحقيقة النضال الذي يخوضه الفنانون المغاربة من أجل مسرح عربي.‏

ولعل أهمية كتابة السلاوي تكمن في ملامستها المبكرة لمشكلات المسرح الغربي في المغرب، فقد يسرت له فيما بعد ـ كما سنرى ـ سبل محاورة الحركة المسرحية.‏

-3-‏

بينما يرى عبد الرحمن بن زيدان أن كتابه «من قضايا المسرح المغربي» محاولة نقدية تهدف ـ في أقصى غاياتها ـ إلى إرجاع الحركة المسرحية المغربية إلى مصادرها الموضوعية في حركة التاريخ والمجتمع. إنه يلفت النظر إلى عطاءات رجالات المسرح في المغرب وما تثيره من إشكالات نقدية ولا سيما بحث هؤلاء المسرحيين الدائم والمستمر عن هوية قومية لمسرح عربي أصيل يتغلب على معوقات مسيرته، وينتزع ـ على حد تعبير المؤلف ـ الاعتراف بشرعيته، متجاوزاً حلقات التطويق التي أرادت تكبيله لتعوق بذلك انطلاقته وتحرره. وهنا يفترق عبد الرحمن بن زيدان عن أديب السلاوي، فقد زاوج السلاوي بين مهمتين الأولى التأريخ، والثانية التنظير المشبوب بعاطفة تنصاع للمزاج السياسي حيناً، وللمزاج الشخصي حيناً آخر، أما ابن زيدان فيجمع مقالات مكتوبة في فترات متقاربة خلال سنوات السبعينيات ليقول فكرة أو يثير رأياً حول واقع المسرح المغربي قاصداً إلى اعتبار الثقافة، والمسرح جهاز ثقافي، أحد القوانين الأساسية من أجل التغيير، أي الاهتمام بوظيفة المسرح في إنضاع الوعي، وهكذا كانت إثارته لمشكلات الممارسة المسرحية، وإغفاله لنسق تاريخي معين في اختيار المسرحيات التي جرى تحليلها، وسنلاحظ أيضاً، مدى انطباق هذه الطريقة على كتابته النقدية: سلامة المنهج في تحديد الإطار الاجتماعي والتاريخي والتعامل مع المسرحيات من الداخل لبلورة بعدها الدلالي والمعرفي. في الكتاب فصول كثيرة حول مسرحيات ومسرحيين وبعض الظواهر والقضايا، ومن الملاحظ أنها جميعاً مقالات أو مراجعات أو متابعات في أحسن الأحوال. ولكنها على الرغم من طابعها السريع في استخلاص الأحكام، تقدم صورة طيبة عن وضع المسرح المغربي اليوم: استطلاع أبرز الأعمال ورؤيتها في تركيب يجمع الملاحظة على الملاحظة ليكون بعد ذلك كله تعريف بالمسرح المغربي في مشكلاته الراهنة: صراع مستمر بين التأصيل والتجديد، مع تركيز واضح على نبرات التجديد المسرحية لدى أبرز وجوه السبعينيات على وجه الخصوص. إلا أن هذا لا يعفينا من الإقرار بأن رؤية عبد الرحمن بن زيدان غائمة وعناصر تركيبها متباعدة، فلا ينتج في ظلها إلا تعريف لا يفي بالحاجة، ولا يسعف الغرض.‏

في «إطلالة على هموم المسرح المغربي»، ثمة مقالة حول تنشيط المسرح والحركة النقدية حيث يؤكد المؤلف ظاهرة «فقدان يقين أيديولوجي، وشكل جمالي متقدم» (ص9). في الحركة المسرحية المغربية. وفي الوقت نفسه، لا يفسر هذه الظاهرة أو يعللها من خلال المشهد المسرحي. وهذا شأن المؤلف في غالبية مقالاته، فهو يبدي ملاحظات ولا يدعمها وضوح الفكرة أو دقة الرأي، ولا تستند إلى تفاصيل واقعية. في حديثه عن «ظاهرة الاقتباس في المسرح المغربي» يذكر نوعين من المسرح، النوع الأول المسرح الذي يعيش على هامش المشكلات الحياتية عندنا، أما النوع الثاني فهو الذي يتطرق إلى عرض المشكلات بجدية وعمق ويمثل هذا النوع فرق الهواة، ومن الواضح أن هذا التصنيف لا علاقة له بالاقتباس. ومن جهة أخرى، يؤكد المؤلف في صفحات تالية، أن الاقتباس أمر آخر يختلف عن تشخيص موضوع هذين النوعين من المسرح، «فالمشكل ليس مشكل اقتباس وكفى، أنه بالضرورة التعبير عن عصر، عن مجتمع، عن ظروف. مشكل ارتباط بالتراث ومحاولة اكتشاف ما هو إنساني وجديد، وليس الاكتفاء بتحقيقه.. وما الاهتمام بالفنون الشعبية التي اهتم السيد الطيب الصديقي بإحيائها ونفض الغبار عنها، وإغناء المسرح بها إلا من قبيل التقدير لقيمة التراث المسرحي عند الشعب العربي» (ص23).‏

لقد عاد ابن زيدان في تقليبه لمشكل المسرح إلى الهم المشترك للمسرحيين المغاربة: الأصالة أو التراث على وجه التحديد، فلا تقاليد خارج تراث أو أصالة. ويضيف المؤلف: «فعملية الاقتباس الجيدة، تعتبر محاولة لتطعيم مسرحنا باتجاهات جديدة وبدماء جديدة متحررة من قيود الكلاسيكية ومن التأطيرات المتقولبة في الأفكار المغلقة المتقوقعة. أن هذه العملية تحاول أن تؤقلم الأعمال العالمية مع مفهوم مغربي. وهنا نذكر السيد الصديقي الذي يمتاز بخاصية الاقتباس الناجح: «محجوبة»، «في انتظار مبروك»، «مذكرات أحمق» حيث يظل وفياً للمحتوى الغوغولي للمسرحية، خلافاً لما هو مألوف في النوع الأول الذي يضم الفولكلور والأساليب المبتذلة، واللغة التي لا تؤدي إلى أي وحدة تسهل فهم المحتوى» (ص23).‏

وحين يدرس ظاهرة الهواة يكرس المؤلف صفحات مقالته للعروض عموماً، ولأطروحاتها الفكرية خصوصاً، بينما تستدعي دراسة هذه الظاهرة البحث في أساليب تنظيم عمل فرق الهواة وطبيعة البرامج التي تقدمها موسمياً ومكانه ذلك كله في المسرح المغربي.‏

يقول المؤلف: لكن الذي يمكن أن يؤخذ على أغلب الفرق المشاركة هو وضعها بعض الحلول النهائية للمسرحيات.. ونحن نعرف أن المسرح الآن يعتمد على طرح التساؤلات ليترك المجال للمتفرج لاتخاذ قرارات تكون على ضوء التعرية للواقع كما أن المسرح وقبل أن يكون عطاء فنياً وشريحة لمجتمع هو دراسة تكون على ضوء حاجيات المجتمع والإنسان إذا نحن أردنا منه أن يكون ظاهرة فنية تخدم الوعي الشعبي بل ويكسب لنا جمهوراً نعتبره شريكاً للممثل في المسرحية» (ص33).‏

وفي مقالة «حول التركيب النظري للمسرح المغربي»، يواجه ابن زيدان المشكل صراحة ويرصد الجهود الدائمة للبحث عن الهوية، «فقد جرب المسرح المغربي عدة أشكال تعبيرية بقصد البحث عن هوية متميزة وشخصية متكاملة خصوصاً بعد أن لمس رجالاته فراغاً مهولاً تشتكي منه الحياة الثقافية على هذه الواجهة» (ص81).‏

إن عبد الرحمن بن زيدان يضع يده على بعض الحقائق، ولعل أبرزها انفصال الوعي السياسي عن الوعي الفني، أولاً. إرساء وسائل تعبيرية ثانياً، غلبة طابع الإخراج الإيطالي (الكوميديا ديلارتي) ثالثاً، تبني فكرية مسرح الاحتفال، وهو في جوهره إحياء تراثي في إطار التجديد، رابعاً. انتعاش الأشكال التجريبية، خامساً. وعلى الرغم من هذه الحالات التي تشير إلى وضعيات مختلفة، فإنها تمتزج بتطورات المسرح العربي في المغرب، وتسهم إلى حد كبير في تكوين مسرح وطني.‏

وعن «المصادر الفكرية للمسرح الاحتفالي»، يربط المؤلف الاحتفال بالظاهرة المسرحية أساساً كما تتجلى لدى المسرحي عبد الكريم برشيد حيث السعي لتحقيق تركيب نظري ليس فقط لعدد من المسائل التي يشتمل عليها موضوع بحثه، وإنما إدخال فكرة ـ وحدة الشعور ـ أي وحدة الشعور بين المشهد والمشاهدين، بين الرمز المسرحي وحجمه ومساحته، في إطار الكشف عن مأساة الإنسان والصراع الذي يدور بينه وبين براندللو. «إن المسرح الاحتفالي هو في أساسه مسرح شامل ولذلك فهو بالضرورة يفترض جمهوراً شاملاً (؟) ولقد توسل العمل الدرامي إلى ذلك عن طريق إيجاد قواعد وجسور تربطه بالجمهور، وتمثيل هذه القواعد في توظيف مجموعة من الاحتفالات الشعبية المحملة بأهازيج وتقاليد مختلفة» (ص102).‏

من الملاحظ، أن السلاوي وابن زيدان لا يختلفان كثيراً في تشخيص الوضعية المسرحية في المغرب، فمايزال هناك تناقض بين الواقع والرجاء مما لا يفضي إلى تركيب ناجز فيه هوية واضحة.‏

-4-‏

نستطيع أن نتلمس عناصر الواقع وملامح التغيير في المواقف التالية:‏

1- الموقف من التراث أو التأصيل.‏

2- الموقف من الغرب أوالتجديد.‏

3- الموقف من التجربة كما تمثلها معطيات المشهد الثقافي كالتأليف والاقتباس أو الاحتراف والهواية.‏

إن بداية المسرح العربي الحديثة واحدة في المشرق والمغرب، وتكاد كلمة علي الراعي تلخص مشكلات البداية المستمرة، فقد قال في معرض حديثه عن المسرح المغربي: «رغم تنوع وغنى الفولكلور المغربي في ميدان الظواهر المسرحية، وهي مسرح الحلقة ومسرح البساط واحتفال سلطان الطلبة، فإن المسرح بدأ في عشرينات القرن الحالي بالطريقة ذاتها التي بدأ بها في الأقطار العربية الأخرى»(4) والنتيجة هي: أن المسرح العربي يدير ظهره للتراث ويعتمد الصيغة الغربية للمسرح، وتتكرر البدايات، وهو يردد ما يشكو منه العديد من الفنانين والباحثين، فهناك قلة النصوص العربية المؤلفة، وظاهرة العودة إلى البداية بعد كل نهضة مسرحية، فالمسرح العربي ـ في رأي عبد الله شقرون ـ ينهض ويزدهر ثم لا يلبث أن يخبو فيعود إلى نقطة الصفر من جديد»(5).‏

-5-‏

يردد عدد من الباحثين ببساطة أن «المسرح المغربي تراث واقتباسات وتنسيق وأخيراً تأليف»(6) أي أن جهده الأساسي موروث موصول بالغرب، وهذا واضح أيضاً في طرق الأداء المكتوب، وأشكال التجسيد الفني. أجل، إن النتيجة هي إحياء الأشكال التراثية في التشخيص أو المشاركة الجماعية ضمن أضواء الغرب في إطار مفهوم «المثاقفة» إياه، فكأننا نجتلب المسرح إلى أرديتنا وقلوبنا وعواطفنا اجتلاباً دون تمييز بين استمداد مفهوم، أو دربة حرفة، أو إتقان تقنية، أو معرفة خبرة، فكانت المزاوجة بين موروث وتجديد طلباً للتقاليد. وقد أوضح حسن المنيعي هذه المعضلة لدى تقويمه لفن الطيب الصديقي في قوله: «فمن الأكيد أنه أول من أتخمنا بفرجات عديدة، وجعلنا نساير مغامراته وتجاربه التي تستلهم تقنيات الغرب وأشكاله الدرامية (المسرح العبثي والوثائقي والاستعراضي.. الخ)، وتوظيف عناصر التراث (الحلقة - البساط - المقامات).‏

ثم يستدرك:‏

«ومع ذلك فإننا نؤاخذه نظراً لما ينطوي عليه مسرحه من «مغالطة»، لأنه لا يتعدى جانب الإبهار الفني، ولا يبدو سوى متعة جمالية كثيراً ما تخلو من التنوير الفكري والمضامين الاجتماعية التي تنتقد الأوضاع، وتتلفظ بجوهر القضية».‏

إنه السقوط في وهدة المستوى الشعاري، إذ يصير المسرح إلى مجانبة الطبيعة الفنية فلا يستوعب الأداء أو التجسيد أكثر من ذلك التوجه المباشر للخطاب السياسي والاجتماعي. هو التناقض بين تقليد وتجديد. في تاريخ موجز، المسرح يتلفع بالجديد ولا يفلح. وقد ذكر باحث آخر أن المشكلة في الانطلاقة، «فليس مصادفة في شيء أن ينطلق المسرح في المشرق العربي من موليير، ثم بعدها بمائة عام، يتبع المسرح المغربي النهج نفسه ليعود إليه مرة أخرى خلال الموسم الأخير»(7).‏

ويضيف فاضل يوسف:‏

«تاريخ المسرح التقليدي بالمغرب، لا يمكن الإشارة إليه لا عبر بعض الأسماء وبعض الأسماء التي تشكل تحولاً من أي نوع بقدر ما كانت علامة على استمرار نمط معين من الإنتاج المسرحي. لقد كتب الطيب العلج، على سبيل المثال ـ عشرات المسرحيات، أما عن موليير أو عن غيره، وأما على المنوال نفسه، وقدم البدوي عشرات المسرحيات، أما عن موليير أيضاً أو غيره وأما على النسق نفسه»(8).‏

هكذا تؤكد تجربة المسرح الغربي في المغرب أن التقاليد هي وعي الممارسة المسرحية في بيئتها ومجتمعها مستندة إلى خصوبة التعالم مع الأصيل والراهن، ما دام التطور سبيل المسرح شأنه شأن النشاطات الإنسانية الأخرى، بينما لا يزال التناقض قائماً لدى نقاد هذه التجربة بين النظرية والتطبيق، مما يضاف إلى التناقض الحاصل بين التقليد والتجديد. يصوغ السلاوي رأيه على نحو نظري ممتزج بشهوة الخطاب السياسي: «أن المسرح عندنا لا يستطيع أن يسمو لنفسه الآن بتقليد مسارح التجربة في فرنسا، ولا مسارح «الحدوث» في أمريكا، لأن هذه الأنماط من المسرح ما تزال تبحث لون تتبناه لنفسها، فليست لها بعد تقاليد، ولا فلسفة ولا هدف، بينما نحن في مرحلتنا هذه نحتاج إلى مسرح له تقاليد ثابتة، وفلسفة واضحة، وأهداف بعيدة».‏

ولكنه، لدى التطبيق على تجربة المسرح الاحتفالي يبتعد عما رسمه ويختلف:‏

«من هنا، نرى أن المسرح الاحتفالي العربي لابد له من هدم الإدراك الفولكلوري واستلابه وتحويله إلى إدراك جديد، يقوم على أرضية المشاركة الوجدانية للإنسان العربي المعاصر، وهذا لا يتأتى دون الاستفادة من تراث الإنسانية وتجاربها في الميدان المسرحي»(9) فكأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا. وتبقى الأسئلة مرتفعة: التلقي أم المشاركة؟ الإيهام أم نفيه؟ التراث أم إدراكه؟‏

إنه الارتماء في وهدة المستوى الشعاري الذي يحوّل التجربة إلى مجرد صياغة لفظية بمعزل عن ممارستها على خشبة المسرح، وبين جماهيره، يتبدى الموقف من التراث على النحو التالي:‏

أولاً: استمداد نظري واسع من أشكال التراث المختلفة، ولا سيما الشعبي، على نحو انتقائي حيناً، وتزييني حيناً آخر، وباسم الاتصال بالجماهير حيناً ثالثاً.‏

وقد اختلف المسرحيون في تسمية هذا الاستمداد، فهو استلهام للتراث حيناً، وإعادة للتقاليد حيناً آخر، واقتباس حيناً ثالثاً. بهذا، لا نقع على استعادة للظاهرة المسرحية، فضلاً عن صعوبة تحديد مفهومها وتباين النظر إلى استخدامها في المسرح الحديث. ثمة حيرة بادية بين التراث بوصفه حاضن التقاليد من جهة، والتجديد من جهة أخرى. لقد استفاد هؤلاء المسرحيون من جوانب الاحتفالية والمشاركة واللغة وأسلوب التناول، ولكنهم لم يبلغوا الشأو المرجو في صياغة شخصية فنية مستقلة هي السبيل للهوية المسرحية.‏

ولقد اتهم عدد كبير من النقاد والباحثين عبد الكريم برشيد، وهو الكاتب الأبرز في اتجاه الاحتفالية، بالتعامل الفج مع التراث لغلبة الاقتباس (الأخذ من الغرب) أولاً، والوقوف عند حدود «الفرجة» ثانياً. وفي بحث للمسناوي أحمد ثمة عرض لمثل هذه الفجاجة في قوله: «انبهر العالم الغربي بتنظيرات بريخت المسرحية وانطلقنا نردد الصدى، ونلهث وراء عملية تجريبية أخرى متعلقين بجماليات الشكل المسرحي. ورغم أن برشيد يحسن استغلال الأشكال الجديدة، وبناء الحدث الدرامي في مسرحه الاحتفالي كبديل لغياب مسرح مغربي جاد المحتوى، رغم ذلك تبقى اطروحاته فجة، ويظل تعامله مع التراث لا يخدم طبيعة المرحلة التي تتحدانا»(10).‏

والسبب هو أن احتفالية بريختية (فكرة التواصل - تكسير الإيهام - مفهوم الاغتراب - إعادة عنصر الدهشة) ومن يوسف إدريس (المسرح - احتفال - مهرجان - اجتماع كبير)، فهو إذن مجرد توفيق لنظرة متواترة هيا لجمع الشكلاني بين الأصالة والمعاصرة، بينما تبدو الحاجة شديدة لنقد الأشكال المسرحية الأوروبية، والاستيعاب الجيد للتراث. «أن هذا التعامل الفج مع التراث، لا يساهم في تطوير وتأصيل الفن المسرحي عندنا. ولا يخدم طبيعة المرحلة الحضارية الدقيقة التي تجتازها أمتنا العربية»(11).‏

ويلخص السلاوي في دراسة أخرى هذه الحيرة بين ماض وحاضر، بين اقتباس الماضي، واقتباس الحاضر (الغرب):‏

«ولا نشك في أن تلك الاحتفالات، بما تمتاز به من أصالة ومن فنية، وحبكة، ودراماتيكية، تستحق من المسرح المغربي وقفة طويلة، لا لكونها احتفالات شعبية، ولكن لأنها فنون درامية أصيلة متجددة، على هذا المسرح أن يعانقها ويمسرحها بالمفهوم المعاصر لكلمة مسرح».‏

لا يبتعد السلاوي عن مجمل النظر إلى قضية التراث الذي يطمح إلى استعادة، ولكنه لا يظفر بأكثر من إعادة لبعض الظاهرة أو الظاهرة كلها ثم لا يكون من الإعادة مشهدية أو مسرحاً، لذلك يضيف السلاوي مسوغاً العجز عن الإنجاز، ومردداً لرغبة الطموح القائم: «أن المسرح المغربي، كالمسرح العربي، ولد من النقل والاقتباس، ولذلك فعلينا أن نحافظ على شكل هذا المسرح (يريد المقتبس)، أما روحه وأسسه، فعلينا أن ننقله من تراثنا المتواصل المتواجد، الذي لا يخلو من العنصر الدرامي المتحرك الذي يشكل الصورة النهائية للمسرح الحديث»(12).‏

يمتح هؤلاء المسرحيون من معين مكرور القول حول النداء القديم الجديد نحو الطريق إلى الهوية المسرحية، ويقضي النداء بإيلاء العناية للروافد الفنية القديمة ما دامت الهوية المسرحية من الهوية القومية بعد ذلك. ولنتذكر في هذا المجال كلمة علي الراعي التي اختتم بها بحثه عن المسرح المغربي في إطار المسرح العربي:‏

«وأول هذا الطريق وآخره أن نجد لمسرحنا هوية عربية حقاً. وأن نكف عن النظر إليه على أنه أدب مسرحي في المحل الأول. بل نعتبره امتداداً في الحاضر لروافد فنية أو حكائية وتمثيلية بدأت من قرون وقوبلت بما لا تستحق من احتقار. روافد اعتمدت الفرجة أساساً، وتوجهت إلى الشعب أولاً وأخراً، واعترفت به سيداً وأميراً ومالكاً للعرض، وممولاً له. ثم سعت إلى جانب إمتاعه والترفيه عنه إلى تهذيبه ونصحه أيضاً، وإلى إشاعة الأمل في نفوس أبنائه، فهل نحن فاعلون»(13).‏

ثانياً: التوكيد على حاجة النهوض المسرحي للتراث مع الإقرار بالتنازع في تحديد مفهومه ومظانه ومكانته في إنعاش المسرحية المغربية هناك حرص واضح على استلهام التراث أو اقتباسه أو اعتماده في أساس العمل المسرحي، وربما كان اتجاه «الاحتفالية» ذروة استعادة التراث بعد محاولات متعددة للصديقي والعلج والبدوي وسواهم. وفي بحثه عن المسرح العربي بين الاحتفالية والتراث. يرى السلاوي أن التراث حاضن للتقاليد التي لابد منها في النهوض المسرحي، وربما كان اتجاه «الاحتفالية» ذروة استعادة التراث بعد محاولات متعددة للصديقي والعلج والبدوي وسواهم. وفي بحثه عن المسرح العربي بين الاحتفالية والتراث، يرى السلاوي أن التراث حاضن للتقاليد التي لابد منها في النهوض المسرحي على الرغم من التجربة المرة والصعبة، ويذكر هذه العلامات لكي يكون المسرح ذا صلة بماضيه وأرضه:‏

1- من التحقيق المسرحي البديل، فلابد لنا من الاستفادة من التراث العربي.‏

2- ولابد لنا من إعادة تقويمنا لهذا التراث، وتعميق مفاهيمنا لأسس الفكر العربي ومنطلقاته (التراث المدون والفولكلور الشعبي والمكتوب).‏

3- ولا محيد من توظيف مختلف الظواهر المسرحية التي تزخر بها فنوننا الشعبية.‏

4- ولابد لنا من النظر إلى هذه الظواهر على اعتبار أنها جزء من الوجدان العربي، والمسرح الذي لا يعتمدها مقتبس ودخيل، ولا صلة له بالروح العربية.‏

5- ولابد أن يزاوج بين التراثين الإنساني والعربي»(14).‏

-7-‏

وفي الموقف من الغرب، نلاحظ ما يلي:‏

أولاً: ارتباط مفهوم «المثاقفة» بحضور تراثي مدهش، فلا يستطيع المسرحيون أن ينظروا إلى الغرب، مصدر المسرح الحديث ومعماره وتقنياته، بمعزل عن معاينة الذات الثقافية. لقد اختلط مفهوم «المثاقفة» بمفاهيم التأثر والتأثير والتبادل الثقافي، ولم يعد مقتصراً على علاقة ثقافة أرفع بثقافة أدنى، أو ثقافة الغازي بثقافة المغزو. على أن التصدي لهذا المفهوم لا يستند إلى تواضع عامر أو إنجاز معلوم، بل ينغمر بمفاخر ذاتية، ومماحكات ثقافية مطلقة أحياناً. وفي مناقشات «الاحتفالية» الكثيرة، يدافع باحث هو أحمد سعود عن «المثاقفة» باعتبارها خصوصية واقعية في مرحلة من مراحل التطور التاريخي، ويقول:‏

«تظهر لنا أهمية التعامل مع الأشكال المسرحية التي تتميز بالطابع الجدي الهادف، وتظهر لنا كذلك خصوصية الواقع المغربي الذي يطرح إمكانية المجاوزة، هذه الخصوصية التي تجعل من مسرحنا مسرح مخالفاً بعد تعديل تلك الأشكال وتطويعها لتتلاءم وخصوصية الواقع المغربي»(15).‏

لعل الكاتب يرى الاحتفالية بشكلها المنسوب إلى عبد الكريم برشيد وكأنها تريد القيام على أساس انتقاد البريشتية، فتطرح نفسها كبديل لها. ولكن الردود جدالية مترفة لا توافي منطلق العمل المسرحي كخصوصية فنية إلا بوصفه عملاً اجتماعياً مباشراً ضمن صيرورة تاريخية معينة، بينما للفن زمنه الخاص.‏

يؤكد واقع المسرح العربي في المغرب التأزم: وضع الغرب كمنارة، والتصدي لمفهومه فحسب، ولو افترق المفهوم عن تجلياته في واقع الحال. إذ يسبق وعي «المثاقفة» شؤون الكشف عن أقنعته الكثيرة.‏

ثانياً: تبدو ملاحقة التجديد مهمة يائسة، إذ ينبغي للتجديد أن ينبع من التطور النوعي لمسار المسرح، لأن النقل سهل. وهكذا، لا نحصل على التقليد الذي يميت الإبداع، ويمنع المسرح من ممارسة تأثيره الجماهيري. أما التقاليد فهي أزهى علامات الثقافة والتحضر الدالة على حقيقة قومية وتاريخية، وقد حافظت على تأثيرها الحي والمضطرد.‏

لقد رأى المسرحيون أن المسرح المغربي ـ بتعبير آخر ـ هو نتاج الاقتباس من الغرب بحجة التجديد والانتفاع بالحداثة. ولدى دراسته للنص المسرحي في المغرب، يقول السلاوي:‏

«أننا بالرجوع إلى تلك الأعمال، لا يمكن أن نقول سوى أنها محاولات في ميدان مطابقة النص، هي أقرب إلى التشويه والتحوير منها إلى المطابقة الصحيحة، إذ أن أغلب «المقتبسين» أخذوا فكرة المسرحية، وبعض شخصياتها وألبسوها فكرة مغربية مشوهة ولغة رثة.‏

إن إحصائية بسيطة عن الإنتاج المسرحي الذي قدمته المسارح المغربية بعد الاستقلال تؤكد أن ستين في المائة من هذا الإنتاج مقتبس، فهل ينبؤنا هذا بالخطر على ملكة الخطر»(16).‏

وعند تقويم الكتابة المسرحية في المغرب، أشارت ندوة أقامها اتحاد كتاب المغرب (شارك فيها أحمد الطيب العلج، وأحمد العراقي، وعبد الله شقرون، وأحمد بدري وأدارها محمد برادة) إلى اتجاهين هما:‏

1- اتجاه كلاسيكي عاش على موائد المقتبسات والمغربات (نسبة إلى الغرب).‏

2- اتجاه حديث ظهر مع بداية السعبينات، وهو الذي وقع الولادة الحقيقية للنص المغربي، وما يجري الرهان عليه اليوم»(17).‏

إن الحديث عن التجديد ملتبس بالغرب، بالمثاقفة، وبشهوة التعبير السياسي المباشر، على أنه يظل تعبيراً غامضاً يحتاج إلى موقع واضح فكرة وممارسة مما ينتظم في نشاط إنساني وفعالية عامة وتقاليد قومية راسخة.‏

-8-‏

أما الموقف من تجربة العمل المسرحي كما تمثله معطيات المشهد الثقافي كالتأليف والاقتباس، أو الاحتراف والهواية، فنوجزه فيما يلي:‏

أولاً: يغلب الاقتباس على النص المسرحي، وفي هذا يتساوى المحترفون والهواة، لأن رجل المسرح هو الذي يتقدم الحركة المسرحية فالكاتب مخرج وممثل وفني أحياناً كما هو الحال مع أبرز المسرحيين، ولأن المسرح المحترف وحركة الهواة تستندان إلى مبدأ عمل الفرقة التي تؤلف عرضاً على سبيل الإعداد أو الاقتباس. أما التأليف الخالص أو الترجمة الخالصة لنصوص المسرح العالمي فهي قليلة. وهذا ما دعا المسرحيون والنقاد إلى مواصلة الحوار المستمر حول الاقتباس أولاً، والهواة ثانياً، إزاء اختلاط المفاهيم والممارسة معاً.‏

ثانياً: يبرز الخلاف حول مصطلح الاقتباس بالدرجة الأولى، فهو يعني الأخذ عن النصوص الغربية حيناً، ويغني الأخذ عن التراث حيناً آخر، إلا أ، المرء يستخلص من الحوار الدائر أن «الكتابة المسرحية» تقابل «توليف النص»، لأن الكاتب أو المسرحي يعيد إنتاج الأدب المكتوب أو الشفهي أو المنقول أو المعرب ليناسب حاجات العرض في الواقع(18).‏

أن السلاوي، على سبيل المثال، يستنتج من بحثه للنص المسرحي في المغرب، أن كتاب المسرح ما زالوا يميلون إلى السهولة واليسر، بل ما زال بعضهم عاجزاً عن خلق عمل مسرحي أصيل، وليد حضارة المغرب وثقافته ومجتمعه في القاعدة، ومستوف لمتطلبات الكتابة المسرحية في الآفاق. وإذا استثنينا بعض الإنتاجات التي قدمتها فرق الهواة، فسنجد أن أغلب ما قدمته الخشبة للفرق الرسمية، أو لفرق المحترفين، إنتاجات ضعيفة من الناحية الأدبية، ولو أن معظمها كتب بلغة دارجة سلسة، وبأسلوب بسيط خفيف»(19).‏

ثالثاً: وهناك خلاف واضح أيضاً حول مصطلح الهواة، ومكانة حركة الهواة في مسارح المسرح العربي في المغرب. يقول عبد الكريم برشيد:‏

«أن هذه التسمية لا تعني شيئاً لأنها تمس الشكل دون الجوهر، فهناك حقاً فرق بين المسرح الرسمي وهذا الاتجاه، ولكنه فرق في نوعية الرؤية، وفي الزاوية المتميزة، وفي المضامين الجديدة، وفي الأشكال المسرحية المتطورة والمواكبة لهذه المضامين»(20).‏

بينما يرى البدوي، في ندوة حول «الآفاق الممكنة أمام المسرح المغربي»، أن ليس هناك احتراف بالمعنى الصحيح للكلمة، كما أنه أيضاً ليس هناك هواية(21).‏

ويلاحظ باحث آخر هو اكويندي سالم أن النصية أو الشكلية ليست إشكالية مسرح الهواة الأساسية، بقدر ما هي عدم الوعي الصحيح لمحدداته وضوابطه الاجتماعية(22).‏

وفي رأي باحث آخر، أن ثمة التباساً في الممارسة المسرحية يقود إلى خلاف في المصطلح، فلكي تكون الانطلاقة صحيحة، ينبغي أن نقول «مسرح رسمي» عوض «مسرح محترف»، و«مسرح جماهيري» عوض «مسرح الهواة» بغية إعطاء الصراع القائم أبعاده الحقيقية، ورسم وظيفة الفن انطلاقاً من هذا الوضوح.‏

ويستفيض الباحث في نقده للوضعية المسرحية، فيوزع المسرح إلى مستلب ونخبوي ونموذجي، كأن تضخم الإنارة عند الصديقي لهدف أساسي هو تحطيم المعنوية النفسية للمتفرج، حتى لا نستطيع فرز الخشبة عن الحانة، وتأكيداً للعبة الأيديولوجية كما هو الحال عن الكغاط ووردة على سبيل المثال للنوع الأول (هكذا‍!). أو أن تتطرق لموضوعات هامة، ولكنها لا تعي لمن تكتب فيغلب عليها طابع التعقيد اللغوي والرموز الصارخة التي لا تفهمها إلا النخبة، أما الأغلبية الساحقة فتخرج ساخطة كما هو الحال عند برشيد والكغاط أيضاً على سبيل المثال للنوع الثاني، أو أن تنشغل بالتنفيس عن الكرب الجماهيري، وتشتم الأنظمة، واعتماداً لمنهج البريشتي وتعديله، ومهمة نشر الوعي بين الجماهير، على سبيل تعريف النوع الثالث الذي يراه مطمحاً. لنلاحظ هنا الجمع بين الصفات المتناقضة، ولكننا لا نريد التعليق على مثل هذه الكتابة النقدية التي تخلط بين الأدب والانتماء السياسي لكاتبه، لأن المطلوب هو أن نقيس الفن على قامة الموقف من الكاتب، بينما يكون النقد على قامة الفن. ثم ما فائدة هذا الكلام في تشخيص الظاهرة المسرحية أو توجيهها: «وضع خط فاصل بين المسرح التهريجي وإقامة مسرح المناقشة والكلمة والفعل، أي تحويل قاعة المسرح إلى برلمان تطرح فيه قضية الجماهير عامة».‏

أما النقد الأغلب الموجه لمسرح الهواة فهو عجزه عن الإبداع. أنه محاولات مستعجلة للتأثير على الجمهور طلباً لعملية العرض والاستهلاك. ثم «أن ـ كما يقول قاوتي محمد ـ جميع المؤشرات الحالية لا تفيد أننا متجهون نحو تأصيل المسرح في بلادنا وخلق عادة مسرحية»(23)، أي أن المسرح العربي في المغرب - كما يؤكد البحث في واقعه ونقده - مايزال يبحث عن تقاليده وسط مشكلات كثيرة.‏

[مجلة «الكاتب العربي» (دمشق) ع5 - 1983]‏

الهوامش والإحالات:‏

(1) السلاوي، محمد أديب: «المسرح المغربي، من أين وإلى أين؟»، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1975م.‏

(2) بن زيدان، عبد الرحمن: «من قضايا المسرح المغربي»، مطبعة صوت مكناس 1978م.‏

(3) ذكر د.حسن المنيعي في ثبت المسرحيات والدراسات المسرحية المنشور في نهاية بحثه «حول المسرح المغربي» أن الدراسات في المسرح المغربي تقتصر على أربعة كتب هي:‏

- «أبحاث في المسرح المغربي»، تأليف حسن المنيعي.‏

- «المجتمع الأهيلي والمسرح»، تأليف مصطفى المهماه.‏

- «من قضايا المسرح المغربي»، تأليف عبد الرحمن بن زيدان.‏

- «المسرح المغربي»، تأليف أديب السلاوي.‏

(4) الراعي، د.علي: «المسرح في الوطن العربي»، سلسلة «عالم المعرفة»، 25، الكويت. كانون الثاني 1980م. ص552.‏

(5) المصدر نفسه، ص576- 577.‏

(6) محمد، خراف: «نشأة المسرح المغربي وإسهامات الطيب الصديقي» في مجلة «الأقلام»، بغداد، س15، ع6، آذار 1980م، ص7.‏

(7) المصدر نفسه، «حول المسرح المغربي»، ص26.‏

(8) - «مقالات في المسرح المغربي».‏

- يوسف، فاضل: «المسرح التقليدي: عناصره الفكرية والجمالية» في مجلة «الثقافة الجديدة»، المحمدية، س5، ع20، 1980م ص96.‏

(9) السلاوي، محمد أديب: «الاحتفالية المسرحية بين آفاق المستقبل والإشكالية التراثية» في مجلة «الحياة المسرحية» دمشق، ع10 خريف 1979م، ص22.‏

(10) المسناوي، أحمد: «البطل في المسرح التراثي العربي من خلال نموذجين» في مجلة «أقلام»، الرباط، س15، ع5-6 دجنبر 1980م، ص105- 114.‏

(11) يواجه عبد الكريم برشيد نقداً لاذعاً في الفترة الأخيرة بعد تأييد واسع. وثمة مناقشة لهذا النقد في الباب الثاني من الكتاب.‏

(12) السلاوي، محمد أديب: «إطلالة على التراث المسرحي للمغرب: الاحتفالية أو ما قبل المسرحية» في مجلة «الأقلام» بغداد ع6، آذار 1980م، ص23- 24.‏

(13) مصدر سابق، ص287- 288.‏

(14) السلاوي، محمد أديب: «مسرحنا العربي بين الاحتفالية والتراث» في مجلة «الأقلام»، بغداد، س15، العدد 2 تشرين الثاني 1997م، ص61- 62.‏

(15) سعود، أحمد: «من منطلق الرد على الاحتفالية في انتقاداتها المبريشتية» في مجلة «أقلام»، الرباط، السلسلة الجديدة، عدد 3 أبريل 1978م. ص82.‏

(16) السلاوي، محمد أديب: «النص المسرحي في المغرب» في مجلة «الحياة المسرحية» دمشق، ع2، خريف 1977م ص89.‏

(17) برشيد، عبد الكريم: «واقع الحركة المسرحية بالمغرب» في مجلة «الثقافة الجديدة»، المحمدية، س2، ع7، ربيع 1977م، ص170.‏

(18) مصدر سابق، ص89- 91.‏

(19) مصدر سابق، ص166.‏

(20) نفسه، ص171.‏

(21) سالم، اكويندي: «التركة والاستئناف في مسرح الهواة» في مجلة «المدينة»، الدار البيضاء، ع4- 5 حزيران 1979م، ص136.‏

(22) سعود، أحمد: «ملاحظات أولية حول ما يسمى بمسرح «الهواة» المغرب» في مجلة «أقلام»، الرباط، السلسلة الجديدة، ع6 سبتمبر 1977م ص104.‏

(23) مصدر سابق، ص113.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244