المسرح العربي المعاصر قضايا ورؤى وتجارب ـــ د.عبدالله أبو هيف

دراسة - منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 03:58 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

2 - قضية تأصيل المسرح العربي في التفكير الأدبي العربي الراهن

-1-‏

ليس جديداً أن نشير إلى أن قضية تأصيل المسرح العربي تعني، فما تعنيه من حيث الأساس، البحث في هوية المسرح العربي(1) توكيداً لأصالة الثقافة العربية، على أن الأصالة تفيد تمثل روح العصر لاشتمالها على عناصر الديمومة والاستمرار في التقاليد الثقافية الباقية. ونعيد القول إن قضية تأصيل المسرح العربي ليست بحثآ عن مؤيدات مسرحية في التراث العربي وحده فحسب، بل تتعداها إلى صورة حاضر المسرح العربي ومستقبله، لأن هوية المسرح في أصالته بالتأكيد. وإلى وقت قريب، غمر اليأس أو كاد غالبية الباحثين والمسرحيين العرب، فالتفتوا عن الماضي إلى انخراط كلي في تجربة الغرب المسرحية المأخوذة عن انجاز المسرح اليوناني، فانتصرت فكرة «المثاقفة» في تقديم مسرحيات حسب المفهوم الأوروبي، وخفت صوت التأصيل قبولأ لواقع الحال، وشاع رأي مفاده أننا ندور في حلقة مفرغة، وكادت الدائرة تكتمل في إعلان العجز هنا وهناك عن الهدف المرجو ألا وهو خلق مسرح عربي أصيل.(2) ولكن باحثين ومسرحيين قلة آخرين لم يركنوا إلى الصمت، فكانت صولات وجولات ساهم فيها أيضاً مستعربون جدد، وربما كانت بوتيتسفا هي صاحبة الجهد الكبيرفي الدفاع عن الثقافة العربية وأصالة المسرح العربي على الرغم من تكريسها لمتواتر القول لدى المسرحيين العرب ومن اشتغلوا في تاريخه عن المسرح العربي كما أشرنا في بحث سابق.‏

ولدى استعراض أبرز جهد لتأصيل الثقافة العربية، نلاحظ أن المسرحيين فهموا القضية غالباً على أنها استمداد أصول تراثية للمسرح العربي وبناء المسرحية العربية وفق تقاليد وأشكال تراثية، مما هو أدخل في باب الأسس التراثية المسرحية العربية كالأشكال التمثيلية أو الحوارية أو أشكال العرض والفرجة والمشاركة مثل المقامة والمسامرة والليلة والاحتفالات الدينية والألعاب الشعبية وحلقات السمر والمداح والحكواتي وخيال الظل والاراجوز وسوى ذلك.‏

وثمة حشد كبيرمن المسرحيين والأدباء من ينكر معرفة العرب للمسرح، أو هم لا يجدون في هذه الأصول المسرحية قرابة للمفهوم المسرحي أو نظرية المسرح لأسباب كثيرة دينية وحضارية، فالأشكال التي يعرضون لها، ويعتمدونها غير كاملة أو مكتملة، أي لا تنضبط في أطار السياق المعرفي والفني الغربي للمسرح مثل الحكواتي والقصاصين الجوالين وأغاني الكلام الملحون والأغاني الشعبية والجمالية ومواكب الرقص الجماعية والمواكب الدينية العربية والمقامات وخيال الظل(3).‏

والسبب أن هذه الأشكال، برأيهم، لم تؤدِّ إلى ظهور المسرح العربي الحديث في القرن التاسع عشر الذي نتج في رأيهم عن الاتصال بالمسرح الغربي والحضارة الغربية. ومن وجهة النظر الأخرى، ثمة كثيرون يدعون إلى تأصيل المسرح العربي استناداً إلى هذا التراث العربي المشهود، وقد بدأت شواغل التأصيل مبكرة مع اتصال العرب بالغرب، ولعلنا ندرك اليوم أن جهود الرواد أمثال القباني والنقاش هي الأقرب لهذا السعي، والأكثر تحقيقاً لمهمة استمرار التقاليد الثقافية العربية في المسرح.‏

استمرت محاولات تعريب المسرح وفق المفهوم الغربي والحضارة الغربية وقتاً طويلاً (تجارب جورج أبيض وخليل مطران ويوسف وهي وأمين الريحاني وزكي طلمات في مصر، ولها ما يماثلها في الأقطار العربية الأخرى)، ولكن الاستقلالات العربية أثارت على نحو عملي ونظري قضية التأصيل، فظهرت التروعات التوفيقية انطلاقاً من هاجس التقليد الغربي، فكانت إشكالية الأصالة والمعاصرة التي عولجت ظواهرها ونتائحها فيما بعد، في مختلف وسائل التعبير العربي المعاصر(4).‏

ليست دعوات التأصيل مجرد بعث شكل أو أشكال مسرحية تراثية، أو استلهام التراث العربي في المسرح، بل هي صيانة التقاليد الثقافية وحضورها الفعال في تحقيق الوظيفة الاجتماعية وفي تثمير الحوار الثقافي مع تراث الإنسانية استناداً إلى وعي الذات ووعي الآخر. ولعلنا نميز هنا بين وجهات النظر العربية في التأصيل، ونوجزها فما يلي:‏

ا- البحث عن قالب أو شكل عربي، وغالباً ما فصل هذا القالب أو الشكل عن المفهوم (محاولات توفيق الحكيم ويوسف إدريس ومحمود دياب... الخ).‏

2- البحث عن نص مسرحي عربي أو عرض مسرحي (قادر على أن يتغير ويغير، وأن يفعل ويتفاعل) بتعبير عبدالكريم برشيد، و (ان يرسم فيه شخصيات عربية، وأن يصف مواقف من الواقع العربي) على حد تعبير عز الدين المدني(5) (محاولات الطيب الصديقي وقاسم محمد وعلي عقلة عرسان وبرشيد والمدني...إلخ).‏

وقد صاغ بعض المهتمين قضية التأصيل على أنها ضمانة المسرح العربي الاجتماعية من خلال أهمية الغوص في المحلية وفرز أشكال تعبير موروثة ماتزال فاعلة في الوقت نفسه. ولاحظوا أن مثل هذا يكون «بترويض» شكل المسرح الغربي، و«بترويض» أشكال المسرح المحلية أو التراثية من أجل عروض تجمع «بين المسرح والمتطلبات الشكلية المحلية الموروثة أو الحاضرة في أنماط العيش» (التعبير لرئيف كرم) لأن «أصالة المسرح في أصالة اللقاء»(6).‏

إن قضية تأصيل المسرح العربي هي الشاغل الأكثر إلحاحاً لدى المعنيين بتنمية الثقافة العربية وتطورها على الرغم من تراجع الخطاب المسرحي العربي خلال العقد الأخير عرضاً وتأليفاً ونقداً. ويكشف «كتاب العربي» المسمى «المسرح العربي بين النقل والتأصيل»(7) عن سخونة القضية خلال قرابة ثلاثة عقود من الزمن، ولاسيما العقد الأخير، ويؤكد هذا الرأي أن غالبية المقالات مكتوبة بأقلام أدباء، أما مقالات المسرحيين فهي تعرض لتجارب ومراودات لاختراق هيمنة مركزية الغرب الثقافية. ويعبر هذا الكتاب بجلاء عن التفكير العربي الراهن بقضية تأصيل المسرح العربي حتى تاريخ صدوره، نظراً لأهمية المشاركين فيه وطبيعة الزوايا والمنظورات التي عالجوا من لخلالها هذه القضية، وهي في مجملها لا تختلف عن حال الجهود العربية المبذولة التي أشرنا إليها. غير أنني سأتوقف عند ثلاثة ملتقيات عربية هامة تتابع هذه الجهود وتكشف، ضمن رؤى فكرية وفنية وواقعية، عن التفكير العربي الراهن بقضية التأصيل، وهذه الملتقيات هي:‏

1- الملتقى العربي الأول للإبداع الأدبي والفني (أغادير 21-25 تشرين الأول 1988).‏

2- ندوة «الموروث الشعبي في العالم العربي وعلاقته بالإبداع الفني والفكري: النص المسرحي» (الرياض 28/2-12/3/1990).‏

3- الندوة الفكرية لأيام قرطاج المسرحية في دورتها الخامسة (تونس 3/10-2/11/1991)(8).‏

سننظر في أعمال هذه الملتقيات ومكانتها في معاينة ظاهرة التأصيل.‏

-2-‏

كان الملتقى العربي الأول للإبداع الأدبي والفني أوسع لقاء عربي بين المعنيين بقضية تأصيل المسرح العربي، ويكتسب الملتقى أهميته من النواحي التالية:‏

1) ارتهان المشاركة في الملتقى بإبداء رأي أو عرض تجربة أو تقديم محاضرة أو المساهمة في الحوار، وهذا هو شأن المشاركين جميعهم. ونذكر منهم علي عقلة عرسان وأسعد فضة ومنى واصف ومحي الدين صبحي وعبدالله أبوهيف (سورية) ونبيل حجازي وعلي سالم ومحمد أبو العلا السلاموني وسمير العصفوري ومراد وهبة (مصر) وعبدالكريم برشيد ومحمد عزيز الحبابي وعبدالحق الزورالي ومحمد زنيبر (المغرب) ومحمد الشرفي (اليمن) وعبدالحميد الصادق المجراب وفوزي البشتي وعلي مصطفى المصراتي (ليبيا) ومصطفى كاتب (الجزائر)... إلخ. وهؤلاء وسواهم جميعاً لهم مثل هذه المشاركة المكتوبة أو المسجلة ضمن وثائق الملتقى.‏

2) وقف هذه المشاركة حصراً على البحث في الطابع القومي للمسرح العربي وكيفية تطويره استناداً إلى هذا الطابع، لأن موضوع الملتقى العام هو «قضايا الإبداع والهوية القومية». وسنعرض هنا، من وجهة نظر نقدية، حصيلة الملتقى في مجال قضية تأصيل المسرح العربي، كما وردت في ورقة المجلس القومي للثقافة العربية (منظم الملتقى) ومحاضرات المشاركين ومداخلاتهم وتجاربهم ومناقشاتهم. لقد انعكست ظلال الحوار في الإطار العام لقضايا الإبداع والهوية القومية على مناقشات الآداب والفنون ومنها المسرح، وجرى تدعيم هذه الاتجاهات في الرأي من واقع الممارسة الأدبية والفنية والنقدية. ولعل أبرز ما جاء في الإطار العام هو تباين مواقف المثقفين العرب إزاء القضية: تشخيصها وتياراتها وسبل الخروج من خناقها، وهو تعبير استخدم إزاء الاختلاف بين دعاة العدمية، ودعاة الهوية القومية الذين طالبوا بتحديد الحديث عن القومية العربية وإمكاناتها التاريخية الراهنة والهائلة في تمكين العرب المعاصرين من أسباب وجودهم وكسب رهان الحضارة والمستقبل العربي.‏

ورد في ورقة المجلس القومي للثقافة العربية وعنوانها «قضايا الإبداع المسرحي في الوطن العربي» رأي هو، في اعتقادي، مصادرة على المطلوب وقطيعة مع التراث، أو هو تجاهل متعمد لمعنى الظاهرة المسرحية العربية، قالت الورقة: «إن الجهود المبذولة عبثاً في وطننا العربي للعثور في تاريخنا على ممارسات شبه مسرحية تقوم على الطقسية أو الاحتفالية أو التراثية هي من قبيل ممارس السيمياء باسم الكيمياء. إنها أصول تاريخية إما تعوزها النصوص أو المركبات الأخرى للمسرحية، باستثناء محدود في دلالته وهو حالة القرقوز وخيال الظل». وقد عني واضعو الورقة بالعرض المسرحي، وأبعدوا المسرحيات الموضوعة للقراءة، وهو فصل متعسف، لأن المسرحية، أي مسرحية ولو وضعت للقراءة، فإنها مسرحية عرض إذا توفر لها من يعرضها، وهذا هو حال مسرحيات توفيق الحكيم، وكان هو من أطلق هذا التعبير الذي يجافي فهم الظاهرة المسرحية.‏

وهكذا: وببساطة تثير العجب والطرافة المرة، قالت الورقة لاغية أي وجود للمسرح العربي في التراث: «وجد العرب أنفسهم أمام الإبداع المسرحي وجهاً لوجه مع مقدم الاستعمار، فاضطروا إلى تعاطي هذا الفن تحت ضغط خاص، ألا وهو أن يكون للعرب مسرح، مثلهم في ذلك مثل غير العرب، دون خلفية تنظيرية أو تاريخية، أي القيام بتحقيق فلسفي تاريخي عن سبب غياب المسرحية في أدبنا. إن الدافع لإنشاء المؤسسة المسرحية العربية كان دافعاً وطنياً وتجارياً، وهذه حقيقة يعرفها الجميع عن المستورد الأول للعمل المسرحي: مارون النقاش».‏

أما مراحل تطور المسرح العربي الحديث فتقسمها الورقة إلى الفترات التالية، على الرغم من تداخلها الواضح:‏

1- فترة الاستعمارات، وهي التي امتدت من استيراد المؤسسة المسرحية إلى احتلال مصر سنة 1882، وعرفت جيل الرواد: مارون النقاش- يعقوب صنوع - عثمان جلال - سليم النقاش.‏

2- فترة توظيف الإبداع المسرحي في النضال الوطني من أجل الاستقلال، بعد احتلال مصر، ومن رواد هذه الفترة: عبد الله النديم- مصطفى كامل - أبو خليل القباني.‏

3- فترة ازدهار مسرحي مبكر تنوعت فيه الأغراض وتجارب الكتابة مع مطلع القرن العشرين، حيث تألق في المسرحيات العاطفية سلامة حجازي ومنيرة المهدية، وفي الكوميديات نجيب الريحاني، وفي التراجيديات جورج أبيض وعبدالرحمن رشدي وفاطمة رشدي، وفي الميلودرامات يوسف وهبي.‏

4- فترة الجولات العربية الأولى، حيث زارت تونس فرق مسرحية متعددة. وقد لعبت هذه الزيارات دوراً في تكوين الرواد الأوائل للمسرح التونسي (اللكودي - محمد بورقيبة- علي الخازني)، وفي الجزائر (رشيد القسنطيني- علالو- محي الدين بشطرجي)، وفي المغرب (محمد الزغاري- محمد بن الشيخ - محمد القري - عبد الواحد الشاوي - المهدي المنيعي). وكذلك في ساحات عربية أخرى.‏

5- فترة ما بعد ثورة 1919، وعرفت إنتاجاً مسرحياً أصيلاً متأثراً بالنزعة التي فرضت نفسها في الثقافة العربية، وهي نزعة «فخورة» بالإرث الحضاري القومي ومتفتحة في الوقت نفسه على الثقافات العالمية الأخرى. ازدهر في هذه الفترة المسرح المجتمعي والمسرح المنوع ومن روادها أحمد شوقي وتوفيق الحكيم.‏

6- فترة ما بعد ثورة 1952، التي عرفت ميلاد المسرح الملتزم إيديولوجياً. ونجد محاولات لإدماج عناصر تقليدية في الإبداع المسرحي العرفي سعياً لتأصيله كالسامر والحكايات الشعبية والمقالات. ومن أعلام هذه الفترة: محمود تيمور- محمود المسعدي- سعيد عقل- الفريد فرج- يوسف إدريس- أحمد الطيب العلج- الطيب الصديقي- علي بن عياد- الحبيب بو لعراس..‏

7- فترة ما بعد هزيمة 1967، التي أفرزت مسرحاً قومياً قوياً وأصيلاً للتعبير عن غضبة الإنسان العربي وفضح هزائم الأنظمة العسكرية والرجعية، وقد جعل هذا المسرح من القضايا القومية التزاماً صريحاً وعلى رأسها قضيتا فلسطين ولبنان، ومظاهر التبعية للعرب الاشتراكي أو الرأسمالي، والمخاطر التي تهدد الهوية الثقافية العربية. وفي هذه الفترة اتسع نطاق محاولات التأصيل مشرقاً ومغرباً. نذكر من رواد هذه الفترة على سبيل المثال لا الحصر: سعد الله ونوس- نجيب سرور- سعد الدين وهبة- علي سالم- فوزي فهمي- عبد الكريم برشيد- محمود دياب- نعمان عاشور.‏

8- فترة التأزم بعد السبعينات- وهي التي نتجت عن الجرح الذي أصبح عميقاً في العقل العربي من جراء سلسلة الهزائم القومية والخلافات العربية مما عمق التجزئة والتعصب القطري وغياب الشروع الحضاري العربي. وقد تفاقم هذا التردي من جراء ظهور الثراء البترو دولاري واكتساح الفيديو الذي صعّد نماذج المهندس ومدبولي وأمام. أما الأصوات الأصيلة فقد آثرت الصمت أو الهجرة أو التقية من خلال أعمال تجمع بين الالتزام والإلهاء (دريد لحام- زياد الرحباني) أو هي أعمال تجريدية تنفي نفسها في التراثيات أو أبطال التاريخ العربي (المسرح الاحتفالي).‏

يناسب هذا التقسيم تطور الحركة المسرحية في مصرعلى وجه التقريب، ويحفل بإشاعة التأويلات التي لا توافي التاريخ أو فهم الظاهرة المسرحية العربية كما في الحكم على المسرح الاحتفالي أو إدخال سعدالدين وهبة وفوري فهمي ونعمان عاشور على سبيل المثال ضمن محاولات التأصيل، أو اعتبار الحدث السياسي حدثاً فنياً فاصلاً. ولعل مثل هذا العرض التاريخي المبتسر والمتعسف يجعل من مهمة كتابة تاريخ المسرح العربي ملحة وعاجلة. وتتوقف الورقة عند أسئلة كثيرة: لماذا هذا التقطع التاريخي؟ هل من سبيل للخروج من هذا النفق الذي يجتازه المسرح العربي؟ ما هي الشروط الضرورية للإنقاذ الممكنة؟ كيف نجعل المسرح العربي مسرحاً متناسباً مع العهد العلمي الذي نعاصره؟ كيف يجد المسرح العربي مدخله إلى الكونية والخلود؟‏

ثمة إنشائية واضحة في صياغة الأسئلة. ولكن المهم فيها هو تشخيصها لأزمة مستحكمة بالمسرح العربي اليوم. لا تملك الورقة إجابات جاهزة على هذه التساؤلات المحيرة، وحتى لو كانت تملك مقترحات حلول، فإن الظرف الموضوعي قد لا يساعد على أن تجد تلك المقترحات طريقها إلى الممارسة المسرحية. وما ذكرت من عناصر وشروط يتلخص في مايلي:‏

- جماهيرية المسرح.‏

- تطلعات قومية حضارية.‏

- عمل جماعي.‏

أما كيف تتحقق هذه العناصر والشروط فقد تجاوزتها الورقة إلى خطاب سياسي حول «فشل الدولة القطرية التي اختارت لنفسها نموذج المجتمع السياسي المعزول»، وهجاء الواقع المسرحي المهزول.‏

من الطريف في الأمر أن علي عقلة عرسان، وهو المختص في مجال بحث الظواهر المسرحية العربية أو التراثية، كان رئيساً لجلسة المسرح في الملتقى، فرفض ما جاء في الورقة، وعد هذا الرأي تغييباً لأهم عناصر الهوية القومية في المسرح. ثم تواتر هذا النقد في غالبية المداخلات. فقد أكد المشاركون أن فكرة المسرح ليست غربية، وأن أول فهم للهوية القومية هو نفي القطيعة مع التراث العربي وضرورة رصد الظواهر المسرحية انطلاقاً من إعادة النظر في فهم الظاهرة المسرحية عموماً، تاريخياً واجماعياً وفنياً. ومما قاله عرسان: إذا كان المسرح الغربي قد نشأ في أروقة الدين ورحابه ملتصقاً بطقوسه مبشراً بدعوته، فلماذا نستنكر على الظاهرة المسرحية العربية لصوقها بالطقوس الدينية الإسلامية؟ وتساءل عن التعارض المزعوم بين العروبة والإسلام، أما المهم فهو الأصالة الثقافية من منطلق وعي التاريخ ووعي الإبداع في لحظته الحاضرة.‏

ورفدت التجارب المسرحية هذا الحديث التأصيلي، فرأت منى واصف أن الأصالة توفر منظومة قيمية أخلاقية للممثل والمسرحي على وجه العموم، وأول القيم الالتزام القومي والتمثل بروح الفنان العربي. وربط مصطفى كاتب مسيرة الكفاح المسرحي بالأصالة النضالية والثقافية للشعب العربي في الجزائر. ووجد علي سالم المسرح في وعي الإنسان العربي بوجوده، فأن يركز على الاهتمام بالمسرح معناه الاهتمام بكبرياء المجتمع نفسه، فالمسرح نبل، والتزامه صورة للحياة، وصورة للواقع أجمل. ورهن أسعد فضة تطور المسرح العربي في سورية بهموم التأصيل ولخصها في العبارة التالية: الإبداع يعني الهوية. وهذا ما دفعنا إلى إقامة مهرجان دمشق للفنون المسرحية لتجد بحوث التأصيل وتجاربه أرضها العربية المشتركة. وعبّر سمير العصفوري بحدة عن المشكلة بقوله: «أخفقنا لأن شكسبير لم يشاركنا همومنا وقضايانا». وجدد محي الدين صبحي القول: «إن المسرح فعل مصيري، أي إنه فعل قومي». ورأى مراد وهبة أن المطلوب هو مصادمة الجمهور، وليس مصادمة السلطة فحسب، لأن الجمهور غارق في الخرافات والأساطير، والمسرح مناخ صدام للوعي. ودعا في هذا الإطار علي المصراتي إلى تربوية المسرح، ولاسيما المسرح المدرسي. وأعلن عبدالحق الزروالي نقمته على الكلام عن المسرح في غياب المسرح، فقد أفسدنا الحب والكلام عن الحب. وكأننا إذا قدمنا مسرحية للشعب (يقصد مسرحية غير نخبوية) فيجب أن تكون تافهة، وأفاد أن الطليعية لا تعني فقدان الجماهيرية، ولا تعني الأصالة، فالتأصيل المسرحي يكون في الممارسة الحقة مع الجماهير.‏

وكان عبد الكريم برشيد أثار مشكلة الكتابة المسرحية العربية من أفق السؤال المشروع عن روح التأسيس، فإن تكتب يعني أن تكون مسكوناً بتراثك كله، فالتراث في روح التأسيس دائماً، لكونه ذاكرتها الحية والأصيلة.‏

إن حصيلة الملتقى العربي الأول للإبداع الأدبي والفني في مجال المسرح، تشير إلى مايلي:‏

1- وضع قضية الهوية القومية للمسرح العربي موضع الحوار على أنها القضية الفكرية والفنية الأولى في وجدان المسرحيين العرب وفي ممارستهم المسرحية، وهو ما أكدته جلسات لجنة المسرح.‏

2- وضع قضية الهوية القومية للمسرح العربي في سياقها المعرفي والتاريخي العام للثقافة العربية، إذ نوقشت هذه القضية لأول مرة من منظور اتصالها بالآداب والفنون العربية الأخرى. ومن منظور شامل لقضية التأصيل.‏

3- وضع قضية الهوية القومية للمسرح العربي في سياقها الفني والثقافي الذي يرى المسرح ظاهرة إبداعية جماعية وظاهرة اجتماعية ثقافية، فحشد الملتقى لجلسة المسرح مسرحيين من صنوف الإبداع المسرحي المختلفة: الإخراج- التمثيل- التأليف- النقد- البحث- التعليم...إلخ.‏

4- أثبتت الحصيلة فقر القائلين بانعدام المسرح في التراث العربي بتجارب وشهادات حية نظرت إلى المسرح العربي في تطوره الحضاري والثقافي العام على أنه حاجة قومية وفن قومي عرفته الشعوب شكلاً من أشكال التعبير، وإن اختلفت الظاهرة المسرحية من شعب لآخر.‏

والمهم هو الانطلاق دائماً من الظاهرة المسرحية القومية لأنها ضمانة الاتصال بالجماهير، وحصانة الإبداع الأصيل. وهذا ما تبين في الموقف الناقد للورقة، وفي الحماسة البينة التي أظهرتها خبرات مسرحية عربية أفصحت عن نفسها في ميدان الأصالة المسرحية.‏

-3-‏

تأتي أهمية ندوة الرياض للاعتبارات التالية:‏

1- معالجة لموضوع ذي أهمية وحساسية خاصة هو الموروث الشعبي المكتوب والشفهي في الإبداع العربي الحديث.‏

2- مشاركة عدد كبير من المبدعين العرب من غالبية الأقطار العربية.‏

3- اقتران النظرية بالتطبيق في بحوث الندوة ومناقضتها من منظورات قومية عربية لا تغفل الالتباس الكامن في هذا الموضوع فكريا (ولاسيما العلاقة بالإسلام) وفنياً.‏

وعلى مدار أربعة أيام، وفي خمس جلسات نوقشت أوراق الندوة، وناقش المشاركون ورقة عمل في كل جلسة، بالإضافة إلى التعقيبات المعدة مسبقاً والمداخلات الآتية:‏

ترأس الجلسة الأولى منصور الحازمي، وقدم ورقتها علي الراعي حول «الفن المسرحي في العالم العربي: تاريخه وعوامل ظهوره»، وعرض فيها لاختلاف الرأي المتواتر في معرفة العرب للمسرح شارحاً المواقف المتباينة للذين أنكروا هذه المعرفة، والذين سعوا لإثباتها، والذين عملوا لتأصيلها على ما وصلهم من ظواهر وأشكال مسرحية عربية أو قابلية للمسرح.‏

ولاحظ الراعي أن ثمة تيارين غلباً على المشهد المسرحي العربي خلال أكثر من قرن من الزمن. دعا التيار الأول إلى شعبية المسرح العربي أو المسرح الشعبي العربي منذ الرواد، مارون النقاش وأبي خليل القباني ويعقوب صنوع، إلى المحاولات الأخيرة للطيب الصديقي وعبدالكريم برشيد وعز الدين المدني وقاسم محمد ويوسف إدريس وسعدالله ونوس وغيرهم. بينما بذل أصحاب التيار الثاني جهوداً كبيرة للكتابة المسرحية على القالب الغربي. وقد صبت معظم مسرحيات توفيق الحكيم التي تنوف على الستين مسرحية في هذا القالب. ثم ناقش علي الراعي أبرز الظواهر التي رافقت تطور المسرح العربيى الحديث كالإلحاح على وظيفته الاجتماعية والسياسية وغلبة الاتجاه الواقعي على ممارسته وعرضه وتأثير وسائل الاتصال بالجماهير الأخرى على انتشاره، والفوائد الكبرى التي أداها المسرح للثقافة العربية الحديثة كحمايته للغة العربية في الشمال الإفريقي، وتطويعه لقابليات اللغة العربية في معركة الحضارة الحديثة...إلخ.‏

وقد قرر الراعي أنه بفضل هذه الجهود جميعاً قام فن المسرح في أجزاء كثيرة من الوطن العربي، وأصبح جزءاً من الحياة الاجتماعية والثقافية في البلاد التي مارسته وعقدت له المهرجانات في كل من دمشق وبغداد والقاهرة وتونس والجزائر والمغرب، ورصدت له الحوافز وشارات التكريم، ومنح فنانوه الاعتبار الاجتماعي الأكمل على شكل جوائز وألقاب مختلفة. وعقب على الورقة ألفريد فرج وعبدالكريم برشيد. تساءل الفريد فرج عن المدخل السليم لنشوء ظاهرة المسرح العربي، فنحن نتحدث عن مستوى معين هو المستوى الأدبي، ثم نهمّش جانباً المسرحيات التي لا ترقى إلى هذا المستوى مؤكداً أن المسرح ليس نصاً وحده، وهذا المدخل غير سليم، لأن الظواهر المسرحية العربية منتشرة وموجودة قبل التقليد الغربي، مشيراً إلى أن النشاطات شبه المسرحية تحولت في القرن الماضي إلى الساحة الكبيرة للأدباء والمثقفين والجمهور العريض، وصار المسرح بعد ذلك قادراً على صناعة التاريخ. أما عبدالكريم برشيد، وهو صاحب منهج خاص في «الاحتفالية المسرحية»، فقد أعاد إلى الأذهان فكرته عن المسرح وفهمه لتاريخ التجربة المسرحية العربية، فثمة انفصام بيننا وبين المسرح. فقد أرخوا لصيغة مسرحية غربية تبنيناها من خلال الصدمة الحضارية، وبحثاً في المتغير ولم نبحث في الثابت. اهتم الباحثون والمسرحيون بصيغة مسرحية واحدة كائنة، وأهملوا عشرات أو مئات الصيغ المسرحية الأخرى الممكنة. ودلل على رأيه بأقوال المستشرقين حول استعداد العرب للتعامل مع المسرح، وذكر بأنها نظرة فاشية تفرق بين إنسان وإنسان، وأشار برشيد إلى أن الأبحاث قد انطلقت من فرضيتين خاطئتين، أولاهما أن المسرح واحد موحد، وثانيهما هي أن المسرح غربي أو لا يكون مسرحاً، وقال برشيد: حتى نبحث عن المسرح العربي يجب أن نبحث عن شروط المؤسسة المسرحية، ورأى أن الشروط الأساسية لإيجاد مسرح حقيقي هي وجود المدنية والديمقراطية والفكر. وعرض برشيد لأشكال من التلفيق والتوفيق في بناء المسرح العربي ليعرّج بعد ذلك على جهود التأصيل كما تبدت في بحوث علي الراعي وعلي عقلة عرسان. أما المناقشات للورقة والتعقيبات عليها فقد كانت حادة وصاخبة حول النقاط التالية:‏

- الاتفاق حول وجود ظواهر مسرحية عربية وبعض مظاهر التمثيل. ولكن العرب لم يعرفوا المسرح. فما حصل خلال أكثر من قرن من النهوض المسرحي هو مقالات قابلة للمسرحة ووضعها في قالب مسرحي أوروبي، بينما أكد كثيرون أيضاً أن العرب عرفوا المسرح، ولكن المسرح ليس واحداً وليس أوروبياً فحسب، فلماذا نعترف بشعائر الفراعنة والاغريق والكنيسة على أنها مسرح، وننكرعلى التراث العربي حقه؟‏

- الاختلاف حول تشخيص النهضة المسرحية العربية ومراحل تأريخها والعوامل المؤثرة فيها كما وردت في ورقة العمل، وعلى سبيل المثال ليس صحيحاً ما ذكره الراعي حول المسرح في سوريا، وأنه بدأ في ندوة الفكر والفن بعد الاستقلال لأن بداءته كانت في العشرينيات، وثمة ملاحظات أخرى كثيرة.‏

وفي الجلسة الثانية التي رأسها عبد القادر طاش وقدم ورقتها علي عقلة عرسان كان الموضوع «لغة المسرح بين الفصحى والعامية». وحملت الورقة دفاعاً مجيداً عن اللغة العربية ومقدرتها على التطور وحمل الرؤى الفنية والتعبيرية الجديدة. واستغرق في العرض التاريخي لمحاولات التقليل من شأن هذه اللغة وصلاحيتها لعلوم العصر وآدابه وفنونه، ووجد أن منطلق هذه المحاولات هو الاستعمار والمستشرقون والمتغربون الذين أرادوا إحداث الشرخ الثقافي في جسم الأمة العربية وتحويل لغة القرآن الكريم والثقافة العربية كلها وكل ما تحمله إلى لغة متحفية ومقبرة للمعلومات وللتراث العربي الإسلامي كله. وعززوا نهجهم ذاك بشكل مستمر وبكل الوسائل. ورصد بعناية حجج أنصار الفصحى وآراءهم، وكذلك فعل مع أنصار العامية، وانتقل إلى المسرح وطبيعته ولغته، وركز على موضوع لغة الحوار في المسرح العربي بين الفصحى والعامية مستنداً في إيجاز للجانب التاريخي من الموضوع إلى ما سبق وأوضحه من خلفيات وملابسات واجتهادات وآراء في موضوع الفصحى والعامية ضمن الإطار الثقافي العام ومستفيداً منه في الإشارة إلى الحجج والذرائع في إجمال القضية وشمولها، فعرض لتاريخ لغة الحوار في المسرح العربي، ووجد أن الرواد في بلاد الشام قد اعتمدوا الفصحى لغة للحوار المسرحي.‏

أما في مصر فقد لجأوا إلى العامية، بينما اختار بعضهم المزج بين الفصحى والعامية أو اقتراح لغة وسيطة بينهما، وأورد حجج الذين يعتمدون الفصحى لغة في الحوار المسرحي في بنود واضحة مفصلة. فالمسرح أدب عماده الكلمة المجنحة، والفن والأدب جزء من المعطى الثقافي ومجال من مجالات الإبداع النابع من الأمة والمتصل بها تفكيراً وتعبيراً وانتماء واهتماماً، والعامية لا قواعد ولا معايير ولا أصول ولا ثوابت لها، وكلها متغيرات على غير أساس أو معيار، وهي تتغير من قطر إلى قطر ومن حي إلى حي، ومن ريف إلى ريف، ومن مدينة إلى أخرى، ومن قرن إلى قرن. واللغ العربية الفصحى واسعة ومرنة ومفرداتها مبثوثة في أكثر من خمسة وتسعين بالمائة من مفردات الدارجة، والعامية تراكيب غير سليمة، وعدم أعراب، وحشو لبعض مفردات غير عربية محلية، أو لكلمات أنتجها خطأ السماع أو الإبدال أو اللسان واعوجاجه عند بعض الأشخاص ونماها الجهل وعدم التدقيق...الخ.‏

وختم ورقته بإظهار ميله إلى الفصحى، فنحن ننشد السلامة التامة في المكتوب من لغة الحوار ونريد أن نربي ملكة السمع على الفصحى سليمة في المسرح من خلال المنطوق من كلام شخوص المسرح في بيان ينمي الذوق ويوصل المعنى، ولنعمل قولاً سديداً لابن خلدون الذي قال (السمع أبو الملكات اللسانية)، وليصبح المسرح داراً للتربية أيضاً.‏

وعقب على الورقة علي جعفر العلاق ومحمد بن سعد بن حسين. وبدأ العلاق تعقيبه بالإشارة إلى خطورة هذا الموضوع وحيويته، لأن المسرح حوار، ولا شيء سواه، وهو العلاج الوحيد للكاتب المسرحي، وعن طريقه تتكشف المصائر عن شبكة العلاقات بين شخصيات المسرحية، وعن طريقه تتكشف المصائر والأهواء، وتتجه صوب ذروة درامية.‏

وأشار إلى أنه بسبب انفصام لغة الآداب والفكر عن لغة الحياة فنحن نواجه معضلة خاصة لا توجد في الأمم الأخرى، ونحن حيارى بين اللغة الشفهية واللغة المكتوبة. وأكد العلاق أن الصعوبة لا تكمن في الفصحى بحد ذاتها، بل تكمن في مستوى التعبير بالفصحى أو طريق التعبير بها في المسرح العربي، وأن الفصحى يمكن بأن يكتب بها مسرحيات جيدة. كما أكد أن القضاء على العامية لا يكون بالتوصيات، ولكن بتضييق المسافة بين الفصحى والعامية والقضاء على التخلف.‏

وفي تعقيبه أثنى محمد بن سعد بن حسين على ورقة عرسان، ولكنه أخذ على الباحث إطالته في التقديم الذي استغرق نصف الورقة تقريباً وتساءل ابن حسين عن رسالة المسرح. وهل هي توجه الناس أم لا؟ وأكد ذلك بنعم، وتساءل أيضاً عما إذا كان من رسالة المسرح إصلاح لغة العرب؟ فمادام المسرح وسيلة إصلاح فإننا نطلب منه ذلك. وخلص إلى أن المسرح قد رسخ لدى العرب. وإنه يجب على المثقف أن يوجه المجتمع إلى الصالح، وإلا ينزل إلى حيث العامة.‏

ونوجز الملاحظات حول الجلسة الثانية، فيمايلي:‏

- بروز الخلافات بين دعاة الفصحى ودعاة العامية، فقد كشفت الندوة أن هناك كثيرين ممن يؤمنون بالعامية لغة المسرح باسم الديمقراطية، وفي هذا خلط واضح، إذ يتجاهل هؤلاء أن خيار وسائل الاتصال كالإذاعة والتلفزة والخيالة ليس خيار الشعب.‏

وثمة أطروحات أخرى دافعت عن العامية باسم الواقعية، متجاهلة أيضاً أن الواقعية الفنية لا تعني النقل الحرفي للواقع، لأن للغة المسرح مستويات تعبيرية وغيصالية ومجازية تختلف عن لغة الناس في الحياة اليومية، والفن كله لا ينقل لغة واقعية مباشرة، وإلا خرج عن طبيعته.‏

وفي الجلسة الثالثة التي يرأسها محمد بن حسن الزير، كان الموضوع «الشكل والمضمون في المسرح العربي وعلاقته بالتراث». وقدم ورقتها عزالدين إسماعيل. وقد طرح إسماعيل في مستهل ورقته جملة من الأفكار لتكون بمثابة منطلقات أساسية للنظر في قضية المسرح وعلاقته بالتراث الشعبي من حيث الشكل والمضمون. فبدأ بفكر التراث نفسه، وتأمل قليلاً في مغزى أن علاقتنا بهذا التراث قد صارت منذ زمن غير قصير موضوع بحث وجدل، واستخلص من هذا الموقف أننا صرنا نتحرك في هذا الجدال على أساس من ثنائية «نحن» و«التراث». وهنا النحن تشير إلى وعي بالذات كما تشير كلمة التراث إلى كيان خارجي له مقوماته الخاصة. والعلاقة بين طرفي هذه الثنائية هي التي كانت منذ بداية النهضة حتى اليوم موضع التساؤل والفحص والتحديد.‏

وانتهى إسماعيل إلى ضرورة التفرقة بين مستويين عامين في موقفنا من التراث: المستوى الأول يتمثل في الوعي به، ويتمثل المستوى الثاني في توظيفه، على أن تحقق هذا المستوى الثاني مشروط بتحقق المستوى الأول، فلا توظيف للتراث دون وعي به. ولاحظ أيضاً أن مفهوم توظيف التراث ينطوي في دلالته الأخيرة على حقيقة أن من يوظف التراث لابد أن يكون قادراً على فعل الاتصال- الانفصال، الاتصال بالتراث والانفصال عنه في الوقت نفسه. أما الاتصال فيحقق المعرفة، وإما الانفصال فيسعف على التوظيف. ومع ذلك فإن خصوصية التراث الشعبي وتاريخيته تفرض له في حياتنا وضعية خاصة. فالتراث الشعبي لا يتمثل فحسب في تلك المأثورات التي أمكن تدوينها في حقب مختلفة من الزمن الماضي، وأصبحت بالنسبة إلينا في زمننا الحالي مجرد مادة مقروءة، بل يمتد هذا التراث ليشمل كل أشكال الإبداع الشعبي حتى زمننا الحالي نفسه. وهكذا وجدت المادة الشعبية العربية طريقها إلى المسرح في يسر لأنها كانت المادة الحية في ضمائر عامة الناس القادرة على تحريك مشاعرهم وجلب المتعة إلى نفوسهم، وقد أقبل كتاب المسرح على تلك المادة مبكرين دون أن يستشعروا أدنى غضاضة في التعامل معها، وهم لا ينظرون إليها على أنها مادة هابطة القيمة، كما قد يخيل إلى من يتوجسون خيفة من التعامل مع التراث الشعبي على المستوى العامي، ناهيك عن توظيفه في الأعمال الأدبية والفنية.‏

وعرض إسماعيل لتوظيف بعض مصادر التراث الشعبي كألف ليلة وليلة والسير الشعبية والحكايات القصيرة الطريفة المعروفة باسم النوادر ولاسيما حكايات جحا ونوادره.‏

وانتقل بعدئذ إلى محاولات توظيف الشكل المسرحي، فهناك من ذهبوا إلى أن الشكل المسرحي الحقيقي المعتمد هو الشكل الغربي بما حققه من نضج وتفوق على المستويات التقنية والفنية والفكرية، وأن الأشكال المسرحية التي عرفها العرب وكانت تستهدف التسلية الشعبية مثل «الحكواتية» و«المحبظين» و«وخيال الظل» و«الأرجواز» ليست من فن المسرح في شيء، وإن احتوت على بعض عناصره الشكلية، وإنها، أي هذه الأشكال، لم تكن نواة للفن المسرحي الحديث عندنا الذي لا يمكننا أن ننظر إليه على أنه تطور عنها.‏

وذكر إسماعيل أن الجدل حول مفهوم الهوية قد اشتد في الخمسينيات، وجرى الاعتراف بأهمية هذه الأشكال في تحقيق مسرح عربي له خصوصيته وتميزه. وكانت هذه الجهود تتعلق في معظم الحالات باستنباط الشكل المسرحي الذي يتأسس بصورة مباشرة على عنصر أساسي أو مجموعة من عناصر الأداء الشعبي المشار إليها أو من غيرها.‏

وختم عزالدين إسماعيل ورقته بالقول: «إذا كانت قضية الشكل المسرحي مازالت مطروحة ولم تحسم بعد، وكانت لاتزال قابلة للتمحيص والتجريب، فإن هذا لا ينبغي أن يكون مصدر إزعاج لأنه يأتلف وطبائع الأشياء. أما على مستوى المضمون فإن التجربة المسرحية العربية مازالت تجد في التراث مجالاً واسعاً لا ينفذ للتفاعل والتأصيل». وقد عقب على الورقة محمد يوسف نجم وعزالدين المدني وعبدالرحمن بن زيدان. رأى محمد يوسف نجم أن الورقة تتميز بالنظرة الشاملة التي أحاطت بالموضوع من كل جوانبه. أما عزالدين المدني فوجد البحث مشغولاً بالمسرح العربي في مصر بالدرجة الأولى، وغفل عن تجارب عربية كثيرة في أقطار عربية أخرى كانت ستضيء جوانب من توظيف التراث الشعبي في المسرح العربي، فخصّ تعقيبه تجربته المسرح في تونس في مجال العلاقات بالتراث.‏

ثم عقّب عبدالرحمن بن زيدان على البحث فتطرق بالنقد إلى مركزية التجربة النقدية بمصر على الرغم من أن القضية المركزية للنقد المسرحي هي الشكل والمضمون والتراث في التجارب العربية الأخرى، وناقش محاولات البحث عن قالب مسرحي عربي خارج مصر، وتوقف عند اتجاهات تسييس المسرح بالتراث عند سعدالله ونوس وعلي عقلة عرسان وعزالدين المدني.‏

وكان أشار إلى محاولات مسرحة التراث لدى الطيب الصديقي، وتوقف مطولاً عند المسرح الاحتفالي عند عبدالكريم برشيد، وفرّق بين تحقق الذات في الممارسة وتحقق الذات في النظرية، وناقش بإيجاز دواعي استخدام التراث وحاجاته شكلاً ومضموناً، مما أضاف إلى ورقة عزالدين إسماعيل كثيراً.‏

وهناك ملاحظات كثيرة حول الورقة، نذكر منها:‏

- بروز الحاجة إلى تأريخ المسرح العربي القومي الذي ينظر في مجموعة التجارب المسرحية في الأقطار العربية كلها، وينظر إلى العوامل والمؤثرات الختلفة.‏

- ظهور اتجاهات قوية تؤكد أن توظيف التراث العربي شكلاً ومضموناً ملاذ للخروج من أزمة المسرح العربي وإجابة صريحة على مشكلاته الكثيرة، ولاسيما الهوية، والتوكيد على أن التوظيف لا يعني أن إعادة خط أو مضمون، بل هو علاقة تستفيد من الشكل والمضمون في تركيب مسرحي جديد.‏

وفي الجلسة الرابعة، عولجت «التجربة المسرحية في المملكة العربية السعودية» وخصصت الجلسة الخامسة والأخيرة لموضوع «نحو مسرح إسلامي»، ولا نعتقد أن ثمة فائدة في عرضها في هذا السياق. هذه الندوة فائقة الأهمية، لأنها عقدت بالرياض أولاً، ولأنها قاربت موضوعاً يمثل حافة حرجة في الثقافة العربية الإسلامية هو المسرح ثانياً، وجمعت بين حشد من المفكرين والأدباء وفناني المسرح من تيارات مختلفة، ومن أقطار عربية مختلفة، وذوي شأن في المسرح العربي ثالثاً.‏

-4-‏

ثم كانت الندوة الفكرية لأيام قرطاج المسرحية في دورتها الخامسة التي عالجت مشكليات التلقي والتواصل في الفعل المسرحي، وفيها اعترف المسرحيون بأن «اللاتواصل» أصبح هو القاعدة في الفنون كلها، ومن ضمنها المسرح، فانكبوا على دراسة عوائق الاتصال في الفعل المسرحي، فوجدوا أن قضية إهمال الهوية في المسرح العربي هي الأساس، فلابد من فهم مشكليات التلقي وتطوير وسائله على ضوء الهوية القومية ليمكن تطوير المسرح، فللتلقي سوسولوجيته وأنثروبولوجيته (الإناسة) وسيمولوجيته، وهي مرتبطة بالتقاليد وقابليتها للتحديث. وقد لاحظ المشاركون أن الفعل المسرحي يتحقق في إطار تاريخي وحضاري محدد، وضمن بنية ثقافية وسياسية واقتصادية شاركت في إنتاجه وتعطيل هذا الانتاج أو إقصائه، كما يتحقق التواصل والتلقي من خلال شبكة من الدلالات أو من الشفرات المنتجة داخل منظومة معرفية ينتمي إليها المبدع والمتلقي. لذلك درسوا عوائق الاتصال في الفعل المسرحي على مستوى مكونات العرض نفسه، وعلى مستوى ظروف إنتاجه وتوصيله. فعلى مستوف مكونات العرض لاحظوا مايلي:‏

1- غربة فكرة العرض أو أحد عناصره التعبيرية عن المتلقي حيث لاحظ المتدخلون أن إقبال المتفرج على العرض يتناسب طردياً وألفته جمع فضاء العرض ووسائل التعبيرية الأخرى مثل الهندسة المعمارية والمشهدية للمسرح والأزياء وغير ذلك.‏

2- انحراف الرسالة الاتصالية وانقطاعها بسبب عدم تمكن المرسل من أدواته التعبيرية وتمرسه بها أو بسبب خروجها عن النمط السائد وعدم تقليديتها.‏

3- عدم تقاطع المتلقي مع الهموم والاهتمامات التي يطرحها العرض حيث لوحظ عدم إقبال المتفرج على العروض التي لا يجد فيها نفسه. فالمعادلة ليست دائماً قائمة بين أهمية العرض وطرحه لرؤى فكرية وفنية ذات قيمة إنسانية بالغة، وبين إقبال المتفرج عليها، ودعوا إلى مزيد من الانكباب على الظاهرة التي تشكل حيرة كبرى للباحثين.‏

4- انحراف الرسالة بسبب غياب إطار دلالة واضح يشكل مرجعية مشتركة بين آليات الباث والمتلقي، ويسهل عملية التقبل، حيث يضيع معنى العرض في فوضى من العلامات التي تنتمي لها أبنية عصرية ومنظومات ثقافية وحضارية مختلفة، وأحياناً متعاركة.‏

وأشار المتدخلون على مستوى المتلقي إلى أن المتفرج هو شريك أساسي في عملية الإبداع المسرحي، كما أن التلقي المسرحي تلق من جنس فريد، لأنه ليس عملية أفقية تتم بموجبها توجيه رسالة من الخشبة إلى الجمهور، بل أن المتلقي يتحول إلى باث. وهذه العملية التواصلية الدائرية قد تصل إلى إدخال عمليات تغير هامة على الرسالة الأولى. وقد توقف المتدخلون عند عناصر وظروف تلعب دوراً هاماً في صنع آليات التلقي عند المتفرج والتأثير عليها، منها المستوى الثقافي للمتفرجين ومدى تجانسهم ومستوى خبرتهم بعملية الاتصال المسرحي ومدى استعدادهم لتقبل آراء وأفكار مخالفة لمرجعيتهم الفكرية والثقافية ومدى تحررهم من واحدية التفسير والتركيب للرسالة المسرحية وفهمها ومدى تأثر الآراء والقواعد والخفايات التي تضعها المؤسسات النقدية والإعلامية والتعليمية، التي توجه سلفاً عملية التقبل فتعمقها، أو تنصرف بها، أو تشوهها.‏

لقد جرت الإشارة إلى تأثير الانتماء الثقافي والاجتماعي والاقتصادي للفرد على عملية التلقي والتوكيد على أهمية التنشئة المسرحية للمتفرج منذ سنوات الطفولة الأولى حيث لاحظوا، على الأقل على المستوى العربي، تهميش مسرح الطفل والشباب سواء على مستوى الإنتاج أو البرمجة، وطالبوا أن يكون المسرح مادة أساسية في مناهج الدراسة حتى يلعب المسرح دوره لا فقط في إعداد متفرج صغير، بل في تحير طاقاته الإبداعية وتنشئته على قيم فكرية وفنية جمالية إنسانية.‏

اعترف المسرحيون العرب، أخيراً، أن من أهم المشكلات التي تواجه التلقي والتواصل في الفعل المسرحي «انحراف الرسالة الاتصالية وانقطاعها بسبب عدم تمكن المرسل من أدواته التعبيرية وتمرسه بها أو بسبب خروجها على النمط السائد وعدم تقليديتها»، أو بتعبير آخر «بسبب انقطاعها عن التجربة الفنية ولاسيما التقاليد المسرحية»، أو بتعبير مختصر دال هو القطيعة المعرفية والذاتية مع التقاليد القومية. وإذا كان ثمة من يستنكر وجود المسرح أو الظاهرة المسرحية في التراث العربي القديم، فإن تجربة أكثر من قرن من الزمن شكلت تراثاً عربياً حديثاً اختبر الظاهرة المسرحية في المجتمع العربي، وتوصل إلى خيارات متعددة في الفعل المسرحي تحمل خصوصية قومية لا يماري أحد في جدارة الأسئلة التي تطرحها على المسرح العربي على وجه الخصوص، وعلى الثقافة العربية على وجه العموم.‏

إن عشرات الظواهر المسرحية، الاتصالية، المشهدية، المنبثقة عن الاحتفالات والطقوس الاجماعية والدينية أعيد اكتشافها واستخدامها في أجوبة الهوية القومية للمسرح العربي، ولعل آخر هذه الاكتشافات قابلية «مسرحة» النصوص السردية في الثقافة العربية والإسلامية، وهي هائلة وثرية بالمشهدية ولغة الحوار مع الجمهور، كما هو الحال مع كتب القصة والمتصوفة والحكايات والرموز الشعبية والشعائر الدينية وسوى ذلك من طقوس. أما آخر هذه الاستخدامات فهو شيوع اتجاه الاحتفالية الذي يثمر بعض هذه الاكتشافات في تطويع المسرح لحاجات الاتصالية والإبلاغية العربية، ومخاطبة جمهور عريض بأسلوب الفرجة.‏

يلاحظ في هذه الندوة استمرار الشجن حول الشواغل القديمة الجديدة قي الوعي الثقافي القومي في أحد أجناسه المقلقة، فعلى الرغم من حداثة موضوغ التلقي والتواصل في الفنون بتأثير تحديات وسائل الاتصال بالجماهير وتقنياتها المتطورة، فإن الآراء المطروحة في بحثها عن إجابة لم تخرج عن التساؤلات القديمة مثل: ما منزلة المسرح من اهتمامات شعوبنا؟ ما المكانة التي تعطيها السياسة في بلداننا للثقافة والمسرح، وضمن مشروعات التخطيط الثقافي على وجه الخصموص؟ وما دور الثقافة ضمن سياق يفترض تفتحاً على ثقافات العالم من جهة، ويطرح قضية الهوية من جهة أخرى؟ يظهر واقع المشكلة أن القضية ليست تقنية فحسب، بل هي موصولة الجذور العريقة بالوجدان العربي وتحرك روحيته، وليس هنا فعل مسرحي يمكن نقله عن ثقافة أخراى كلياً، لأن الفعل المسرحي ألصق بالفنون الجمعية الحركية والاتصالية من الفنون المكتوبة، ونستطيع القول جازمين أن إنجاح التلقي والتواصل دائماً، وحسب ما أظهرته الدراسات الخاصة بتأريخه هذه الظاهرة في ثقافات الشعوب مرهون بتثمير تقاليد الفرجة المسرحية في الأبنية الثقافية القومية بتجلياتها الانتروبولوجية والانثوغرافية والاجتماعية والدلالية الرمزية لمعنى الثقافة الاتصالي لدى الجماعات البشرية. وبتعبير موجز، ليس بمقدورنا أن نطور تجربتنا المسرحية دون الانطلاق من وعي طبيعة التلقي والتواصل في هذه الأبنية الثقافية القومية، بحثاً وتطويراً في الممارسة التي تلبي حاجات اتصالية نابعة من وجدان الناس ونمط تفكيرهم وطرائق عيشهم، فالفعل المسرحي لا ينقل تقليداً لتجربة ثقافية مختلفة، بل يستعاد أو يصاغ تقليداً للتجربة الثقافية القومية في وعيها العميق لذاتها، والذات لا تكون بعد ذلك معزولة عن الثقافات الإنسانية الأخرى، لأنها تغتني وتغني تقاليدها الثقافية بانفتاحها الواعي والواثق على التجارب الأخرى(9).‏

-5-‏

نستخلص من هذا العرض النقدي للتفكير الأدبي العربي الراهن بقضية تأصيل المسرح العربي مايلي:‏

1) مواجهة التحكميات التي تبتعد بالممارسة المسرحية عن تكوين تقاليدها الثقافية والفنية اللازمة لتأصيل المسرح العربي أو الاستمرار بالتقاليد الأدبية والفنية العربية، ومن هذه التحكميات:‏

أ- الجواب على سؤال المثاقفة، بوصفها سبيل الرؤيا لدى المسرحي العربي، إذ يقيس تجربته وتاريخه الفني عموماً، والظاهرة المسرحية العربية أو أشكال المسرح المتوارثة خصوصاً بمقاس المسرح الغربي.‏

ب- الجواب على محنة موضوع الهوية في العمل الثقافي العربي المشترك وفي الفكر الأدبي والتفكير الأدبي العربي منه على وجه الخصوص.‏

2) البحث في الهوية القومية للمسرح العربي، وهي أبعد من مجرد استعادة التراث أو تطويعه لقابليات العرض المسرحي، وإن استند إليه في بعض المداخل، فالمهم هو تحقق الروح العربية، ويكون هذا بالتراث أساساً مكيناً للإبداع، وليس التراث أشكالاً فحسب. لقد جرت محاولات كثيرة للتأصيل من منطلق التراث داخل المسرح، أي استلهام التراث في المسرح استدعاء لشخصيات، أو استحضار لموضوعات أو حضوراً لأفكار وقضايا، أو استخداماً لجانب من شكل أو شكل، وفي هذا بدء مشروع ينبغي تنميته بتطويع المكونات التراثية لاختيارات مسرحية معاصرة لا تنقطع عن التراث المسرحي العالمي في تطوره الشامل، فالهوية لا تعني إعادة التراث بل استعادته في عملية وجود حية تبرهن دائماً عن روح العصر، ولابد أن تواجه مثل هذه الاختبارات الأسئلة التالية:‏

1- الموقف من الظاهرة الإبداعية المسرحية العربية إزاء صلتها بالدين والطقوس الدينية، لأن المفيد هو أن تتحول الطقوس واحتفالات جماهيرية.‏

2- الموقف من الظاهرة الإبداعية المسرحية العربية إزاء صلتها مما يميزها من عناصر فرجة ومشاركة شعبية، وهذا بحد ذاته عامل نجاح في التأصيل.‏

3- الموقف من الظاهرة الإبداعية المسرحية العربية إزاء الروافد التراثية الهائلة، من القص والحكاية، وهو عامل نجاح في التأصيل أيضاً، لأنها تدخل في الظاهرة من باب قابليتها للمسرحة.‏

4- الموقف من الأشكال المسرحية التراثية، وأشرنا إلى كثير منها، وإمكاناتها الطيبة في إغناء البحث التأصيلي المسرحي.‏

إن هذه الأسئلة، وسواها، تتطلب إجابة في العمل الثقافي العربي المشترك، وفي الممارسة المسرحية العربية التي تستهدي بالهوية القومية في المسرح العربي. ولابد في هذا المجال من اللقاء المنتظم بين المسرحيين العرب لمتابعة بحث قضية التأصيل وتقويم الجهود المبذولة.‏

[مجلة «الوحدة» (الرباط) تموز-آب 1992]‏

الهوامش والإحالات:‏

(1) كنا عالجنا بعض جوانب قضية التأصيل في كتابنا: «التأسيس»، ص12 وما بعدها. وانظر أيضاً دراستنا لـ«تأصيل المسرح العربي في سورية»، في كتابنا «الإنجاز والمعاناة - حاضر المسرح العربي في سورية»، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1988.‏

(2) عرضنا لآراء بعض المسرحيين والباحثين العرب في «الأصالة والمعاصرة في ثقافتنا» في مجلة «المعرفة»، دمشق، ع118-119، كانون الأول 1971، كانون الثاني 1972، ص318 ومابعدها.‏

(3) عطية، أحمد محمد: «نحو تأصيل المسرح العربي» في مجلة «قضايا عربية»، بيروت، عدد خاص «أزمة المسرح العربي»، س7، ع12، كانون الأول 1980، ص7.‏

(4) ربما كانت إشارة توفيق الحكيم لتأصيل المسرح العربي من منظور توفيق هي الأكثر وضوحاً حتى زمنه، إذ دعا إلى الأخذ عن اليونان القدماء ومزج أدبهم بقيمنا الروحية الشرقية (مقدمة «الملك أوديب» 1949) وهو والرأي الذي ختم به اهتمامه بقالب مسرحي عربي (قالبنا المسرحي 1964). انظر:‏

- الحكيم، توفيق: «الملك أوديب»، مكتبة الآداب، القاهرة، (د.ت)، ص9-15.‏

- حمادة، إبراهيم: «توفيق الحكيم والبحث عن قالب مسرحي عربي» في مجلة «فصول»، (القاهرة)، المجلد2، ع3، نيسان-أيار، حزيران 1982، ص59-67.‏

- العيوطي، أمين: تعقيب على بحث «شكل المسرح العربي» في مجلة «الحياة المسرحية»، دمشق، ع24-25، ربيع، صيف، 1985، ص138.‏

(5) انظر:‏

- برشيد، عبدالكريم: «المسرح العربي: تجارب وأسماء وتوجهات» في مجلة «الحياة المسرحية»، دمشق، ع22-23، 1984، ص159.‏

- برشيد، عبدالكريم: «شكل المسرح العربي» في مجلة «الحياة المسرحية»، دمشق، ع24-25، صيف 1985، ص131-137.‏

- المدني، عزالدين: «نحو كتابة مسرحية عربية حديثة» في مجلة «الحياة الثقافية»، تونس، ع4، شباط 1978.‏

(6) انظر تلخيصنا لوجهة نظر عن:‏

- كرم، رئيف: «في المسرح ومكانته في حياتنا الاجتماعية» في مجلة «الفكر العربي»، بيروت، ع14، آذار-نيسان، 1980، ص38-41.‏

(7) «المسرح العربي بين النقل والتأصيل»، الكويت، 1988.‏

ولعل الإشارة إلى بعض موضوعات هذا الكتاب تؤكد تنوع المنظورات إلى قضية التأصيل وتعددها مثل «المسرح عند العرب قديماً» لعلي الراعي، «المظاهر المسرحية عند العرب» لأحمد علبي، و«خيال الظل: مسرح قبل المسارح الحديثة» لعبدالحميد يونس، وهناك أبحاث عن البداياتت الأولى للمسرح العربي الحديث وعن بعض التجارب والعروض، وبعض القضايا والهموم.‏

(8) نعتمد في عرض مواد هذه الملتقيات على الأوراق المقدمة إليها وعلى الحضور الشخصي، ومما يجدر ذكره أن غالبية الأوراق المقدمة لملتقى أغادير قد نشرت في مجلة «الوحدة»، الرباط، السنة5، العدد58-59، تموز-آب، 1989.‏

(9) رهن باحثون قضية التأصيل برمتها بمشكلة التبعية الثقافية والإعلامية. انظر على سبيل المثال: «المسرح العربي ومشكلة التبعية» في مجلة «عالم الفكر»، الكويت، المجلد17، العدد4، آذار، 1987.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244