|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 03:58 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
4 - المسرح في مؤتمرات الأدباء العرب ظلت قضية المسرح، أو قضية المسرح العربي، هامشية في مؤتمرات الأدباء العرب على الرغم من أهميتها الفكرية والفنية، ولا سيما اتصالها بقضايا أخرى مثل الهوية والتبعية والأصالة من منظورات طبيعة التفكير الأدبي العربي في انبثاق المسرح من الشعائر والطقوس الدينية أو المسرح بوصفه شكلاً أدبياً مستحدثاً كما هو شائع، أو الظواهر المسرحية الموروثة كأشكال مسرحية أو احتفالية.. الخ. أجل، لقد ظلت مثل هذه المنظورات بعيدة عن الدرس الأدبي وعن التفكير الأدبي العربي على نحو مباشر حتى مطلع السبعينات إذ ركن غالبية المشتغلين بالمسرح العربي إلى أحد اطمئنانين، أولهما الاطمئنان إلى أن المسرح شكل عربي وعلى هذا فهو مستحدث عندنا في الثقافة العربية، وثانيهما الاطمئنان إلى أن الظواهر المسرحية العربية ـ إن وجدت ـ فهي لا تقيم مسرحاً ولا تندرج في الثقافة العربية التقليدية من جهة، ولا تتيح أفقاً لنهوض مسرحي ذاتي من جهة أخرى. وعندما نوقشت قضية المسرح أو قضية المسرح العربي في مؤتمرات الأدباء العرب، على قلتها، فإنها نادراً ما التفتت إلى القضية بحد ذاتها، أو فيما تثيره من مشكلات واقعية في الثقافة العربية الحديثة، أو التفكير الأدبي الحديث على وجه الخصوص، فقد عولجت قضية المسرح العربي في علاقتها بموضوعات المؤتمرات الكبرى التي تركزت غالباً، حتى المؤتمر الحادي عشر على الأبعاد المباشرة، القومية والأيديولوجية والسياسية للأدب العربي المعاصر، بتأثير الشعارات التي توضع لكل مؤتمر، استجابة للأحداث العربية التي كانت تعقد هذه المؤتمرات للتعبير عن التفاعل معها، فتكتب المحاضرات أو الأبحاث على مقاسات محاورها لإعلان موقف تضامني عربي مشترك غالباً. ونشير إلى الأبحاث ـ المحاضرات ـ التي تعرضت للمسرح في مؤتمرات الأدباء العرب، وهي على النحو التالي: - المؤتمر الرابع (الكويت 1958م): - البطولة في الأدب المسرحي عبد القادر القط (مصر)(1). - المؤتمر العاشر (الجزائر 1975م): - النضال في المسرح العربي الباهي فضلاء (الجزائر)(2). - المؤتمر الحادي عشر (طرابلس ـ ليبيا 1977م): - مشاكل الأدب الدرامي العربي كمال عيد (مصر). - المسرح العربي يبحث عن المسرح العربي/ عبد الكريم برشيد (المغرب)(3). - المؤتمر الثاني عشر (دمشق 1979م): - المسرح الملتزم بين القطاعين العام والخاص وليد إخلاصي (سورية). - حول فاعلية المسرح العربي الحديث وامتداده الجماهيري/ البوصيري عبد الله (ليبيا). - المسرح الملتزم بين القطاعين العام والخاص/ كمال عيد (مصر). - السياسة في المسرح العربي الحديث عمر البرناوي (الجزائر)(4). وعلينا أن نشير أيضاً، إلى الظاهرة الغالبة على هذه المؤتمرات، وهي أن المحاضرات أو الأبحاث لا تعالج قضية المسرح أو المسرح العربي إلا من خلال قضية كل مؤتمر أو شعاره على حدة، وقد كانت قضايا المؤتمرات المذكورة وفق ما يلي: - المؤتمر الرابع: البطولة في الأدب العربي. - المؤتمر العاشر: الأديب العربي وموقفه من قضايا التحرير والثورة في العالم. - المؤتمر الحادي عشر: مشاكل الأدب العربي المعاصر. - المؤتمر الثاني عشر: مشكلات التجديد والسياسة في القصة والمسرح والرواية. المؤتمر الحادي عشر ـ نقلة أولى: ومن الواضح أن المؤتمر الحادي عشر، بمثابة تمهيد، والمؤتمر الثاني عشر بهذا الإطار، يشكلان نقلة في انصراف المؤتمرات إلى قضايا الأدب مقاربة أو مباشرة، وهذا متروك لجهد الباحثين واهتماماتهم، ففي المؤتمر الحادي عشر نوقشت قضية المسرح العربي بوصفه شكلاً أدبياً مستحدثاً في الأدب العربي المعاصر، وفي المؤتمر الثاني عشر بحثت قضية المسرح في علاقتها بالسياسة فعولجت جوانب من تجليات هذه العلاقة، وهي السياسة مباشرة في بحث البرناوي، والقطاع العام والخاص، أي مكانة الدولة في رعاية المسرح وعمله في بحثي إخلاص وعيد، والانتشار الجماهيري للمسرح في بحث عبد الله. أما بخصوص بحثي المؤتمرين الرابع والعاشر فهما موجهان لاستجلاء جانب من جوانب موضوع المؤتمر في جنس أدبي معين هو البطولة في المسرح عند القط، والنضال في المسرح عند فضلاء، أي أن البحث هو قضية البطولة أو قضية النضال في المسرح، وليس قضية المسرح بحد ذاتها، ومما يجدر ذكره أن المؤتمرات الأدبية التالية خلت من الاهتمام بقضية المسرح أو قضية المسرح العربي الحديث، وعلى هذا فإننا سنمضي إلى أبحاث المؤتمرين الحادي عشر والثاني عشر، والوقوف عندهما ملياً لمعاينة ما يطرحان من رؤى وأفكار في إطار درسنا للتفكير الأدبي العربي المعاصر بالمسرح. وضع كمال عيد عنواناً عريضاً لبحثه هو «مشاكل الأدب الدرامي العربي»، وأوحى إلى متلقيه أنه سيقدم رؤية واقعية للأدب الدرامي العربي، كما تشير بذلك كلمة «مشاكل»، والأصح مشكلات، غير أنه شرق وغرب في بحثه فتحدث عن الأدب ولفظ الأدب، والتعبير عن لفظ الأدب، وبزوغ الدراما من الأدب، ومقرراً نتائج هي موضع جدل وخلاف بين النظريين والمسرحيين، كأن يقول في مطلع بحثه: «الأدب الدرامي مختلف في مشاكله عن الأدب، حتى وإن كان فرعاً منه، بل هو متضاد معه تضاد أرسطو مع أستاذه أفلاطون، خاصة في عالمنا العربي المعاصر. ومع انتشار المسارح العربية الناطقة بلغة الضاد، ومن خلفها الدراما معينها ومصدرها الأول في الإنتاج المسرحي، إلا أن ذلك لا يعني إطلاقاً الآداب الدرامية العربية، أو وجودها بغير مشاكل أدبية وفنية وتقنية. وكان عزاء هذه المسارح وتلك الآداب أن المسرح كجهاز ثقافي فكري قد انبثق فيها مؤخراً، وعلى وجه التحديد في منتصف القرن التاسع عشر وفي إطار النقل عن الآداب الدرامية الأوروبية وعبر الاقتباس منها». وهذا القول سيقوده إلى الارتهان إلى فكرة المسرح بمفهومها المغربي وريث التقليد المسرحي اليوناني، حاصراً المشهدية كلها بالحدث أو الفعل (الدراما مأخوذة من كلمة دراؤ أي الفعل على خشبة المسرح وفي الحياة باللغة اليونانية)، وكمال عيد لم يذكر هذا، ولكنه ذكر كلمة الألماني جيته: «في البداية كان الحديث». ثم تتبع عيد تاريخ المسرح أو تاريخ التمثيل بوصفه حدثاً بدأ صامتاً دون حوار، إلى الحدث فالكلمة أو النص المسرحي بالتعبير الحديث، وهذا يعني أن عيد جعل الظاهرة المسرحية ظاهرة اجتماعية تكونت من التعبير الصامت غافلاً أو متغافلاً عن انبثاق الظاهرة المسرحية من الطقوس والشعائر الدينية بالأساس. ويستغرب المرء مثل هذا الرأي من باحث أورد في بحثه المذكور تفسيرات لكارل جروس (Carl Gross) ضمنها كتابه «ألعاب الشعوب»، مفادها أن الظاهرة المسرحية موجودة لدى الشعور جميعها، وأن الشعور في تفسيرها للأشياء وفي مغامراته التعبيرية والفكرية الأولى اكتشفت المشهدية وقوامها التخيل الذي سيؤدي فيما بعد، إلى المحاكاة. لقد توسع عيد إلى حد ما في نشوء الظاهرة المسرحية لدى الشعوب مشيراً إلى تجارب مسرحية رافقت الطفولة البشرية، لا ليثبت الظاهرة المسرحية لدى كل الشعوب، بل ليدلل على «سر وسحر تأثير الأدب الدرامي على الجماهير وارتباطه بالجذور، وهو ما نطلق عليه اليوم بالتعبير الحديث لفظ الأصالة». وتوكيداً على نهجه عرف الدراما بأنها «الحدث» باللغة اللاتينية، وميز بين المسرح والأدب على الرغم من قوله: «إن الدراما والملحمة والشعر ثلاث حلقات لنوع أدبي واحد». وبدا الاختلاط ظاهراً للعيان في عبارة تالية هي: «الدراما هي النوع الأدبي المؤثر الذي يسمح بالتداخل في التعبير» وفجأة ينتقل إلى نظرة تطبيقية تبدو ناشزة عن سياق البحث هي: «ولا زلت متعارضاً مع يروجون، القول إن دراما الأستاذ عبد الله القويري الأديب العربي الليبي قد خطت للقراءة فقط وليس للتمثيل، حتى لو كان أستاذنا القدير هو صاحب الرأي نفسه أو مؤيداً له». ثم يعلل رأيه دون تحديد إصلاحي على مثل هذا النحو: «لماذا؟... تلك الدراما بشكلها الفني مثلت أم لم تمثل، فإن عناصرها من منولوج إلى ديالوج لأحداث وصراعات داخلية راقية تميزها عنده، وتحمل على كتفيها إيصال وجهة النظر الدرامية، أو الأدبية درامياً، إضافة إلى مكملات فنية من مناظر وإضاءة وموسيقى وأقنعة وحركة مسرحية، لا يمكن لها أن تقبع داخل كتاب للقراءة بغية المتعة الذهبية الخالصة، استناداً لانتمائها حقيقة إلى المضمون والشكل الدرامي وهي آراء تشطر الدراما ووظيفتها إلى شطرين على أساس غير سليم، إن لم يكن أساساً متناقضاً مع الأسس العلمية لمفهوم الدراما، فضلاً عن أنه يحجب أدباً درامياً نافعاً للساحة العربية عن كثير من مشاهدي وجماهير المسرح العربي المعاصر، خاصة وهو مسرح يقوم على إحياء اللغة العربية الفصحى، فإذا كانت مشكلة اللغة العربية ومنذ عشرات قليلة من السنين تقف حجر عثرة في طريق تقدم الأدب الدرامي، فكيف يجوز لنا الاقتراب من مشكلة كهذه». ونلاحظ أنه يجد اللغة العربية عائقاً أمام نقل الواقع الحي في الأدب المسرحي العربي، حتى وإن كانت برأيه، مترجمة عن أدب عالمي ويستند في ذلك إلى تجربة ثلاثين عاماً قضاها في ساحة المسرح العربي، ويحاول أن يعلل ذلك فيقف عند الملاحظات التالية: أولاً: قوة انتشار اللهجات العامية، وصعوبة انتشار اللغة العربية. ثانياً: استفحال هذه المشاكل بسبب الجهود التي قامت، بحسن نية أ, بسوء نية، لإقصاء المسرحة الشعرية عن خشبة المسرح العربي. ثالثاً: فشل محاولات اللغة الثالثة أو اللغة الوسط كما أطلق عليها. رابعاً: مشكلة انتشار الأمية. خامساً: ثقل اللغة العربية مسرحياً مما ينتج، برأيه، قضية من أهم القضايا المرتبطة باللغة يعني بها المضمون، «وهو ما نسميه بلغة المسرح المضمون الدرامي للأدب المسرحي». ويورد عيد بعد ذلك مؤيدات لآرائه من خلال تجربة المسرح العربي في مصر، والإشارة إلى تجربة المسرح العربي في المغرب، وينتقل بعد ذلك إلى مناقشة محاولتين متناقضتين، بتقديره، مع نفسيهما الأولى تجربة توفيق الحكيم اللامعقولة، والثانية ظاهرة المسرح الشامل التي يعاني منها المسرح والأدب الدرامي العربي، ويلاحظ أنها تجارب تنخرط في التيار العربي الناقل الذي ساد المسرح العربي فترة طويلة من الزمن ليخلص إلى نتيجة متشائمة على الرغم من إنكاره للتساؤل في قوله: «فماذا فعل التيار العربي الناقل؟ شيء من الأساسات الفكرية.. هرج ومزج، خلط للأنواع الفنية من رقص وغناء، وإقحام بلا مبرر، وفي أعظم المواقف الدرامية مزيج شاذ من الطعام الفني أشبه باستكشاف صالات الرقص القديمة. ومع استمرار ما أسماه العالم العربي (المسرح الشامل). خاصة في المسارح الخاصة والأهلية، فإنه ـ وعبر سنوات مضت ـ لم يستطع أن يقدم من خلاله شكلاً أدبياً درامياً له مدلولاته وفوائده، وهو ما لا نستطيع اليوم أيضاً أن نصفه بالشكل المستحدث النافع، لأنه ظل خاوي الوفاض من كل نفع، بعيداً عن الأصالة والجدية، والفنية والقاعدة الراسخة. من هذا أرى ـ وفي غير تشاؤم ـ مستقبلاً غير محدد المعالم أمام أدبنا الدرامي ـ ما لم تقم هيئة علمية أو جامعة الأقطار العربية بدراسة واعية لمشكل أدبنا الدرامي العربي، مستهدفة العلمية طريقاً للتطوير، لوضع مشاكل المستقبل على مائدة البحث والنقاش، أسوة بمعهد (أبحاث الجماهير)، الذي أنشأته حكومة النمسا منذ عامين لأمثال هذه المشاكل الحيوية في طريق الأدب الدرامي بصفة خاصة والأدب المعاصر بصفة عامة. لقد حفل بحث عيد بتناقضات كثيرة وبآراء غير دقيقة تتعلق بنشأة الظاهرة المسرحية وبنشأة المسرح العربي الحديث أو ظهوره، وبتقديره للغة المسرحية وباللغة العربية وسيلة للتعبير المسرحي، وبطبيعة تطور المسرح العربي من قطر لآخر، فهو لم يوضح حدود الجانب الأدبي فيا لكتابة الدرامية أو مكانة الكلمة في المسرح وتجاهل خصوصية الظاهرة المسرحية لدى كل شعب من الشعوب، وأنكر أن اللغة العربية، مثل أي لغة في الفنون السردية والدرامية، تواضع في إطار المحاكاة، وليست نقلاً للواقع على خشبة المسرح أو بين دفتي كتاب. أما الأخطاء الكثيرة التي جرى تعميمها في إطار المعلومات التاريخية فلابد من إيضاحها، فقد ذكر على سبيلا لمثال عمر البرناوي من الجزائر في نقاشه لبحث عيد أن من المستغرب على باحث عربي أن يؤرخ لقيام حركة مسرحية في الجزائر على يد قائد فرنسي في العشرينات، ومن الجلي أن عيد تناول المسرح العربي الحديث من زاوية غربية دون أن يعمل البحث في تقصي تشكل فن المسرح العربي الحديث من خلال القرن الثالث، أي خلال المئة سنة الأخيرة، ولعل مناقشة رأيه في تصوره للمسرح الشامل تكشف عن مثل هذا المنظور أيضاً. إن الخلل يكمن في تقديري في تلك النظرة التي وضعها المؤتمر عنواناً لبحوثه جميعها على «أن المسرح شكل أدبي مستحدث في الأدب العربي المعاصر»، وليست القضية على هذا النحو تماماً. ويقدم بحث عبد الكريم برشيد «المسرح العربي يبحث عن المسرح العربي» إضاءة مغايرة لبحث عيد، على الرغم من إقراره بالقطيعة مع الثقافة العربية التقليدية، فقد قال بصريح العبارة، في مطلع بحثه: «وعندما نرجع البصر إلى الخلف ونتأمل تراثنا الأدبي والفكري فإننا لا نجد غير مقامات وحكايات ونوادر ورسائل وأشعار في مختلف الأغراض، وهي ـ أشياء ـ وإن كانت قابلة للتمسرح فهي ليست مسرحاً، كما قد نجد أشكالاً فنية شبه مسرحية وألواناً في الفرجة تعتمد على السرد والتشخيص والحوار وعلى تحقيق تجمع احتفالي في مكان عام، وداخل ظرف زمني محدد، نرى هذا في القره قوز وخيال الظل والحلقة والسامر والتعازي. فهذه الأشكال ليست مسرحاً بالمعنى الكلمة، ولكن دراسة أصولها الفنية قد تساعدنا على فهم طبيعة الإنسان العربي وعقليته وروحه، ذلك لأنها صيغة احتفالية أفرزها الوجدان الشعبي، ولكنها مع ذلك تبقى مجرد ألوان من الفرجة الشعبية الشيء الذي لا يؤهلها لأن تكون بديلاً للتطلع إلى التراث الإنساني في المسرح، ومن هنا كان لابد للمسرح العربي في المرحلة الراهنة أن يزاوج بين النظر إلى التراث العربي والتراث الغربي، فالحاضر كما نعلم هو صورة منقحة أو مشوهة من الماضي، وفي غياب هذا الماضي المسرحي كان لابد أن نسترق النظر إلى ما حولنا، ولكن على شرط أن نتمثل ما نأخذ، وأن نلونه بأصباغ جديدة تكشف عن واقع حضاري متميز». لم يقطع برشيد القول بانعدام المسرح العربي الحديث، «فالإبداع كما رأينا، لا يمكن أن يتم بداخل الزمن، وبذلك كان المسرح (العربي)، والقوسان من وضع برشيد، موجوداً في الظرف الحاضر كمشروع فقط، وليس كحقيقة عينية ثابتة. وعندما نصف مسرحنا بالعربي فما ذلك إلا باعتبار ما سيكون، وما نريده أن يكون مستقبلاً». ويؤرخ برشيد لنشأة المسرح العربي الحديث بعبارة صارخة هي: «تجاربنا في ضوء الانبهار المسرحي» فقد مرّ الآن أكثر من قرن على معرفة العرب للمسرح، لذلك كان لابد من أن يسترد الإنسان العربي حريته، وأن يخلص نفسه من قيود أحكمها الانبهار والإعجاب. إن المرحلة التاريخية الراهنة تفرض تعاملاً خاصاً مع التراث الإنساني العام، تعاملاً واعياً ورزيناً وراشداً، لاحظوا قسوة الكلمات، يضع في حسابه مشروعية تبادل التأثير والتأثر، ولكنه يستبعد كل تقليد أخرس. إن عقدة النقص لا يمكن أن تفرخ أدباً ولا فناً«». ولا يجد برشيد كبير أهمية في محاولات التأصيل المسرحي العربي كما هو الحال مع علي الراعي الذي حاول «أن يعمل على استنبات هذه الدعوة في التربة العربية، وذلك على اعتبار أن المسرح المصري عرف مرحلته المتقدمة نوعاً من المسرح الساذج الذي يقوم على الارتجال، نفس هذا المسرح الارتجالي عرفه المغرب على يد كل من بوشعيب البيضاوي والبشير العلج، كما عرف في الجزائر على يد القسطنطيني، ويحدثنا التاريخ المسرحي على أن هناك ثلاث مراحل قطعها الفن الدرامي، مسرح الممثل، ومسرح المؤلف، وأخيراً مسرح المخرج، مما يدل على أن الارتجال الذي يدعو إليه الراعي مرحلة متقدمة في تاريخ المسرح، وأن الإخراج ـ وهو حديث العهد بالوجود ـ لم يظهر إلا لينظم العلاقة بين النص والممثل من جهة وبين الممثل والوسائل السينوغرافية الأخرى (ديكور ـ ملابس ـ إضاءة) من جهة ثانية». ويعزو برشيد ذلك إلى أن المسرح هو النص، ومن غيره لا يمكن قيام حركة مسرحية»، ويشخص حالة من حالات الانبهار المسرحي بتقليد المسرح العربي لتيار اللامعقول، «ذلك الاتجاه الذي شغل الناس في الخمسينات والستينات، والذي كان له مفعول السحر في نفوس المسرحيين العرب»، بينما يراه برشيد من أكثر الاتجاهات خطراً على المسرح العربي، ويعالج خطورته من خلال تجربة توفيق الحكيم وتجربة الطيب الصديقي. ويوضح برشيد رأيه في نهوض مسرح عربي من خلال أبحاث جادة ظهرت ابتداء من سنة 1964م في مجموعة من المسرحيات تلتقي جميعها على محاور أساسية واحدة تتمثل في استلهام التراث العربي، باعتباره مادة مسرحية فنية، ومحاولة للاستفادة، من حيث الشكل الفني والبناء الدرامي، من مجموعة كبيرة من الفنون الشعبية العربية، التي قامت على أساس مخاطبة الجمهور عن طريق استخدام الرواية والتشخيص في الوقت نفسه. كما أنها قامت بمحاولات في التنظير من أجل إعطاء الفعل المسرحي ركائز نظرية يقوم عليها. وأورد برشيد إشارات لجهود يوسف إدريس والطيب الصديقي وعلي الراعي الهادفة إلى لغة مسرحية متميزة تفيد من التراث العربي والتراث الإنساني بعامة، ويوجز بعض عناصر هذه اللغة فيما يلي: - في اللغة وهي التجمع والاحتشاد. - في النفس وهي الإمتاع الذي يوقظ الحواس. - في الاجتماع وهي المشاركة بالمشاعر حيناً وبالفكر حيناً وربما بالجسم أحياناً. - في الفكر وهي الجدل السجال بين القوى المتناقضة. والمتعارضة التي يعدو بعضها على بعض إلى بلوغ التركيب. - في الفن المسرحي وهي الخلق الجماعي المتضافر الرفيع الذي يتوجه الانسجام الفني في كل جزئية من جزئياته. ويختتم تطلعه في الطريق إلى المسرح العربي بدعوته إلى الاحتفالي «في تعايش الفنون المختلطة داخل الفن المسرحي، الشيء الذي يجعل العرض يجمع بين الشعر والغناء والرقص والزجل والموسيقى والجد والهزل والحكمة وكل ألوان التعبير الأخرى، الشيء الذي يجل المسرح في هذا التيار، يصبح لغة شاملة تخاطب جميع الحواس». ويقرن برشيد قيمة تطلعه أو تحققه في الواقع الثقافي العربي برعاية الدولة التي تضمن له الانتشار والصيرورة، «من أجل هذا، كان لابد من توفير تربية مسرحية تساير عملية البحث التجريبي من أجل مسرح عربي أصيل، يكون أكثر قرباً والتحاماً وتواصلاً بالآخرين، وإذا كان التعليم إجبارياً في بعض الدول وإذا المسرح في الدول النامية ـ وهي دول (تتميز) بتفشي الأمية ـ يلعب دوراً تعليمياً، فإنه في هذه الحالة لا يصبح المسرح ضرورياً فقط بل إجبارياً، وذلك ما يجب أن تسلكه الدول العربية في الظرف التاريخي الراهن، وهذا لا يعني بالطبع أن يصبح المسرح وجهاً ثانياً لوسائل الإعلام، لأن الشيء الأساسي في المسرح هو التعرية، تعرية الإنسان وتعرية الواقع». على الرغم من النبرة الحادة التي طبعت بحث برشيد، فإنه وضع يده على أس قضية المسرح العربي كيف ينطلق في الواقع العربي المعاصر؟ وكيف يبني تقاليده؟ لقد عاين برشيد، على نحو ضيق، عمليات تشكل الفن المسرحي العربي الحديث في اتجاهيه الغالبين: تقليد الغرب (الانبهار المسرحي) والتقليد الذاتي التراثي الذي طلع برأيه في الستينات، بينما بدأ هذا التقليد منذ أواخر القرن التاسع عشر على يد أبي خليل القباني ومارون النقاش اللذين واءما على وجه الخصوص بين حاجات الفرجة ومسرحه التراث العربي في إطار من المسرح الشامل الذي يعتمد على الأغنية الرقصة والتركيب المشهدي... الخ. مع بحث برشيد، يأخذ بحث قضية المسرح العربي في مؤتمرات الأدباء العرب منحى أقرب إلى وضعية المسرح في الثقافة العربية الحديثة، أي الالتفات إلى الجهود المسرحية العربية المستمرة منذ مطلع النهضة العربية، والاعتراف بالشغل المسرحي العربي نحو تأصيل فن شعبي في الحياة الاجتماعية والثقافية العربية. إن هنالك الكثير مما يختلف فيه المرء مع برشيد غير أنه أفلح في وضع قضية المسرح العربي في مسارها التاريخي من جهة، وفي مسارها الفكري والفني، مسار تطور الأجناس الأدبية الحديثة، من جهة أخرى، وهي خطوة متقدمة في التفكير الأدبي العربي الحديث بوعي الفن في تاريخيته وفي عي طبيعته الفكرية والفنية. علينا أن نلاحظ أن الشغل الأهم في تناول المسرح العربي هو مكانته في التراث وتأثره بمفاهيم الهوية القومية في الأدب العربي الحديث. وعلى الرغم من انشغال المؤتمرات السابقة على هذا المؤتمر بقضية التراث والغزو الفكري أو ما سمي الأصالة والتفتح، وهو ما يصب في مفاهيم الهوية القومية، إلا أن بحوث تلك المؤتمرات لم تتطرق إلى المسرح أو الأدب المسرحي، وقد آثر واضعوها أن يعنوا بهذه المفاهيم من منظور شعاري غالب على لغة البحوث ومحتواها كما في أبحاث المؤتمر الخامس (تراثنا بين التقدمية والرجعية ـ الأدب والغزو الجديد) وأبحاث المؤتمر السابع وتوثيق الارتباط بتراثنا) وأبحاث المؤتمر التاسع (العروبة أرض وتراث ومصير على سبيل المثال)، أو من منظور فكري عام مشوب باللفظ الشعاري كما في أبحاث المؤتمر العاشر (السمات الثورية أو سمات ثورية في التراث الأدبي العربي)، أو من منظور أدبي عام، أيضاً، كما في أبحاث المؤتمر الثامن (الأديب العربي ـ بين التراث والمعاصرة)(5). ولهذه الأسباب نعد المؤتمر الحادي عشر تمهيداً ذا أهمية في النقلة الواضحة نحو النظر إلى قضية المسرح والمسرح العربي في المؤتمر التالي. المؤتمر الثاني عشر ـ نقلة ثانية: لا شك، أن المؤتمر الثاني عشر هو الأوسع والأكثر عمقاً في تناول قضية المسرح العربي، وبعد المؤتمر الحادي عشر تمهيداً له، فأبحاث المؤتمرين متصلة تحت وطأة هموم الهوية التي أخذت صيغاً محددة مسبقاً هي أن المسرح شكل مستحدث في الثقافة العربية، غير أن عنصر الجدة هو بحث هذه الهموم في إطار الواقع الثقافي العربي، لا سيما مشكلات الانتشار أو الجماهيرية كما هو الحال في بحث البوصيري عبد الله، ومشكلات الالتزام بين القطاعين العام والخاص كما هو الحال في بحثي وليد إخلاصي وكمال عيد، ومن الملاحظ أن منطلق البحثين هو منظور المؤتمرات إياها نحو ربط قضايا الفن بالشعارات السياسية على نحو أعم، وبصراع الأفكار على نحو أضيق، فقد كان المحور العام للمؤتمر الثاني عشر هو «دور الأديب العربي في مواجهة التحديات الراهنة»، وهكذا على أبحاث المسرح، مثل بقية الأبحاث أن تفرد أطروحتها وتوسع مجال المسرح العربي إلى أفق الثقافة العربية مناضلة والتزاماً بأهداف العمل العربي المشترك، التي يراد لها أن تمتد إلى العمل الثقافي العربي المشترك لأنه على الغالب، تصور وتطلع أكثر منه ممارسة واقعية فاعلية في الحياة العربية. أما بحث عمر برناوي فهو صريح ومباشر في توجهه ومغازيه مقاربة لشعار الموضوع، وقد حمل به التحديد التالي: «السياسة في المسرح العربي الحديث». وعلينا أن نناقش هذه الأبحاث، تعريفاً نقدياً في مسار جهدنا الرئيسي، وهو تقصي تطور التفكير الأدبي العربي الحديث في قضية المسرح وقضية المسرح العربي. يناقش كمال عيد المسرح على الإطلاق، بينما لا يغادر وليد إخلاصي أرض تجربته في سورية، وعلى الرغم من تباين استخدام المصطلح لدى الكاتبين، فإن ثمة اتفاقاً على أهمية رعاية المسرح فقد شاهت ملامحه على أيدي المتاجرين بهذا الفن باسم السياسة مرة، وباسم الجماهيرية مرة أخرى، أو بأسماء كثيرة مرات، ينطلق البحثان من اعتراف مفاده أن دعاوى تثمير الصراخ قد اختفت، في التقدم في الأدب لا يقوم على استثمار الشعارات أو المبالغة في العقائد والأفكار، إلا أن هذا الاعتراف لا يمنعنا من الإقرار بأن كتابتهما تعاني من ذلك الاختلاط حيناً، والتداخل أحايين كثيرة داخل حقل الممارسة الأدبية أو الفنية، وبخاصة بين آفاق النظرية ومشكلات التطبيق، ففي البحثين مثال على التداخل بين حدود النظر الفني لظاهرة المسرح الملتزم من جهة، وشؤون تدبير المسرح باعتباره جهازاً ثقافياً من جهة أخرى، وفي البحثين معاً إغفال للمصطلح ولتمحيصه في إطار هذه الظاهرة بعينها، وإذا كان لبحث وليد إخلاصي من ميزة فهي اعتماده على تجربة المسرح في سورية منطلقاً لدراسة الظاهرة، على أن تعميم نتائج التجربة في ختام بحثه يبعث على الحذر ويدعو إلى التأمل في طبيعة بحوث المؤتمرات فهي تفي هذه البحوث باحتياجات دراسة قضية أو ظاهرة ما؟ أم تغلب عليها احتياجات مناسبة؟ إن كمال عيد لا يهتم كثيراً بتحديد مفردات بحثه، لأن «قضية الالتزام بين نوعين من المسرح: قطاع عام وقطاع خاص أو حكومي يتبع الدولة أو يخضع لإشرافها، وأهلي يقدم ما يعرضه في كثير من التحرر... قضية حديثة الزمن نسبياً، بمعنى أنها نشأت حديثاً ـ وخاصة في أقطارنا العربية ـ بعد أن تشجعت بعض رؤوس الأموال عند بعض الفنانين الذين هجروا المسرح، أو غيرهم ممن حولوا مكاسبهم السينمائية ليحققوا فناً أو سمعة في الحياة المسرحية، ليؤلفوا مسارح خاصة بهم، وأحياناً كثيرة بتأليف فرق مسرحية تحمل أسماءهم، كعلامة من علامات مسرح الشباك». لذا، عاد إلى جذور المسألة في فن المسرح وليس في المسرح العربي على وجه التحديد، فدرس الوظيفة الاجتماعية للفن، وتأمل على عجل في الإنسان مرة.. وفي الجماهير مرة أخرى، فانغمس في المظاهر البيولوجية ووعي الذات والإنسان باعتباره بحثاً اجتماعياً شاملاً ثم اعتمد على مقولة بريخت المشهورة «لا يمكن استبدال الجماهير» توضيحاً لعلاقة المسرح بالجماهير، في محاذاة حاجة الإنسان للفن كونها حاجة المسرح نفسه كمؤسسة، أي في إطار القيمة التبادلية للمسرح مع جمهوره، وهذه القيمة قد تكون أصيلة أو زائفة، فليس نجاح شباك التذاكر قيمة فنية، إن العمل المسرحي في طبيعته وفي غايته بالدرجة الأولى. لقد رأى كمال عيد أن «الجماهير تغيرت ـ وبفعل الشباك ـ إلى حالات سيئة من التردي والتبذل والابتذال، حالات لم تمر حتى على الأشكال المسرحية نفسها منذ وجد المسرح طريقه إلى الانتظام في استمرارية معقولة عند اليونان القدامى. إننا نصل إلى نتيجة نرى معها أ، المسرح لم يتغير، وكذلك لم تتغير الجماهير، وإنما نرى التغيير هو في هذه العلاقة بين المسرح وبين الجماهير». والكاتب هنا ـ وهو رجل مسرح من مصر العربية ـ لا يميز بين قطاع عام وخاص، لأن أزمة البساطة والسطحية تكمن فيا مسارحنا الخاصة وقليل من مسارحنا العامة. أما الحل فهو «شعار تقديم فن العمل الجماعي في المسرح كأحد الفنون الجديدة التي تولد لصالح الإنسان ولإمكانية تحقيق مقولة الفن ينبع من الشعب ويعود إلى الشعب». وبالتأكيد، لا يفيد هذا الكلام كثيراً أو قليلاً في حل. ربما اختلط الأمر على الكاتب حين خلط بين رؤيا الفن وأساليب تدبيره في واقع شديد التعقيد. أما تلمس مظاهر التجديد في المسرح العربي، فقد اكتفى عيد بالإشارة إليها على عجل في فقرة عجلى، على أهمية ملاحظته في تحقيق الجماهيرية والأصالة معاً في قلب التجديد الغالب على البحث، فقد رأى المسرح احتياجاً ملحاً لجماهير متعددة الذهن بارعة الذكاء عقلانية التفكير بكل معنى الكلمة، وأكد في الوقت نفسه أننا لن نحصل عليها جاهزة بطبيعة الحال معولاً على تربية جماهيرنا المسرحية وإعدادها إعداداً عربياً، بعد طول إهمال لوزنها ودورها، لتكون بعد ذلك على مستوى ما نطمح إليه وما نطمح في تقديمه من فنون، ولتكون أيضاً على مستوى الالتزام المطلوب من المسرحين العام والخاص. ومن هذا المنطلق أيضاً، ذكر ملاحظته حول المحاولات التجديدية: «لهذا أقدر كل المحاولات التجديدية التي انبثقت من أماكن متفرقة في أقطارنا العربية منذ أكثر من عشر سنوات، سواء كانت تجديدية في مضمونها أو شكلها، أو في استحداث معيار مسرحي عربي تلتف حوله الجماهير في طبيعة وواقعية: درامات علي عقلة عرسان وسعد الله ونون في سورية، والمحاولات الرائدة عند الطيب الصديق في التنقيب عن التراث في المغرب، والإيحاءات الدرامية الجديدة عند عبد الكريم برشيد، علامات الرفض والتمرد في مسرحيات عز الدين المدني في تونس، صراع الطبقة الوسطى عند نعمان عاشور في واقعياته المسرحية، ويوسف العاني بكل ما أضافه من أفكار وجهود لزلزلة واقع المسرح العربي الجامد بحثاً عن وجه مميز عربي له، وغيرهم في أقطار عربية شقيقة أخرى. وتقديري يظل ثابتاً في مكانه، لأن كل هذه الجهود لا تزال تعيش في الحياة المسرحية مستقطبةً الكثير من الجماهير ومن الكتاب رغم فوات السنين وهو ما يدل على أصالتها وصدقها». ومن الواضح، أن عيد لا يشخص واقعاً مسرحياً ‘ربياً بعينه في مصر أو ليبيا أو سواهما مكتفياً بهذه الخواطر التي لا تلتم على رؤية واقعية أو فنية محددة. ومن جهة أخرى، يفصح وليد إخلاص عن حدود مفرداته: الالتزام، المسرح الخاص أو العام، الواقعية وسوى ذلك، ولتكوين أفكار حول الالتزام بمفهومه السائد حالياً في كلا المسرحين، استعرض إخلاصي ذلك المفهوم من خلال علاقاته القائمة بالقيم التالية: الواقعية، الإسقاط التاريخي، الأسلوب، المناسبات والإعلام، والسياسة، المحصلة الفنية، لأنها تعتبر ـ برأيه ـ أبرز القيم التصاقاً وتفاعلاً مع مفهوم الالتزام السائد، والتي يمكن من خلالها تلمس الطريق نحو مفهوم صيغة الالتزام الرائجة في المشهد المسرحي المعاصر في سورية وفي كثير من مواطن المسرح العربي أيضاً. قدم إخلاصي، حسب عنوان الفقرة الأولى في بحثه، أفكاراً حول المسرح الملتزم بين القطاعين العام والخاص فكان الالتزام عنده ثوبان. «الأول ثوب فضفاض يمكن لنا تصوره على النحو التالي: التزام المبدع من كاتب وفنان ومثقف بقضايا الإنسان والإنسانية، والنضال من أجلهما والدفاع عنهما من أجل الأفضل. والثوب الثاني ضيق يحاول المتزمتون إدخال جسد الالتزام فيه. ويمكن تكثيف مواصفاته على النحو التالي: 1- ضرورة الحرفية في العمل الأدبي. 2- ضرورة توفر أفكار حول الصراع الطبقي في كل عمل أدبي وفني. 3- التعبير الواضح عن فكر سياسي بعينه». ولعل إخلاصي كان يقصد القوميين والإنسانيين بأصحاب الثوب الأول، ويقصد الماركسيين ودعاة الواقعية الاشتراكية بأصحاب الثوب الثاني، وقد وجد نقداً حيياً خجولاً، على عادته لأصحاب الثوب الثاني حين وجه لديهم تضييقاً في فهم المصطلح وتطبيقه، مما أدى إلى الفصل بين الكل والمضمون وشاع التعسف ظاهرة تسيء إلى تقويم الإبداع الأدبي والفني، وكثيراً ما كانت النظرة أحادية للفن فضاقت المسافة ما بين الخلق والجمود، وانتشر الميكانيك النقدي بضجيج مسنناته يطغى على حقائق فنية بالغة الخطورة». ولدى تعريفه لمصطلحي المسرح العام والخاص، عاين إخلاصي تجربة المسرح العربي في سورية على وجه الخصوص، واستخدم تعبير السلطة ومؤسساتها، وليس الدولة على سبيل المثال. ثمة مسارح متعددة في سورية لا تنضوي تحت لواء الدولة، هي المسرح غير الرسمي أو الشعبي لمنظمات وتنظيمات، لا تنضوي تحت لواء المسرح الخاص كذلك، على أنني أثني على البحث المذكور لفضيلة لا ينبغي إغفالها هي معالجته لموضوعه من واقع تجربة محددة بتضاريسها السياسية والفكرية والفنية مما لم يتوفر لغالبية البحوث المقدمة لهذه المؤتمرات. وفي هذا الإطار وجه إخلاصي نقداً مهماً لتجربة الالتزام في المسرح من خلال النتائج التالية: 1- لم تستطع الواقعية بمفهومها السائد أن تحقق شكلاً متقدماً للالتزام المطلوب، كذلك الإسقاط التاريخي الذي لجأ إليه المسرح. 2- وبينما يحاول المسرح العام من خلال الأسلوب أن يتوصل إلى تقنية جيدة تحقق له شخصية متميزة، حقق مسرح القطاع الخاص مسبقاً في دخول لعبة الإعلام والتوصيل الشعبي حقيقياً كان أم مزيفاً. 3- وفشل المسرحيين في تحقيق التزام سياسي أو اجتماعي محدد واضح المعالم. ويبدو أنه من الصعب، إذا ما اتكأنا على مفهوم الالتزام السائد، أن نقول بأن المسرح العام هو الملتزم وأن المسرح الخاص غير ملتزم. فلا المسرح العام استطاع أن يكون حتى الآن مؤسسة اجتماعية فنية قادرة على تشكيل صورة واضحة لرؤية الدولة والمؤسسات القائمة، ولا المسرح الخاص كان قادراً على أن يكون البديل رغم نشاطاته ومرونة حركته ومحاولاته التكتيكية في النزول إلى مستويات الفهم المسرحي الشامل والقويم. وما فعله إخلاصي هو اختبار هذه القيم في الممارسة المسرحية، وعلى سبيل المثال، يؤكد أن المسرح أصيب بحمى الانخراط في دوامة اليومي أو الواقع لتوه، فكأنما المسرح صورة عاكسة لما يجري في المشهد اليوم، وليس هو ذلك الفن الجامع للفنون الأخرى المعبرة عن توق الإنسان الدائم إلى المستقبل وإلى الخلق الموازي للرغبة في الكمال. ثم يخلص الكاتب إلى نتيجة مؤداها أن ليس هناك مسرح ملتزم، من وجهة نظر السياسة، إلا ذلك المسرح الذي ينتمي إلى أيديولوجية معينة. وهكذا، يمكن للالتزام أن يكون حقيقياً وفعالاً ـ في اعتقاده ـ وفق التصورات التالية: أولاً: أن يكون المسرح مسرحاً في المقام الأول. أي أن يكون فناً منسجماً مع نفسه وتتوفر فيه عناصره الأساسية والمقومات اللازمة دون النظر إلى مذهب أو مدرسة أو طريقة. ثانياً: أن يكون المسرح طقساً، نكهته تدل على منبته، فالمسرح العابر إلغاء لحضور الفن في الحياة، أما المسرح الطقسي فهو ارتباط عضوي بين الخلق والتلقي. ثالثاً: أن يكون المسرح وظيفياً، أي أن يحقق وجوده من خلال: 1- المتعة الإنسانية المشروعة. 2- أن يكون متقناً، ويخضع في ذلك للشروط التي يجب أن تتوفر في أي عمل ثقافي أو مصنوع. 3- أن يكون الهدف من وظيفته. إن وليد إخلاصي ينتصر لمسرح القطاع العام، لأن المسرح يصبح حقيقة راهنة وحاجة ملحة وتصوراً حضارياً، وأن المجتمع الذي يحاول أن يبني آماله بشكل جماعي وبرؤية مبرمجة، فإن مؤسساته الفنية الكبرى هي القمينة بالوصول إلى مثل هذا الهدف، وتبقى محاولات المسرح الخاص بالرغم من حيويتها ومرونتها عاجزة عن تحقيق المثل الأعلى للفن. أما البوصيري عبد الله فقد عاد أيضاً إلى جذور المسرح الحديث دارساً أطواره من الحل التوفيقي والامتداد التجاري مع أوبرا «عايدة» لفيردي عام 1971م حيث انتعش الغناء والترويج والتهريج والحيادية، إلى ردة الفعل العاطفية تجاه سيطرة الأغنية مما حد من فاعلية المسرح وامتداده أي انتشاره الجماهيري، فانتقل إلى دور الدراما التاريخية والخبرة المسرحية والوعي الثقافي لرسالة الفن إلى احتراق فاعلية المسرحية الاجتماعية بسبب الفراغ الشائع الذي يفصل بين النظرية والتطبيق عبر سيادة المسرحية الاجتماعية الميلودرامية. وهذا هو حال المسرح العربي حتى ثلاثينات هذا القرن. ثم يعرض البوصيري لنمو الشخصية الإبداعية في المسرح العربي الحديث كما ظهرت بعد الاستقلال إلى الأقطار العربية، ويلاحظ أن هزيمة حزيران قد أنضجت الشخصية المسرحية بدافع من حساسية حضارية متألمة ومداومة. ويختم عبد الله بحثه بكلمة أخيرة حول مسألة الامتداد أشبه بخطبة قال فيها: «إن الفنان مسؤول قبل غيره عن خلو فنه من الفاعلية ومسؤول قبل غيره من عدم امتداد فنه لأن الفن الناضج، الفن الثائر لا ينتظر تأشيرة التحرك من أحد ولكنه ينتزع هذا الحق انتزاعاً وبكافة الوسائل الممكنة. كل هذا الجهد المبذول من قبل مسرحنا بأساليبه التقليدية أو الطليعية، وكل هذا الغضب المتراكم الذي نلاحظه في مسرح ما بعد الهزيمة، وهذا النزوع إلى الانطلاق من أجل اللحاق بالعصر والحرية ومواكبة المرحلة تظل فاعلية باهتة وذات ملامح شاحبة ما لم تستجب لدعوة الالتحام بالجماهير وتكسر الطوق ويتم تحرير المسرح كلية من مركزيته التي فرضت عليه عزلة تاريخية مخيفة. إننا نؤكد من جديد على ضرورة المسرح المتجول، والعروض المهرجانية كي يتحقق لنا شرف الالتحام العميق بجماهيرنا الشعبية». «ولو تخلينا قليلاً عن التفسيرات التمويهية لوجدنا أن تعدد الأحزاب، والتطلع إلى الزعامة، والمعنى البرجوازي لحرية الفكر والتعبير، هي العوامل الأساسية التي أفضت إلى هذا القدر من الفوضى الفنية، وإلى هذا القدر من الارتباك في الحركة الثقافية في الفترة التي تلت الحرب العالمية الأولى». وثمة خلل آخر يتعلق بالمصطلح وسريانه على البحث، ففي منتصف بحثه، طرح عبد الله سؤالاً عن «الفاعلية»، ولاحظ أنه سؤال كبير وهام بلا ريب، والإجابة عليه يفترض أن تكون بمثابة استهلال بحثنا هذا، ثم اعتذر عن الإجابة وخاض في مسائل أخرى لا علاقة لها ببحثه. ويصب بحر عمر البرناوي في المصب نفسه. تدبير أفضل للحركة المسرحية العربية، لأن المسرح يحتاج إلى تنظيم جماعاته لكي تنتج الأنفع والأرفع ثانياً، غير أنه ظل محكوماً بضغوط التعبير الشاعري والسياسي على حركة المسرح العربي، مما أضر كثيراً بمعرفته التاريخية والفنية بحركة المسرح العربي، ولا سيما تجربته في الجزائر، بل إن معرفته تستند إلى خبرة بالحالة الثقافية في الجزائر. عاين البرناوي السياسية في المسرح العربي من خلال أمرين الأول تجربه في الجزائر، وثانيهما الحداثة المسرحية، فتميز بحثه بذلك، لقد مضى مع العرض التاريخي ليحدد تجليات المسرح السياسي، وأشار إلى أن الحركة المسرحية التي عاشت منذ العشرينات إلى أيام الثورة المسلحة كانت تمتاز بما يلي: 1- الاهتمام بالمشكلات اليومية المتناقضة. 2- الاهتمام بالأحداث التاريخية الكبرى. 3- الكثافة في الإنتاج. 4- ربط المسرح بالغناء. أما مسرح الثورة فكان مسرحاً سياسياً ملتزماً، لا مجال فيه للنكتة أو الموضوع الفردي إلا بقدر ما تستلزم الحاجة الفنية. وأفرد البرناوي لمسرح الاستقلال حيزاً أوسع في بحثه القصير، فوجه خصائص المسرح المحترف، مسرح القطاع العام، التالية: 1- ندرة النص الجيد، مما ولد ظاهرتين هما الترجمة والاقتباس. 2- احتواء الإدارة للعناصر الفنية. 3- قلة إقبال الجماهير. غير أن مسرح الهواة، أو المسرح الخاص، ذهب بعيداً في الحداثة «فشاهدنا منه مسرحيات عديدة من تأليف جماعي وإخراج جماعي وتمثيل جماعي بطبيعة الحال، ولم يسلم حتى المسرح المحترف من هذه الظاهرة فقدمت لنا فرقة المسرح الجهوي بقسنطينة مسرحية من هذا النوع وهو نوع من العمل المسرحي لا يختلف عن مسرح المنصف سويسي في تونس الذي قال لي حرفياً أني أطمح إلى إيجاد مسرح يشترك فيه الجمهور مع الممثلين، بالفعل في خلق عمل مسرحي». كان البرناوي أميناً لمقاصده من بحثه، وهي عرض صورة شديدة الاختصار عن الحركة المسرحية في الجزائر وأساليب معالجتها للسياسة. خلاصات: إن بحوث محور المسرح في المؤتمر الثاني عشر تفيد في وصف راهن الواقع المسرحي العربي وتبحث في سبل تطويره، وتلقي أضواء جديدة عليه من منظور قومي وتغني هذا المنظور بتشخيصها لتجارب عربية محددة، وهذه مأثرة في حد ذاتها. ومن المفيد أن نورد بعض الخلاصات حول قضية المسرح والمسرح العربي مؤتمرات الأدباء العرب في إطارها التاريخي والثقافي والفني الذي يكشف في الوقت نفسه عن التباس قضية حساسة من قضايا التفكير الأدبي العربي المعاصر، ونوجز هذه الخلاصات فيما يلي: 1) يشير الاهتمام المتأخر بفن المسرح في مؤتمرات الأدباء العرب إلى ضعف أهميته في التفكير الأدبي العربي المعاصر، فلم ينظر إليه جنساً أدبياً أو ضمن الإنتاج الأدبي العربي الحديث حتى مطلع السبعينات، وهذا يستقيم مع النظرة السائدة إليه في مجرى الثقافة العربية في هذا المجال تفصح أبحاث المؤتمر بجلاء عن الموقف الثقافي العربي من المسرح، وما يزال الصراع إياه بين تقليد وتحديث في المسرح العربي يستند إلى تغليب التحديث على التقليد، ويثير في عمق الصراع شواغل الهوية الطاغية، وتخلل ذلك كله أسئلة مؤرقة ضاغطة على التفكير الأدبي العربي المعاصر مثل التداخل في هموم المسرح جنساً أدبياً أم أدباً مسرحياً أو مسرحة تنهض على الكلمة، بها أو دونها، في تضافر فنون أخرى، تعضيداً للاعتراف بأن المسرح أبو الفنون، مما هو شائع في المسرح الشامل أو التجريب المسرحي النشط، أو الاختلاف في نشوة الظاهرة المسرحية، فثمة إقرار بانبثاقها من الطقوس والشعائر الدينية أو الاحتفالات الشعبية، بينما يرى بعضهم أن المسرح لا يكون إلا بالتقليد الغربي... الخ. 2) أظهرت بحوث هذه المؤتمرات أن ما دفع إلى إثارة قضية المسرح هو الممارسة المسرحية العربية الناهضة منذ أكثر من قرن من الزمن ونموها وتطورها، ربما بمعزل عن مسار الأدب الغربي الحديث، حيث المسرح فن شعبي لا يحظى باهتمام لائق في الثقافة العربية، فانتشر المسرح، مما به إلى ضرورة حمايته من خطر الاستهلاك لدى القطاع الخاص اللاهث وراء الربح وحده، فكانت حركة المسارح الوطنية والقومية في إطار رعاية الدولة للمسرح، وكان التمييز بين القطاع العام والقطاع الخاص... الخ. 3) غلبت على البحوث هموم تأصيل المسرح العربي، وهذا يستقيم مع تطور التفكير الأدبي العربي الحديث فما كان داخل هذه المؤتمرات إلا صورة عن الشغل النقدي بقضية المسرح والمسرح العربي في الثقافة العربية الحديثة، بل إن هذه المؤتمرات صاغت على استحياء أسئلة التأصيل التي وجدت في الثمانينات والسبعينات اهتماماً موصولاً في الملتقيات والمهرجانات والكتب والدوريات وفي رحاب الجامعات والمعاهد(6). 4) أشارت هذه المؤتمرات مبكرة إلى القضايا اللاحقة التي تبحث عن إجابة، فثمة خلاف حول تأريخ المسرح عند العرب وفهمه في القديم والحديث. وثمة خلاف أكبر حول تاريخية المسرح العربي أي معنى المسرح بالنسبة للعرب المعاصرين. وتسربل مثل هذه الخلافات في سربالها ذلك التداخل بين الظاهرة الأدبية والظاهرة المسرحية، وعدم الاتفاق على قيمة الظواهر المسرحية العربية ورفض أصالة الأشكال المسرحية القديمة كخيال الظل والعرائس، على الرغم من انتشار النزوع إلى الإقرار بقيمة هذه الظواهر القديمة كما في سفر علي عقلة عرسان الضخم «الظواهر المسرحية عند العرب» (1981م)، أو الإقرار بقيمة هذه الظواهر الحديثة كما في كتاب سلمان قطاية الوجيز «المسرح العربي من أين أو إلى أين؟» (1972م)(7). وثمة ملموسية أخرى هي هيمنة المثاقفة بمعناها السلبي أي الارتهان إلى الإقرار بالتبعية للغرب إنكاراً لأي مظهر من مظاهر التأصيل على الرغم من أن الغربيين أنفسهم يؤمنون بأهمية الظواهر المسرحية العربية كما في كتاب حسن بحراوي «المسرح المغربي، بحث في الأصول السوسيوثقافية» (1994م)(8)، وهذا الكتاب يستمد مادته الخام مما كتبه الرحالة والأناسيون الأجانب حول الأشكال الفرجوية العربية القائمة على التشخيص والتنكر والتعبير العفوي في الاحتفالات الدينية والدنيوية. [مجلة «علامات» (جدة) يونيو 1996] الهوامش والإحالات: (1) مؤتمر الأدباء العرب، الدورة الرابعة، الكويت 20-28 كانون الأول/ ديسمبر 1958م، الكويت، مطبعة الحكومة 1958م. (2) مؤتمر الأدباء العاشر ومهرجان الشعر الثاني عشر الجزء الأول والجزء الثاني، الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، وزارة الإعلام والثقافة، مطابع الشركة الوطنية للنشر والتوزيع (د.ت). (3) المؤتمر الحادي عشر للأدباء العرب، منشورات اتحاد الأدباء والكتاب بالجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية، مطابع دار الخلود، بيروت (د.ت). (4) المؤتمر العام الثاني عشر للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب ومهرجان الشعر الرابع عشر، ثلاثة أجزاء، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1979م. (5) شيخة، جمعة: «مؤتمرات الأدباء العرب والتيارات المعبرة عنها في الأدب الحديث» في كتاب: «قضايا الأدب العربي»، الجامعة التونسية، مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية، تونس، 1978، ص ص151-152. (6) عرسان، علي عقلة: «الظواهر المسرحية عند العرب»، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1981م. (7) قطاية، سلمان: «المسرح العربي من أين؟ وإلى أين؟»، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1972م. (8) بحراوي، حسن: «المسرح المغربي: بحث في الأصول السوسيوثقافية»، منشورات المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء 1994م. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |