|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 03:58 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
5 - تجليات أخرى للهوية: ملاحظات حول المسرح القومي إن ثمة التباساً بين مصطلح «القومي» و«الوطني»، وبالذات حين نعالج ظاهرة فنية أو أدبية، ولقد أظهرت التجربة العربية في المسرح على وجه الخصوص مدى التداخل البين بين هذين المصطلحين، ليس في حركة النشاط الثقافي، ثم الانتشار المسرحي بعد ذلك فحسب، بل في توجيه هذه القنوات الجماهيرية الهامة التي تجعل من المسرح جهازاً ثقافياً وقناة إعلامية ووسيلة اتصال فعالة. وثمة مسارح عربية تسمي نفسها وطنية، ولا يمكننا أن نبرئ هذه التسميات من تأثير هيمنة الدولة القطرية على العمل الثقافي العربي. وقد شهدت الستينات والسبعينات نهوضاً مسرحياً عربياً بفضل نجاح المسارح القومية أو الوطنية، فانتعش في ذلك الوقت الحديث عن المسرح القومي أو الوطني، وتندرج هذه المقالة في إعادة الضوء على تلك الحقبة، لأن مادتها الرئيسة كتبت في عام 1974، على أنني وجدت فائدة في إعادة الحوار حول المسرح القومي أو الوطني، طارحاً بعض الأسئلة تمهيداً لمناقشة بعض المسرحيات التي تصدت، بشكل أو بآخر لوظيفة المسرح، مما نشر من مسرحيات عربية في مطلع السبعينات. لقد كان فهم المسرح القومي أو الوطني، منذ بداءة المحاولة، موجهاً إلى تثمير وظيفة المسرح، فالمسرح القومي أو الوطني المراد انتماء نضالي لقضية الشعب العربي وانتصارها في وجه موجات المسرح التجاري وقيم الثقافة الهابطة. ينطلق التساؤل من الملاحظة التالية: هل يقدم ما يكتب من نصوص مسرحية أو ما تعرضه المسارح العربية جواباً حول وظيفة المسرح؟ وهل كان للمسرح العربي صفات خاصة استطاعت أن تسابق أو تزامن حساسية ما في حياتنا السياسية والاجتماعية؟ لقد حدثت تطورات كثيرة، وأضيفت إلى قاموس التعامل اليومي بين الناس مفاهيم وشعارات جديدة، فما الأرض التي يدور معها المسرح العربي؟ في الخمسينات، برز الصراع واضحاً بين دعاة الثقافة القومية والوطنية، ومناوئيهم. وقد تصدى جيل نعمان عاشور للصراع في المسرح، فكانت مسرحية «الناس اللي تحت» (1956) تبشيراً بطلائع المسرح التالي التي رأت أن المسرح القومي أو الوطني يعني بروز ظواهر جديدة من أهمها: - تعاظم الجهد الدائب لخلق المسرحية العربية الأصلية. - الإصرار على المشكلة الاجتماعية وربطها بالمشكلة الوطنية. - استلهام التراث العربي موضوعياً وفنياً. - شيوع مسرح التأرخة، ومنه طرح قضية النكسة، على سبيل المثال، وتنوع استجابة المسرحين لها، وكذلك هو الحال مع الأحداث والوقائع الكبرى في تاريخ العرب الحديث. إن فكرة هذا البحث تركز على ربط مفهوم المسرح القومي أو الوطني بتثمير وظيفة المسرح في زمنه، ويدل تاريخ هذه التجارب المسرحية على أن مثل هذه الفكرة ارتبطت في الممارسة برعاية الدولة للمسرح (المسارح القومية أو الوطنية)، وفي النظرية (الإبداع المسرحي والنقدي) بالمبدعين والفن. ومن المفيد اليوم، وفي ظل تردي هذه التجارب المسرحية وطغيان المسرح التجاري والنمط الفني الاستهلاكي، أن تعاد معالجة الأسئلة القديمة –الجديدة: - دعم رعاية الدولة للمسرح. - تكريس الموضوع القومي في الفن. - تشجيع التبادل الثقافي والمسرحي القومي. - إضاءة التداخل بين وظيفة المسرح وارتباطها باتجاهات محددة كالتسييس والدعاوة والتسجيلية والدعوة إلى المسرح الشامل. - التوكيد على فصحى اللغة المسرحية. - الحرص على ربط أصالة المسرح العربي بانتشاره إلى أوسع قواعد الجماهير. ولدى مناقشتي لبعض المسرحيات العربية في مدى اقترابها من المسرح القومي أو الوطني، لاحظت أن عديد الأسئلة الأخرى لابد من معاودة معالجتها مثل: - تربوية المسرح وتحقيقه للمنظومة القيمية المنشودة. - مسألة التأرخة في المسرح واحتفاظها بقيمة العمل المسرحي، إذ غالباً ما تفقد المسرحية قيمتها حين تصبح مجرد وثيقة عن واقعة تاريخية. إن هذه الأسئلة جميعها مطروحة للنقاش، فموضوع المسرح القومي أو الوطني ما يزال راهناً وملحاً. 1- «رفاعة الطهاوي أو بشير التقدم»: التسجيلية بشيراً لتقدم المسرح: لنتابع الحوار من جملة ليست بجديدة، ولكن الجديد فيها هو قبولها، هذه الجملة تقول: «إن فكرة المسرح قد وصلت إلى الناس»، إذاً صار هناك توازن بين صراع الذات والموضوع في المسرح، وصار بإمكاننا الحديث عن واقع مسرحي وعن مهمات مطلوبة من هذا المسرح، وهذه المهمات المطلوبة هي ما نعنيه بالمسرح القومي. أقول هذا الكلام في معرض الحديث عن صدور مسرحية جديدة لأحد رواد المسرح العربي الجديد في مصر، وأعني به نعمان عاشور، الذي سبق له أن كتب العديد من المسرحيات، وترجم بعضاً من نصوص توافق مسرحه، وتحدث عن هذا المسرح كثيراً في الدوريات والندوات والمؤتمرات، فكان يدعو لمسرح واقعي مشغول بالمشكلة الاجتماعية التي ترتبط أحياناً بالمشكلة الوطنية. بعد «الجيل الطالع» (1972) المكتوبة إثر غيبته عن التأليف المسرحي، عاد نعمان عاشور إلى مسرحه الأثير انطلاقاً من أسلوبه المعهود «المسرح الواقعي» لكي يصل إلى الهدف نفسه «الحرية والتقدم عن طريق المسرح». قلت عن نعمان عاشور في أماكن أخرى: نعمان عاشور هزه واقع الطبقات الدنيا فالتصق بالمشكلات المرحلية يكتب عنها دون تزويق. ولهذا، يمكن أن تؤخذ مسرحياته وثائق بعد تاريخ.. ولكن المسرح ظل يبحث عن دوره الصحيح ليساهم مساهمته المنتظرة في حياة الشعب، وقلت: لقد تراجع مسرح نعمان عاشور وأمثاله لينتشي في إبداعهم وبشكل خارق ما يسمى بالمسرح السياسي. ما الجديد إذاً عند نعمان عاشور مرة ثانية؟ ولماذا الكتابة عنه هنا؟ أصدرت سلسلة «مسرحيات مختارة» في أيار 1974 مسرحية نعمان عاشور «رفاعة الطهطاوي أو بشير التقدم –دراما تسجيلية في ثلاثة فصول وعدة مناظر». ونجد فيها أن المسرحية تسجيلية، أي أن المؤلف يستخدم الوثائق.. منبعه الأثير في مسرحياته السابقة، وهو حين كان يستخدم مادته في عمل «درامي» أو «مسرحي» وفق عقيدته الفنية بحيث تبدو في النهاية ليست أكثر من «تسجيل» أو «وثيقة» لم يغفل سعيه الحثيث أساساً لتوظيف المسرح.. كان يريد الوصول إلى أن يصبح المسرح نفسه وثيقة، بينما هو في عمله الجديد يمسرح الوثيقة. الفرق إذاً كامن بين «تسجيل» الدراما أو «مسرحة» الوثيقة. والآن، هل لهذا الفرق تطور يذكر في مسرح نعمان عاشور؟! يقول نعمان عاشور: «وقد يبدو للوهلة الأولى أنني أخرج بذلك عن اللون المسرحي الذي أكتبه عادة شكلاً ومضموناً، ولكن الحقيقة أن تناولي لهذه المسرحية التي أعرفها بأنها دراما تسجيلية، إنما يرتكز على نفس الأسلوب الدرامي الذي أخذت به نفسي منذ البداية.. وهو أسلوب قوامه تسخير اللغة لدواعي التعبير الدرامي أصلاً.. والتزام الحقيقة الموضوعية في معالجة الواقع الحي، ثم تجربة تناول الحقيقة التاريخية بأسلوب واقعي خالص» (ص5-6). إن المتتبع لنشاط المسرح في العالم بشكل عام، وفي الوطن العربي بشكل خاص، يلاحظ إلى حد بعيد غياب «الدراما» منبع العمل المسرحي عن المسرح، والدراما هي الفعل. غالباً ما يحيل رجال المسرح وفنانوه المعاصرون الدراما إلى خارج العمل الفني.. إلى باطن الحقيقة الأسطورية أو التاريخية التي عرفت بعض وجوهها أو إلى ظواهر الواقع المعاش أو بعض جوانب مفهومة من قضاياه، ثم يبنى- ما يبنى –على هذه الحقائق من أسئلة جديدة تنير غبش الأسئلة القديمة، وفي هذا جوهر وظيفة المسرح في أن يعين الناس على حياتهم. إن نعمان عاشور في «رفاعة الطهطاوي» يلجأ إلى الحقيقة التاريخية ليستنطقها قيماً للمستقبل. وبذا، يمكننا القول: أن الكاتب وفر موضوعه «التاريخ» ولم يبق إلا ما يبنى عليه من بناء. وعلى سبيل المثال أيضاً، اعتمد ممدوح عدوان على وقائع جرت وعلى أعمال كتبت. في مسرحيته «كيف تركت السيف» مع شخصية أبي ذر الغفاري فكانت المسرحية أقرب إلى الحوارات السياسية المباشرة. وفي «الانتظار» مع نص بيكيت الشهير «في انتظار غودو» مثيراً بعض أسئلة الوضع السياسي الراهن، وفي «ليلة القتل» مع نص ميخائيل رومان «ليلة مصرع غيفارا العظيم» باحثاً عن أسباب العطب في الثورة المعاصرة، واعتمد سعد الله ونوس مثله في «سهرة مع أبي خليل القباني» شخصية أبي خليل القباني ونضاله من أجل قيام «مرسح» في الوطن العربي، ثم ربط هذا النضال بنضال الجماهير من أجل الحرية والاستقلال. وصنع مصطفى في عمله «أيها الإسرائيلي، حان وقت الاستسلام» الحلاج هذا حتى في تقديم «دراما» باعتماده على ما يمثل لقاء «الإسرائيلي» بعربية في ذهن المتفرج وخصوصاً العربي. وقبلهم بنى عبد الرحمن الشرقاوي دعوته السلمية الباطلة إزاء حقيقة صراع يدور فيغطي أرض الواقع باللجوء أيضاً إلى وقائع صراع قديمة في «الفتى مهران». وما فعله عبد الرحمن الشرقاوي يطرح تلك المقولة الخطرة: ألا يجب أن يكون هناك تناغم بين الحقيقة التاريخية والتوجه بها إلى واقع الحال. إن ما يجري في المسرح العربي اليوم هو التوجه إلى الواقع الحي المتحرك بكل ما يتبعه حتى الآن من فهم وفرصة للتعامل. وما نص نعمان عاشور هذا إلا تقرب من هذا الفهم وهذه الفرصة، ففي فهم «المنطلقات الحية» في تاريخنا ونضالنا مهمة نضالية أيضاً. إن التفات نعمان عاشور إلى «رفاعة الطهاوي» في مسرحية تسجيلية يعني أن الحقيقة التاريخية تلهم الفنان قيماً نضالية تساعد مجدداً على الحياة أولاً، وإن البحث في ظواهر الحياة الاجتماعية لتوثيقها أو تسجيلها –كما كان بفعل من قبل- لا يغني القيمة الفنية ولا القيمة الفكرية، ولهذا يجب النظر في علائق قد تبدو خفية أو مستورة في التاريخ أو الواقع و «رفاعة الطهاوي» أولى وجوب النظر هذا ثانياً، وإن النظر في هذه العلائق يتيح للمتلقي فسحة من المشاركة لمواصلة العمل المسرحي، وإن «مسرحة» الوثيقة على هذا تبدو أقرب للمتلقى من «تسجيل» المسرحية ثالثاً. 2- «طائر الخرافة»: طائر المسرح يذهب بعيداً مجموعة مسرحيات رياض عصمت «طائر الخرافة» تثير جانباً من الحوار حول المسرح الوطني، ففيها محاولة لتكريس مطالب هذا المسرح باصاخة السمع لنبض حياتنا السياسية والاجتماعية أولاً، ومحاولة للجواب في عالم كبير من المسرح. والأصح محاولة «سياحة» في عالم المسرح الكبير ثانياً. يقول الغلاف: «تسجل المسرحيات التي يضمها الكتاب تطور تجربة رياض عصمت ذات الاتجاهات المتعددة في المسرح خلال السنوات ما بين 1967و1970، وهي بذلك ترسم للقارئ مفترق الطرق في رؤيا المؤلف والناقد المسرحي وتخوض به في غمار التجريب عبر أشكال تتنقل من الميلودراما إلى المسرح الشامل إلى المسرح الملحمي وحي مسرح العبث، محاولة البحث عن وسيلة تعبير متميزة ومؤثرة في قراء ومشاهدي المسرح العربي». في المجموعة أربع مسرحيات هي «القنبلة 1967»و «طائر الخرافة 1968»و «الخسوف 1969»و «والذي لا يأتي 1970» وهناك أيضاً أربع مقدمات. وتأتي مسرحية رياض عصمت «القنبلة» لتصور إنساناً يعيش في الأرض المحتلة، يتهمه العدو بإلقاء قنبلة بينما هو بريء، وبفعل المصير الذي يواجهه هذا الإنسان يصل إلى شجاعة غريبة هي الاعتراف بإلقاء القنبلة. والمسرحية فيها خصائص مسرحيات المقاومة التي رأيناها بدءاً من «النار والزيتون- الفريد فرج» حتى «زهرة من دم- سهيل إدريس»، فهي تفترض وقوف الفلسطيني أمام الصهيوني ثم مجادلته بحقه في الأرض والحياة، إضافة إلى إلصاق حوار عن صراع طبقي يمكن أن يدور في المدينة بالنضال ضد الصهيونية وكأن المسألة مسألة بيت جميل ومتطلبات معيشية.. الخ. المسرحية فيما تقوله لم يطرأ عليها جديد، الجديد هو مقدمتها التي تثير الحوار. إنه يستعير رأياً للناقد المعاصر «اريك بنتلي» في الميلودراما (المشجاة) بقصد الوصول إلى «احتواء جاد وملائم» لما يريد التعبير عنه، ويدافع عن الميلودراما قائلاً: «في الواقع إن الميلودراما لا تزيد عن افتعال الرومانسية ولا عن مبالغة الكلاسيكيات، ولا عن تهويل الكوميديات أو الفانتازيا ». هذا كلام لا يجانبه الصواب، ولكن الصواب أيضاً هو أن الفن، ومنه المسرح يقوم على الصدق والإقناع وغيرهما من الشروط الواجب توفرها في طبيعة الفن. إن كلام رياض عصمت عن الميلودراما يفضي بالمسرح بأشكاله ومذاهبه واتجاهاته خاضعاً إلى المبالغة والتهويل، أما مسرحيته «القنبلة» ففيها المبالغة والتهويل. «طائر الخرافة» مثلها مثل «القنبلة». مع الاختلاف في الأسلوب المسرحي، هنا يعتمد رياض عصمت، شأنه شأن أغلب الكتاب المسرحيين العرب، على الكلمات الكبيرة ذات الضجيج المعروف، وهي غالباً ما تكون إنشائية تتوجه إلى رصيد العاطفة المتأجج لدى المتلقي. فتغدو المسرحية صراخاً متوجعاً ومتأملاً من أجل الأرض والوطن والحب وكل القيم الجميلة. هناك مناظر لا تخلو من شاعرية وجمال تصل إلى أجمل الشعر الغنائي المكتوب، أما الحديث عن «تفاؤل الأدب والفن- طرح الحلول في نهاية كل عمل- رصد المجتمع والعصر بصدق» فتلك مسائل لا تثيرها المسرحية إلا في الحدود التي قامت عليها مسرحيته السابقة «القنبلة». في المسرحية الثالثة «الخسوف» خمسة رجال يعزفون كما يحدث أيضاً في أغلب المسرحيات العربية على لحن الهزيمة والانتصار في حياتنا العربية، ثم ما تلبث أن تنحدر هذه المعزوفة إلى مستوى الحوارات اليومية حول الطبقات والفئات الشعبية في موقفها مما تواجهه الأمة العربية من محن. وعلى الرغم من أن رياض عصمت ليس «مع الذين ينادون بتفاؤل الأدب والفن» (ص 68) فإن مسرحيته هذه «الخسوف» تنتهي بتفاؤل عجيب لا يمكن تفسيره. يقول الرجال الأربعة (ص 137- 138): «سنذيب الحديد والحجر بلحم أيدينا، بعظم أضلعنا، بنور أعيننا، ورغم خسوفك يا قمر سنصمد أيها القدر، ونظهر الجرح بالسكين يا بلدي. رغم الخسوف، سندق الحديد والحجر دون خوف. بأفواهنا إلى النور، سنأكل الحديد والحجر». وتجيء مسرحيته الأخيرة «الذي لا يأتي» عملاً جديداً يستند إلى مسرحية بيكيت الشهيرة «في انتظار غودو»، لتعبر عن ذلك النزاع في نفس رياض عصمت بين موقعين في الحياة، إن «الأول» هو «الثاني» في المسرحية، وما دام الرجل الأول قد انهال على الثاني بعشرات الطعنات القاتلة في نصله اللامع وهو يردد «إني أكرهك»، فهل انتهى النزاع عند رياض عصمت. إن الرجل الأول يصرح ببعض الأفكار التي ربما قتل من أجلها رجلاً آخر مقيماً في داخله، ولا يفارقه هو الرجل الثاني. فهل قتل الرجل الثاني لاكتشاف جديد عرفه، أو رآه الرجل الأول ثم غفل عنه. يبدو أن النزاع عند رياض عصمت لم ينته: الوحدة ما تزال.. الخوف ما يزال.. الحب مات منذ زمن طويل.. الوحشة تملأ الدروب.. الحاجة إلى الرجل الثاني ما تزال. عند هذا كله يكون الحل هو الانطلاقة مع صاحبه «الرجل الثاني الذي مات» إلى الغابات، ولكن الميت لا يتحرك، عندئذ ينطلق الرجل الأول وحيداً نحو الغابات، وقد شهر السكين المضرجة بالدم وهو يطلق صرخة طويلة ثاقبة. إنه اليأس.. منتهى اليأس إذاً. هذه هي مسرحية رياض عصمت الفضلى في مجموعة مسرحياته. من هنا، تكون الحصيلة من حديثنا عن مسرحيات رياض عصمت ما يلي: - التفاؤل أو اليأس ليسا بخلاصتين فنيتين، إنهما مسألتان تدخلان في نسيج الحياة التي يطمح العمل الفني في النسج على منوالها. - التنقل بين الأساليب المسرحية مشروع. - الموضوع ضروري للفن، وللمسرح، والموضوع ليس أن «تحكي عن شيء»، ولكن أن «يحكي هذا الشيء» فيتحول إلى مادة فنية عن التاريخ. 3- «رشاد رشدي»: وقضية الصراع العربي الإسرائيلي: يتراوح المسرح، كما هي الفنون جميعها، بين التحديد واللاتحديد.. بين التاريخي واللاتاريخي، وفي تعيين أحد هذين الطرفين في مسرحية ما، نستطيع أن نعرف فكر الكاتب السياسي وموقفه من الصراع الدائر على سطح الأرض عموماً، وبين بني قومه خصوصاً، وفي مسرحنا العربي اقتراب كبير من التحديد.. من التاريخي، اقتضته التطورات في علاقة الكاتب بالسلطة وفي مدى تحسسه للواقع مما ألح عليه أن يقف موقف المجابهة! ورشاد رشدي الكاتب المسرحي العربي نفسه ألحت عليه الحساسية الجماهيرية في طلب المسرح السياسي أو الملتزم، والحساسية الفنية في التبسيط والتقرير واللغة اليومية وتسهيل المفاهيم الكبيرة فكتب مسرحيتيه الأخيرتين «حبيبتي شامينا» (مطبوعات الجديد 1972) و «محاكمة عم أحمد الفلاح» (مختارات الجديد 1974)، والمسرحيتان تتنطعان للقضية الوطنية الأولى، قضية التحرير كما تتمثل في الصراع العربي- الإسرائيلي ثم تدعيان تقديم الحلول. ماذا يقول هذا الرجل في مسرحيتيه؟ وأين هما من المسرح الوطني أو القومي؟ لقد كتب قبل المسرحيتين المذكورتين عدة مسرحيات أذكر منها: «لعبة الحب» و«رحلة خارج السور و«خيال الظل» و«حلاوة زمان» و«نور الظلام». وفي جميعها يتصدى رشاد رشدي للذات المنقسمة، والضائعة، والمغتربة، وفي جميعها أيضاً يبحث رشاد رشدي عن تلك الذات. المتوافقة ثم لا يجدها، فتظل شخصياته في أوهامها وفي خوفها وقلقها سجينة لا تلوي على شيء ولا تنتظر شيئاً، أما علاقتها بمجتمعها فتلك مسألة يطول بحثها، وخلاصتها أن الصراع داخل شخصياته نفسي بحت وفي الغالب هو نتيجة افتراضات، والمحور هو فقدان الحب من قبل الآخر بتعبير أوضح، لذا فهو يقيم علاقات متعامدة –متوافقة: أكثر من علاقة متشابهة مع تغير الأطراف في كل مرة. وبقي عالمه هكذا حتى كتابة المسرحيتين الأخيرتين، عدا مسرحية واحدة أراد لها أن تكون صدى مباشراً لواقع النكسة، فكانت «بلدي يا بلدي» ليرى فيها أن أسباب النكسة تعود إلى الجدار القائم بين القائد والشعب، تلك النغمة التي عزف عليها أغلب كتاب المسرح في مصر العربية، أمثال يوسف إدريس في «المخططين» وسعد الدين وهبه في «يا سلام سلم، الحيطة بتتكلم» وعلي سالم في «أنت يللي قتلت الوحش». وعلى الرغم مما تثيره هذه القضية من حوار مع الواقع العربي، فإنها تنطوي على عجز واضح في التوجه إلى الصراع القائم وفي مدى وعيه تاريخياً وفنياً، ودون هذا الوعي تظل الأعمال الفنية قاصرة، وتفتقد للصدق والإقناع. تتحرك مسرحيتاه الأخيرتان «حبيبتي شامينا» و«محاكمة عم أحمد الفلاح» في هذا الإطار تماماً فهما تعتمدان الوصفات الجاهزة بحجة تقريب هذا النبض من جماهير المسرح. في «حبيبتي شامينا» هناك شامينا أو سوسنة التي يحبها الراعي الشاب «راعين»، وفي الوقت نفسه يريدها الملك سليمان زوجة له، وهنا يقوم الصراع بين الحب والسلطان. وفي النهاية ينتصر الحب فبعدما أصبحت «شامينا» ملكاً لسليمان يتدخل راعين، ويدخل أرض سليمان ليعيدها، وتعود دون مقومة تذكر، لأن أيدي الحراس تصبح مشلولة، وهكذا تعود شامينا.. هكذا ببساطة.. الحب وحده يرجع الحبيب: وببساطة أيضاً تتضح الرموز فشامينا هي فلسطين، وسليمان هو العدو، وراعين هو الفدائي العربي أو ابن فلسطين. لكم هو الحل معقول وواقعي. أما مسرحيته الأخيرة «محاكمة عم أحمد الفلاح» (تشرين أول 1974) فقد كتبها من وحي 6 أكتوبر (تشرين أول) 1973، أي من وحي الحرب مع العدو. وتقع في أربعة فصول، وتخلو من حدث اعتماداً على غنائيات الصراع مع العدو الإسرائيلي ومعطيات الحياة العربية على ضفاف النيل من خلال تكنيك مسرحي هو الفلاح العربي في مصر من قبل قضاة لا نعرف من هم تماماً، ثم تأتي حرب 6 تشرين لينسحب القضاة، ويتركوا منصة القضاة لعم أحمد ومن ورائه الشعب (المرأة والفتاة والراوي والشاعر إلخ..) ليبدأوا المحاكمة. ثم نفهم أن المحاكمة ستقام من أجل بناء الوطن وتحريره. هكذا أيضاً، وببساطة. إذاً المسرحية غناء لحرب تشرين باسم الفلاح. تخلو قاعة المحاكمة في الفصل الثاني من القضاة لتنطلق مونولوجات الراوي والمرأة والشاعر وغيرهم بينما تتخللها بعض أحداث الحرب أو المقاومة ضد العدو الإسرائيلي، وما هو معروف منها كحكاية تقديم الأم ولدها للعدو بدلاً من الفدائي فقد استخدمه غيره بنجاح لم يحققه هو (وليد إخلاصي في «يوم أسقطنا طائر الوهم» على سبيل المثال) وما هو غير معروف فمبالغ فيه وممجوج (مثال: حين يغضب عم أحمد من الطيار الإسرائيلي يتحداه بدون سلاح، أما الطيار الإسرائيلي فيجري مذعوراً وهو يصيح مصري.. مصري.. مصري). لقد ظل في مسرحياته عدا «بلدي يا بلدي» أميناً للاتاريخي، ولذلك تعرفنا على عالمه وأفكاره، أما المسرحيتان الأخيرتان فيلجأ فيهما إلى «الغناء» لكي لا يواجه تفاصيل واقع شديد الغنى والإثارة والتعقيد. 4- «بيت الجنون»: خطوة إلى القضية الفلسطينية: كتب توفيق فياض مسرحيته «بيت الجنون»، في الأرض المحتلة عام 1965 وهذه المسرحية بالذات تثير مسائل عديدة حول طبيعة المسرح الوطني لعل أبرزها ما يكتسبه مثل هذا الفن الذي يكتب تحت سمع وبصر العدو أولاً، والأدوات التي يتوصل إليها الفنان المناضل لتوصل فنه، ثانياً، ثم الموضوعات ومدى علاقتها المباشرة بالصراع مع العدو ثالثاً. إن رؤيا الفنان حين تستشرف الواقع من خلال ذلك الصراع الخالد بين الإنسان وقوى الظلم والعدوان، هذه الرؤيا هي المقاومة بحد ذاتها، ولكن ثمة أدب مقاومة يوظّف جهوده لقضية سياسية أو اجتماعية. مباشرة، هذا الأدب هو الأدب الوطني، وعلى الغالب، يتحول بعد انتصار القضية التي دافع عنها إلى (وثيقة) مثل البيانات وكتابات الشهود إبان موقعة ما. كتب توفيق فياض مسرحيته في الأرض المحتلة، وطبعها لأول مرة هناك، وهذا ما جعله يختار أدوات فنية ربما تكون غير متجانسة، وعلى الرغم من ذلك كله استطاع أن يوصل ما يريد أن يقوله، وأن تكون مسرحيته لبنة من لبنات رفض الواقع القائم على الظلم والعدوان، لقد سبق للكاتب الفلسطيني «عفيف سالم» أن قال عن مثل هذه النماذج إنها «ابنة شرعية للوضع الاجتماعي السياسي للشعب العربي في إسرائيل» وهذا صحيح. ومن هنا، تجيء خطورة ما هو مطلوب منها، أن تكون أشبه بالمنشورات ولكن بشكل علني، باعتبارها عملاً فنياً لا يتخذ صورة المنشورات المباشرة. «بيت الجنون» ليس فيها سوى شخص واحد هو سامي الذي كان يعمل مدرساً للتاريخ والأدب، ووحده يتوسط خشبة المسرح مع تعليمات وإرشادات مسرحية كثيرة تكاد تحيل العمل إلى قصة حوارية تعتمد أسلوب/ المونولوج –حديث الشخص لنفسه- سامي عن ذلك الحصار الذي يبقيه في «قبر» الاحتلال، وهو لا يتأخر عن تسميته بالكابوس الرهيب، وهذه التسمية هي أول كلمات المونولوج –المسرحية. ثم لا يتوانى عن بسط حالته ومخلوقات عالمه: وحدته، ملاحقته الدائمة من قبل أصحاب الأحذية الوحشية والقبعات السوداء، الريح الشديدة الهبوب، لبنى الملاك التنين، الناس الغرباء في داره.. الخ.. أما كيف يتعامل مع عالمه، وكيف يفهمه فهذه بعض حالاته: - السلام العالمي يساوي ناقص الإنسانية (ص13). - بل شبح المالك ذلك المغتصب الوقع (ص16). - ولكنني، لن أستسلم.. لن أستسلم أبداً!! (ص28). - العالم بأسره، هو المسؤول عن هذه المأساة الأليمة، مأساة ولادتي! (ص57). - هناك، هل تسمع.. فإنني لا أخافكم.. (يندفع نحو الباب بجنون يحاول فتحه). لا أرهبكم. سأتحداكم جميعاً. وسأنتصر عليكم جميعاً. جميعاً.. وحدي.. وحدي.. (ص 80 وبذا تنتهي المسرحية). المسرحية –كما نلاحظ- تخلو من حدث إلا من وجدان سامي الذي يتحرك على طول المسرح وعرضه محاصراً من كل الجهات، حتى الصالة تحاصره، مؤكداً توجهه نحو أهدافه من كتابة المسرحية، حين يلتفت إلى الجمهور «العدو الإسرائيلي» ويقول: يا إله السماء! أنتم!.. ماذا تفعلون هنا؟ كيف دخلتم داري بحق الشيطان!؟ كيف استطعتم ذلك؟! (ص29). لقد أراد توفيق فياض لبطله أن يكون ممثل العرب تحت ظل الاحتلال الإسرائيلي رمزاً ومرموزاً له، ثم يوسع استخدامه لهذا الأسلوب حين يقدم رموزاً أخرى مثل «لبنى» و«الريح» الأول للدلالة على قيمة ما، والثاني للدلالة على موقع بيت سامي- فلسطين- في التاريخ.. وإن البيت معرض في كل حين للثورة، وما يجدر ذكره هنا هو نجاح توفيق فياض في توصيل أفكاره لجمهوره رغم انتهاجه الرموز التي عطلت بعض الدلالات لتنافيها مع الأسلوب المباشر في مواقع كثيرة –لاحظ المنطق والمحاكمة في مونولوج سامي- وهو في هذا معذور، كونه يكتب تحت ظروف الإرهاب والبطش. وقد كان توفيق فياض أميناً للممارسة النضالية لشعبه، إذ لم يتجاوز حدود التفاؤل المتاح حين جعل سامي (الشعب الفلسطيني في فلسطين المحتلة) يرفض الاستسلام، ويقرر المواجهة بالكفاح المسلح «1965». إته، ببساطة، يكتب مسرحاً وطنياً يلبي احتياجات شعبه حين يهتم اهتماماً بالغاً بمسألة التوصيل، وحين يعالج موضوعات متغيرة هي موضوعات النضال العربي الفلسطيني، وبذا يقدم المثال على أن المطلوب من الأدب والفن الوطنيين ما يزال كثيراً، «وإن القضية الفلسطينية ما زالت أكبر بكثير من الفعل الفلسطيني» كما يقول توفيق فياض نفسه، ومنه الفعل الفني. 5- «النسر الأحمر»: الواقع والقيم الفاضلة: ربما كان عبد الرحمن الشرقاوي الكاتب الوحيد بين كتاب جيله الذي واكب التطورات السياسية والاجتماعية في بلاده في مختلف الوسائل التي يمارس فيها العمل الفني (الشعر والقصة القصيرة والمسرحية والرواية والمقال الأدبي والسياسي). فهو ينتمي إلى الجيل الثاني من كتاب المسرح العربي في مصر مع نعمان عاشور ورشاد رشدي وسعد الدين وهبة ويوسف إدريس والفريد فرج، هذا الجيل الذي نضجت تجربته الأدبية في مطلع الخمسينيات، وكان بدأ الكتابة في أواخر الأربعينيات. صحيح، إن اهتمام كتاب الجيل الثاني من المسرح العربي كان منصباً على مسألتين: الأولى معالجة الطبقة المتوسطة في المجتمع المصري، والثانية التزاوج بين المشكلة الاجتماعية والمشكلة الوطنية، إلا أن عبد الرحمن الشرقاوي يتميز عن أبناء جيله بميزات منها: أولاً: توجهه نحو المسرح الشعري، وقد كتب مسرحيات عديدة شعراً هي «مأساة جميلة» عام 1959 و«الفتى مهران» عام 1963 و«ثأر الله –الحسين ثائراً وشهيداً» عام 1967 و«النسر الأحمر» عام 1974 وهي مدار إشارتنا الآن، وله أيضاً ثلاث مسرحيات هي «الأسير» عام 1953، و«تمثال الحرية» عام 1967، و«وطني عكا» عام 1969. ثانياً: توجهه نحو معالجة البيئة الريفية، فالفلاح حاضر في مسرحياته أبداً. وما يمنح مسرحه خصوصية هو فكره الذي يتوصل له في أساليب فنية معينة. لقد ظل أميناً للأهداف الوطنية الواسعة لفترة طويلة. ففي «مأساة جميلة» تمجيد للدفاع عن حرية البلاد، وفي «الفتى مهران» إدانة لسقوط الفارس أو المقاتل في التواطؤ مع السلطة العميلة، وفي «الحسين ثائراً وشهيداً» غناء للشهادة من أجل الدفاع عن الوطن والقيم النبيلة. ولكنه في مسرحيته «النسر الأحمر» (نشرت أولاً مسلسلة في روز اليوسف خريف عام 1974) يلح إلحاحاً غريباً على مشروع للسلام إزاء الدفاع عن الوطن أو تحريره. رغم أن مسرحيات عبد الرحمن الشرقاوي قريبة الصلة بالتطور السياسي والاجتماعي لبلاده، حتى لتجد دائماً في مسرحياته ما يوازي الشخصيات والأحداث، إلا أنها تتجاوزها في مفاهيم لا تخضع للمتغيرات، إن صح التعبير. في «وطني عكا» على سبيل المثال يناضل العرب الفلسطينيون من أجل تحرير بلادهم، ولا تمنعهم من هذا النضال ظروف القهر التي تحيط بهم من كل جانب، وحين يتنازل «الفتى مهران» للسلطة العميلة لا يرحمه أحد من الشعب، وتنتهي المسرحية وإرادة الشعب تدعو للبناء والتحرير. وفي «ثأر الله»، كتب أكثر من 400 صفحة يغني للشهادة في سبيل القضية، وقد وصل به الغناء حداً لم يميز معه بين ما يفصل الخير عن الشر. هناك الشر، وهناك الخير، ولا شيء بدونهما، ونتيجة لهذا، بدت شخصياته «مسطحة» لا تحيي فكرة بقدر ما تحييها الفكرة ذاتها، وهذا كله بدافع الالتفات إلى القيم الفاضلة وحدها ضد ما يدنسها ويزيفها ويلغيها. كان عبد الرحمن الشرقاوي ينظر إلى الواقع من خلال القيم الفاضلة، وفي مسرحيته الأخيرة صار ينظر إلى القيم الفاضلة من خلال الواقع، كيف؟ «النسر الأحمر» ثنائية مسرحية، مثلها مثل «ثأر الله»، تتألف من مسرحيتين هما: «النسر والغربان» و«النسر وقلب الأسد». «النسر» هو صلاح الدين الأيوبي، القائد العربي البارز وصاحب الانتصارات المشهورة على الصليبيين، وعبد الرحمن الشرقاوي اختار له اسم «النسر» في مسرحيته، لأن النسر «أمير الجو وملك الطير.. يصعد القمم الشماء، لا يعرف نسر كيف يسف، لا يهوي لحضيض الأرض، ولا يغتال فريسته غدراً، ويواجهها بشرف، إن النسر شباب خالد». (ص 34). تعريف النسر وسبب تسمية صلاح الدين به مفتاح المسرحية، إن أخلاق النسر الفاضلة هي معيار التعامل مع الأصدقاء ومع الأعداء أيضاً، وهي معيار النمو الدرامي كذلك. لعل «النسر الأحمر» هي مسرحية الشرقاوي الوحيدة التي تكاد تكون نتاجاً للحظة الخلق الرائعة إذ تخلو من التفاصيل في الأحداث ومن الشخصيات الهامشية لحساب النمو المسرحي، هذا النمو الذي يلاحق أخلاق «النسر» أو «صلاح الدين» وحدها حتى أننا لا نعرف له علاقات خاصة (زوجة- أم- أقارب..الخ). إن النسر هنا أخلاق تسمو على الصراعات الكبيرة والصغيرة، وهذا السمو ينتصر في النهاية على المعتدين والغزاة. هناك أعداء في الداخل (محاولة انقلابية يقوم بها نائب السلطان) وأعداء أشقاء (تحالف أمير المغرب مع الغزاة وخصوصاً ريتشارد قلب الأسد) وأعداء الوطن في الخارج (الغزو الصليبي)، ولكن النصر يكون في النهاية لأخلاق الفارس العربي، أخلاق النسر. بعد تصفية أعداء الداخل والأعداء الأشقاء ينتصر النسر على الغزاة، وبالفعل يتعاهد وريتشارد على «ألا يغزوا هم منذ اليوم أية أرض عربية»، فالفضائل قوة العرب، «هي قلعتنا، هي أسوار مدينتنا» (ص 125). وهكذا يقوم السلام. لنقرأ: «صلاح: (يعانق ريتشارد) عد بجنودك يا ريتشارد.. عد لبلادك فاملأها يا قلب الأسد بأمن القلب ودفء البيت. عد بالفرحة للزوجات عد بالبسمة للأطفال وللأبناء.. فلنتعاون عبر البحر لنصنع فجر زمان الخير.. زمن يشرق فيه العدل ويحكمه سلطان العقل.. ويظلل فيه هذا العصر السلم الدائم.. ليصير به الإنسان الحر أخا الإنسان» (ص 128). ولكن إلى أيّ حدّ يُرى الواقع من خلال القيم الفاضلة؟ إن إجابات الواقع مختلفة بالتأكيد عن رؤى الفن المفرقة في المثالية. [مجلة «الموقف الأدبي» (دمشق)، ع227-228، 1990] |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |