|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 03:59 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
10 - مسرح الأطفال في سورية مسرح الأطفال في سورية حديث شأن مبدعات أدب الأطفال الأخرى. فقد كان حتى نهاية الستينات داخل جدران المؤسسة التربوية، ولم يلتفت إليه الأدباء إلا متأخرين ضمن اهتمامهم الذي يكاد يكون مفاجأة بأدب الأطفال بعد حرب حزيران 1967 حين أعلن الشاعر الكبير سليمان العيسى باسم الضمير الأدبي عن الإيمان بالمستقبل العربي من خلال تنشئة الأجيال الجديدة بالقيم القومية والشعبية والأصلية، وكان المسرح أحد قنوات الاتصال الهامة بجماهير الأطال، فانطلق مسرح الأطفال خطاباً قومياً وتربوياً بالدرجة الأولى، وهو ما جسدته مسرحيات سليمان العيسى، ومن ساروا على منواله، آنذاك أـمثال مصطفى عكرمة وعيسى أيوب. ويفصل هذا البحث القول في مسرح الأطفال في سورية خلال السبعينيات والثمانينيات على أنها الفترة الخصيبة في تطور هذا الفن الذي وجد إقبالاً، فراحت أعماله، ودارت على أقلام الكتاب وإبداعات الفنانين دوراناً ملحوظاً، غير أننا سننظر قبل ذلك في مفاهيم مسرح الأطفال لتبيان أهمية النقلة التربوية والفكرية والفنية التي شهدها هذا الفن في العقدين الأخيرين، ولتفهم ثراء تجربة مسرح الأطفال في سورية ويتصدى البحث بعد ذلك لعرض إطار عام لتطور مسرح الأطفال في سورية، ثم يتوقف ملياً عند الممارسة المسرحية والوعي به. 1- مسرح الأطفال: يختلف مسرح الأطفال عن مسرح الكبار أو الراشدين، وتتجلى في قضية مسرح الأطفال معضلة التربية والفن أكثر من بقية مبدعات أدب الأطفال الأخرى كالقصة والشعر، فقد عومل مسرح الأطفال إلى وقت قريب على أنه المسرح المدرسي أو استخدام المسرح لغايات الدرس أو التعليم أو التربية، ولم يعترف بانتماء مسرح الأطفال إلى الفن أو الأدب إلا متأخراً، فقد غاب مسرح الأطفال عن الأدب طويلاً وصار بالنسبة للمؤسسة التربوية مادة للمناشط الاحتفالية ورافداً للمنهاج المدرسي، إغفالاً لطبيعة الممارسة المسرحية الطفلية التي تتسع لتشمل مشاركة الطفل نفسه في الفرجة والمشهدية، وتضيق لتقارب مفهوم الخطاب المسرحي للراشدين، حين يصبح الطفل متلقياً، وهو ما اصطلح على تسميته بمسرح الكبار للصغار. إن مسرح الأطفال، بهذا الإطار، نوعان، نوع أول هو وسيلة تربوية وتثقيفية يشترك فيه الطفل بالتمثيل والمشهدية. وأشهر أشكاله «الدراما الخلاقة » وهي استثمار طاقة الطفل الحركية والتعبيرية في إدراك العالم وتنمية الشخصية وتربية الذوق وتعزيز التثقيف الذاتي والصحة النفسية، أما سبيل «الدراما الخلاقة» فهو المسرحة من الحكايات والقصص والأحاديث والتجارب وتنامي ذلك عبر استنفار مقدرة الطفل الحركية والتعبيرية في الأحاسيس والتخييل واللغة والوعي. وثمة نوع ثان هو مسرح موجه إلى الأطفال، ويستند إلى اعتبارات مخاطبتهم الفنية والتربوية حيث تتعدد أشكال المسرحة من التجسيد الآدمي، كمسرح الكبار للصغار التمثيلي أو الغنائي أو التسجيلي إلى الاستخدام المادي لعناصر عرض كالعرائس أو خيال الظل أو الضوء وغير ذلك. ومايزال الالتباس قائماً في تحديد نوعية مسرح الأطفال، غير أنه يستلزم مراعاة عناصر لابد منها تتمثل في «دراما الطفل» التي تمنح مسرح الأطفال خصوصيته، بما تعنيه من استعادة الطفولة في فضائها الفريد وقد وضعت على المسرح، وغدت ناجزة لتلقي الطفل، كما تتبدى أيضاً في «الموقف الأدبي» الذي يستوعب فعالية الطفل نفسه على التلقي الموضوعي، والابتعاد ما أمكن عن التلقي الانفعالي أو التلقي المزاجي. ويؤدي هذا التلقي الموضوعي إلى شروط في البناء المسرحي ولغته وتخييله أيضاً. وهكذا نلاحظ أن مفهوم مسرح الأطفال مختلف عن مسرح الكبار أو الراشدين، ومختلف عن محاولات تبسيطه في المسرح المدرسي، فهو أبعد من مجرد وسيلة تربوية للإيضاح أو التعليم أو الوعظ أو الإرشاد أو التوعية، وهي تسميات متشابهة لممارسة مسرحية طفلية حصرت مسرح الأطفال في مفهوم المسرح المدرسي الذي يعني بالتبشير والدعاوة والتعليم والشروح والشعارات بالدرجة الأولى، وهو حال غالبية نماذج مسرح الأطفال في ممارسته التربوية المباشرة. ولعلنا نتعرف أكثر إلى طبيعة مسرح الأطفال في تجربته وتطوره لدى عرضنا لإطاره التاريخي ومعاينتنا لممارسته وشؤون الوعي به فناً هو وسيط ثقافي راق، ووسيلة اتصال فعالة، قبل أن ننظر في قضايا مسرح الأطفال وموضوعاته وأهم مؤلفيه كما ظهرت جلية في العقدين الأخيرين. 2- لمحة تاريخية: اقتصرت مسرحية الأطفال في سورية حتى نهاية الستينات على التمثيليات المدرسية، فقد التف حول المسرح المدرسي مربون بارزون بحكم الحاجة لنصوص تغذي احتياجات المهرجانات والاحتفالات المدرسية، نذكر منهم رضا صافي الذي طبع مؤخراً بعض المشاهد التمثيلية في كتابه «صرخة الثأر» (1980) وكأن كتبها في الخمسينيات «معلم يعتقد أن واجبه في توعية أبنائه وبناته وتوجيههم وطنياً وقومياً، مقدم على واجبه في تعليمهم» كما جاء في تقديمه، ونصري الجوزي الذي نشر أكثر من عشر مسرحيات في «السلسلة المسرحية للطلبة» (1970-1971-1974). ومن الواضح أن هذه التمثيليات تعتمد على إشاعة القيم التعليمية ولاسيما الوطنية في نفوس الناشئة من خلال أسلوب مباشر واضح وغنائي أحياناً، مما يفسر ضعف الفعلية في بناء النصوص، وغلبة العبارات المأثورة، وغالباً ما استمد هؤلاء الأدباء نصوصهم من التاريخ تقديساً للروح الوطنية ودفاعاً عن الأرض واعتزازاً بالانتماء للأمة العربية ونضالاً في سبيل فلسطين والقضايا القومية. وكان ظهور مجموعة مسرحيات سليمان العيسى الغنائية «المستقبل» (1969) تطويراً واضحاً. إذ كرس منذ ذلك الوقت جل إبداعه للأطفال. ويتجلى هذا التطوير في الاقتراب من عالم الطفولة من حيث تنوع الموضوعات الأليفة كالبيت والمدرسة والطبيعة والوطن والكفاح في سبيل حياة أفضل، ومن حيث تطويع الأسلوب الفني للخصائص التربوية مثل تقبل الأطفال للإيقاعات والأوزان الشعرية، ومقدرتهم على تلحينها بأنفسهم، ومثل بساطة التراكيب ودقة الألفاظ وسهولة جريانها في منطوق الأطفال. ويحفل كتابه الكبير «مسرحيات غنائية للأطفال» (وهو يجمع مسرحياته حتى عام 1982) بنصوص كثيرة تضع الطفل أمام عصره، وتجعله أقرب المتطلعات المنشودة في انخراطه المبكر بمجتمعه وصيانة مستقبل البشرية. تحدث سليمان العيسى للأطفال بلغتهم. من خلال مشاعرهم الدافئة، عن التزامهم بأهم القضايا المصيرية لأمتهم العربية، وأحيا في نفوسهم الأمجاد الغابرة والنزوع الإنساني للتعاطف مع الشعوب الأخرى المحبة للعدل والسلام، ودعاهم إلى الكفاح بلا هوادة من أجل الوحدة العربية التي سماها «الحلم العظيم» في مسرحية بالعنوان نفسه. جسّد العيسى في مسرحياته أبهى الصور العربية إيماناً بالحرية والكرامة والطفولة والمستقبل، وأعطى الأطفال أدواراً رائدة في بناء الحياة، وربط ذلك كله بتراث أمتهم وتراث الإنسانية، كما هو واضح في عناوين مسرحياته «الأطفال يزورون المعري» و«الأطفال يحملون الراية» و«المتنبي والأطفال»و «سندريلا» و«الأطفال يزورون تدمر». وتعد سنوات السبعينيات الأخيرة منطلق انتشار الكتابة لمسرح الأطفال وفق الاعتبارات التربوية المدروسة والملموسة، فمع ميلاد منظمة طلائع البعث (1974) وقيام مهرجانها القطري السنوي (اعتباراً من عام 1975)، أقبل عدد من الكتاب على الكتابة لفرق الأطفال الكثيرة المنتشرة في مختلف المحافظات مثل فرحان بلبل وعيسى أيوب ومحمد أبو معتوق وإبراهيم جرجي وصالح هواري ومحمد معشوق حمزة. ويقدم المهرجان القطري لطلائع البعث سنوياً عروضاً في إطار مسرح العرائس وخيال الظل ومسرح الأطفال (مسرح الكبار للصغار) ومسرح المنوعات والمسرح الغنائي الاستعراضي ومسرح الفنون الشعبية وأغنية الطفل العربي، وتصدر المنظمة نصوص هذه العروض ضمن مطبوعاتها منذ المهرجان القطري السادس (طرطوس 1981). وهذه الكتب وثائق هامة عن تطور العمل المسرحي للأطفال في سورية. أما عمل وزارة الثقافة والإرشاد القومي فقد اقتصر على مسرح العرائس (منذ عام 1959) الذي قدم حتى نهاية (1985) قرابة 22 مسرحية، غالبيتها مترجمة أو معدة. وجرت محاولة لتأسيس مسرح الطفل في وزارة الثقافة وبدأ عمله عام (1983) بمسرحية هي «علاء الدين والمصباح السحري» أعدها عدنان جودة عن قصص ألف ليلة وليلة والمسرحية العرائسية السوفيتية (طبعت عام 1984 ضمن منشورات الوزارة). وهناك نشاط ملحوظ في التأليف للنشر أو التكليف المباشر للمهرجانات القطرية، وقد بلغ عدد النصوص المسرحية في مطبوعات المنظمة أكثر من 460 نصاً مسرحياً. تكاد المسرحية المكتوبة على لسان الحيوانات من باب «الأنسنة» أو تعليل صفات الطبيعة وأشكالها هي الغالبة على مسرحية الأطفال في سورية، بل إن كتاباً كثيرين وظفوا هذا الأسلوب لحاجات بناء مسرحيات رمزية تباشر القضايا الأساسية كقضية فلسطين والاحتلال الصهيوني وقضية التجزئة والتعلق بالوحدة العربية وقضية العدالة الاجتماعية وقضية تنمية العادات السلوكية الحميدة. وهذا جلي في مسرحيات صالح هواري «قتلوا الحمام» (1984) ومسرحيات محمد أبو معتوق «ثلاث مسرحيات للأطفال» (1984) و«أوهام حارس الغابة» (1986)، ومسرحيات عيسى أيوب الكثيرة وخصوصاً «الملك والربيع« (1981) و«الحسون في عيد الزينة» و«الرغيف» (1985) ومسرحية أحمد يوسف داود «محكمة في الغابة» (1980). ومسرحية جمانة نعمان «سيدة ثمار الصيف» (1983). وثمة كتاب آخرون يؤثرون الصياغة الواقعية المستمدة من بطون التاريخ أو الحكايات الشعبية أو الأساطير أو حركة الواقع بقصد التركيز على قيم سلوكية أو اجتماعية أو قومية كما في مسرحيات فرحانبلبل «ثلاث مسرحيات للأطفال» (1983) ومسرحية نصر الدين البحرة «أغنية المعول» (1978) ومسرحيات عبد الفتاح رواس قلعه جي «ملكة القطن والشمس» (1979) و«أوبريبت قلعة حلب» (1983) وأكرم شريم «ممتاز يا بطل» (1981). وهناك كتاب كثر صاغوا مسرحياتهم من خلال حياة الأطفال اليويمة، ولا سيما داخل المعسكرات والمناشط الطليعية تركيزاً على مشاركة الطفل وتثير النزعات الإبداعية والبطولة لديه، مثل محمد بري العواني «الفنانون الصغار» (1983) وإبراهيم جرجي «الأطفال ينشدون على الشاطئ موج البطولة» (1983) وكمال عبد الكريم «أهلاً بكم» (1982). إن أعوام 1975 و1985 هي الأوفر انتجاً والأكثر تطوراً في مسرحية الأطفال في سورية، سواء في ضبط التجربة الفنية، أو في مراعاة الاعتبارات التربوية الواجب توافرها في كل أدب للأطفال. 3- مسرح الأطفال في الممارسة: من الواضح، أن مسرح الأطفال في سورية، شأنه شأن بقية مسارح الأطفال الأخرى، قد انطلق من المدرسة ملبياً لحاجات تربوية بالدرجة الأولى رافداً للمناشط التربوية في المدرسة وخارجها، ولا سيما الاحتفالات التي اتسعت مكانتها في حياة التلاميذ والطلاب بعد الاستقلال (1946)، وربط التربية بالأبعاد الوطنية والقومية، ويشير إلى ذلك تعدد منسباتها على مدار العام الدراسي. وتشهد سنوات ما بعد الوحدة بين سورية ومصر (1958) إلى إشراك المدرسة بالاحتفالات العامة، وقد كان المسرح، بعروضه واستعراضاته الفنية والجماهيرية الشكل المفضل لمشاركة الناشئة بالأعياد الوطنية والقومية.وبهذا المعنى، غلب على النشاط المسرحي للناشئة غرض تعليمي شديد الاتصال بمعاني هذه الأعياد، بل إن غالبية العروض المسرحية هي أشبه بالدروس التي تسعى إلى وضع الناشئة في الحالة الوطنية والقومية الناهضة. وليس مستغرباً أن تمثيليات نصري الجوزي هي الأكثر أداء على خشبة المسرح المدرسية وفي احتفالات التلاميذ والطلاب ومهرجاناتهم، حتى أنه أعاد طبعها في مطلع السبعينات، فجمع خمسة فصول مسرحية منها مع مقدمة لعجاج نويهض هي: «أمة تطلب الحياة» و«حفلة عشاء» و«باسم الحداد وهارون الرشيد» و«معجون الحب» و«على الباغي تدور الدوائر» (1974). وأصدر ست تمثيليات في السلسلة المسرحية للطلبة، هي «ذكاء القاضي» و«العدل أساس الملك» و«عيد الجلاء» (1970) و«فلسطين لن ننساك» و «وفاء الأصحاب» و«حطموا الأصنام» (1971). ويذكر أن غالبية هذه المسرحيات أو التمثيليات قد طبعت لأول مرة في مطبعة «بيت المقدس_» بالقدس في منتصف الأربعينيات. ثم أعيد طبعها لمرات في القدس ودمشق في الخمسينيات، ومثلت على مسارح معظم مدن فلسطين وسورية والأردن ولبنان وقراها، وأذيعت في برامج الأطفال من محطات عربية عديدة. أما نصري الجوزي بشهادة الكثيرين فهو «أول من كتب الفصول التمثيلية على النمط الجيد جداً للأطفال والطلاب ابتداء من سنة 1945»، ويؤكد إقبال المدارس على إعادة عرض تمثيلياته إلى استجابة للذوق التربوي والتعليمي السائد حتى مطلع السبعينيات في بلاد الشام، وعلى إيمان المربين بفكرة الجوزي عن المسرح المدرسي بأنه «نواة صالحة لإعداد جيل عربي يتذوق الفن الرفيع، ويتقن لغة آبائه وأجداده، ويعمل على خلق مسرح قومي تتجمع فيه جميع العناصر الفنية والأدبية والوطنية، كما أنه يساهم في تقديم برامج إذاعية وتلفزيونية على مستوى رفيع». وكان الجوزي قد ضمّن إحدى مجموعات مسرحياته للطلبة فهمه للمسرح المدرسي، فوجد «أن الرواية المدرسية، يقصد المسرحية، أفضل بكثير من جل الكتب المدرسية الجامدة التي تدرس في مدارسنا، فالطالب مليء بالحياة زاخر بالحركة والنشاط، والرواية تحقق رغبته، وترضي حيويته، وتعبر عن كثير من ميوله الأخلاقية والأدبية والوطنية». وركز في محاسن المسرحية المدرسية على وظائفها المباشرة في تعلم اللغة العربية بالدرجة الأولى، ثم تلا ذلك وظيفة زرع محبة فن التمثيل، مشيراً إلى تطور المسرحية في البلاد الأوروبية، إذ خصتها وزارات المعارف هنالك «بقسط وافر من اهتمامها، وأدمجتها في برامج التعليم، حتى باتت قبلة أنظار الطلاب ومحج أمانيهم ونوازعهم»، ويورد الجوزي معلومات عن تنوع مسرحيات الطلاب، كالرواية الأخلاقية التي تحلي حياة الطالب وتجعله يتمسك بأرقى المثل الإنسانية والرواية الأدبية الفكاهية التي تزيل عن النفس كآبتها وآلامها. إن هذا الفهم للمسرحية الطفلية ظل سائداً حتى الستينيات، ويتلخص في أن المسرح سبيل للوعظ والإرشاد والتوعية القومية، ويعد تعلم اللغة العربية عن طريق المسرح من أبرز عناصر التوعية القومية. ومن مظاهر تعليمية هذه الممارسة المسرحية الطفلية اقتصار الموضوعات على إعادة القيم التراثية الأصلية كالعدل والوفاء، وتقريب حوادث التاريخ العربي ومغازيه من أذهان الناشئة وقد وضع في مقدمة مسرحيته «العدل أساس الملك» العبارة التالية: «الاحتفاظ بتراث الآباء سنة فرضتها الطبيعة وساندتها الديانات الملوك تحكم فترة من الزمن وتمر، أما الأرض فباقية، دائمة خالدة». وقد طبع الجوزي مسرحياته بالشكل الكامل والحرف الكبير، وزودها بالمقدمات الشارحة والعبارات المفتاحية الدالة على مغزى النص، وذيّلها بقوائم تشرح الكلمات الصعبة. وفي مسرحيته «عيد الجلاء»كتب عن دلالة المسرحية: «وإني لعلى يقين بأن ذلك اليوم، الذي تتخلص فيه سائر البلاد العربية من ربقة الأسر والعبودية لقريب، فتعيد الأمة العربية جمعاء عيدها القومي، عيد الاستقلال عيد الجلاء، لأن ظل الاستعمار بات بغيضاً ممجوجاً، وأصبحت الشعوب الواعية تعمل جادة من أجل أن تحطم قيد الاستعمار وتستنشق نسيم الحرية صافياً. ولن يكون الوقت بعيداً حينما نسترد فلسطين، ذلك الوطن السليب، ونطهر تلك الأراضي المقدسة من شذاذ الآفاق، وعصابات اللصوص». وبغض النظر عن مناقشة تفكير الجوزي، نلاحظ أنه يكتب مسرحياته التعليمية لتكون دروساً في الوطنية والقومية والأخلاق، ويؤيد دروسه بشواهد وعبارات مفتاحه على المغزى المنشود، ففي مطلع فصول «عيد الجلاء» أختار أبياتاً شعرية لأحمد وشفيق جبري تدعو إلى الشهادة والتضحية والفداء، ويختتم مسرحيته على النحو التالي: «وهنا يتراجع الرمز إلى الوراء شيئاً فشيئاً، بينما تتصاعد في الفضاء قصيدة «الجلاء» لآمال حسين: هو يوم ما سجل الدهر مثله يوم قامت دمشق تقرع طبله» إن مسرحيات نصري الجوزي صورة مثلى للكتابة المسرحية الطفلية السائدة حتى الستينيات كما أشرنا من قبل، ولعل الإشارة إلى كتاب «التربية المسرحية للمدارس الابتدائية»، وكان أيضاً معيناً للمسرح المدرسي في سورية، توكيد على هذا التفكير المسرحي الموجه للناشئة، والكتاب مطبوع بمصر أكثر من طبعة ودون تاريخ، وألفه محمد حسين المخزنجي وإسماعيل رسلان وأحمد شوقي قاسم، ولا يبتعد مؤلفوه عن تفكير الجوزي فهم يرون أن «أسلوب التربية باللعب والتمثيل هو خير الأساليب وأحدثها –وأهم من هذا وذاك أن هذه المسرحيات تحقيقاً للفلسفة التي تقوم عليها التربية المسرحية، من صميم المنهج المقرر على تلاميذ المدرسة الابتدائية حتى تكون أداة تعليمية أساسية يستخدمها المعلمون والمعلمات في فصول المدرسة فتفيد في توصيل المعلومات إلى التلاميذ في صورة شيقة عملية محببة إلى نفوسهم متفقة مع طبيعتهم فضلاً عن أنها تعتبر بحق خير وسيلة لإيضاح وتفسير ما لا يمكن توضيحه أو تفسيره بالطريقة الشفوية والإلقاء المعتاد». ثم يوضح هؤلاء المؤلفون قصدهم الذي يباشر المسرح المدرسي سبيلاً للوعظ والإرشاد والتوعية القومية نفسه. ويكتبون: «والأمر الذي لاشك فيه أن التربية المسرحية تعمل على تكوين شخصيات التلاميذ وبناء أخلاقهم وتربية أذواقهم وتصفيتها، كما أن التمثيل خير وسيلة للنهوض بالمواد الدراسية بطريقة عملية ناجحة تتفق مع أساليب التربية الحديثة، فهي تعالج موضوعات المنهج المقرر التي يلمسها الطفل ويحسها في حياته الاجتماعية والوطنية، كما توضح له دروس الدين واللغة والتاريخ وغيرها بطريقة جذابة مشوقة محببة إلى نفوسهم تساعد على حسن فهمهم واستيعابهم للمواد الدرسية دون مشقة أو عناء كما تساعد على تعليم التلاميذ منذ صغرهم على إجادة الإلقاء وحسن الأداء». وهكذا ضم كتاب «التربية المسرحية للمدارس الابتدائية» مسرحيات في التربية الدينية مثل «سيدنا إبراهيم» و«سيدنا موسى» و«حفر زمزم» و«والد الرسول» و«عام الفيل» و«زواج الرسول»، ومسرحياته في التربية الاجتماعية مثل: «الحب الكبير» و«الوطنية» و«في الحظيرة» و«موكب الحرف»، ومسرحيات في منهج اللغة العربية مثل: «حلم البخيل» و«الأسد والثيران» و«من يأخذ الذهب» و«الثعلب المكار» و«الصديق الخائن». والمسرحيات بالشكل الكامل والحرف الكبير ومزودة بالرسوم الإيضاحية أيضاً كما هو الحال عند نصري الجوزي. وإلى هذا النوع من التأليف أو الإعداد المسرحي، تنتمي غالبية التمثيليات والمسرحيات الموجهة للأطفال، ونشير في هذا المجال إلى كتاب «تمثيليات كليلة ودمنة» لمؤلفها أو معدها إبراهيم غز الدين إسماعيل (في أواخر الستينيات غالباً). وقد صدرت ضمن «السلسلة المدرسية للمطالعة والتمثيل»، تقريباً لهذا السفر التراثي من الأطفال، «في مسرحيات ممتعة أبطالها في الظاهر من عالم الحيوان في حين واقعهم من صميم واقع الإنسان». وقد أعد المؤلف خمس تمثيليات للأطفال هي «النمام» و«المحاكمة» و«حلم الأسد» و«خطة محكمة» و«أسلحة الكفاح». وعلى مثال هذه المسرحيات صاغ مصطفى عزوز (من تونس) مجموعاته التي تحمل اسم «المسرح الصغير» (1979)، وتنحو هذه التمثيليات منحى «الأنسنة» واندغامه بالشخوص الإنسانية بقصد بث الحكمة والقيم على ألسنة الحيوان وعلاقتها مع الإنسان. ومن الملحوظ، أن مسرح الأطفال اقتصر على أمثال هذه التمثيليات المدرسية، التي كانت مادة العروض المسرحية في المدارس ومادة الاحتفالات والمهرجانات، وأبرزها مهرجان المسرح المدرسي الذي أقامته وزارة التربية والتعليم عام 1960، واستمر حتى مطلع السبعينيات، حين تسلمت المنظمات التربوية الشعبية مهام التنشيط المدرسي والتعليمي والتربوي، «منظمة طلائع البعث» في المرحلة الابتدائية، و«اتحاد شبيبة الثورة» في المرحلتين الإعدادية والثانوية و«الاتحاد الوطني لطلبة سورية» في المعاهد والجامعات. غير أن صيف عام 1960، شهد تطوراً في الممارسة المسرحية للأطفال في سورية حين تأسس مسرح العرائس برعاية وزارة الثقافة والإرشاد القومي وإشرافها وتمويلها، وهو مسرح موجه للأطفال قدم حتى نهاية الثمانينيات أكثر من ثلاثين عرضاً، كانت مجالاً للتسلية والتوجيه في آن معاً. وقد أوكلت الوزارة إدارة المسرح لأول مرة للفنان الشعبي المعروف عبد اللطيف فتحي الذي ضمن له الإقبال. وقدم مسرح العرائس عرضاً أو عرضين يومياً، وحضره سنوياً أكثر من ستين ألف طفل، ووظفت الوزارة له ملاكاً من الأطر الفنية المؤهلة، واستقدمت له الخبراء من يوغسلافيا ورومانيا، وجهزت له صالة دائمة في معهد الحرية بدمشق، وضمنت له إمكانية العرض الموسمي في المحافظات، حتى صار مسرح العرائس حافز تجديد لمسرح الأطفال بأنواعه الأخرى، حيث دربت فيه العناصر المحلية، وجربت التقنيات الحديثة، ونوّهت بأن مسرح الأطفال ليس منبراً للوعظ والإرشاد فقط، بل هو قناة ثقافية شديدة التأثير على وجدان الناشئة إذا أحسن الخطاب المسرحي الموجه للأطفال والفتيان. ونجد أن مسرح العرائس قد ساهم في جذب الكتاب إلى الكتابة المسرحية للأطفال، فظهرت أعمال مسرحية لكتّاب لم يلتفتوا إلى مسرح الأطفال من قبل أمثال عبد اللطيف فتحي ونجاة قصاب حسن ونجاح المرادي ويوسف حرب ويوسف دهني وعرفان عبد النافع وتيسير هلال الدين ودلال حاتم وحسن م. يوسف. أما الدور الأهم لمسرح العرائس فهو تعريف العاملين في ثقافة الأطفال وتربيتهم بالتقنيات الحديثة في مسرح الأطفال كعروض عرائس الخيوط «الماريونيت»والدمى القفازية والمسرح الأسود والأقنعة والحقيبة المدرسية والتسجيل الضوئي والفانوس السحري. وفي مسرح العرائس، أقيمت دورات كثيرة لمنشطي مسرح الأطفال في المدارس لتوسيع مجال استخدام هذه الخبرات المتطورة. ثم قامت وزارة الثقافة والإرشاد القومي بخطوة هامة أخرى في مجال مسرح الطفل حين أنشأت «مسرح الأطفال»عام 1983، وأسندت إدارته إلى الفنان عدنان جودة الذي ألف وأخرج مسرحياته كلها: وهي «علاء الدين والمصباح السحري» (1983) و«خطيبة الأمير» (1984) و«القط أبو الجزمة» (1985) و«بدور والأقزام السبعة» (1986) و«علي بابا والأربعين حرامي_» (1987). وخصصت وزارة الثقافة صالة القباني بدمشق مكاناً لعروض «مسرح الأطفال»، وفرغت له أطراً تمثيلية مؤهلة ومتخصصة، وأتاحت لمديره والعاملين فيه تنفيذ تصور متطور لمسرح الأطفال، حين اعتمدوا على الحكايات والأساطير العالمية، وراعت خصائص مخاطبة الأطفال عن طريق المسرح، ولا سيما اللغة والخيال وطبيعة التلقي ورحابة الموضوع الإنساني. أما التطور الأهم في الممارسة المسرحية للأطفال فهو تأسيس منظمة طلائع البعث عام 1974، وتنظيمها للمهرجان السنوي الذي يقام في نيسان أو أيار من كل عام في إحدى المحافظات. وقد أقيم المهرجان السادس عشر باللاذقية (نيسان 1991) وتكمن أهمية المنظمة ومهرجاناتها في المناحي التالية: - تطور النظرة لمسرح الأطفال، فلم يعد تطبيقاً مباشراً للمنهج المدرسي، بل صار تعبيراً فنياً وتربوياً عن إدراك الناشئة للعالم من حولهم، ويتبدى ذلك في تعدد أنواع مسرح الأطفال التي تمارس باتساع مثل المسرح الغنائي الاستعراضي، مسرح الفنون الشعبية، مسرح الكبار للصغار (مسرح الأطفال)، مسرح العرائس، مسرح خيال الظل، أغنية الطفل العربي. وهناك الآن حصيلة ضخمة من المسرحيات المقدمة في هذه الأنواع تضمها الكتب التي بدأت تطبعها المنظمة عن الأعمال المسرحية المقدمة للأطفال كل عام منذ 1981 (دورة المهرجان السادسة). ويبلغ عدد المسرحيات المقدمة أكثر من 600 مسرحية للأطفال في أنواعه المتعددة. ولا يتوقف الأمر عند الكم وحده، فقد أقامت المنظمة دورات اختصاصية تأهيلية سنوية للعاملين في مسرح الأطفال في المدارس والمدارس التطبيقية ومراكز الأنشطة ومعسكرات الطلائع التي تقام سنوياً على مدار ثلاثة أشهر خلال الصيف، وتستقبل سنوياً حوالي 200 ألف طفل يمارسون فيها هواياتهم الكثيرة ومنها المسرح. ومن أجل ممارسة سليمة لمسرح الأطفال في التربية والمؤسسات التربوية وفي تجمعات الأطفال، أقامت المنظمة حلقة بحث اختصاصية عن «مسرح وسينما الأطفال» (دمشق 1980) شارك فيها عدد كبير من الأدباء والفنانين والفنيين المعنيين بثقافة الأطفال، وطبعت حصيلتها في كتاب، هو مرجع الآن في المدارس الابتدائية. كما نظمت ندوة خبراء حول «أدب الأطفال في وسائل الاتصال بجماهير الأطفال» (دمشق 1981) ومنها المسرح كوسيط ثقافي وتربوي ووسيلة اتصال هامة بجماهير الأطفال، (وطبعت أعمال الندوة في كتاب أيضاً)، ثم أقامت المنظمة حلقة بحث اختصاصية حول «جمهور الأطفال والثقافة» (الرقة 1980) جرى فيها اختبار أشمل لعلاقة الأطفال بالمسرح. ولا نبالغ إذا قلنا، إن غالبية كتاب مسرح الأطفال في الثمانينات قد خرجوا من مهرجانات الطلائع أمثال عيسى أيوب وفرحان بلبل ومحمد منذر لطفي وسلام اليماني ونور الدين الهاشمي وإبراهيم جرجي ومحمد معشوق حمزة وشريف ناصيف وخيري عبد ربه وكمال عبد الكريم ومحمد أبو معتوق وصالح هواري وجودت أبو بكر وجمانة نعمان وعلي مزعل وأحمد خنسا وغيرهم. ثم شجعت المنظمة الكتابة المسرحية من خلال مسابقة التأليف المسرحي للأطفال عام 1978، وفاز فيها عدد من الكتاب طبعت أعمالهم في كتب عام 1982 أمثال جان الكسان وأحمد يوسف داود. لم يعد مسرح الأطفال والتأليف له على هامش ثقافة الأطفال منذ مطلع الثمانينيات في سورية، إذ غدا فناً من أهم فنون أدب الأطفال. بفضل الوسائط الثقافية ووسائل بالجماهير التي أفردت له حيزاً كبيراً من مساحات النشر والبث في الصحافة والكتاب وفي الإذاعتين المرئية والمسموعة. وعلى خشبات المسارح في المؤسسات التربوية والثقافية. ولعل المقارنة الإحصائية مفيدة في هذا المجال، فقد ألف في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات حوالي 40 مسرحية للأطفال، بينما ألف في الثمانينيات وحدها أكثر من 160 مسرحية مطبوعة. ولا شك في أنه رقم كبير يشير إلى رواج الكتابة المسرحية للأطفال، أما الوعي بمسرح الأطفال وقيمة هذه الكتابة فسنتعرف إليهما لاحقاً. 4- وعي مسرح الأطفال: كانت الممارسة المسرحية أسبق من الوعي بأهمية مسرح الأطفال تربوياً وفنياً وتثقيفياً، فثمة اتفاق على إلحاق المسرح بالمؤسسة التعليمية، وحين بادرت وزارة الثقافة والإرشاد القومي عام 1960 من خلال تأسيس مسرح العرائس، كان عمل هذا المسرح محكوماً بعاملين: الأول هو التعاون مع المؤسسة التعليمية من أجل انتشار عروضه إلى أوسع جماهير الأطفال، فنظمت المدارس زيارة أطفالها إلى صالة المسرح، وأحيت اللقاءات بين الأطفال والعاملين في المسرح أثر بعض العروض، وساعدت على إيصال المسرح إلى الأطفال في المحافظات، والثاني هو اعتماد المسرح على العاملين فيه من الفنانين والإداريين في تأليف عروضه، ولم يكسب المسرح على وجه العموم، كان على هامش الأدب والمؤسسة الثقافية، واقتصر التأليف له على جهود بعض المربين أمثال نصري الجوزي ورضا صافي. ثم رافق تأسيس مسرح العرائس محاولة للتأليف والترجمة، كان أولها صدور كتاب «فن العرائس وتحريكها» (1963)، وهو من تأليف بوجو كوكوليا، الخبير اليوغسلافي في وزارة الثقافة والإرشاد القومي وترجمة نجاة قصاب حسن مدير الفنون في الوزارة آنذاك ومراجعة جوليان ماركوفيتا (وربما كان أحد الخبراء العاملين في مسرح العرائس). وحفل الكتاب بصور إيضاحية كثيرة، وكتب ليلبي حاجة مسرح العرائس الناهض في سورية. ويكشف إهداء المؤلف عن السعي الحثيث لتطوير مسرح الأطفال في سورية، فقد قال مؤلفه: «إلى مساعدي الأولين. . إلى المؤسسين الأولين لمسرح عرائس دمشق، إلى لاعبيه الناشئين، وموسيقيه، وجميع من عاونوا في تحقيق تقدمه السريع من كتاب وفنانين، أقدم كتابي هذا راجياً أن يكون دليلاً لكثيرين غيرهم من العاملين على تحقيق هدفهم السامي النبيل: ترفيه أطفال الأمة العربية». وربما كانت هي المرة الأولى التي يعترف فيها بمكانة ترفيه الأطفال في العمل المسرحي الموجه إليهم، إذ لا يجد المتتبع لتاريخ مسرح الأطفال في المؤسسة التعليمية في سورية ولاسيما المنهاج ومفرداته، إلا التوكيد على الوظائف التربوية والسياسية والأخلاقية المباشرة للنشاط المسرحي من خلال الحواريات والتمثيليات في الكتاب المدرسي التي يصاغ على منوالها حواريات وتمثيليات. أخرى، ومن خلال تدريب المربين على «مسرحة» القصص، وهو الأمر الذي سيتطور كثيراً في تعليم أدب الأطفال برمته، حين اعتمد كتاب «أدب الأطفال» (1978)، وهو الكتاب الذي يدرس في معاهد إعداد المعلمين والمدرسين على مبدأ التحويل بغية تأمين نصوص أدب الأطفال من أقرب طريق، وهو المعلم والمربي، وثمة عشرات الأمثلة التي تعلم لتحويل أي نص أدبي إلى مسرحية أطفال بأنواعها المختلفة. وغني عن القول، إن الهدف الواضح والصريح لهذا الكتاب هو تأهيل المربين العاملين في مسرح الأطفال في المؤسسة التعليمية ليكون بمقدورهم أن يعدوا مسرحيات أطفالهم بأنفسهم. أنا الانعطافة الهامة في وعي مسرح الأطفال، فكانت مع صدور كتابين، الأول هو: «الأطفال والمسرح» لمحمد شاهين الجوهري (1966)، والثاني هو «مسرح الأطفال» لمؤلفته وينفريد وارد، ومترجمه محمد شاهين الجوهري نفسه (1968). والكتابان يقدمان توضيحاً مقنعاً لإمكانية نقل المسرح إلى الأطفال وتحويل قاعات التعليم إلى مسارح بسيطة تستثمر قابليات الأطفال ومكان التعليم وتوفر لهم فرص تعليم المسرح. ويتألف الكتاب الأول من ثمانية فصول تشرح المنطلق وهو المسرح في حجرة الدرس، ثم تفصل القول في القواعد الصحيحة لتعليم المسرح كالدخول إلى المسرح والخروج منه والتعبير بالحركة والإشارة، والإحساس وكيفية تصوير الانفعالات، والإلقاء، وكيفية تقديم تمثيلية كاملة، وما يجب أن يعرفه المعلم عن المسرح، ويخصص الفصل الثامن والأخير لمسرحة القصة مع نماذج تطبيقية. وقد مهد المؤلف لنماذجه بوصف الخطوات المتبعة لهذه المسرحية كاختيار القصة، ومعرفة حوادثها وشخصياتها وتقسيمها إلى فصول، ودرس الحوار واختيار اللغة المناسبة. ودرس الحبكة المسرحية والتفكير بالحل، والتزام طابع القصة في المسرحية. وحوى الكتاب الثاني تجربة أوسع وأعمق في مسرحية القصص وإنتاج مسرحيات فنية وجميلة للترويح عن المتفرجين الأطفال بمشاركتهم غالباً. وهو المفهوم الذي ألفت فيه المؤلفة كتاباً سابقاً سمته الدراما الخلاقة وأشارت المؤلفة بتواضع جم، إلى أنها وضعت نصب عينيها أثناء إعداد هذا الكتاب «أولئك الذين تعوزهم الخبرة في إخراج مسرحيات للأطفال، سواء للمسرح أو المدرسة أو المعسكر أو غيرها، أما ذوو التجارب فليسوا في حاجة إلى هذا الكتاب، لأنهم يتبعون الطريقة التي توصلوا إليها بتجاربهم». والكتاب دليل موجه إلى المعلمين في المدارس الحكومية والخاصة وفي الاستديوهات. وإلى مديري المسارح، والمشرفين على المعسكرات والعاملين في المدارس والخاصة ورواد الأندية وجمعيات الناشئة وكل من يخرجون مسرحيات للأطفال. يتألف الكتاب من أربعة عشر فصلاً تتناول نشأة مسرح الأطفال، والتفكير بمسرح الأطفال، وتنظيم العمل بمسرح الأطفال، وكيفية كتابة مسرحية للأطفال، وبناء مسرحية للأطفال، والعثور على المسرحية المطلوبة، ووضع المسرحية في الممارسة (الحياة تدب في القصة)، ودعوة الممثلين، والملابس وتجهيز العرض المسرحي، ودور الستارة، والإعلان عن المسرحية، وتمويل المسرح، والمسرح في الملاعب والمعسكرات والأندية وقاعات الاجتماعات واللقاء، ودور الجمهور. وربما كان الفصول (4و5و6و7) من أكثر فصول الكتاب إمتاعاً وتشويقاً وثراء بالخبرة المتحصلة من العمل في مسرح الأطفال، وهي تضع أمام العاملين في مسرح الأطفال إمكانيات هائلة لإنجاز مسرح أطفال يلبي حاجاتهم النفسية والأخلاقية، ويضمن مشاركتهم الإيجابية الفعالة. لقد كان تأثير هذين الكتابين كبيراً على نمو وعي جديد بمسرح الأطفال ينبع من عالم الأطفال ويتوجه إليهم بخطاب فني أولاً وتربوي وقيمي ثانياً، ويعترف بأنواع مسرح الأطفال، وتحديثها واستنباط شروط فرجة خاصة تستند إلى ينابيع الطفل الثقافية أيضاً. إن مفهوم «الدراما الخلاقة» على سبيل المثال لا يمكن استثماره على نحو جيد بمعزل عن اتصال الطفل بينابيعه الثقافية وتقاليد الثقافة الوطنية الشفهية والمكتوبة. وقد أشارت حلقة البحث المتخصصة «مسرح وسينما الأطفال» (دمشق 1980) إلى مثل ذلك. وظهر هذا في أبحاث كثيرة عن مسرح الأطفال في الثمانينيات وربما كانت كلمة نجلا حريصاتي خوري في مقدمتها لترجمة كتاب دني بوردا. «الدمى المتحركة وعالم الأطفال» (1981) الأكثر تعبيراً عن بزوغ الخصوصية بمعزا الهوية أيضاً في مسرح الأطفال، أي الاعتراف بخصوصية التجربة العربية أو التجارب العربية في تاريخها، وضمن بيئتها وثقافتها، كتبت: «هكذا نرى أن التجربة ما تزال في بدايتها، وأننا لا نزال نحتاج إلى الكثير من العمل والتعلم، قبل أن نصل إلى بناء تجربة كاملة. ولعل هذا الكتاب، الذي نضعه بين أيدي المختصين والقراء، يكون فاتحة حوار مثمر، وفاتحة مجموعة من الكتب، حول تقنيات مسارح الدمى وخيال الظل، آملين أن نختتم هذا المجهود بكتاب عن تجربتنا العربية الحديثة، في مجال مسرح الأطفال». وفي إطار تنامي الوعي بمسرح الأطفال، زادت المساهمات النظرية والتنظيرية والتطبيقية لمسرح الأطفال، ونكتفي هنا بالإشارة إلى ثلاث مساهمات. ويعد كتاب فيصل المقدادي «المسرح المدرسي» (1984) من أهم الكتب التي تقرن النظرية بالتطبيق في مسرح الأطفال، وإن غلب على رؤية المؤلف المنظور التربوي مركزاً على مسرحة المناهج أو القصص والحكايات. ثمة في الكتاب أربعون صفحة تنظيرية، أما بقية الكتاب (160 صفحة) فللنماذج التطبيقية الممسرحة للأطفال أو مسرحية الأطفال. والكتاب الثاني هو «الطفل العربي والمسرح» (1984) لمؤلفتيه عواطف إبراهيم محمد وهدى محمد قناوي، وحرصت مؤلفتاه، كما أعلنتا في المقدمة، على كسر الجمود الذي يكتنف التأليف لمسرح الطفل. والحق أن الكتاب في منطلقاته النظرية متطور في عمليات الوعي بمسرح الأطفال العربي، وقد دافعت المؤلفتان عن وظيفة مسرح الأطفال الترفيهية في وجه طغيان التجهم وتحويل المسرح إلى منبر للدعاوة والوعظ والإرشاد والتوعية، ونقتطف الاستشهاد التالي مثالاً لما آلت إليه فكرة مسرح الأطفال في وعي المهتمين به من المربين والكتاب: «فإذا كان الهدف الأول من مسرح الطفل هو الترويح عن الصغار، والتنفيس عن رغباتهم المكبوتة وتحريرهم بعض الوقت من القيود الاجتماعية المفروضة عليهم في حياتهم العصرية التي يعيشونها، فإن لمسرح الطفل هدفاً ثقافياً وتربوياً، باعتباره وسيلة للصراع من أجل حياة أفضل، بجانب اعتباره وسيلة للترفيه، والهروب أيضاً وبقدر محدود، من صراعات الحياة». وتضيف المؤلفتان منعاً للالتباس حول هدف الترفيه: «ولا نعني الترفيه الذي يمتهن عقل الطفل وقدراته الخلاقة، ولكن الترفيه الهادف الذي يساعد الطفل على تمثيل ثقافة بيئته، وإدراك قدراته هو حتى يستطيع أن يتكيف مع ثقافة مجتمعه». ضم الكتاب ثمانية فصول، عالجت تطور تاريخ مسرح الطفل، وأهداف مسرح الطفل، ومقومات مسرحية الطفل كعمل أدبي، والأطفال والمسرح، والابتكار وعلاقته بمسرح الطفل، ومسرح أطفال الثالثة والتأليف وعلاقته بمسرح الطفل، ومسرح الطفولة المبكرة من الرابعة حتى السابعة، ومسرح الطفولة المتوسطة من السابعة حتى التاسعة، ومسرح الطفولة المتأخرة من الثامنة إلى الثانية عشرة. وقد غلب على الفصول الأربعة الأولى طابع التنظير، بينما خصصت الفصول الأربعة الأخيرة للتطبيق، حيث وضعت المؤلفتان نصوصاً مسرحية تناسب كل مرحلة عمرية. وروعي في «كتابة المسرحيات جميعها أن تكون بالعربية البسيطة حتى يكون هناك وحدة فكر بيننا وبين قرائنا في الوطن العربي». إن الوعي بمسرح الأطفال بلغ شأواً متطوراً في الإقرار بخصوصية هذا المسرح، واعتباراته التربوية والفنية وفهم فكرته كوسيلة تربوية تثقيفية في تلقي الطفل لها وفي مشاركته في أدائها، وكفن من فنون أدب الأطفال. وينطوي الكتاب الثالث «مقدمة في مسرح الأطفال» (1985) لمؤلفه حسب الله يحيى على هذا الفهم، فهو محاولة لتشكيل «نظرة شاملة وتصور لماهية المسرح، ومسرح الأطفال بالذات، وهو يتوجه إلى كل المعنيين والعاملين في مسرح وثقافة الطفل. ليكون خبرة متواضعة جداً، يستهدف الكاتب إضافتها إلى معلوماتهم وثقافتهم المتخصصة وتجاربهم العميقة والأصيلة، وهم على تماس مباشر وعلاقة حميمة وتفاعل تام مع عالم الأطفال». وينفي المؤلف مهمة الإرشاد والتوجيه، لأنه ناقد مسرحي ومحاضر سابق لطلبة قسم المسرح في نعهد الفنون الجميلة ببغداد، وهكذا، ضم الكتاب فصولاً عن ماهية المسرح وعلاقته بالفنون الجميلة والموضوعية في المسرح والعرض المسرحي والمضمون والشكل والمتعة والمعرفة واللعب والتمثيل والتجريد والمسرح والتعليم والخيال والرموز والخوارق والبحث عن الحلول والعدالة في المسرح وبناء الذاكرة والحرية في المسرح والأصوات والأنسنة وكيفية مخاطبة الأطفال في المسرح ومسرح العرائس والممثلون الصغار والكبار والمسرح المدرسي ومسرح لاحق للأطفال. ويختتم كتابه الصغير الموجز باقتراحاته نحو مسرح متخصص للأطفال. ومن الجلي، أن فكرة حسب الله يحيى عن مسرح الأطفال تعبر عن ذروة وعي المسرحيين العرب بمسرح الأطفال وتعليمية من المنظور الفني أولاً، ومن عالم الطفولة ثانياً، ثم تتحصل بعد ذلك المنظومة القيمية. لقد اعترف بالطفل، وبمسرح الطفل، وهذا ما يؤشر إليه كتاب حسب الله يحيى باختصار. وهناك مؤشرات أخرى لنمو الوعي بمسرح الأطفال في سورية اتساع حركة التأليف المسرحي للأطفال، وقد أسهم في هذه الحركة كتاب عرب كثيرون أمثال عبد المجيد القاضي «من مسرح الطفل اليمني» ومحمد الركانة من المغرب «البجعات» وخلف أحمد خلف من البحرين «العفريت ووطن الطائر» وفخري قعوار من الأردن «وطن العصافير». كما نشطت حركة تعريب مسرحيات الأطفال عن الروسية والإنجليزية والفرنسية. [مجلة «الموقف الأدبي» (دمشق) أيلول-تشرين الأول 1991] 5- قضايا مسرح الأطفال في سورية: 5-1- استلهام التراث: كان استلهام التراث، ولا سيما التراث الشعبي هو الأبرز في مسرحيات الأطفال، وغالباً ما توقف المسرحيون عند حدود إعادة أو إعداد الحكايات والأساطير والأخبار والسير الشعبية كجحا وأشعب وأبطال المقامات وأهل الكدية، وهذا واضح في التمثيليات المدرسية الكثيرة، ثم طور المسرحيون الإعداد إلى نوع من الاستعادة عالجوا فيها السرد التراثي بأشكال جديدة، وتطلعوا إلى التعبير عن قيم جديدة، وكان عادل أو شنب من أوائل المسرحيين الذين طوروا التمثيليات والحواريات المسندة إلى ثراء التراث الشعبي العربي والعالمي كما في حواريات ومسرحيات كتابيه «السيف الخشبي» (1975م)، و«معطف الإخفاء» (1976م)، فقد استفاد في كتابه الأول من حكايات «كليلة ودمنة» لتقديم درس في دور العقل وأهمية الذكاء في مجابهة العدو، وفي تدعيم التعاون والصبر من أجل الفوز (ملك الغابات)، ولتقديم درس آخر عن ربط القول بالعمل (أهل التفكير وأهل التدبير)، ولجأ في حواريات كتابه الثاني إلى حكايات الشعوب لتمجيد العمل والطيبة والتسامح (البنت الذهبية)، وإعلاء شأن الذكاء وحسن التصرف (القسمة)، والتحذير من ألاعيب المخادعين (بائع الأسماء)، وتوظيف الذكاء في خدمة الناس (معطف الإخاء). وعاد نصر الدين البحرة في مسرحيته «أغنية المعول» (1978م) إلى التراث الشعبي أيضاً، فقدم أمثولة دفع من خلالها ابن الأمير إلى العمل ومشاركة العمال في حياتهم وهمومهم، وحين يقتل الملك على يد النبلاء يلتف الشعب حول الفتى، ويؤازرونه، ويستعيد معهم عرشه. «تفبرك» المسرحية جملة قيم في حكايات مفترضة لا تنطبق على مرحلة تاريخية، وتجعل العمال يدافعون عن عروش الملوك، ولكن المسرحية تحفل بالأهم، وهو تمجيد العمل والتواضع و رضى النفس والمحبة. وتستند مسرحية كوليت خوري «أغلى جوهرة في العالم» (1975م) إلى موضوع تراثي، فتعرض أمثولة أخرى، فقد طلبت الأميرة مهراً لها من خطابها وعرسانها أغلى شيء في العالم، فيتوزع العرسان باحثين عن هذا الشيء، ثم يجلب الشاعر قطرة من دم شهيد روى تراب الوطن، فترى الفتاة الأميرة وتبارك العرس، فالشهادة قيمة اليم مقدسة وأصيلة وحية في وجدان كل مواطن. كان عيسى أيوب أوسع المسرحيين استعادة لشخوص التراث الشعبي كما في مسرحياته التي عالجت جحا وأشعب وعباس بن فرناس وعروة بن الورد مثل «جحا في عيد المناشط» (1981م) و«الحسون في عيد الزينة» (1985م) و«جحا يزن أفكاره» (1987م) و«في المطار» (1987م) و«عروة بن الورد» (1988م). أما المسرحيات التي استلهمت موضوعات التراث الشعبي لدى عيسى أيوب فهي كثيرة أيضاً مثل «الملك والربيع» (1981م) و«أسرار الكروم» (1983م) و«الأميرة وقطرة الماء» (1984م) و«زهرة الصحراء» (1988م). لقد كان التراث الشعبي معيناً لا ينضب للمسرحين، وتبدو مسرحيات فرحان بلبل في كتابه «ثلاث مسرحيات للأطفال» (1982م) معالجة جديدة لبعض الحكايات المتوارثة، وليست «الصندوق الأخضر» سوى صياغة أخرى لحكاية شعبية معروفة في أرجاء الوطن العربي، واقتبسها مسرحيون آخرون، ومنهم يوسف العاني في مسرحيته «المفتاح» (1980م)، فقد انتظر الأب حسن والأم وعد زهرة التي عادت من مدرستها ناجحة وبيدها هدية. ثم يطرد صاحب العمل حسن وأخاه سميح، ويطلب منهما أن تعمل زهرة خدامة، فتقترح زهرة أن يغنوا معاً أغنية الأجداد: يا خشيبة حودي حودي وديني على جدودي، وجدودي بطرف عكا بيعطني ثوب وكعكة.. الخ وبالفعل يسافرون جميعاً إلى عكا موطن الأغنية، فيقوم الأجداد من قبورهم، ويعطي الجد الثاني الصندوق الأخضر. ويظهر العفريت الذي نكتشف أنه الجار اللئيم صاحب العمل، ويطلب الصندوق ولا يفلح في الحصول عليه، وتبدأ رحلة النضال في البحث عن مفتاح الصندوق، ويتعرضون لمساوات وصعوبات، ويمتثل سميح بينما يحلم حسن بالخلاص، وتكون النتيجة هي الدرس: من يزرع القمح ويأخذ قنديل العلم يأخذ المفتاح. إن المفتاح هو العمل والعلم بتعبير آخر. أما مسرحية «البئر المهجورة» فهي تطوير لحكاية شعبية أخرى، إذ نرى قرية يفقد أهلها الماء، بينما الماء هو الحياة، وما تلبث القصة أن تتكشف عن صراع خافت بين أهل القرية وصاحب الماء المتسلط الذي يوهمهم بوجود عفاريت في البئر ليمنعهم من الحصول على الماء. ثم يجمع العجوز الأطفال وأهلهم، فيما بعد، لمواجهة المستغل، عدو القرية، وينتصرون على الخوف والعجز. وينغمر هيثم يحيى الخواجة بالتراث الشعبي، ويصوغه وفق مقاصد تعليمية جلية، ففي مسرحيته الثالثة «الفرسان الثلاثة» من كتابه «ثلاث مسرحيات للأطفال» (1990م)، يبني حكايته من مأثور التراث الشعبي داعياً إلى ضرورة الاعتماد على الذات والنهوض بالإمكانات المتوفرة نحو تحقيق الوعي والقضاء على الفقر والمرض والتخلف وثالوث يؤرق السلطان الذي يسعى لسعادة شعبه، فيشير عليه الحكيم أن يعلن عن مسابقة وجائزة لمن يأتي بحلول ناجعة لهذا الخطر المقيم، فيتقدم ثلاث شبان للمسابقة هم وعد وفراس وعلاء، ويطلب منهم السلطان الرحيل عن البلاد للبحث عن الحلول في جهات متعددة، وتكون مهلة أداء المهمة خمس سنوات. وقيل عودة الفرسان الثلاثة وعد وفراس وعلاء، كان الأعداء الطامعون بالمملكة قد أحدقوا بها، نظراً لضعفها، غير أن السلطان مؤمن بقوة شعبه المستمدة من الإيمان بالحق وحب الأرض والصراع على المواجهة. وصل علاء ومعه صندوق من الذهب جمعه من التجارة بين البلدان، وبعد أن وضع الصندوق بين يدي السلطان أعلن أن المال قادر على حل مشكلات السلطنة جميعها، إلا أن السلطان يدرك أن المال ينفذ بسرعة دون أن يقضي على المرض والتخلف، ثم عاد فراس ووعد، وكان فراس قد تدرب على فنون القتال والسيوف والدروع، وأعلن أن القوة قادرة على حل المشكلات، أما وعد فقد استطاع أن يضع يده على أسباب المرض، وأن يجد الدواء وسبل الوقاية من المرض بالتوعية والنظافة، ويعلن أن العقل وحده قادر على حل المشكلات التي تواجه المملكة، وهكذا يطمئن السلطان إلى مصير شعبه، ويعين وعداً سلطاناً وفراساً وزيراً للحربية وعلاء وزيراً للاقتصاد. ومن الواضح أن المسرحية درس ولكنه غير مباشر، حول قيمة العقل والوعي في حياة الناس. ويعالج عبدو ومحمد في مسرحية «الفتى والحظ» (1986م) حكاية شعبية من منظور تعليمي أيضاً، حين يغادر فتى أمه طلباً للحظ، غير أنه ما يلبث أن يقتنع بكلام أمه، ويبدأ العمل في أرضه. 5-2- التاريخ: واهتم المسرحيون بالتاريخ على سبيل التبسيط وتقريبه من مدارك الناشئة، ولا شك، أن غالبية المسرحيات المدرسية تاريخية، ومثالها البارز ما كتبه رضا صافي في كتابه «صرخة الثأر» (1980م)، ويضم الكتاب مسرحيات كتبت ومثلت مراراً في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، ففي مسرحية «حماة الطريد» تساعد أسرة من حمص إبراهيم هنانو، بقصد تمجيد الحالة الوطنية في مقاومة الاحتلال الفرنسي، وفي مسرحية «بطولات في الأرض الحرام» دفاع مسمر ضد الصهاينة، وتعاون بين الجيش والمواطنين أدى إلى النصر في معركة التوافيق عام 1960م، وفي مسرحية «جيش الأطفال» يتعلم أطفال دور الحضانة العد والانضباط، ويتحدثون عن مهامهم في تحرير الأرض من الصهاينة اليهود. ولا تختلف مسرحية «جند الكرامة» لمصطفى عكرمة (1975م) عن هذا السعي في مسرحية الحوادث والوقائع التاريخية حيث تصور الدفق العاطفي في تسجيل معركة الكرامة بين الفدائيين والعدو الصهيوني. وهذا ما فعله جان ألكسان في مسرحيته «عصافير الجليل» (1982م) التي تسجل بطولة الفدائيين داخل الأرض المحتلة في عملية دلال المغربي. وقد كان سليمان العيسى سباقاً إلى مثل هذه الاستجابات المباشرة للعمليات الفدائية وتوثيقها وتخليدها في ذاكرة الناشئة، ومن أبرز مسرحياته في هذا المجال مسرحيته «قنبلة وجسد»، وقد بناها على حادثة الفدائي العربي عرفان عبد الله الذي سقطت منه قنبلة يدوية وهو يبتاع الطعام لرفاقه في عمان، فصاح بالناس ليبتعدوا، وارتمى فوق القنبلة فغطاها بجسده كي لا تؤذي أحداً. وتصبح المسرحية بعد ذلك تمثلاً في ذاكرة الأطفال لفعل الفداء والتضحية، ونشيداً لتكريم الشهادة والشهداء: عرفان عبد الله يظل في الشفاه أنشودة رائعة تجدد الحياة تبارك الحياة وتربط الإنسان بالإله عرفان عب الله مواكب تسير وشعلة تنير في جنبات الوطن العربي في الزحف في معركة المصير عرفان سطر خالد في قصة التحرير ووسع عبد الفتاح رواس قلعه جي تصوير التاريخ إلى مهارة الانتقال بين الأزمنة والأمكنة في مسرحيته «قلعة حلب» (1979م)، وهي تعليمية محببة عن تاريخ سيف الدولة وأبي فراس والعدوان على قلعة حلب مستنفراً إرادة البقاء والحماسة لدى الأجيال الجديدة. وكذلك فعل عبد الغني عون في مسرحيته «هنانو» (1983م) التي تصور مأثرة أبطال الجلاء في جبل الزاوية والمناطق الأخرى من رحاب سورية، وتبث الناشئة ملحمة الكفاح العنيد من أجل الاستقلال. 5-3- الأنسنة: غير أن غالبية المسرحيين عالجوا موضوعاتهم من خلال أسلوب «الأنسنة» أي إضفاء صفات الإنسان على الحيوان، ومن أبرز المسرحيين في هذا المجال محمد أبو معتوق الذي صدرت له مجموعتان مسرحيتان هي «ثلاث مسرحيات غنائية للأطفال» (1984م) و«أوهام حارس الغابة» (1986م). يوجه أبو معتوق مسرحياته لتعليل صفات الأشياء أو لتعريف الأطفال ببعض المعلومات، أو لبث القيم تلميحاً أو تصريحاً، فمسرحية «أوهام حارس الغابة» عن التعاون ومسرحية «الفزاعة» معنية باكتشاف الوهم، و«الأصدقاء والغابة» عن التعاون ضد الذئب، عدو الحيوانات الأليفة، و«عودة الشمس الغائبة» عن فوائد الشمس، و«أنشودة الطائر» عن صداقة الطيور والأطفال، و«أحزان الزنابق» عن الحفاظ عن البيئة، و«أنشودة الزنابق» عن حماية الطبيعة. واستخدم خيري عبد ربه أسلوب الأنسنة مبكراً. ففي مسرحيته الأولى «الفصول» (1979م)، جعل الفراشات والنحل تحادث الأطفال عن الطبيعة ودورة الفصول معللاً التغيرات الطبيعية والمناخية، وأهميتها في ديمومة الحياة ورخاء الإنسان، وطور أسلوبه كثيراً مستفيداً من «الأنسنة» في مسرحيته التالية «مملكة النحل» (1987م)، ويقدم فيها شرحاً مبسطاً لعالم النحل المنظم والمبني على حبّ العمل والجهد وتوزيع المهمات والوظائف الدقيقة من أجل تشكيل أقراص العسل واستكشاف حقول الزهور ذات العبير والرحيق. تستضيف مملكة النحل الأطفال، ويتعرفون على مهمات الخلية والعلاقة بالطبيعة، ويشهدون دفاع النحل عن خليته عندما يتطفل الدب للحصول على العسل، وينال الدب ما يناله من اللسعات والهجمات القوية، لتؤكد المسرحية بعد ذلك حب النظام والتعاون والعمل والطبيعة. ويشرح محمد علي المصري في مسرحيته «الغيمة» كيفية تشكل المطر، والعلاقة بين الماء والينابيع. 5-4- الحياة اليومية: أما المسرحيون الذين التفتوا إلى الأطفال في حياتهم اليومية، وفي مناشطهم، فهم قلة، ومنهم محمد منذر لطفي في مسرحيته «الحقل السعيد» (1984م) حيث يواجه الأطفال مسؤولياتهم في الحفاظ على المحصول الزراعي وحمايته بالعلم والمعرفة والتعاون. يفاجأ الأطفال بذبول جوزات القطن في الحقل الذي أتوا إليه فرحين يأملون بموسم وفير، وبعد حوار مع الجوزات والحكيم (الحقل) يعرفون أن سبب رداءة الموسم هو قلة المياه وانتشار الدودة، فيهرع الأطفال لحفر بئر مستخدمين التقنيات الحديثة لسقاية الحقل، مثلما تبادر طفلة أخرى إلى دعوة الأطفال لرش الحقل بالمبيدات. واستطاع إبراهيم جرحي أن يدمج الأطفال في الموضوعات المختلفة تثقفاً بمحتواها المعرفي القيمي والسلوكي، فتنبثق أصوات الأطفال من رغبتهم المتجددة في التعرف واكتشاف العالم من حولهم، وربما لم يوفق دائماً، وبالمقدرة إياها، في مخاطبة روع الأطفال، ولكنه يخوض مع الأطفال وهم يلعبون ويحركون ويرقصون ويغنون ويعزفون رحلة البحث عن معنى الأشياء وصفات الكائنات والقيم الأساسية، وقد حقق بعض تطلعاته في مسرحياته «الأطفال ينشدون على الشاطئ موج البطولة» (1981م)، و«لوحة الغابة» (1982م) و«لوحة الميناء» (1983م) و«الأطفال في دورة ألعاب المتوسط» (1988م) و«اللاذقية والتاريخ» (1989م). تحفل مسرحيات إبراهيم جرجي بالمعلومات التاريخية والصور الحضارية لمدينة اللاذقية وعراقتها ومعالمها وأوابدها من خلال اقتراب وعي الأطفال منها. ويؤثر هيثم يحيى الخواجة وضع الأطفال في مواجهة الحياة اليومية والممارسة القيمية التي يتعرف فيها الأطفال إلى معنى القيم بأنفسهم من خلال مواقف مباشرة وحسب النظرية التربوية القائلة بلعب الأدوار، حيث يتمثل الأطفال المعاني السامية للمنظومة القيمية، ففي مسرحية «القاضي الصغير» توكيد على ضرورة الحذر من الوقوع فيم كائد المحتالين، وعلى مناصرة الصدق والحق، ودعوة إلى حسن التصرف والتدبير، وإدانة الغش والكذب والاستغلال. وفي مسرحيته «القطة السوداء» يلتقي الصديقان «فادي» و«رامي» ليحكي أحدهما للآخر حكاية جميلة، فتكون حكاية «القطة السوداء» يرويها فادي إثر سماعها من العم درويش، لترميز الحكاية إلى ضرورة التضامن العربي والتعاون الاقتصادي لمواجهة الأطماع الأجنبية، وتؤكد على العمل المشترك من أجل البناء السليم والحياة السعيدة. وإلى هذا النوع من المسرحيين، كتب محمد معشوق حمزة مسرحياته «شجرة الأصدقاء» (1983م) و«الأطفال يلعبون» (1985م) و«البستان للأطفال» (1986م) وفي هذه المسرحيات، يضع معشوق حمزة الأطفال في مواقف التنمية الشخصية والاجتماعية مما يدعوهم إلى الإسهام في حل مشكلات تنمية مجتمعهم، وتكون هذه المواقف في الوقت نفسه سبيلاً لاكتساب الأطفال القيم الأخلاقية والسلوكية والاجتماعية الحميدة. 6- ملاحظات فكرية وفنية وتربوية: أما الملاحظات الفكرية والفنية والتربوية على التأليف المسرحي للأطفال في سورية فنوجزها فيما يلي: 6-1- اللغة: ثمة ميلان، الأول يقارب الاعتبارات التربوية والفنية في مخاطبة الأطفال حسب المراحل العمرية، وفي مقدمة هؤلاء المسرحيين عيسى أيوب وصالح هواري ومحمد معشوق حمزة وعادل أبو شنب. والثاني يوافي هذه الاعتبارات، ولكن آثار الكتابة للكبار ما زالت عالقة، كما عند فرحان بلبل ومحمد أبو معتوق، قد دافع عن الميل بعض الشعراء أمثال مصطفى عكرمة وحامد حسن بسبب صعوبة توصيف لغة الأطفال من جهة، وبسبب ضرورة حفظ الطفل للغة صغيراً ثم يفهمها كبيراً، وهي نظرية تربوية تبنتها المؤسسة التربوية في سورية، ومنظرها الرئيسي سليمان العيسى، حيث يجد الأطفال صعوبات لا تخفى في تفهم مفردات أدب الأطفال وتراكيبه. ومما يجد ذكره أن الكتابة المسرحية للأطفال بالفصحى هي السائدة، وكانت حالة نادرة أن طبعت كوليت خوري كتابها المسرحي بالعامية. أما معظم المسرحيين فيرون الكتابة بالفصحى عاملاً نضالياً، بالإضافة إلى ضرورتها الاتصالية. 6-2- الشعر: كتب غالبية المسرحيين مسرحياتهم شعراً يغنى، وقد كسب مسرح الأطفال كثيراً بانضمام الشعراء إلا قائمة منتجيه. إن عدد المسرحيات الشعرية الغنائية يفوق عدد المسرحيات النثرية وهذا ما يجعل إقبال الأطفال على المسرحيات متنامياً. ويستطيع المرء أن يختار مجموعة مسرحيات شعرية جيدة مما كتب خلال العقدين الأخيرين. وثمة مزية أخرى لهذه المسرحيات هي اختبارها من خلال عروضها المستمرة في المهرجانات والمناشط وقنوات التلفاز. 6-3- التبسيط والأسلوب: تعاني غالبية مسرحيات الأطفال في سورية من ولع كتابها بالتبسيط من جهة، والترميز من جهة أخرى، ولعل مرد ذلك كلّه إلى التبعات الثقيلة التي أراد هؤلاء الكتاب أن تحملها هذه المسرحيات، فاتصفت المسرحيات بالجدية، وغالباً ما تكلم الصغار مثل الكبار، وفكروا بحلول أكبر من عمرهم للمشكلات المطروحة، ونطقوا بالحكمة والآراء السديدة في حصيلة المواقف التي تعرضوا لها. وهذا أمر طالما قلل من مكانة الكتابة العربية للأطفال. قد يكون وراء ذلك حرص على التوجيه القيمي والتربوي، ولكن متى كانت الكتابة للأطفال كلها بالأساس دروساً في التربية والقيم؟. إن ثمة اعتبارات تربوية لابد منها، وتتبادل التأثير مع الاعتبارات الفنية، غير أن الوعي بمخاطبة الأطفال يعني فهم الطفل وفهم عالمه ومكونات هذا العالم اللغوية والتخييلية والنفسية بالدرجة الأولى. إن الكتابة للأطفال تنبثق من عين الطفل ووجدانه ومداركه النامية، بما يجعلها أرب إلى ذوب التجربة الحياتية والفكرية تضعها في ذلك السهل الممتنع من التأليف الأدبي للأطفال. وقد لاحظنا أن غالبية مسرحيات الأطفال ترمز لمنظومة أسلوبية «كالأنسنة» برمتها إلى قيم مباشرة وصريحة، وهناك اليوم عشرات المسرحيات التي تبني أطروحتها المرمزة إلى الاحتلال الصهيوني لفلسطين من خلال أسلوب «الأنسنة» كما عند سليمان العيسى وعيسى أيوب وصالح هواري وعلي مزعل ومحمد أبو معتوق ورضا صافي وغيرهم. ليس التبسيط أو الترميز كله مما يفسد الكتابة المسرحية للأطفال، ولكنه بالتوكيد يقلل من قابليات نداوة المسرحية ويحصرها بفكرة غير قابلة للتجسيد أو الملموسية في بعض الأحايين. ولعل ذلك كله من آثار التعلق بشرف الموضوع على حساب التعبير الفني وتجسيدها على المسرح. 6-4- الموضوع: اعتنى المسرحيون بالموضوعات قبل كلّ شيء، ولا سيما الموضوع القومي والوطني. وتكاد تكون غالبية المسرحيات، تلميحاً أو تصريحاً، واقعية أو تاريخية، أو تسجيلية، أو على لسان الحيوانات، أو سرداً يستفيد من التراث، معنية بهذا الموضوع، إن إبداع سليمان العيسى موجه إلى زرع قيم الأصالة والقومية والوحدة العربية في وجدان الأطفال. أما مسرحيات عيسى أيوب ورضا صافي وصالح هواري وخيري عبد ربه ومصطفى عكرمة ومحمد أبو معتوق وجمانة نعمان فهي تعالج الموضوع القومي والوطني بالدرجة الأولى. ولا يفترق بقية المسرحيين عن هذا الاتجاه. ويعتقد غالبية المسرحيين أن معالجة هذا الموضوع هو الأقرب لتمثل المنظومة القيمية والشعبية، عندما تصير قيم الدفاع عن الوطن والتشبث بالأرض والفداء والتضحية والشهادة مقاربة للقيم الأخلاقية والسلوكية والاجتماعية، بل إن القيم المعرفية، أي تحصيل المعارف والمعلومات والأفكار، تلبس لبوس القيم القومية في كثير من المسرحيات وهذا واضح في نصوص عيسى أيوب وخيري عبد ربه ومحمد أبو معتوق وجان ألكسان ونور الدين الهاشمي وسلام اليماني وإبراهيم جرحي وشريف ناصيف. إنّ شرف الموضوع ونبله من علامات الكتابة الجيدة للأطفال، وليس هناك أشرف وأنبل من الموضوع القومي والوطني، وقد أنجز المسرحيون في سورية مسرحيات مهمة في هذا الميدان، لا يقلل من قيمتها إلا تلك التبعات الثقيلة التي تبهظ المسرحيات بالتوجيه القيمي والتربوي الصريح والمباشر. 7- المؤلفون: كتبت تمثيليات مدرسية كثيرة من قبل المربين حتى نهاية الستينات، ولم يطبع منها إلا القليل جداً أو النادر، كما فعل رضا صافي ونصري الجوزي ثم بدأ إقبال الأدباء على الكتابة لمسرح الأطفال منذ نهاية الستينيات، ومن أوائل هؤلاء المؤلفين عادل أبو شنب وسليمان العيسى وعيسى أيوب ومصطفى عكرمة. وشهدت السبعينيات إقبال أدباء آخرين على التأليف لمسرح الأطفال مثل نصر الدين البحرة وفرحان بلبل (له ثلاث مسرحيات) وخيري عبد ربه (له أربع مسرحيات). أما فترة الثمانينيات، وبفضل منظمة الطلائع ومهرجانها السنوي، فزاد عدد المسرحيين إلى أكثر من عشرين كاتباً وفي مقدمتهم صالح هواري (له أربع مسرحيات) ومحمد أبو معتوق (له أكثر من 15 مسرحية) ومحمد معشوق حمزة (له أكثر من ست مسرحيات) ومحمد منذر لطفي (له أربع مسرحيات) وشريف ناصيف (له أكثر من عشر مسرحيات) وإبراهيم جرجي (له أكثر من عشر مسرحيات) ونور الدين الهاشمي (له خمس مسرحيات) وسلام اليماني (له خمس مسرحيات) وكمال عبد الكريم (له أكثر من سبع مسرحيات)، وهيثم يحيى الخواجة (له أكثر من سبع مسرحيات)، وهيثم يحيى الخواجة (له أكثر من خمس مسرحيات). وثمة ملاحظة مهمة في هذا المجال، وهي أن مسرح الأطفال، باستثناء «مسرح العرائس» و«مسرح الأطفال» في وزارة الثقافة، قد اعتمد على المسرحيات المؤلفة المحلية والعربية، والمعدة عن قصص عربية قديمة أو حديثة (لزكريا تامر وطالب عمران وليلى صايا على سبيل المثال). وكانت هناك حالات قليلة قدمت فيها مسرحيات مترجمة، ولم أقع إلا على أسماء أجنبية قليلة أعدت مسرحيات عن أعمال لهم أمثال بوشكين وانييد بلايتون وك. م. فالو ورونالدجو. ونعرف هنا بأبرز كاتبين لمسرح الأطفال وهما سليمان العيسى (له أكثر من 25 مسرحية) وعيسى أيوب (له أكثر من 35 مسرحية). وكنا أشرنا إلى أكثر أعمال المسرحيين الآخرين في البحث: 7-1- سليمان العيسى: نقل سليمان العيسى التأليف المسرحي للأطفال من تبسيط ومحدودية المسرح المدرسي وتمثيلياته التعليمية الشارحة إلى فضاء مسرح الأطفال الفسيح، ورسخ، في جهد ريادي أصيل، لبنات مسرح الأطفال في سورية فناً رفيعاً يحمل رسالة قومية صريحة بلغة راقية معتنى بها قابلة للتمثيل والغناء ومشاركة الأطفال أنفسهم. كتب سليمان العيسى منذ عام 1969م حتى مطلع الثمانينات أكثر من عشرين مسرحية غنائية للأطفال أولها «المستقبل» وآخرها «الغربان في بستان العم أبي سلمى» (1981م)، وبينها مسرحيات طويلة هي من تراث مسرح الأطفال العربي اليوم، أمثال: «أحكي لكم طفولتي يا صغار» (1977م)، والحلم الصغير، القطار الأخضر» (1975م)، «والصيف والطلائع» (1977م) و«المتنبي والأطفال» (1978م). خصّ العيسى مسرحياته كلّها بالموضوع القومي، ولا سيما الوحدة العربية، وربما كانت مسرحيته «الحلم العظيم، القطار الأخضر» نموذجاً لتأليفه المسرحي، فهي عن حلم الوحدة العربية، حلم الوطن العربي الواحد، ويذكر العيسى بعبارة توكيدية: «إنه حلمي العظيم الذي وقفت له العمر، وتجربتي القومية التي أتنفس بها، وأعيش من أجلها يا أصدقائي الصغار» ويصارح العيسى أصدقاءه الصغار، وهو يكسر جدار الإيهام معهم، أن يتحركوا «ليحطموا الحواجز والسدود التي أقامها الاستعمار الأسود بين شرايين هذا الجسد العربي الواحد، هذا الوطن العربي العظيم، ويبنوا الوحدة» وحدة الملايين الفقيرة المحرومة الضائعة، التي تنقذنا وحدها من كلّ ما تعانيه و تجعلنا بشراً». إنها كلمات كبيرة قد لا تصل إلى وعي الأطفال إلا في سن معينة، ولكن العيسى، كما هو الحال في شعره، يؤمن بأن الأطفال يحفظون الكلام، ويدركونه مع الدربة والمران واغتناء التجربة وتقدم السن، ولا خوف من ذلك. وكان أشار العيسى في تعليماته لمسرحياته، إن مقدماته وتعليقاته النثرية جزء لا يتجزأ من هذه المسرحيات، وهو حريص أن يوضح أهداف ومغازي مسرحياته، والقيم التي يتوخاها، ويشرح جانباً من أسلوبه التعبيري أو الرمزي، ففي كلمة على هامش مسرحيته «الصرصور والنملة» كتب ما يلي: «قصة الصرصور والنملة معروفة.. حفظناها ونحن صغار.. كان الصرصور رمزاً للكسل. لماذا؟ لأنه يقضي الصيف كلّه في الغناء. وكانت النملة رمز الجد والعمل. لماذا؟ لأنها تجمع باض الحب من وراء مناجل الحصادين..» ويضيف شارحاً: «الصرصور في هذه المسرحية رمز الشاعر.. رمز الفنان الذي يهب الناس حياته كلّها، لا يحسب لغد حساباً. إنه شاعر الحصاد، وصديق الفلاحين، يضاعف بغنائه نشاطهم، ويزيد من إنتاجهم، ويسكب البهجة والمرح في نفوسهم، فإذا الصيف أفراح والحقل كنوز تتدفق». أما طريقته في التأليف، فإنه يحافظ على موقف درامي للطفل، يتفاعل مع جو المسرحية وأحداثها، فتبدأ مسرحية «الحلم العظيم ـ القطار الأخضر» من مماثلة طفلية حين يطلب الطفل نزار إلى أبيه أن يشتري له، في عيد ميلاده قطاراً أخضر، يسميه قطار الوحدة، يربط جناحي الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، وتبدأ رحلة نزار، وتبدأ معها أناشيد المسرحية، ويصل القطار إلى دمشق، ويحط في لبنان، ويطل على حدود فلسطين، ويتلقى برقية من أطفال غزة، ويغني للأطفال، ويتوقف في الخليج العربي، ويتلقى برقية من أطفال القدس العربية. ثم يؤلف أطفال القطار الأخضر قيادة عربية جماعية، بعد مجاوزتهم محطات عربية أخرى، ويصل القطار الأخضر إلى القاهرة، ويتكلم في ليبيا، ويتلقى ثلاث برقيات هامة من أطفال الصومال وأطفال أريترية المناضلة ومن أطفال اليهود الفقراء في فلسطين المحتلة الذين يفضحون أكاذيب دولة العدوان والغزو النازية «إسرائيل»، ويتوقف القطار الأخضر في الجزائر والمغرب العربي ويعود إلى بغداد. تعرف الأناشيد في مشاهد المسرحية الأطفال على خارطة وطنهم العربي، وتكشف لهم عن زيف الحدود، وتغني معهم عن مآثر البطولة والحرية والمجد في كل أرض عربية مرددين بصيغ متعددة وهج حلم الوحدة المنقذ من التخلف إلى الحياة العربية الكريمة، كما في هذا النشيد: ونحن قادمون بالشمس قادمون بالحب قادمون بالوحدة الخضراء قادمون يا رملنا العظيم أخرج بما في صدرك العظيم أخرج إلى الغرب وجدد النسب وأدفق دماً وقوة في الجسد العظيم وظف العيسى مسرحياته كلّها للتطلع القومي الوحدوي، فهي نوع من الموثبات التي تحفز الأطفال إلى بعث أمجاد الأمة العربية، والإيمان بها والعمل في سبيل نصرة قضاياها، حتى بدت مسرحياته أقرب إلى نص واحد صيغ عدة صياغات، يختزله حيناً، ويسترسل فيه حيناً آخر، ويغنيه بهمس شجي حيناً، وبصوت متفائل غالباً، ففي ختام مسرحية «المتنبي والأطفال» على سبيل المثال، ينشد الأطفال جميعاً مع المتنبي: نحن طلائعك الثورية يا أرض الأحرار نرفع رايات الحرية نهتف للأحرار عاشت ثورتنا العربية ولتخضر الدار ولتخضر الدار ولتبث الشمس العربية ساطعة الأنوار ساطعة الأنوار ساطعة الأنوار أجل، مسرحيات سليمان العيسى الغنائية للأطفال مسرحية واحدة في نشيد طويل عن العروبة والأمل بالنصر وتحقيق الوحدة يغنيها الأطفال في مستوى واحد من اللغة والأداء وحدود الخيال الموجه، وإن وزعت إلى أحداث وشخوص وتوهم موضوعات متباينة. 7-2- عيسى أيوب: برز عيسى أيوب شاعراً للأطفال منذ عام 1969م حين عرضت مسرحيته الغنائية للأطفال «زنوبيا» في المهرجان الثاني للمسرح المدرسي بحمص، وفي هذه المسرحية تبرز اهتماماته وطريقته في التأليف المسرحي، فهو يستفيد من التاريخ والتراث لينفح الأطفال نبرة قومية تبعث الاعتزاز بالماضي، وتستجلي صورة الناصعة، وهي في كتابته يمزج الشعر بالنثر، ويستخدم الأوزان الراقصة حيث يرافق الأداء عروض للرقص الشعبي والإيقاعي، ثم يتداخل التعبير الجدي مع الروح الفكاهية الخفيفة التي ستتوسع في أعماله القادمة. وكان عمله المهم الثاني مسرحية «القطار» (1971م) التي قدمت في المناشط المدرسية بحمص، وفي عام 1975م عرض التلفزيون العربي السوري مسرحية للأطفال «ساعي البريد» (1975م)، وهي تعالج مساعدة الأطفال لذويهم في الريف، وتلتها مسرحية «القنيطرة» (1979م) التي قدمها الأطفال بأنفسهم، وسجلها التلفزيون أيضاً، وفازت بجائزة قومية في مهرجان مسرح الطفل بتونس في العام الدولي للطفل. ثم اغتنت تجربة عيسى أيوب فنياً و فكرياً ولغوياً. وتعد مسرحية «القلعة» (1982م)، وهي تطوير لمسرحيته «زنوبيا»، وهي من المسرحيات القليلة التي تخاطب الأطفال بلغة مناسبة، وتستنهض وجدانهم من أقرب المدارك لوعيهم. إنها رؤية جديدة معاصرة تستثير خيال الأطفال حول مواقف زنوبيا ملكة تدمر، وتثمن إرادة القتال دفاعاً عن الوطن بأبسط الأدوات (الخيل والحجارة والمقالع)، وهي إرادة تجلت فيا لملاحم بين الجيش والشعب، وتشرح المسرحية أفعال المستعمرين، وتنادي قيم مواجهة الاستعمار والمحتلين الذين لا تتغير أساليبهم، وإن تغيرت أسماؤهم. واستطاع عيسى أيوب بمسرحياته أن يقرب قيم التراث من وعي الأطفال كما هو واضح في مسرحيته «عروة بن الورد» وهي سيرة شاعر عربي معروف بتمرده على واقع سيء، فالتف حوله الفقراء والبسطاء من الناس في عملية تنوير جذرية لمجتمعهم. ويتأمل عيسى أيوب مصير الفعل الثوري في مسرحيته في لحظة تأزمه، عندما يعرض عم عروة عليه المواشي والمال مقابل أن يتخلى عن قيمه الثورية، لكنه يرفض، ويحرم من الثروة والإرث، ويضيق الخناق عليه. غير أنه ينتصر في النهاية، وتترسخ المبادئ التي دافع عنها في ضمير البؤساء الذين يأملون بالخلاص من واقعهم السيء. ومنذ ذلك العام، أصبحت مسرحيات عيسى أيوب الأكثر تجسيداً على خشبات مهرجان الطلائع السنوي، فقدم له أكثر من 22 مسرحية بين عامي 1981م و1990م، من أبرزها «صوت الطفل العربي» و«الملك والربيع» و«جحا في عيد المناشط» (1981م). و«أسرار الكروم» و«الأميرة وقطرة الماء» (1984م) و«الحسون في عيد الزينة» و«الرغيف» (1985م) و«المصباح» (1986م) و«جحا يزن أفكاره» و«في المطار» (1987م)، و«زهرة الصحراء» و«هدية الهدايا» و«عروة بن الورد» (1988م). و«الحرية» (1990م). «السجادة» (1990م)، وهي تجسد قيمة العمل وضرورة ربط عطاء الإنسان بمجتمعه، ولعل قيمة معالجة أيوب لهذه الحكاية تكمن في أنه لا يقحم أفكاره على النص، بل يجعل المقاصد والمغازي في مقدرة الأطفال على تلقيها. وتتحدث المسرحية عن شاب أراد أن يتعلم مهنة القضاء، وهي مهنة والده، لكن والده، القاضي فضلون رهن ذلك بإتقانه لحرفة أو صنعة السجاد، ويتعرض ابن القاضي لمآزق عديدة تنجيه منها سجادة صنعها بيده، وتنتهي المسرحية بتوكيد المغزى. وساهم عيسى أيوب في الثمانينات بتأسيس فرق فنية اختصت بتقديم عروض مسرح الأطفال منذ عام 1985م بالتعاون مع مخرجين وممثلين أمثال محمد سعيد الجوخدار وسمير الشمعة وسمير الحكيم ورامز عطا الله وزيناتي قدسية وقدمت له مسرحيات «الصندوق والأقفال الثلاثة» (1985م)، و«المزرعة» و«الاعتذار» (1986م) و«الديك الطائش» (1987م) و«الاحتفال» (1988م) و«فروة الثعلب» (1989م) و«أنشودة المحبة» و«السجادة» (1990م) وعرضت هذه المسرحيات في غالبية المحافظات وفي بعض الأقطار العربية، وهناك أكثر من عشرين مسرحية منها مطبوعة ضمن الكتب الصادرة عن منظمة الطلائع. وللتعرف إلى موضوعات أيوب وطريقته في التأليف، نعرف لهذه المسرحيات، ففي مسرحية «الصندوق والأقفال الثلاثة» على سبيل المثال، يستعيد صورتي جحا وأشعب وطرائفهما المسلية في إطار هدف قومي هو محبة الوطن والدفاع عنه والاستشهاد في سبيله. وفي مسرحية «المزرعة» يجمع الحيوانات في مواجهة صاحب المزرعة، ويعرض مقولات تربوية أخلاقية وسلوكية قومية لقد قرر صاحب المزرعة أن يبيع الحيوانات، ولكنه عدل عن قراره، لأنها تضامنت ووقفت في وجه اللصوص الذين يسرقون المزرعة. ويعالج في مسرحيته «جحا في عيد المناشط» قيماً أخلاقية وسلوكية داعياً إلى التعاون والوفاء وإسعاد الآخرين، من خلال حكاية مؤلفة يزور فيها جحا ساحة العيد. ومعه حماره المعروف بمشاكسته، وكان هناك شرط للمشاركة في العيد لا ينطبق على حمار جحا، فيلجأ الأخير للمغامرة مستعملاً ذكاءه لتحقيق هذا الشرط لأنه، لوفائه، لا يريد أن يفرح بالعيد وحده، بعيداً عن حماره، وهكذا يسعد الجميع وهم يشاركون الأطفال عيدهم. ويحسن عيسى أيوب إعادة موضوعات الحكاية الشعبية بروح جديدة تنبع من التركيب الجديد للحكاية وتشيع القيم المرجوة، في مسرحيات أيوب، تتنوع سبل الأداء وأساليب التأليف، من أجل قيم واضحة لا تخلو من مباشرة، وتدعو الأطفال إلى المحبة والتضامن وإعلان شأن الدفاع عن الوطن والتشبث بالأرض، وتنطلق مسرحياته من الخبرة في مخاطبة الأطفال تراعي في صياغتها الاعتبارات الفنية، وإن غالت كثيراً في التوجيه التربوي على حساب عفوية دراما الطفل في بعض المواقع. ويعتمد غالباً على أسلوب «الأنسنة»، ويخالط مسرحياته على وجه العموم مناخ من التراث الشعبي ليبني منه مشهدية تقترب من روح الفكاهة. يفلح أيوب في تنظيم المشهدية وتنامي الفعلية والانتقال من مشهد لآخر، ويصنع شخصيات مقنعة قريبة من عالم الأطفال، ويلوذ بغنى التحليل النفسي، وهو يستند إلى خبرة عملية لا تخفى في بناء الحركة المسرحية. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |