المسرح العربي المعاصر قضايا ورؤى وتجارب ـــ د.عبدالله أبو هيف

دراسة - منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:00 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

2 - التجربة المسرحيّة والجوهر الصّلب

-1-‏

استعرضنا بعض ما دار في الدوريات الثقافية العربية الصادرة في المغرب حول منهج الواقعية الاحتفالية في المسرح، والنقد كما يدعو إليه الفنان المسرحي عبد الكريم برشيد، وعرجنا قليلاً على آراء بعض خصومه الناقدين أو المنتقدين، ونتابع في هذه المقالة مناقشة هذا الحوار الفكري لأهميته في الكشف عن جوانب مفيدة في الوضعية الثقافية هناك، وفي تطوير المسرح العربي.‏

-2-‏

يرى بعضهم «أن مفهوم التأصيل في منطوق الاحتفالية يحمل بالضبط مضموناً شكلياً ماضوياً يعتمد النبش في قديم التراث بغاية تحقيق التمايز وإبراز الخصوصية في إطار حضاري عام، بمعنى البحث عن الكيفية الخاصة والمتميزة التي يمكن من خلالها أن يساهم المسرح العربي في إغناء وتطوير النخبة الإنسانية في هذا المجال. وفي ذلك نقل قسري للمسألة من إطارها الداخلي الخاص (القائم على إيجاد الأشكال التعبيرية الملائمة والقادرة على استيعاب وتمثل تجليات الواقع وربها بأسسها المادية الملموسة) إلى إطار خارجي عام يتوخى بلورة نوع من التمايز الحضاري يحقق وجوداً ذاتياً من خلال نظرة ضرورة الحضور العربي الفعلي والشامل في مختلف المجالات»(1).‏

ومن الملاحظ هنا، أن إرشاد حسن وعبد الرحيم الشريف كاتبي المقالة، يمدان مجال الرأي إلى اجتماعية المسرح في إطار التحديث الثقافي دون عناية كافية بشروط العملية المسرحية. إن خلطاً بيناً يمارس بجسارة بين الواقع المجتمعي على حد تعبيرهما، و«الواقع المسرحي» أن صح التعبير. وهكذا، يجعلان من الواقعية الاحتفالية نوعاً من التجريب الذي من شأنه أن يحدث «القطيعة ـ بصورة إرادية وذاتية ـ مع موروث الحركة المسرحية العربية اعتماداً على حكم عام وإطلاقي على طبيعة هذا الموروث، غافلة بذلك عن تكوين معرفة واقعية بحقيقة تجربة المسرح العربي، كمسرح يتأثر في تطوره بقضايا عامة وشاملة ترتبط بواقع الشعب العربي وقضاياه الأساسية، ومن ثم فإن تشكله يخضع بالضرورة لشروط هذا الواقع، كما يتأثر في الوقت نفسه وبكيفية واقعية بشروط محلية خاصة لها فعله الواضح في حال هذا التشكل أيضاً».‏

إن مبالغة امتداد العمل المسرحي إلى مجرد الاستجابة السياسية أو الاجتماعية للواقع لا تخلق مسرحاً، ولا تثمّر وظيفة المسرح بعد ذلك. وعلى أي حال، يبدو أن الصراع الفكري الدائر حول قضية المسرح الاحتفالي وواقعيته، وعلاقته بالتراث والتأصيل والجماهيرية، لا يخلو من نزعة أخلاقية تغلّب دراسة الرجل في مواقفه وانتماءاته وسلوكه على دراسة فنه وفكره، إذ يختلط الوعي بالتاريخ مما يكرس النظرة الواحدية لصالح النموذج والإنشاء المسبق للتجربة الإنسانية وتأطير الإبداع بعناصر خارجة عنه أيضاً، وهذا يفضي إلى ارتهان الواقعية الاحتفالية كممارسة مسرحية إلى مصداقية وحيدة في حقل الممارسة الاجتماعية.‏

وكأن ثمة تصفية لحساب بين المتحاورين انطلاقاً من احتدام الصراع الثقافي في المغرب العربي، فانتعشت الدعوة إلى النقد الأيديولوجي المسلح باتجاهات حداثية معروفة كالبنيوية التركيبية والأسلوبية والشكلانية والاجتماعية، بينما النقد الأيديولوجي اتجاه بحد ذاته، ويستطيع الناقد أن يمحص بوساطته أشكال التعبير المختلفة نحو التأكيد على غايات الفن أساساً، فليس النقد الأيديولوجي مجرد عقيدة فكرية هي سبيل من ينتهجها إلى تقويم الإبداع فحسب، بل إن الأدب كفعالية إنسانية ناشطة ومتميزة حاضر في هذا النهج وفي هذا التقويم قبل كل شيء. وفي الأحوال جميعها، صار النقد الأيديولوجي إلى مرشد في قراءة المبدعات، وليست العلة في الاتجاه أو المنهج بل في عده مجرد مرشد سياسي يلازم العلوم الإنسانية في نظريتها وممارستها. إن النقد الأيديولوجي منهج ذو عناصر محمولة تستطيع أن تحيل مفردات «المتن الأدبي» أو «المبدعات» إلى حيز حدود النقد فتستنطقها غاياته أو ما يسمى بالوظيفة، وللقراءة أوجهها المتعددة، وللمبدعات طبيعتها المختلفة أو المتفردة، ولسنا نرى في مكانة النقد الأيديولوجي هنا إلا استجابة تاريخية وجواباً تاريخياً تفتقر إليه بعض المناهج النقدية الأخرى في حرصها على الابتعاد عن معضلات الواقع الراهن، الحركة العامة والسكون الذاتي أي أن النقد الأيديولوجي بمقدوره أن يضيء آفاق ذات الكاتب الإبداعية في إطار التاريخ العام أو وعيا للعصر، أما التفاصيل فهي لاحقة وقابلة للنقاش، وليس بمقدور الناقد أن يرهن عجلاته على الدوام إلى نيران الكلمات، لأن النار في التجربة العميقة والعريضة وهي تنخرط في حركة التاريخ. وقد أدرك برشيد إدراكاً عميقاً هذا الإطار في تعليله لدواعي التجديد:‏

«نعرف بأن الاحتفالية تؤكد على العناصر الحيوية في الحياة، أي على كل ما هو متحرك، فالاحتفالية إذن لا تنظر إلى الإنسان إلا انطلاقاً من هذا المنظور، أي من أنه في الشق الأول غرائز ودوافع وانفعالات وإحساسات ثابتة، أما في الشق الثاني، فهو هذه الاستجابة التي تتطلبها الحياة الاجتماعية. وذلك بما تحمله من عوامل الحركة والتبديل، وهي حركة لا تنفي استقرار الجوهر الإنساني كما رأيناه. فالتجديد ضرورة حياتية، لذلك كان الإبداع مطالباً دائماً أن يكون له انتماء مزدوج للثابت والمتحرك من الحياة، فانتماؤه للمتغير يحقق له المعاصرة، وانتماؤه للثابت يمنحه الأصالة»(2).‏

لقد جرى تحديد مفهوم المسرح لدى برشيد انطلاقاً من نقطتين يرى فيهما أساس نظريته النقدية الاحتفالية، وهما:‏

1- البدء بتحديد دقيق للمصطلح النقدي.‏

2- إعطاء مفهوم محدد للمسرح، وذلك لأن أغلب نقادنا حالياً، ما زالوا ينطلقون ـ على حد تعبيره ـ من مفاهيم مدرسية عتيقة، قد تعثر عليها في الجامعات والمعاهد، ولكنه لم يعدلها وجود في الممارسات المسرحية. إن المفهوم الصحيح للمسرح العربي لا يمكن أن يتشكل إلا في استقراء النماذج المتقدمة في هذا المسرح، أما فيما يخص وظيفة هذا المسرح ودوره، فيمكن أن يبحث عن ذلك من خلال دراسة الواقع العربي.‏

-3-‏

عاد برشيد، شأن غالبية المسرحيين العرب، إلى البحث عن جذور المسرح العربي وإلى التأكيد على جوهر الظاهرة المسرحية، ليلاحظ بعد ذلك أن التصور الأولي للنقد الاحتفالي مبني على تراكمات مسرحية مهمة وعلى خصوصية اللغة التعبيرية في المسرح العربي الاحتفالي.‏

إن الواقعية الاحتفالية لا تعزل نفسها موضوعياً وذاتياً عن الوضع الذي أنجبها أو أفاد في تأطير تجربتها، بل تغوص في الواقع العربي بعد أن تضع أمامها تحديات الظاهرة المسرحية: التراث، التقنية، التأصيل، الجماهيرية، ما دام جوهر الظاهرة المسرحية عاماً وشاملاً ومشتركاً، وما دامت الأعراض متغيرة والقواعد في الفن الدرامي تختلف من عصر لآخر ومن أمة لأخرى ومن مدرسة لغيرها. وفي هذا كله، يصقل برشيد تجربته المسرحية في أتون صراع الحياة بحثاً عن الجوهر الصلب، مما يفيد كثيراً في تسليط المزيد من الضوء على حوار الواقعية الاحتفالية في المغرب، ويكشف عن آفاق المسرح العربي ومستقبله، فقد أحرزت التجربة المسرحية في المغرب العربي على وجه العموم نجاحات ملحوظة في تطوير الظاهرة المسرحية والإجابة على معضلات فكرة المسرح أساساً.‏

[جريدة «البعث» (دمشق) 6/12/1981]‏

الهوامش والإحالات:‏

(1) الشريف، عبد الرحيم (وإرشاد حسن): «حول الاحتفالية، القسم النظري» في مجلة «الثقافة الجديدة»، المحمدية، ع17، س5، 1980م، ص58-60.‏

(2) برشيد، عبد الكريم: «المغربية: ألف باء المنهج الاحتفالي في النقد» في مجلة «الزمان المغربي»، الرباط، س3، ع5، شتاء 1981م، ص58-87.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244