|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:00 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
3 - دمشق عكاظ المسرح: التجارب المسرحيّة العربيّة تتكامل -1- «لابد من إيجاد مهرجانات عربية، والمعروف أن دمشق كانت دائماً سوق عكاظ التي جعلت التجارب المسرحية العربية تأخذ عن بعضها وتتكامل فيما بينها لتشكل النهاية تياراً معيناً. أن المستقبل كله في يد المسرح العربي». كنا أشرنا إلى تجربة المسرحي المغربي عبد الكريم برشيد، ونتوقف عند جانب من الحوار الدائر حول الممارسة المسرحية وإشكالاتها بين التنظير والتطبيق. ونعرض بعض آرائه في المسرح العربي المعاصر بعد جولة أخيرة له في بعض الأقطار العربية. -2- يقول برشيد: - المسرح العربي حالياً يحاول أن يخرج من إطاره الضيق نحو مستقبل نحو آفاق أرحب، ويمكن القول بأن التجارب السابقة قد اعتمدت أكثر على الاقتباس، واعتمدت على الانبهار بالتراث المسرحي الغربي، على أن هناك موجة تحاول أن تأخذ بمبدأ الأصالة في الميدان المسرحي، واعتقد أن الفن المسرحي هو فن عالمي، ولكن العالمية الأممية لا تعني أن تقفز فوق خصوصيات قومية، من هذا المنطلق يمكننا أن نتحدث عن مسرح عربي أصيل: كان هناك التفات إلى المواد الخام العربية، فرأينا عند أحمد شوقي «مجنون ليلى» و«كليوباترا» و«عنترة» وغير ذلك، هذه الأعمال لا يمكن أن تكون لها فائدة إلا إذا كانت في إطارها الشامل، لأن المسرح ليس هو المواد الخام فقط، ليس هو الرجوع إلى التاريخ أو إلى التراث الأدبي العربي الذي هو تراث غني، ولكنه قبل ذلك لابد من أن يراعي الشكل الفني وأن يراعي أيضاً خلق نظرية مسرحية عربية، فنحن نعلم أن المسرح الكلاسيكي قد قام أساساً على الفكر العقلي في العصر الأليزابتي، ونعرف كذلك أن غير المعقول قد قام على الفلسفة الوجودية أو فلسفة العبث خصوصاً. ونعرف أيضاً أن السوريالية قد قامت أساساً على ظهور اللامعقول عند فرويد، ولذلك كان لابد للمسرح العربي أن تظهر فيه نظريات، وأقول أن السنوات الأخيرة قد شهدت مجموعة من التجارب الجادة التي قامت بالبحث سواء في ميدان التراث أو في ميدان الأشكال شبه المسرحية في التراث العربي، فهناك الكراكوز وخيال الظل والحكواتي والمداح وسلطان الطلبة والفداوي، هذه الأشكال أو هذه الاحتفالات شبه المسرحية كانت تقوم على أساس الفرجة، لأنها كانت عبارة عن سرد ورواية وعبارة عن تظاهرات اجتماعية وفنية تقوم على التواصل بين مجموعة من الفنانين المتجولين ومجموعة من الجماهير العربية المتواجدة في الساحات العمومية أو في الأسواق أو في المواسم وفي كل الأمكنة التي تجمع حشداً من الناس. من هذه الناحية، رأينا يوسف إدريس يحاول أن يوجد ما سماه بمسرح «السامر» في مسرحيته «الفرافير» و«المخططين». ولكن، ما مسرح السامر بالنسبة لعبد الكريم برشيد؟ يجيب برشيد: - فن السامر هو فن شعبي مصري وهو تراث عند الفلاحين البسطاء، وقد اعتقد يوسف إدريس أن هذه الصيغة البدائية يمكن أن تفيد المسرح العربي، وقد كانت تجربة محكومة سلفاً بحدودها الضيقة، لأنها قامت على أساس نظري، لا على أساس تدعيم النظر باستمداد فنون جديدة من الموروث الشعبي. -3- لقد شغل المسرحيون العرب - شأن المفكرين والأدباء عموماً - بمسألة الهوية، ومايزال هذا المشكل غالباً على سواه منذ الخمسينات تأصيلاً للثقافة العربية والفكر العربي. وفي هذا الحديث، ينشغل عبد الكريم برشيد أيضاً، وهو يبحث عن التجارب المسرحية الأخرى بأسباب الأصالية وبأشكال المعاصرة. ولكن، هل يمكن الفصل بين الماضي وروحه الباقية، وهل هناك مسرح عربي له شخصيته المستقلة، وبعد ذلك هويته؟. يضيف برشيد: - هناك تجربة أخرى لسعد الله ونوس في سورية. أن صاحبها يحاول أن يزاوج بين التراث الغربي في المسرح وبين التراث الشعبي. فهو يأخذ المادة الخام من التراث كما هو الحال مع «مغامرة رأس المملوك جابر»، ومن مظاهره استخدام الراوي وتكسير الجدار بين المبدع والجمهور. ثمة أمر آخر هو أن ونوس ينزل الحدث من خشبته على المسرح لينفجر في قلب الصالة وفي قلب الجمهور تماماً كما كان يحدث في الساحات وفي الأسواق العربية القديمة. وقد تميز ونوس بالارتجال كما هو الحال مع مسرحيته «حفلة سمر من أجل 5 حزيران» ولكنه الارتجال المموه، لأن ونوس دس الممثلين وسط الجمهور وجعلنا نعتقد أن هناك لعبة وأن هناك تمثيلاً وهناك واقعاً حقيقياً في الوقت الذي نشاهد فيه مسرحاً وتمثيلاً. وهكذا انخرط في المسرح وفي محاولة خلق احتفال شعبي تختلط فيه مستويات والواقع والوهم، التمثيل والحقيقة، فلا نعود نفرق بين هذا الشخص ـ الممثل ـ المنتج ـ وبين هذا الشخص ـ المتفرج ـ المستهلك ـ فالمسرح الإنساني حاول حديثاً أن يحطم تلك المقولة الداعية إلى إقامة جدار وهمي بين مستويين من الواقع: مستوى الممثلين ومستوى الجمهور. وصنيع ونوس في أساس دعوات التخلي عن المعمار المسرحي العتيق، فنحن قد ورثنا المسرح أو أخذنا المسرح عن الغرب فناً وبناية أيضاً. والمعروف، أن الغاية، وهي أحجار، ليست شيئاً بريئاً، لأنها تؤثر على المضمون وتؤثر داخل هذه العلاقة الإنسانية المتبادلة بين شرطي الإبداع، والمعروف أيضاً، أن المسرح كان في البداية مجموعة من التظاهرات الفنية في الساحات العامة في أثينا مما يمتزج برقص وإنشاد وهذر وانطلاق جنوني، وفي مسارح مفتوحة من كل الجهات، وهذا يحقق شرط الاحتفال، لأنه يتيح التواصل الإنساني الحق. ولكن أوروبا الإقطاعية وأوروبا الكاثوليكية قد بنت مجموعة من الكنائس وأدخلت المسرح ـ كما أدخلت الدين المسيحي إلى الكنائس، وسجانهما بين الأسوار في الوقت الذي ولد فيه الدين حراً والمسرح حراً خارج الأسوار. كان لابد لأوربا الإقطاعية أن تفرق بين شرطي المسرح وبين عنصرين أحدهما ينتج والآخر يستهلك، وهكذا، جرى التمييز بين هذين الشرطين، فقام ما يسمى بالجدار الرابع حتى يفرق ما بين السيد والمسود، وحتى يكون المسرح صورة مصغرة للمجتمع خارج المسرح، وبنتيجة هذا التفريق، كانت مقصورات الأسياد وغير ذلك. كان المسرح كبناية صورة مصغرة عن الحياة العامة، ولكن هذه الجدران سقطت أو ينبغي أن تسقط، لنحقق احتفالاً شعبياً يقوم على التواصل، فانتقل الحدث من هذه الرقعة الضيقة التي هي الخشبة ليدور داخل الجمهور، وليصبح فاعلاً لا يكتفي بالتلقي بل يعمل على المشاركة الفعلية والوجدانية، وهذا ما سعى إليه سعد الله ونوس في مسرحيته «حفلة سمر من أجل 5 حزيران» و«سهرة مع أبي خليل القباني» حيث أراد للمسرحية أن تتحول إلى تظاهرة شعبية عامة داخل مقهى. وهذه الدعوة نفسها نجدها عند الطيب الصديقي. لقد تخرج الصديقي على يد جان فيلار، وفيلار هو أول فنان مسرحي أخرج المسرح من علبته الضيقة عبر تنظيمه لمهرجان «افينيون»، وهو أوجد المسرح كتظاهرة شعبية في عصرنا، كلقاء، كشيء وفعل يجري على الساحة العامة خارج الأسوار والمباني وصالاتها. لذا، قام الطيب الصديقي بالدعوة لإيجاد بنية مسرحية جديدة ومعمارية جديدة في المسرح، واقترح في غمرة تجاربه المسرح الدائري، والمسرح الدائري مستمد من التراث العربي الذي عرف مجموعة من الفنون الشعبية القائمة على مجموعة من الحلقات كما تتشكل في الأسواق والأبواب التاريخية العتيقة وفي المقاهي والمواسم الدينية والزراعية وسواها. وهذه الدعوة نجدها أيضاً عند قاسم محمد في العراق، فقد أعطى هذا الكاتب والمخرج مسرحية «بغداد الأزل بين الجد والهزل». ونجدها كذلك في مسرحية شاهدتها مؤخراً في بغداد هي «ملحمة جلجامش». وعلى أن هذه المسرحية مأخوذة من الملحمة العتيقة، فإن المخرج العراقي سامي عبد الحميد وضعها في نطاق سيناريو مسرحي وبث فيها الحياة بشكل استعراضي يعتمد على الإنشاد وعلى الترتيل شبه الديني وعلى اللعب الجماعي وعلى مجموعة من الوسائل التعبيرية المختلفة. وهناك تجارب مماثلة في تونس، كما هو الحال عند عز الدين المدني والمنصف السويسي ورجاء فرحات وسمير العيادي، فهؤلاء جميعهم حاولوا إنتاج مسرح عربي أصيل يقوم على الرواية، وعلى التراث، مثل العيادي الذي يمسرح الهجمات أو سيرة بني هلال في مسرحيته «الجازية الهلالية»، ومثل فرحات الذي يستغل الصور الفطرية في الأسواق والبيئات الشعبية ويستوحي من خلال الملابس والنظرات والصورة الجانبية وتشخيص حركة سير القوافل تعبيراً صامتاً، ومثل المنصف السويسي في مسرحيته «ثورة الزنج». إذا أردنا أن نجمع أشتات هذه الصور لتكون لوحة فنية واحدة، يمكننا أن نقول أن التجارب المطروحة في الساحة العربية حديثاً تقوم على محور أساسي واحد هو البحث عن الذات، البحث عن الأصالة والهوية المتميزة. وإذا كنا نبحث عن الإنسانية فيجب أن نعلم أن القومية وأن الأصالة لا تعني محاربة الإنسانية. والمطلوب حالياً هو إيجاد مسرح عربي، يعني بتصوير الشخصية العربية والواقع العربي، وتكون له لغة مسرحية أقرب في التواصل مع الجماهير، وهذه اللغة في الواقع لا تتحقق وتصبح إنجازاً بفضل مسرحي واحد أو بعض المسرحيين. ولابد من إيجاد مهرجانات مسرحية عربية، والمعروف أن دمشق كانت دائماً سوق عكاظ التي جعلت هذه التجارب تأخذ عن بعضها، وتتكامل فيما بينها، ولابد أيضاً من إيجاد مجلة مسرحية تستقطب التجارب والكتابات العربية المكرسة لنهوض مسرح عربي. كذلك يمكن أن تخلق نقداً مسرحياً وتساهم في تكوين الجمهور المسرحي. وعليه لابد من تربية مسرحية شاملة تنطلق من المدرسة إلى الجامعات والمعامل وغير ذلك. وبهذا فقط، يمكن للمسرح أن يصبح داخلاً في نسيج المجتمع، له تقاليده المؤثرة، لأن الأوروبي يذهب المسرح وخلفه 2500 سنة من التقاليد المسرحية، بينما لا يجد العربي خلفه غير الفراغ. وعلى الرغم من هذا كله، فالمستقبل كله ـ كما تدل التجارب المعتبرة ـ في يد المسرح العربي. -4- هذه شهادة تشي بدلالات كثيرة حول واقع المسرح العربي ومستقبله، وفي مقدمتها قدرة هذا المسرح على النمو والتطور ومجاوزة المعوقات. وتكتسب هذه الشهادة أهمية فائقة كونها تصدر عن مسرحي عربي من المغرب توكيداً على معاناة الثقافة العربية الواحدة أمام أسئلة المصير الصعبة. [جريدة «البعث» (دمشق) 8/6/1979] |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |