|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:00 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
5 - «تجربة شخصيّة في فن المسرحيّة»: فكرة المسرح بين الأدب والممارسة -1- يقدم على أحمد باكثير في كتابه «فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية»(1) شاهداً على نظرة سائدة لفكرة المسرح بين الأدباء العرب، ونعني بها الفصل بين أدب المسرح باعتباره فناً قولياً، والدراما كشيء صالح للتمثيل، وهي نظرة لا تزال آثارها بينة على الحركة المسرحية وبخاصة فيما تؤدي من اختلاط بين خصائص العمل الأدبي وطبيعة العرض المسرحي. وعلى الرغم من إطلاع علي أحمد باكثير المبكر على روائع المسرح العالمي في اللغة الإنجليزية التي يجيدها إجادة تامة، فإن شواغل التجسيد مما لا يخطر له ببال. وهذا يؤكد بدوره الهوة القائمة بين الأدباء والمسرحيين، ففي تلك الفترة التي كتب فيها باكثير للمسرح ـ العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين ـ كان المناخ هو الاحتفال بتمصير أو تعريب مسرحيات «الفارس» و«الفودفيل» و«الكوميديا» وسوى ذلك من أنواع الملهاة، أي سيادة الأعمال الفنية التي تلهب حماسة النظارة بينما لا تفارق عينها شباك التذاكر بالدرجة الأولى. -2- يشير باكثير في مطلع كتابه إلى إقباله على الكتابة المسرحية ـ دون أي إلمام سابق بفن المسرحية، بله أصول التأليف المسرحي، فكانت النتيجة قصائد ومقطوعات من الشعر بين رقيق وجزل يجمعها موضوع واحد وينظمها إطار واحد. ولكن لا يمكن تسميتها مسرحية إلا على سبيل التجوز لافتقارها إلى المقومات الأساسية للمسرحية من بناء وحركة ورسم شخصيات. وفي اقترابه من الكتابة المسرحية لا يرى أهمية لشروط عرضها على المسرح، بل يكتفي بأمرين هما وجود الموهبة «والإلمام بأصول التأليف المسرحي سواء بدراستها في الكتب الموضوعة لهذا الغرض، أو عن طريق تتبعها وتأملها في النماذج الصالحة من أعمال الكتاب المسرحيين المشهود لهم بالفضل والتبريز واستخلاص القواعد والأصول من تلك النماذج». ثم يأتي على ختام تجربته، ولا يشير إلى دواعي التجسيد المسرحي أو ما تعنيه الخبرة المسرحية، فالسائد هو خبرة الأديب. -3- يلاحظ باكثير أن أهم مصادر كتابته للمسرحية هي دراسته للأدب الإنكليزي، بينما ظلت ثقافته الأولى عربية إلى حين، فقد غيرت دراسته للغة الإنكليزية من نظرته لمفهوم الأدب كله، فأخذ يعيد النظر في المقاييس الأدبية التي كانت عنده من أثر ثقافته العربية، وهنا فتنه المسرح، واستهوته بوجه خاص أعمال شكسبير، ولكن الشعر كان دربه للمسرح. ويعيد إلى الأذهان أن الشعر العربي ـ وفق العمود يعصى على لغة المسرح، فكانت محاولته إيجاد الشعر المرسل في اللغة العربية ترجمة وتأليفاً، فليس ما يحول دون إيجاد الشعر المرسل في اللغة العربية، فهي لغة طيعة تتسع لكل شكل من أشكال الأدب والشعر. لقد التزم باكثير هذه الطريقة للمرة الأولى في مسرحيته «احناتون ونفرتيتي» مستعملاً البحر المتدارك «الذي أدركت من تجربتي الأولى في الترجمة ـ أنه أصلح البحور كلها لهذا لضرب»، وهذا قاده إلى حقيقة مفادها أن النثر هو الأداة المثلى للمسرحية «ولاسيما إذا أريد بها أن تكون واقعية، وأن الشعر لا ينبغي أن يكتب به غير المسرحية الغنائية التي يراد بها أن تلحن وتغنى أي الأوبرا». ويعود هذا التقدير إلى ـ أن المسرحية الشعرية ـ أو بعبارة أدق ـ المسرحية المنظومة لم يعد لها مكان اليوم اللهم إلا عند عدد قليل جداً من الكتاب مثل ت. س اليوت وماكسويل اندرسون. حقاً كان الشعر لغة المسرح عند كتاب اليونان والرومان وكان كذلك عند شكسبير وأقرانه في العصر الإليزابيثي وعند راسين وكورني في فرنسا، ولكن هذا التقليد وهو التزام الشعر في المسرحية قد مات من عهد طويل، وأن ظلت المحاولات تبذل لإحيائه منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم. ويضيف باكثير: «ومعظم هذا الشعر الذي أشرنا إليه هو الشعر المرسل، وهو شعر فيه تحرر وانطلاق، وليس مقيداً بأسار القافية فهو أصلح للمسرحية أ، كان لابد من استعمال الشعر فيها. وكان الممثلون في تلك العهود يلقونه بصورة تقرب من إلقاء النثر فلا يكاد الرجل العادي يدرك أنه شعر موزون. وكان الإلقاء في التمثيل عموماً يعتمد إذ ذاك على التفصح والجلجلة وتفخيم الألفاظ وذلك قبل أن تنشأ الطريقة الواقعية في الإلقاء والتمثيل». ومراعاة طبيعة الشعر المسرحي هي من أسباب الأدب عند باكثير لا من اعتبارات التجسيد المسرحي، فهو يكرس غالبية صفحات كتابه لهذه الأسباب وبوجه أخص للغة المسرح. إنه يذكر الفرق بين النثر والشعر المرسل والشعر المقفى القائم على اتخاذ البيت وحدة نغمية مستقلة، وفي هذا كله يجري التركيز على القيمة التعبيرية للجملة العربية. وهكذا كتب مسرحية ـ قصر الهودج ـ نظماً موسيقياً ما أمكن لتكون صالحة للتلحين وللغناء، ولم يتقيد ببحر واحد في إطار من الحرص على التنويع في القوافي، ليكون ذلك أبلغ في التنغيم الموسيقي. ولكنه يكتشف بعد لأي أن الشعر ليس محكوماً بالنظم، بل يمكن أن يكون نثراً، فالمهم أن يحتوي على جوهر الشعر والخاصية الأصيلة فيه. -4- يخصص باكثير من جهة أخرى بقية كتابه لفن المسرح عند العرب وما استتبع ذلك من محاولات لتعليل افتقاد الظاهرة المسرحية العربية لسبب «هو عدم استناده عندنا إلى جذور دينية قديمة». ويفصل بعد ذلك القول في فن المسرحية وأسبقية المأساة على الملهاة وعناصر التأليف المسرحي، ويستغرق وقتاً طويلاً في مناقشة الفكرة والموضوع والعلاقة بينهما، ثم يتوقف عند الكاتب الداعية فيقرر: «ولكن ينبغي لمثل هذا الكاتب المسرحي ألا ينسى وهو يلتهب حماسة للدعوة التي يدعو إليها أن المسرحية عمل فني قبل كل شيء فيجب ألا يجوز على فنيتها بحال من الأحوال. بل ينبغي أن يحرص الحرص كله على سلامة عمله من الوجهة الفنية، وأن يدرك أن ذلك هو السبب الوحيد لجعل الرسالة التي ينطوي عليها بليغة التأثير في الجمهور الذي يشاهده». والخلاصة أن على هذا الكاتب أن يجعل الداعية فيه خادماً للفنان المسرحي فيه، لا سيداً له، وإلا فليتخذ أداة أخرى غير الكتابة المسرحية كالخطابة أو الصحافة «وهذا لا ينفي أهمية النزعة الإصلاحية أو الدعوة لفكرة خاصة كمنبع للإلهام المسرحي» برأيه، لذا يؤكد باكثير بعبارة صريحة: «على أن القومية العربية ظلت من ذلك رائدي في أغلب ما كتبت بعد ذلك من مسرحيات وقصص، ولكن لغير ذلك الغرض الخاص الذي انتفت الحاجة إليه، وإنما لإبراز ما في تاريخنا الحافل المجيد من مثل عليا ينبغي أن تستنير الأمة العربية في جهادها من أجل التحرر والاستقلال وفي كفاحها لبناء مستقبل مجيد يليق بماضيها المجيد». ثم يلتفت باكثير إلى ولوعه الزائد بالتاريخ والأسطورة لأن الفن المسرحي خصوصاً عنده ينبغي أن يقوم أكثر ما يقوم على الرمز والإيحاء لا على التعيين والتحديد فتكون الحقيقة التي يصورها العمل الفني ـ وهو هنا المسرحية ـ أوسع وأرحب من الحقيقة التي يمثلها الواقع. لم يغفل باكثير في عرضه لتطورات تجربته المسرحية عن دور النقد في التقويم، إنه يصرح على سبيل المثال أن التوفيق قد خانه في اختيار بعض العناصر التي ألف منها موضوع مسرحيته «سر الحاكم بأمر الله» إذ حشر فيها أموراً لا صلة لها بالفكرة الأساسية. لأن «مهمة الكاتب المسرحي ليست تسجيل ما حدث في التاريخ كما حدث، فتلك مهمة المؤرخ، وإنما مهمته أن يخلق عالماً جديداً تقع فيه الأحداث، وتنصرف فيه الأشخاص، وتنعقد فيه المشكلات، وتصدر عنه النتائج مستهدياً بالفكرة التي جعلها أساساً لمسرحيته». وهكذا تبدو تجربة علي أحمد بكثير في فن المسرحية إشارة إلى نظرة سائدة لفكرة المسرح: احتفال شديد بالأدب وإهمال ملحوظ للممارسة المسرحية. [جريدة «البعث» (دمشق) 28/6/1979] الهوامش والإحالات: (1) باكثير، علي أحمد: «فن المسرحية من خلال تجاربي المسرحية»، مطبوعات جامعة الدول العربية، معهد الدراسات العربية العالية. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |