المسرح العربي المعاصر قضايا ورؤى وتجارب ـــ د.عبدالله أبو هيف

دراسة - منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:00 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

6 - «الشاعر العربي الحديث مسرحياً»: فكرة المسرح بين الشعر والشعر المسرحي

-1-‏

يدل واقع المسرحية الشعرية العربية دلالة حية على النظرة السائدة لفكرة المسرح بين الأدباء العرب وهي من نتائج الفصل بين أدب المسرح باعتباره فناً قولياً، والدراما كشيء صالح للتمثيل كذلك، فحتى وقت قريب مايزال البون شاسعاً بين طبيعة الشعر وطبيعة الشعر المسرحي، وأجدها فرصة طيبة لإثارة الحوار حول هذه المسألة بمناسبة ظهور كتابين جديدين هما «الشاعر العربي الحديث مسرحياً» لمؤلفه محسن أطيمش(1) و«الشاعر في المسرح» لمؤلفه رونالد بيكوك(2).‏

-2-‏

إن ندرة الدراسات حول شعر المسرح تتناسب مع ندرة المسرحيات الشعرية، فماتزال في تراثنا المعاصر معدودة وماتزال الدراسات حول الشعر والمسرح قليلة.‏

ومثلما تقابل المسرحية الشعرية باعتزاز وتقدير كبيرين للقيم الفنية الكامنة فيها، فإن تعليل الخشبة من الإقدام على كتابة المسرحية الشعرية عائد أيضاً إلى الانتقاد الشديد الموجه للمسرحية النثرية التي بالغت في موضوعها، وباشرت أهدافها بحيث قل الاهتمام تدريجياً بالشكل الفني فأية مشكلة تثيرها علاقة الشعر بالمسرح؟‏

إن كتاب محسن اطيمش (العراق) يقدم الجانب الأكثر بروزاً في هذه المشكلة أو ما يؤدي إلى هذه المشكلة، وأعني بها سيادة النظرة إلى المسرحية الشعرية باعتبارها فناً قولياً أدانه الشعر بالدرجة الأولى، أما احتياجات المسرح والمسرح الشعري بوجه خاص فلا تحظى من الشعراء العرب بما يبل الريق، وهذه هي أسئلة المرحلة الشعرية تلقي بظلالها على نتاج المسرح الشعري برمته على الرغم من البداية الشعرية للنهوض المسرحي العربي في القرن التاسع عشر على يد أبي خليل القباني ومارون النقاش وسواهما، وعلى الرغم من جسارة التجديد في أحصن قلاع التقليد الأدبي العربي في فن راسخ هو الشعر. واكتفي في هذه المقالة بالإشارة إلى وجهة النظر الأدبية السائدة في معالجة مشكلات المسرح العربي من خلال كتاب محسن اطيمش، فلغة النقد في الكتاب لا تحفل بطبيعة المسرح أو المسرح الشعري أو بالمصطلح الدرامي.‏

-3-‏

يؤكد اطيمش في مقدمته أهمية موضوع كتابه، ولكنه يورد في الوقت نفسه بعض صعوبات البحث فالموضوع شائك، ولا يخلو من مشكلات كثيرة وجوانب متنوعة فدراسة الأداء المسرحي أو الشعر المسرحي تعني التعرض لظاهرة أدبية معاصرة، ما تزال في دور النمو والتجريب، ولم يكن لنا فيها موروث، ونصيبها من الدرس الجاد والنقد المعاصر قليل، وتعني أيضاً الإلمام بفنين مجتمعين لا يمكن الفصل بينهما أو قيام الواحد منهما على حساب الآخر، وهما الشعر والمسرح. أما المسرح فهو ثبت غريب، وأما الشعر فإن جذوره تضرب بعيداً في وجدان الشاعر العربي الحديث، وهو منذ الجاهلية شعر غناء، يفصح فيه الشاعر عن همومه ومواجده بصوته الخاص، ونادراً ما يتجاوز ذاته ليصل إلى أبعد من ذلك.‏

ثم يلتفت إلى صلب وجهته في النقد، فالشاعر الحديث أحس بضرورة الانفلات من سجن الذات إلى حيث الرحبة، فقد تعددت تجاربه، واتسعت ثقافته، وانفتح على الأدب الإنساني، فبدت القصيدة الغنائية، وكأنها تضيق بما لديه من أفكار وأحاسيس، فذهب يبحث مرة، ويتعلم ثانية، ليهتدي إلى شكل جديد من التعبير، فاقترب من الحكاية الشعرية ثم القصة الشعرية، ووجد نفسه أخيراً يسير بخطى مهزوزة، وتارة توشك أن تمتلك شيئاً من الثبات نحو طريق المسرح الشعري.‏

وواضح هنا أن منطلق النظر في طبيعة الأدب وليس في طبيعة المسرح، وهذا يعني أن ثمة فارقاً كبيراً لا يميز بعد ذلك بين الشعر والشعر المسرحي، وما التفاتة اطيمش إلى طريق المسرح الشعري إلا درب إلى درامية القصيدة وليس إلى المسرح الشعري. وهناك قصائد درامية كثيرة في شعرنا الحديث تتفوق على مسرحيات شعرية في اكتناه الفاجع في الحياة لسبب بسيط هو اختلاط النظر إلى فكرة المسرح، مما يكون من نتائجه إغفال طبيعة المسرح الشعري.‏

-4-‏

يقسم اطيمش كتابه إلى بابين، يتناول الأول المسرحية بشكلها العربي التقليدي، ويشتمل على أربعة فصول هي: الخطوات الأولى في طريق شعر المسرح والشعر المسرحي عند شوقي وعزيز أباظة وخالد الشواف، ويتناول الثاني المسرحية بشكلها الشعري الجديد، ويشتمل على ثلاثة فصول هي الشعر المسرحي عند عبد الرحمن الشرقاوي وصلاح عبد الصبور، وشعر المسرح بعد عبد الصبور حيث يخصص هذا الفصل لدراسة مسرحيات معين بسيسو «ثورة الزنج» وعز الدين إسماعيل «محاكمة رجل مجهول» ومحمد علي الخفاجي «ثانية يجيء الحسين» وعلي كنعان «السيل» ومحمد الفيتوري «سولارا». وهناك خاتمة ذكر فيها المؤلف بشكل مركز خلاصة بحثه وما يتصف به.‏

إن اطيمش يستفيض في نقده الأدبي للنصوص دون مراعاة خصائص تجسيدها على المسرح كأثر الشعر الغنائي في الشعر المسرحي وما يستدعي ذلك من دراسة للحوار والتضمين فيه وموسيقاه، ولرسم الشخصية وأهمية الحدث وبث القصيدة في صلب العمل المسرحي، وتغليب الحوار الداخلي «المونولوغ» على مجمل الصياغة.‏

لقد استشهد اطيمش يقول البوت: «إن الشعر في المسرحية ليس زينة، ولو كان كذلك فهو جدير بالرفض، والشعر لابد أن يبرر وجوده درامياً، أي أن يصير الشعر جزءاً من الحدث، وينهض بمهمة البناء الدرامي وكشف الأشخاص وأزماتهم»، إلا أن المؤلف قد أغفل في نقده هذه الاعتبارات مجرداً النص من قابليته للتجسيد. إن رؤيا الشعر في المسرح وتخييله مرتبطان بجسده: قابليته للتمثيل وهو محتفظ برؤيته.‏

-5-‏

يرى اطيمش في مناقشته للتضمين في الحوار أن الشعراء الغنائيين وهم يكتبون للمسرح يميلون دائماً إلى التضمين كما فعل شوقي وأباظة، ثم تابعهم في ذلك بقية الشعراء مثل عبد الرحمن الشرقاوي وصلاح عبد الصبور وعلي كنعان ومحمد علي الخفاجي، ويلاحظ أنه لم تكن لتلك التضمينات في الغالب وظيفة مسرحية أو شعرية كالتسامي في التعبير عن الانفعال الدرامي في لحظة تبيح للشاعر أن يلجأ لشعر غيره فيضمنه إتماماً للصورة المسرحية وتصعيداً للغة الحوار كما تقول مارجوري بولثن في كتابها «تشريح المسرحية» ويضيف أيضاً: «إذا افتقد وظيفته المسرحية فإنما هو «من خصائص المقلدين الذين لا يستطيعون أن يغلقوا مخازن ذاكرتهم» (وهو قول محمد مندور).‏

والحق أن العمل المسرحي يحتاج لذاكرته، وهكذا ينطلق من تاريخه، ويسعى إلى فعاليته، وما تاريخه وفعاليته إلا جماع خصوصيته، وقد اكتشف المؤلف بعد حين أن لشوقي موروثاً مسرحياً بسيطاً هو خليط من الأوبرا والأوبريت، فقد خبر وهو في فرنسا، شيئاً من فن المسرح، وشاهد مسرحيات كلاسيكية ورومانسية، ولكنه حين عاد إلى بلده مزج حصيلة المسرحية بخبراته الشعرية التي تمت في عالم القصيدة الغنائية، فانشأ مسرحاً (والأصح تصانيف شعرية) ذا طابع غنائي أكثر نضجاً وسمواً مما نقدم في المحاولات المسرحية السابقة، وظل مسرحه ظاهرة تلفت الانتباه، ووجد من أعجب به، واعتبره مثالاً يحتذى وفناً جديراً بالمحاكاة فقلده. وهذا التقليد الذي يغفل خصوصية المسرح وذاكرة المسرح الشعري بعد ذلك استمر حتى وقت متأخر يفعل فعله في نفي الظاهرة المسرحية لصالح التصنيف الأدبي لشعراء يستخدمون لذاكرتهم، ولا يتصلون بعناء الحياة أو المأساوي فيها، وهو ألزم صفات الشعر المسرحي.‏

[جريدة «البعث» (دمشق) 5/7/1979]‏

الهوامش والإحالات:‏

(1) أطيمش، محسن: «الشاعر العربي الحديث مسرحياً»، بغداد 1977م.‏

(2) بيكوك، رونالد: «الشاعر في المسرح»، (ترجمة ممدوح عدوان)، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1978م.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244