|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:00 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
8 - «هل المسرح خاصيّة أوروبيّة؟»: نحو تنمية شاملة للثقافة العربيّة -1- ثمة كراس وثمة مقالة حول المسرح هما باعث هذا الرأي الذي أريد له أن يكون استتباعاً للحوار الدائر حول أبوة المسرح العربي حيث انتعشت في السنوات الأخيرة فكرة مفادها أن المسرح خاصية أوربية، وأن المسرح العربي بعد ذلك مدين بجذوره وبنهوضه في القرنين الماضيين إلى المؤثرات الأجنبية وحدها. جرى الدفاع عن الفكرة بدافع من «المثاقفة» نفياً لإسهام الثقافة العربية البارز في حضارة الإنسان من جهة، وتقليلاً لأهمية الظاهرة المسرحية في طبيعتها وفي اتصالها الوثيق بحياة الشعب من جهة أخرى. لقد عاشت الحياة العربية مثل بقية الأمم والشعوب أشكالاً مختلفة من الطقوس والشعر والموسيقى والعادات والتمثيل، وهذا في جوهر الظاهرة المسرحية، وهو بالذات ما فعلته الباحثة السوفيتية مونيتسيفا في كتابها «ألف عام وعام على المسرح العربي»، أما النزعة السائدة في رفض بعض المستشرقين، ومن لف لفهم، لوجود المسرح العربي لصالح أبوة المسرح الأوروبي له فماتزال محكومة بعوامل الاستشراق الذي يعاني من جذور نشأته والظروف التي رافقته والأهداف المتعددة التي يعمل لأجلها، فهو في أحسن أحواله، مايزال يمثل شكلاً من أشكال اهتمام الغرب بالشرق، وهذا الاهتمام لا ينفصل عن نظرة عالم لعالم آخر، وما يغلب على دراسات المستشرقين هو ـ دراسة منطقة ـ على حد تعبير الدكتور ادوار سعيد(1) وليس دراسة جهد إنساني يضاف إلى الحضارة الإنسانية، وهذا في أساس الاستعمار مما يستتبع عرقلة النهوض القومي. -2- يقول علي شلش في كراسة «الدراما الأفريقية»(2) بصريح العبارة: «المسرح ليس خاصية أوروبية». ويضيف: «والحق أن البحث عن أثر المسرح المصري القديم في المسرح الإغريقي ليس ما يعنينا هنا، ولكن الذي يعنينا هو أن ثمة شبهاً وثيقاً بين نشأة المسرح في اليونان القديمة ومصر القديمة على السواء، وأن ثمة شبهاً وثيقاً أيضاً بين نشأته في كلا البلدين ونشأته في قارتنا جنوب الصحراء: «فقد نشأ المسرح القديم بصفة عامة في حضن الدين والشعائر الدينية. وبدأت الدراما بالرقص والحركات الصامتة، ثم تكامله حين اتحد الرقص والغناء والموسيقى، وتلك هي حال الدراما في أوروبا وأفريقيا بوجه عام». ثم يستشهد الباحث بقول الكاتب النيجيري جويل اديدجي: «إن الدين هو أساس التطورات الدرامية في لغة اليوروبا، كما هي الحال في معظم ثقافات العالم. وقد أثرت عبادة أوبا ثالا ـ معبود اليوروبا ـ في نمو الدراما الدينية وظهور المسرح، إن الغريزة الإنسانية في التشخيص والتعبير الشعائري «تؤدي بهما إلى الدراما المتطورة». إن المسرح في تراث الشعب، لصيق به، يتفاعل وينمو مع طبائع البشر وحقائق الأشياء وهذا هو شأن أجمل الدراما مهما كان أسلوب تأليفها أو عرضها. لقد قال أحدهم لبعض المسرحيين الأفارقة، وهو أستاذهم هو يصون: «انسوا أنكم مثقفون وأنكم درستم بالجامعة» ويرى هذا الناقد المعروف أن مسرحيتي الكاتبين الأفريقيين سونيكا وكلارك لا تخطئان طريقهما إلا حين تتحدثان في ظل التأثير الناضج للحضارة الأوروبية، أما ما يمكن أن يقولاه لنا، وما نريد نحن أن نعرفه منهما ـ فهو حضارتهما: ففي أفريقيا أشياء وعواطف هامة وأمور مدهشة بعيدة عن طقسنا البارد، وهذه يمكن أن تصبح مادة لدراما قيمة. وقد انتبه كثير من رجالات المسرح العالمي إلى أهمية المنابع المسرحية في أفريقيا وآسيا، وفي مذكراتهم وأحاديثهم وتجاربهم بعض هذه البذور وهذه العناصر الجديدة على عراقتها مدركين تمام الإدراك أنها تقود إلى آفاق جديدة للمسرح الحديث. لقد وجد باحث آخر ـ هو دي جرافت ـ في جذور الدراما الأفريقية نوعاً من التطور ـ عبر النمو الاجتماعي ـ من مجرد إشباع الحاجات الدينية إلى إشباع الحاجات الدنيوية لدى الجماعات الأفريقية، ويرى أن الشروط التي تدعم التطور الدرامي تميل إلى التركز حول الجماعة، أي تميل إلى أن تكون شروطاً متصلة بصلب الجماعة، وتتلخص فيما يلي: 1- رؤية للعالم تجعل الناس عرضة لممارسات شعائرية تتطلب عنصراً قوياً للعب الأدوار. 2- ميل إلى التعبير القصصي يقوم على تاريخ تلك الجماعة وخرافاتها وأساطيرها وفولكلورها. 3- شعور قوي بالتضامن الاجتماعي من شأنه ـ مع ظهور شكل غير ناضج من أشكال الدراما من تفاعل الشرطين السابقين ـ أن ينشئ الشكل الفني الناتج لا كتعبير عن روح الجماعة فحسب، وإنما ـ ولعل ذلك هو الأهم ـ كوسيلة لمزيد من الدعم لما يتضمنه من معنى التماسك والتماثل. 4- نظام من «الرموز» ينقل أنجح الإبداعات الدرامية إلى جماهير أعرض، بل يصونها ويحفظها في ذاكرة موثوق منها للأجيال القادمة. 5- التحرر أو الوقاية من التجارب التاريخية المؤلفة مثل السيطرة القاسية على أيد أجنبية في النواحي الدينية والسياسية والاقتصادية. ومن الواضح، أن هذا الرأي لا يفاضل بين مسرح أفريقي ومسرح أوروبي، بل ينظر إلى المسرح باعتباره تعبيراً عنحياة الجماعة ووجدانها اليقظ، فالمسرح له أكثر من شكل، وليست الأشكال إلا طرقاً أسلوبية تستخدم لأحداث تأثير أكبر في نقل «رسالة» المشخص، وتساعد على خضوع المتلقي للشعيرة المسرحية. -3- ويعزز هذا الرأي ما ورد في مقالة سليم الجزائري «المسرح الأسود التشيكوسلوفاكي»(3) إذ تعود جذور هذا المسرح إلى أصول صينية، حيث قدم الفنان الفرنسي الطليعي جورج الفاقي عرضاً فنياً لمسرح الدمى في مطلع الخمسينات على أساس مبدأ الكابينة السوداء، وقد اتسم هذا العرض برموز تعبيرية سهلة واختصارات مبتكرة، أشاعت جواً شاعرياً خاصاً ونوعاً من الرهافة المتميزة. والمهم في هذه المقالة هو المبدأ التكتيكي الذي ينهض عليه المسرح الأسود. الذي يعتمد على عناصر محددة كالظلمة والملابس والنقطة والخط والكتلة والممثل والإنارة وغير ذلك، والمدقق لهذه العناصر يلاحظ مدى الاستغراق في التفاصيل التي تبدو مترفة أو غير ذات بال بالنسبة للمسرحيين في العالم الثالث. لنقرأ على سبيل المثال فقرة «القبلة»، وهي إحدى فقرات عرض «المهرج»: «أقر بأن القبلة طيبة وعذبة بل وحتى لذيذة، لكنها غير صحية، وباستثناء انتقال الفايروسات والبكتريا عند التقاء تجويفي الفمين، حيث يمكن أن تنشأ بكتريا هجينة. فإن وتائر الدورة الدموية ـ وهذا هو الأهم ـ ترتفع عند الشروع بالقبلة، وعلى الرجل الذي بلغ مرحلة السن الخطرة، بعمر يتراوح بين الخمسين والخامسة والخمسين سنة أن يتجنب القبلات كلية، فإن لم يستطع فليختصرها ولتكن صباحاً بدل المساء، ويفضل أن تتم جلوساً أو في حالة اضطجاع وبمعدة فارغة، والقبلة الملتهبة بعد وجبة دسمة ما هي إلا شروع في القتل، لأنها وباستثناء إعاقة سريان الدم خلال دورته، تعمل على زيادة نسبة الكوليسترول في الدم.» وليس من باب المجازفة أبداً لمن بلغ السن الخطرة من الرجال أن يمارسوا التقبيل وهو ماش أو مهرول على أن تكون الهرولة خفيفة جداً». -4- ويضيف الناقد جلال العشري(4) إيضاحاً حول المسألة من خلال رؤيا أعمق للمسرح الأفريقي، حيث يوسع مصطلح «الزنوجة» إلى دلالة حضارية وجغرافية هي معنى آخر لكيفية العلاقة بين الإنسان والطبيعة وما يستتبع ذلك من نظرة مختلفة للتشخيص أو التعبير وعلى الوجه الآخر للفرجة أو المشاهدة. يعطي للمسرح العربي وللثقافة العربية في هذا المجال، مصطلح «العروبة» دلالة لخاصية عربية في المسرح، ومدخلاً لهوية عربية في المسرح. ثم يفسر مصطلح «الزنوجة» نقدياً، فيرى أ، الغرض في المسرح الأفريقي هو تحقيق قيمته الاجتماعية، والتأثير في جمهور يتكون من «المشاركين» أكثر ما يتكون من المتفرجين. أي أن «دراما المشاركة» وليست ـ دراما الفرجة ـ، مسرح التلاقي وليس مسرح «التلقي» هو أهم ما يميز المسرح الزنجي الأفريقي، وهو من هذا المنطلق يعكس الحاجة إلى التقارب والاتصال بين الطبقات الاجتماعية، كما يمثل صورة علمية نابضة لرغبة المجتمع في أن يثبت وجوده، أو أن يقوم بعمل حاسم يدعم به هذا الوجود. -5- ليس المسرح خاصية أوروبية، والصحيح أيضاً أن للمسرح العربي خاصيته، وفي هذه الخاصية تكون هويته، ولا يمكن أن تكون حقاً إلا قيد العمل، وفي إطار تنمية شاملة للثقافة العربية. [جريدة «البعث» (دمشق) 8/11/1979] الهوامش والإحالات: (1) راجع عرضاً واسعاً لكتاب إدوار سعيد في «عالم الفكر»، الكويت، المجلد 10، العدد 2، تموز، آب، أيلول 1979م، ص255-276. (2) شلش، علي: «الدراما الإفريقية»، سلسلة «كتابك» رقم 100، دار المعارف، القاهرة، وخصوصاً ص12-14-48-56. (3) الجزائري، سليم: «المسرح الأسود التشيكوسلوفاكي» في مجلة «الأقلام»، بغداد، عدد خاص، المسرح العالمي، العدد 1، 1979م، ص27-21. (4) العشري، جلال: «مسرح أو لا مسرح»، مطبوعات الجديد، القاهرة، العدد 39، تموز 1975م، ص48-55. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |