المسرح العربي المعاصر قضايا ورؤى وتجارب ـــ د.عبدالله أبو هيف

دراسة - منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:00 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

9 - ملاحظات حول تطوير المسرح

-1-‏

منذ أن عقد «مؤتمر المسرح العربي» بدمشق فيما بين 15 و22 أيار 1973م، وأسئلة المسرح العربي هي الأسئلة التي تبحث عن أجوبتها في واقع تتنازعه مشكلات الطابع القومي للحركة المسرحية والانتشار الجماهيري لها في الوقت نفسه. ماتزال الأسئلة تنطق بصوت مرتفع وسط معترك العمل العربي المشترك ثم لا تجد أجوبتها الناجزة على أرضا لواقع، وهذا ما تدل عليه وثائق الدورة الثانية للجنة الدائمة للمسرح العربي ـ دمشق 3-5 كانون الأول 1979م(1).‏

كان جدول الأعمال الدائم: الأوضاع الراهنة للمسرح العربي، التصور المستقبلي لتطوير المسرح العربي، التأصيل لبحث العلاقة بين الوضع المسرحي الراهن والأشكال التراثية والتجارب الحديثة، علاقة المسرح بالدولة والمجتمع وبقية المؤسسات الأخرى، تبادل الخبرات العربية ودعم المسرح العربي الفلسطيني. وفي زحمة جدول الأعمال الدائم، ترتفع أيضاً جلبة النوايا الطيبة واستعجال التغيير ثم يضاف أحياناً إلى جدول الأعمال موضوع جديد مثل اتحاد المسرحيين العرب الذي مايزال مشروعاً يرجى منه الخير لحركة المسرح العربي. وفي المناقشات جميعها يؤكد المسرحيون العرب التوصيات نفسها وبالحماسة نفسها: دعم الجهود المبذولة لتأصيل المسرح العربي.‏

-2-‏

لعل في العودة إلى بعض توصيات «مؤتمر المسرح العربي»(2) فائدة حين نذكر على ضوء توصيات الدورة الثانية للجنة الدائمة للمسرح العربي. لقد حرص المسرحيون العرب على الاهتمام بالمسرح السياسي ودعمه ليستطيع أن يؤدي دوره الإيجابي في توعية الجماهير وتثويرها لتمارس دورها كاملاً في الدفاع عن وجودها وتراثها وخيرات وطنها أولاً، وضرورة حماية العاملين في المسرح السياسي وتشجيعهم ليتابعوا أداء رسالتهم الهامة ثانياً، وضرورة حماية المسرح السياسي من الأعمال التهويشية والخطابية المباشرة وذات القدرة على امتصاص الغضب الجماهيري بدل تحويل هذا الغضب العفوي إلى غضب واع قادر على التغيير.‏

حرص المسرحيون العرب من جهة أخرى على شخصية المسرح العربي وتنظيم تفاعله مع المؤثرات الأجنبية، ورأوا أن تأثر المسرح العربي بالتراث المسرحي العالمي ينبغي أن تحكمه ضوابط معينة بحيث لا يتعارض مع مبدأ تأصيل المسرح العربي، وبحيث لا ينعزل المسرح العربي عن التيارات المسرحية العالمية، لأن الاتصال بهذه التيارات والتجارب أمر ضروري لإلقاء الضوء على طريق التجربة العربية، شريطة أن يكون هذا الاتصال قائماً على تمثل واع وتقويم موضوعي لهذه التجارب، لا مجرد انبهار بالأشكال الجديدة ونقل لها، ورأوا أن تحقيق تأصيل المسرح العربي من شأنه أن يوفر الأسباب اللازمة لانتشاره عالمياً.‏

يحرص المسرحيون العرب بعد أكثر من ست سنوات على العناية بجمع التراث المسرحي وتصويره حفظاً له من الضياع وإعداد الخطط لنشر الصالح منه، والعناية بنشر الدراسات المؤلفة والمترجمة التي تتناول المسرح من مختلف جوانبه، وبنشر النصوص المسرحية التي تقدم على المسارح العربية تيسيراً لتبادل النصوص وتعميمها والإفادة منها، وبإنشاء حولية للمسرح العربي ومراكز للتوثيق المسرحي، وبتقديم كل عون ممكن للتعجيل في وضع تاريخ كامل موثق للمسرح العربي، وفي وضع معجم المصطلحات المسرحية.‏

ومن عاين تجربة مهرجان دمشق للفنون المسرحية يدرك جسامة المسؤولية قياساً للنوايا الطيبة في دراسة واقع المسرح العربي وآفاق تطويره، فقد شاعت على سبيل المثال نغمة المسرح السياسي في العروض والتأليف والإبداع، ثم انتهى عقد السبعينات، وقد صارت نغمة المسرح السياسي إلى خمود، بينما كرس حشد من المسرحيين العرب نقداً شديداً وواسعاً لمصطلح المسرح السياسي لصالح أسباب تأصيل المسرح العربي.‏

ومن عاين تجربة مهرجان دمشق للفنون المسرحية يدرك جسامة المسؤولية قياساً إلى معاناة التبادل العربي في ميادين الثقافة عموماً و مجالات النشاط المسرحي خصوصاً. وتبقى أسئلة المسرح العربي هي الأسئلة تبحث عن أجوبتها في معترك العمل المشترك. بينما تدل تجربة القطر العربي السوري على الدرب: أن تكون حركة المسرح نحو هويته العربية ونحو جمهوره في الوقت نفسه. وفي هذا تأصيل مرتجى.‏

-3-‏

لقد كان شعار المسرح القومي وروافده، ومايزال، هو التوجه «إلى الجماهير الواسعة المعطاءة ليعكس صوراً صادقة فعالة عن الواقع الذي تعيشه».‏

وتضيف وزارة الثقافة والإرشاد القومي في أدلتها للعروض والتظاهرات المسرحية:‏

«وعلى رجال المسرح أن يجهدوا أنفسهم كثيراً لمعرفة ما تحتاجه هذه الجماهير، ويدركوا الوظيفة الاجتماعية والسياسية للمسرح وارتباطها بالعصر الذي نعيشه وبقضايانا القومية والاشتراكية، على أن يوفروا للناس في المسرح المتعة والتسلية، والعمل على تعميق الارتباط بين المسرح وواقع الجماهير وفهم العلاقة العضوية بينهما وتلك مسؤولية الجميع من فنانين وجمهور».‏

كانت سياسات المسرح في التخطيط والتنفيذ انطلاقاً من وعي المسرح، في تاريخه ووظيفته، ونحن إذ نؤكد في هذه المقالة على أهمية هذا الوعي في النهوض المسرحي، نذكر بعض الملاحظات من أجل تدابير أنجع ولتصحيح مسار ما غلظ من إجراءات:‏

1- معالجة الخلل الذي يصيب عمل المسرح القومي في غياب التخطيط الذي هو في جوهره إنماء قومي ووطني، مما يستتبع قلة الاستفادة من الإمكانات المتوفرة ضمن شروط الواقع القاسية.‏

2- معالجة النقص في الروافد العلمية التي تثري الحركة المسرحية بالفكر والفن، وهذا يعني، فيما يعنيه، إعادة النظر في عمل المعهد العالي للفنون المسرحية من حيث البناء والمناهج والأطر التعليمية المؤهلة وإحداث اختصاصات جديدة تلبي احتياجات الحركة الفنية المتنامية.‏

3- إحداث قنوات جديدة تضطلع بأدوار أخرى تضاف إلى مهمة المسرح القومي كتقديم عروض مسرح الجيب أو المسرح الكوميدي أو المسرح العالمي أو مسرح الأطفال ـ مسرح الكبار للصغار ـ، أما ما يسمى بالمسرح التجريبي فلا نعتقد أنه يؤدي دوراً على أي صعيد، ولعل الوقت قد حان للاعتراف بخطيئة الاستمرار في دعم مسرح لا برنامج له ولا نشاط.‏

4- دعم المسرح الجوال ضمن خطة تحافظ على تميزه في مراعاة اعتباراته التعليمية والفنية كي يحافظ بدوره على تقديره واستمرار فاعليته، والأهم من ذلك كي يحافظ على انتشاره وتأثيره الشعبي الكبير.‏

5- دعم التجمعات والتظاهرات المسرحية كمسرح الهواة والمسرح العمالي والمسرح الجامعي والمسرح العسكري ومسارح الشعب في المحافظات، لأنها المناخ الذي يوفر للحركة المسرحية جانباً من التأصيل وأعني به الانتشار الجماهيري.‏

6- دعم الثقافة المسرحية من خلال الإجراءات الفعالة لإدخال مادة المسرح إلى برامج التعليم ووسائل الاتصال الجماهيرية وعبر الدوريات المتخصصة. ولا بأس هنا من الإشارة إلى أهمية حوار مجلة «الحياة المسرحية» مع واقع الحركة المسرحية في سورية، وإلا تكون منبراً عريضاً لاستعراض التجارب المسرحية على سبيل الترجمة أو حشو الصفحات الكبيرة.‏

لقد قيل الكثير في التصور المستقبلي لتطوير المسرح العربي ضماناً للتأصيل الذي ينهض على أزهى ما في التراث العربي، ويستفيد من أفضل عطاءات تراث الإنسانية، ولكن هذا الكثير مما قيل في البحوث وأوراق العمل المقدمة لدورة اللجنة الدائمة للمسرح العربي، ومما قيل في المناقشات لا يخرج عن توصيات «مؤتمر المسرح العربي»، بل يؤكد مسعى القطر العربي السوري في تأصيل الحركة المسرحية منذ تأسيسها في الستينيات: البحث عن هوية للمسرح العربي والانتشار إلى أوسع قواعد الجماهير.‏

[جريدة «البعث» (دمشق) 21/1/1980]‏

الهوامش والإحالات:‏

(1) وثائق اللجنة الدائمة للمسرح العربي، الدورة الثانية، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بالتعاون مع مديرية المسارح والموسيقى في القطر العربي السوري، وفي هذه الوثائق مشروعات المنظمة في المسرح لدورة 80-1981م.‏

(2) «النوايا الطيبة في مؤتمر المسرح العربي» في مجلة «جيل الثورة»، دمشق، العدد 76-16، حزيران 1973م، ص28-29.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244