المسرح العربي المعاصر قضايا ورؤى وتجارب ـــ د.عبدالله أبو هيف

دراسة - منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:00 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

11 - «هل الدراما فن جميل؟» ملاحظات حول طبيعة المسرح ومصطلحه

-1-‏

يهتم الدكتور إبراهيم حمادة بالمصطلح المسرحي، فقد توج جهوده في الثقافة المسرحية بإصدار «معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية»، ولم يقتصر شأن معاجم المصطلحات في فروع المعرفة الإنسانية على إيراد المصطلح الإنجليزي أو الفرنسي إلى جانب قرينه في اللغة العربية، بل هدف إلى إيراد الكلمة العربية المزكاة للاصطلاح ومقابلها في الإنجليزية، ثم اتبعهما بتعريف مركز جداً يحدد ـ ما أمكنه ـ الملامح الشخصية المميزة للمصطلح.‏

ولعل ما يميز معجم الأستاذ إبراهيم حمادة أيضاً هو استمداده من خلاصة خبرة شخصية واحتكاك مباشر بفنون المسرح ومراجعها الأصيلة كما يشير في مقدمته. والحق، أن الدكتور حمادة قد توفر على البحث الدرامي وأزجى أوقاتاً متصلة لإنتاج فكري تبدو مكتبة المسرح العربي في أمس الحاجة إليه ولا شك أن تأصيل المصطلح في أساس النهوض الثقافي. ومن يتابع كتاباته، وهو أستاذ في أكاديمية الفنون ـ المعهد العالي للفنون المسرحية بالقاهرة يلاحظ اهتمامه البالغ بلغة المسرح وإقامة حدودها بين النظر والتطبيق ومن هنا، يكتسب كتابه الأخير «هل الدراما فن جميل؟».‏

أهمية خاصة، لأنه يعيد طرح بعض الأسئلة التي تؤرق المسرحيين وعشاق المسرح، ثم لا يغفل عن شروط الممارسة الراهنة، وهي شروط مطبوعة بطوابع من معادلة غير ناجزة: التخلف والتقدم. إنه شأن الثقافة العربية الجديدة اليوم في سعيها لأن تكون.‏

-2-‏

يقسم الأستاذ حمادة كتابه إلى قسمين، الأول فقرات نظرية والثاني فقرات تطبيقية. ينطلق المؤلف في المقالات جميعها، انسجاماً مع طبيعة تأليفه كونه متابعات ومراجعات في شؤون الحياة المسرحية، من الآثار المتعمدة أو الطارئة لموضوعات هي في صلب نظرية المسرح سواء فيما يتعلق بمصادره أو بطبيعته وبخاصة لغته مما يشكل بعد ذلك إسهاماً في إضاءة بعض إشكالات الممارسة المسرحية، ويتضح من عناوين مقالاته طبيعة مشاركة المؤلف التي تمليها الخبرة حيناً أو الاستطلاع حيناً أخرى، ويغلب على هذه المشاركة أسلوب الإحاطة الموجزة لتناسب القارئالعادي إخلاصاً لأهداف إشاعة الثقافة المسرحية.‏

تضع المقالات لنفسها من جهة أخرى حدود الفكرة الخاطفة لا مداخلة المعضلة أو مشاكلتها تمحيصاً أو تفصيلاً إلا أن حرية المنهج الموضوعي في النقد أتاحت للمؤلف دقة في العرض واستخلاص النتائج بصورة مرضية تقرب موضوعات الكتابة من أوسع جماهير القراء، ولا تبعدها عن القارئ المتخصص، فهي أفكار حول قضية المسرح من منظور الامتلاء بحاجات فن جماهيري مايزال عصياً على النمو والاستقلال.‏

-3-‏

تلح على المؤلف فكرة المسرح من حيث هي شيء صالح للتمثيل أو التجسيد على الخشبة، لذا كان سؤاله أساساً: هل الدراما فن جميل وليس المسرحية، للتفريق بين النص الحي المجسد فوق خشبة المسرح وكون هذا النص مجرد كلام صامت مسطور على صفحات. وإذا جاوزنا كلمة «دراما». فإن إجابة المؤلف مرتبطة بهذا التفريق، فالمسرح أو الدراما فن جميل يضاف إلى الفنون الجميلة الأخرى، لأن الدراما أشبه بتركيبة كيماوية لها قوانينها ومواصفاتها الخاصة، وهذه التركيبة تستمد عناصرها الأولية من بعض الفنون الأخرى كالشعر والرقص والموسيقى والتصوير والنحت، إلا أن تلك الفنون لا تعيش في داخلها كوحدات متكاملة مستقلة، وإنما تتذاوب كجزئيات بعد أن تتخلى عن خصائصها الفردية البحتة في سبيل إيجاد فن جديد له معالمه الخاصة، وهو الدراما «ذلك الفن السابع الذي يشترك مع غيره من الفنون الأخرى في إبراز تصور ما، أو استثارة عاطفة أو تأكيد تجربة».‏

وحين يناقش أسس الخلق الدرامي عند أرسطو يرى الدراما شيئاً مصنوعاً، فهي نتاج معمول قام بصناعته صانع. وقد افترض أرسطو وجود أربعة مسببات أو علل تتضافر في تكوين أي نتاج مصنوع على النحو الذي بيناه وهي:‏

1- علة مادية.‏

2- علة شكلية أو صورية.‏

3- علة فاعلة أو محركة.‏

4- غلة غائية.‏

ويشعر الكاتب المتمكن من سيطرته على أدوات تأليف، أثناء عملية الخلق بإحساسيين شبه متناقضين هما: اللذة الناشئة من مراحل الإبداع والخوف من أن مسؤولية ما ينتجه تقع على عاتقه وحده ومع أنه يشعر بتلك اللذة الجمالية أثناء ممارسته لمراحل الخلق الفني، إلا أن هذا العور أو التمرس ليس غاية في حد ذاته، وإنما الغاية هي إنتاج «نص درامي» لخشبة المسرح. وعلى هذا، كان على الكاتب أن يشغل فكره بالأسس والضوابط التي تمكنه من صناعة النص المسرحي وهي ما تسمى بعناصر التأليف وحرفيته.‏

يلاحظ المؤلف في «المدخل إلى تاريخ المسرح العربي» أن «التراث الأدبي والفكري والفني في الوطن العربي ما زال يفتقر إلى اهتمام البحث الأكاديمي ومداخله الحديثة. ويتضاعف الاهتمام في حال المسرح باعتباره فناً وافداً برمته» كما يرى، وهذا الفن مرهون بأسباب ممارسته منذ بداية النهوض القومي حيث اتخذ صورة الترجمة أو اقتباس إلى التقليد، ثم يضيف:‏

«حتى ليمكن القول بأن الدراما العربية نشأت وترعرعت حول سيقان الدراما الأوروبية ولكن في تراب اللغة العربية».‏

يؤكد لدى مناقشته لرؤية الكاتب المسرحي أن الخبرة المسرحية هي الخشبة بالدرجة الأولى، وقبل أن يستغرق الكاتب المسرحي في عملية إبداع عمل درامي لابد أن يكون قد اكتشف معالم موضوعه، وتوصل إلى خطوات تجسيده، ثم تأكد من أن تلك المعالم والخطوات تتغذى من أشعة رؤيته الخاصة.‏

يلاحظ المؤلف في الإجابة على سؤال: لماذا يبدأ تاريخ الدراما الحديثة بابسن؟ أن ابسن كان يدرك أنه فنان مسرحي إلا أن المسرحية بالنسبة إليه كانت تعني في المحل الأول وسيلة لدراسة الناس وعلاقاتهم، بينما تأتي أهمية الشكل في المركز التالي، «أن الدراما، في نظره، هي عرض فني للحياة الواقعية التي يمكن تفتيتها إلى أجزاء منفصلة من الأفكار والأعمال والعواطف والصفات ولكنها خليط متكامل من كل تلك العناصر».‏

وهذه المناقشات تقود المؤلف إلى المغالاة في إطلاق بعض الأحكام دون تمحيص كاف كما هو الحال في نقد علاقة النقد بالمسرح أو في علاقة المخرج بالمؤلف أو في عجز معظم نصوص المسرح العربي عن استثارة عوالمنا الداخلية، وهناك بعض الملاحظات حول دقة المصطلح، ونكتفي في هذه المراجعة بما جاء في مناقشته لمصطلح المسرح السياسي كما يظهر في كتاب الدكتور عبد العزيز حمودة «المسرح السياسي» أن الأستاذ حمادة يوافق ضمناً على المصطلح، ويغرق مع الدكتور حمودة بين طبيعة المسرح السياسي وما يسميه بالمسرح ذي الإسقاطات السياسية، وذلك لأن الكثيرين من المشتغلين بالفنون الدرامية في مصر لا يميزون بين خصائص كل من المسرحيين، فالمسرح السياسي يسعى إلى التبشير بأيديولوجيا معينة، وبطريقة مباشرة وواضحة، ولكي يهز وجدان الناس يناقش القضايا العامة كما ترد في شكل الوقائع الإخبارية والوثائقية كما هو الحال في مسرحية بيتر فايس المعروفة «أنشودة غول لويزيتانيا».‏

بينما جرى الاصطلاح على أن مثل هذا المسرح تسجيلي أو وثائقي. ومن اللافت للنظر، أن الدكتور حمادة لا يعترف بمصطلح «المسرح السياسي» في معجمه، ويكتفي بتعريف للمسرحية الدعاوية ومسرحية الدعوة مما تكون لصالح فكرة سياسية أو من دراما الأفكار عموماً. وهذه الملاحظات لا تقلل من أهمية هذه المقالات في الدفاع عن طبيعة المسرح من جهة وفي تدقيق مصطلحه من جهة أخرى.‏

[جريدة «البعث» (دمشق) 21/6/1979]‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244