المسرح العربي المعاصر قضايا ورؤى وتجارب ـــ د.عبدالله أبو هيف

دراسة - منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:00 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

12 - «الملهاة السّوداء» واختلاط المفاهيم المسرحية

-1-‏

يبدو الحديث ملماً عن اختلاط المفاهيم المسرحية لشيوع هذه الظاهرة، والحديث ذو شجون، فهناك خلاف في المصطلح وخلاف في تاريخه خلاف في تمثله، والخلاف له تأثيره على الثقافة المسرحية التي تعاني ما تعانيه على الرغم من مظاهر العافية الملحوظة في توافر المطبوعات وتعدد الدوريات والمنابر مما يجعل الثقافة المسرحية في عون دائم إلى رعاية عناصرها الدؤوبة، وفي مقدمتها العنصر البشري في سعيه لتأصيل الظاهرة المسرحية في نبت منقطع عن جذوره، متعطش لأول شروط النمو: تضافر الجهد وتمكن الإرادة إلى ما يضمن تحقيق الهدف.‏

ولقد بدأت منذ زمن تجربة المسارح الوطنية والقومية في الوطن العربي وأعطت بعض ثمارها المرجوة، ولكنها ما لبثت أن تقهقرت في ظل غياب التخطيط الثقافي باعتبار المسرح أحد أبرز أساليب التأثير في الجماهير، وباعتباره جهازاً ثقافياً للإرشاد القومي، وهذه نقطة تحتاج لمناقشة. المهم، أن الحديث عن اختلاط المفاهيم المسرحية يؤكد سيادة الجهد الضائع في تحديد مفاهيم لا شك في تأثيرها على وضع الحركة المسرحية لارتباطها الوثيق بتطوير الممارسة. إن المتتبع لأدبيات الحركة المسرحية سيلاحظ أنماطاً متعددة من سيطرة التعبير السياسي المباشر على مكنونات العمل المسرحي، وكأنه فعل سياسي فحسب، حتى تحولت أحاديث المسرحيين وتصريحاتهم إلى تعليقات أو تعقيبات سياسية تصبح معها مشكلات الظاهرة المسرحية ترجيعاً آنياً لا يستدعي المعالجة على أساس من الفكر والفن، بل يردف القول على القول، ويكتفي بسلامة المنطق. وهكذا يعفي المسرحيون أنفسهم من الممارسة مجانبين حلول الحركة المسرحية إلى مباشرة شرطها الوظيفي: مهمة المسرح. وفي الإخلال بمعادلة الفن المسرحي ومهمته نفي لمهام أخرى تبدو الأساس في تلقي الظاهرة المسرحية تثقيفياً وتربوياً وفنياً لصالح التعبير السياسي وحده. بينما يستعصي على المنتج أو المتلقي التفاعل مع المسرح دون معاينة مفاهيمه في ضوء ممارستها، لأن النفاذ إلى جوهرها لا يتأتى في حال مناقشتها بعيداً عن بنيانها الداخلي وحال واقعها. أن مفاهيم كثيرة قد جرى استخدامها في مواضع متعددة لدلالات مختلفة في أدبيات الحركة المسرحية، وكرست لها أحياناً مقالات وندوات دون أن تسهم في تحديد مصطلحات وتثميرها بالتالي لتطوير الفعل المسرحي، استسلاماً للغة التعميم واندفاعته في التحوير السياسي مما يؤثر تأثيراً سلبياً على طبيعة المسرح.‏

-2-‏

إن الساحة المسرحية قد خلت إلا من الجهود غير الناجزة لدعم الظاهرة المسرحية من جهة، ومن جهود تبحث عن معنى الظاهرة المسرحية في دلالتها السياسية المباشرة من جهة أخرى، وهذه الجهود الفردية أو الضعيفة تغدو معها الظاهرة المسرحية أسيرة الانقطاع والإخفاق، مما يقلل من أهمية المفهوم المسرحي خصوصاً والوعي المسرحي لتجربة فنية ثقافية عموماً. و قد كنا نأمل أن يلقى صدور مطبوعات هامة مكانته في إطار الجهود المثمرة لإغناء الحركة المسرحية مثل: «حول التقاليد المسرحية» و«التكامل الفني في العرض المسرحي» و«سوسولوجية المسرح» و«الملهاة السوداء ـ تطور المأساة الملهاوية الحديثة»، وهي جميعها لأساتذة وفنانين مشهود بجدارتهم، ظهرت ضمن منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي خلال عامي1975-1976. ولكن هذه الكتب الهامة أهملت إهمالاً تاماً على إلحاح الموضوعات التي تناقشها. وسأخص بالذكر هنا الكتاب الأخير الذي ألفه ج. ل. ستيان وترجمه منير صلاحي الأصبحي مثالاً.‏

-3-‏

ظهر كتاب «الملهاة السوداء»، في منتصف عام 1976م، (522 ص ـ قطع كبير)، وكانت ظهرت طبعته الإنجليزية الثانية ضمن منشورات جامعة كامبردج عام 1968م.‏

يقسم ستيان كتابه إلى خمسة فصول يتتبع فيها هذا الشكل المسرحي منذ يوربيدس اليوناني مروراً بمسرحيات الأسرار في العصور الوسطى ومارلو وشكسبير وموليير إلى طلائع الطبيعيين ورواد المسرح الحديث. ويحفل الكتاب بتحليل لفصول من مسرحيات لها دورها في توضيح هذا الشكل المسرحي مثل: «بستان الكرز» لتشيكوف و«هنري الرابع» لبيراندللو، و«الأم شجاعة» لبريخت، و«أرديل» و«كولومب» لجان آنوي، و«في انتظار غودو» لبيكيت. ثم ينتهي إلى الفصل الأخير فيدرس خصائص الملهاة السوداء بعيداً عن مجرد الضحك والدموع أو المعنى المأساوي أو مظاهر الحالات الأشد في وراثة المعنى المأساوي كالطباق والهستيريا. ويلاحظ ستيان أن أبرز هذه الخصائص هي إشراك المشاهدين والسخرية الضابطة والبطل المثير للضحك والرثاء والنغمة السوداء وغلبة النزعة الوعظية واليأس. يقول المؤلف:‏

«إن مسرحية المسرح الحديث هي مسرحية صادقة ووعظية، لأنها مسرحية خيبة أمل وأحياناً مسرحية يأس. وكتابنا ـ مثل الكتاب الإليزابيتين ـ يعبرون جميعاً عن افتتان بالرعب، ومزيج الضحك والدموع الذي قامت هذه المقالة ببحثه هو بوضوح نوع اللفتة التي تتضمن النقائض والموجهة إلى ما يثير الاشمئزاز العميق. ومع ذلك، فإن خليط الأسى والارتباط والشفة والهزؤ، وأن كان مبهراً وقلما يكون مملاً، هو في النهاية خليط كئيب وإحباطي. وهو يبين تبدد الوهم، وقلما يحرض على القيام بعمل ما. لذا فمن الممكن له بسهولة معقولة أن يصبح مريحاً ومنهمكاً بالشعور بالرثاء لنفسه ومريضاً» (ص514-515).‏

إنه كتاب جديد بالإضافة إلى اتساعه وشموله في تقصي مفهوم الملهاة السوداء في تاريخ المسرح. ولعل في إحاطة المؤلف بعناصر العمل المسرحي وخصوصاً الكاتب المسرحي والجمهور ما يضيف أهمية إلى بحث شكل مسرحي يناسب التقاليد الثقافية حولنا، وفي البلاغة العربية مقاييس تدل دلالة بالغة على تمكن العقل العربي من احتواء النقائض لارتباطها بحاجات جمهورها كالجناس والطباق وافتراق القاموس اللفظي عن القاموس المجازي.‏

يقول المؤلف:‏

«لقد تحققت في عصرنا إلى حد كبير نبوءة عابرة صدرت عن هازلت في عام 1817م أن «تطور التصرفات والمعرفة له تأثير على المسرح، وقد يدمر الزمن المأساة والملهاة معاً». وتعادل صعوبة تقدير أسباب هذا صعوبة قياس «التصرفات والمعرفة»، ومزاج القرن العشرين مزاج متقلب بشكل خاص. ولكن ليس هناك شكل فني ذو علاقة مباشرة بأفكار ومشاعر جمهوره، ويحبس نبض هذا الجمهور، مثل المسرحية، وبشكل خاص تعكس الملهاة السوداء ـ مسرحية العقل المنقسم، بدوافعها المتشائمة ظاهرياً ـ مزاج العصر» (ص503).‏

-4-‏

دعاني إلى الحديث عن هذا الكتاب كونه تعبيراً ساطعاً عن اختلاط المفهوم المسرحي على الرغم من توافر الجهد الثقافي لإغناء الحركة المسرحية خطوات إلى الأمام، وكونه شاهداً أيضاً على مأزق ثقافة المسرح العربي داخل جدران أقطاره، أو داخل جدران الإهمال، وهي كلها حالات سواء في تشخيص مأزق المسرح العربي. فقد كتب نعمان عاشور، الكاتب المسرحي المعروف مقالة بعنوان «الكوميديا الداكنة ـ دراما العصر الحديث» في مجلة «الدوحة» القطرية (العدد 23 ـ السنة الثانية ـ نوفمبر 1977م) أي بعد أكثر من سنة من صدور ترجمته العربية بدمشق. يقول نعمان عاشور:‏

«ولقد صدر أخيراً كتاب جديد بعنوان «الكوميديا الداكنة» يشرح ويفسر تطور التراجيكوميديا في تكوين المسرح الحديث. وصاحب الكتاب.. ناقد أكاديمي هو «جيمس ستين» أستاذ الدراما في جامعة كامبردج.. جمع فيه بين دراساته النظرية وتجاربه الواقعية كمشاهد عرك المسرح المعاصر.. وهو يهدي كتابه إلى رواد المسرح لعله يفسر به الظاهرة التي غلبت على ما يشاهدونه ليلة بعد أخرى من عروض مسرحية مختلفة، طابعها المميز.. المزج بين العنصرين الرئيسيين للدراما.. عنصر التراجيديا.. وعنصر الكوميديا» (ص28).‏

وهذا يعني أن نعمان عاشور لا يدري شيئاً عن ترجمة الكتاب العربية، وجدير بالذكر أن تعرضه للكتاب كان بمثابة شهادة عن قضية «من قضايا المسرح» حسب العنوان دليلاً على أهمية الكتاب فمن «الظواهر البارزة في المسرح المعاصر أنه أصبح يحتضن الكثير من الاتجاهات الفنية المتعارضة».‏

ويلفت للنظر، أن محرر الصفحة الأخيرة في صحيفة محلية قد نقل تلخيصاً لعرض نعمان عاشور لكتاب «الملهاة السوداء» من مجلة «الدوحة» في الشهر نفسه، وكأنه أيضاً لا يدري شيئاً عن ترجمة وزارة الثقافة والإرشاد القومي بدمشق لهذا الكتاب قبل أكثر من عام من كتابة نعمان عاشور عنه.‏

[جريدة «البعث» (دمشق) 16/9/1978]‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244