المسرح العربي المعاصر قضايا ورؤى وتجارب ـــ د.عبدالله أبو هيف

دراسة - منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:00 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

14 - أسئلة المسرح الغنائي

1ـ المسرح الغنائي وفكرة المسرح:‏

عُرف المسرح أول مرة عند المصريين القدماء والهنود واليونانيين طقساً حركياً موقعاً بالترخيص والتنغيم، فالمسرح طقس وشعيرة لمحاكاة الطبيعة بفعل فني لا يقال بالكلمات وحدها، بل بالقليل من الكلمات في فضاء ترميزي للفعل الإنساني، ولا ننسى في هذا المقام أن «الدراما» معناه «الفعل» باليونانية. ويستعان بالرقص والغناء، فحفل المسرح بالترانيم والأناشيد والأغاني تشوفاً للإلهة أو أنصاف الآلهة، ثم صار الترقيص والتنغيم للأبطال والأنبياء والبشر. ولو اطلعنا على بعض نصوص المسرح المصري القديم مثل «انتصار حور على أفراس النهر»، والمؤلفة من 990 كلمة هي شعر يغنى في طقس، «تؤنسن» فيه الكائنات جميعاً، كأن تظهر إحدى الآلهات وتقدم لحور حربة سحرية أرسلها له أونوريس الآله المحارب:‏

«الحرية: أنا: نعم أنا سيدة الحراب.‏

أنا اليافعة. وسيدة الحراب المدوية‏

التي تنطلق على الشطآن،‏

والتي تلمع في أثر الفريسة،‏

وتخترق جلدها وتحطم أضلاعها‏

وتنفذ أسنانها في جسدها.‏

لا تنسني ليلة الفيضان‏

ساعة الجدبة» (المسرح المصري القديم ص157).‏

وما يزال المسرح الهندي الذي يعدّ أعرق المسارح في العالم متميزاً بأمر جوهري هو العلاقة الوثيقة للمسرح بالرقص والغناء. وثمة إلى اليوم ممثلون متجولون يعرضون على الناس قصصاً دينية مستقاة من «الرامايانا» و«المهابهارتا» ملحمتي الهند الكبريين، ويترنمون بأهازيج تروي حبّ رادا وكريشنا في الأعياد والاحتفالات، وفي مهرجانات المعابد. (المسرح في الشرق ـ ص38).‏

2ـ الظواهر المسرحية العربية مغناة غالباً:‏

طلعت الظواهر المسرحية العربية من قلب المأثور الشعبي، الاجتماعي والثقافي حيث أنماط الحياة، وأنماط التعبير عنها. وقد تبدت الظواهر المسرحية جلية في مفهوم «تمثيل الحياة»، توكيداً على مقاربة الفعل على خشبة المسرح للفعل في معمعان الحياة. وروى محمد يوسف نجم في بحثه «صورة التمثيل في الحضارة العربية» عن دلالة العروض المشبعة بالغناء مثل الميوماس والكرج والسماجات وسواها، وهي التي آلت إلى التطور اللاحق في صنعة المكدين والقصاص والطرفاء والهزليين. (التأسيس ص11).‏

وما يسمى بالشعار من هؤلاء النظامين لمجرد التسلية بالاستعراض الإنشادي أو الغنائي نظماً أو حفظاً للشعر. وثمة حكايات كثيرة في «الديارات» للشابشتي على سبيل المثال عن فناني المخايلة ممن يظهرون صور سواهم، أي تمثيلها أمام الناس، سخرية أو وغطاً تهكمياً، وهي ترافق عادة بأغانٍ هزلية (المسرح العربي بين النقل والتاصيل ص14).‏

ولعل مرد انبثاق الظواهر المسرحية العربية وقد لازمها الغناء هو شعبيتها، من خلال الحكواتية والمخبطين والسلالة العرائسية بما يجعل من مقاربة الواقع أمراً ميسوراً، فالمسرح ينهض على العناصر الأساسية للوجود الإنساني نفسه، فالعسكريون مثلاً يقولون مسرح العمليات، والسياسيون قد يقولون مسرح للسياسة الداخلية أو الخارجية، وهكذا حتى نصل إلى من يقول «الدنيا مسرح كبير» (شعبية المسرح ص125).‏

وما «المسرحة» بعد ذلك إلا انغمار الكلمات بالطقس، وأساسه شعبي، لأن الموروث الشعبي لغة وأدب وموسيقى ورقص وألعاب وأساطير ومعتقدات دينية وعادات وحرف شعبية وعمارة وفنون أخرى.‏

3ـ التصاق الارتجال بالغناء:‏

قام الارتجال، ولاسيما جانبها الملهاوي الساخر، على فنان متعدد المواهب كالرقص أو الحركة والغناء بالدرجة الأولى. ولعلنا نتذكر وداع فنان لأحد أبرز فناني الارتجال والملهاة، أقصد علي الكسار، حين نظم فيه النشيد أو الأغنية التالية:‏

«تعيش ونشوفك وأنت جي‏

يابو علي ونشوفك فوق‏

طول يا بو علوه ما أنت حي.‏

تقول بنفسك يحيا الجوق» (بربري مص الوحيد ص138).‏

وقد روى علي الراعي مسيرة مسرح الارتجال وفنون الملهاة في كتابيه «الكوميديا المرتجلة في المسرح المصري» (1968)، و«فنون الكوميديا من خيل الظل إلى نجيب الريحاني» (1971). ولم يغفل مؤرخو المسرح عن تثمين فنون التمثيل الدارجة المعمومة بالغناء الحركي.‏

ولا يخفى أن نجاح الفرق المسرحية الرائدة في مطال القرن العشرين يعود إلى إدراك المسرحيين الرواد إلى تأثير الفرق المسرحية الغنائية الشامية في اجتذاب الجمهور، فجوقة يوسف الخياط كانت ضمت إليها الشيخ سلامة حجازي، وعمل معها في تياترو زيزينيا بالاسكندرية ومسرح الأوبرا في القاهرة. وكان الشيخ سلامة حجازي يقدم وصلة غنائية بين فصول وروايات يوسف الخياط، وكذلك كان لصوته أكبر تأثير في جذب الجمهور لمشاهدة فرقة القرداحي وفرقة اسكندر فرح التي عمل معها 15 عاماً تقريباً (المسرح العربي ـ رشدي صالح ص62ـ63).‏

وذكر نجيب الريحاني في مذكراته أن النجاح حالفهم عندما لجأوا إلى المسرح الاستعراضي، فقد صمم أثر مشاهدته لاستعراض أن يعمل «رواية استعراضية على شرط أن يكون العنصر المصري فيها غالباً على الأفرنجي، وأطلعت زميلي الأستاذ أمين صدقي على هذه النية. وفي الحال وضعنا هيكل رواية «حمار وحلاوة»، وبدأ الأستاذ أمين يضع أناشيدها على أوزان موسيقية مطروقة، بينما جعلت كل همي في ترتيب المناظر، وتوضيب الستائر وإمداد الفرقة بما ينقصها من عناصر الرقص والإنشاء» (مذكرات نجيب الريحاني ص94).‏

ولا نفعل في هذا المقام عن «المونولوغ» الافتتاحي، الذي يحظى بالنجاح الوفير، وتستعيد الجماهير الغفيرة الكثير من أبياته، مثل:‏

هنيئاً مرئياً فافرحوا وتنعموا‏

أولو الحزم سواس الممالك أنتم‏

إلى أن يقول المغني ناقداً:‏

ولولا فساد في الطباع عرفته‏

لما عزّ إصلاح علي من يقدم‏

ولكن إذا ضاعت فضائل أمة‏

فليس لها واقٍ من الموت يعصم‏

أي أن الغناء في هذا المفتتح المسرحي ليس للتسلية أو الترويح فحسب، بل سبيل للنقد السياسي والاجتماعي اللماح (خمسون عاماً في خدمة المسرح جـ1 ـ ص16).‏

4ـ رواد المسرح العربي مسرحيون غنائيون:‏

بدأت الريادة المسرحية من تثمير طاقة الغناء المسرحي، وهذا ما فعله أبوخليل القباني في آواخر القرن التاسع عشر، وكأنه ممهد للنزعة الحريصة على الحفاوة كالموسيقى والغناء، كما هو الحال في موجة التجديد في المسرحية الغنائية عند كميل شبير ومصطفى هلال وصبحي طرابلسي، بل إن مكانة القباني لدى المصريين، إذ «أن كبار مطربيهم وملحنيهم مثل عبده الحامولي والمظ وسلامة حجازي، وكامل الخلعي وغيرهم قد عملواعنده، أو أنهم كانوا يرسلون عدداً من أعضاء فرقهم للتتلمذ عليه، إذ كان يرسل عدداً من أعضاء فرقته إلى فرقة أبي خليل القباني ليتعلموا فيها أصولات الأداء والنغمة والإيقاع، فأرسل محمد أفندي رحمي الموسيقي المشهور ليأخذ الألحان، ويعرف ضربها وتوقيعها، لأن الرجل، أي أبو خليل القباني، كان يصنع اللحن، ويوقعه، بأصول موسيقية، كأمهر الموسيقين الفنيين. (رواد المسرح السوري ص68).‏

طور الشيخ سلامة حجازي الغناء المسرحي بحيث أصبح أكثر تعبيراً عن المعاني والمواقف المسرحية فما كان أيام القباني ومن حذا حذوه. وفي هذا المنحى، ألقى الشيخ سلامة حجازي المقدمات مثل الليالي وغيرها، وربط بين الغناء وتمثيل الأدوار، وأخذ الناس عن طريق يتعرفون إلى كلمات: مرسح، تشخيص، وتمثيل.. الخ، وحين مات الشيخ سلامة حجازي عام 1917، كان نجم فنان كبير من فناني المسرح الغنائي قد بزغ بوضوح في سماء الفن، وأعني به سيد درويش. (المسرح في الوطن العربي ـ ص64).‏

يلاحظ أن تمسك الرواد بالغناء في المسرح ضرورة أملاها حرصهم على التأثير في جمهورهم وهو ما فعله مارون النقاش، بالإضافة إلى الرائدين الآخرين القباني ويعقوب صنوع. فهذا «المزيج الذي قام به النقاش بين ما ابتكره وما أخذه قد أقرّ به حين أتى بذهب أفرنجي وسكّه بأسلوب عربي يقبله الذوق العربي. ولعل هذه المواؤمة بين هذا الفن الغريب الجديد، وبين ذوق الناس المعاصرين له، هي أخطر وأهم درس يمكن أن نتلقاه عن الرائد بعد مضي قرن ونصف قرن. فقد أدرك الثاقب بصره أن سبيل الفن إلى الناس هو أن يتغلغل إلى نفوسهم وقلوبهم قبل أن يبلغ عقولهم. ولهذا ملأ مسرحيته بالأشعار والأمثال والغنا» (المسرح السوري في مئة عام 1997 ص14).‏

5ـ رغبة أعلام الموسيقى والغناء العربي الدائمة بالمسرح:‏

من يطلع على سير أعلام الموسيقى والغناء العربي سيدهش لتعلقهم بالمسرح وسعيهم المستمر لتأسيس فرق غنائية مسرحية، ولم يكن هذا مقتصراً على المشرقيين، بل امتد النزوع إلى المسرح الغنائي إلى المغاربة أيضاً، ومن هؤلاء «الأستاذ محي الدين باشي ترزي الذي له مشاركة في المسرح والغناء مع مجموع من المطربين العازفين، أمثال دحمان بين عاشور، وعبد الكريم دالي، ومحمد الفخارجي. كما برز في تلمسان عازف الكويترا الشيخ عمر البختي» (الموسيقى العربية، تاريخها وأدبها ص118).‏

ولعل إقبال الموسيقيين على المونولوغ يعكس هذا الولع بالمسرحة، إذ لمع في هذا المجال اسم الفنان اللبناني عمرالزعني، واسم الفنان سلامة الأغواني في سورية، «كناقدين اجتماعيين سياسيين من خلال ما قدماه من مونولوجات انتقادية ووطنية تسببت بسجنهما عدداً من المرات، وتشريدهما من قبل سلطات الانتداب الفرنسي» (الأغنية العربية ص96).‏

وفي هذا الاتجاه قوّي المسرح الغنائي المصري، وصار له ممثلوه انطلاقاً من سلامة حجازي ومروراً بداود حسني ومحمد كامل الخلعي وسيد درويش وزكريا أحمد، والأخير «سجل اسمه في سجل الخالدين بجدارة في تاريخ الفنون الموسيقية المعاصرة.. في أغنية الطرب وأغنية المسرح وأغنية الإذاعة والسينما، وشاهد ميلاد أغنية التلفزيون» (أعلام الموسيقى والغناء العربي ص216).‏

6ـ ارتباط المسرح الاحتفالي بالغناء:‏

كان المسرح الاحتفالي إحدى أبرز المحاولات لاستعادة الظواهر المسرحية العربية بروح معاصرة، وقد تركز المسرح الاحتفالي على لوازم المسرح الغنائي، ولاسيما الموسيقى والشعر، ولاسيما اعتمادها على الشعبية، فإنه من الضروري أن تكون الأدوات الموسيقية شعبية نحو البندير والهجهوج والناي وغيرها من الأدوات البسيطة» (قضايا المسرح الاحتفالي ص152ـ153).‏

تميز المسرح الاحتفالي بالفرجة، أي المسرحة وإحدى مواردها الأساسية هو الغناء، كما في سلطان الفرجة، الذي يمرر النقد السياسي والاجتماعي في ثوب الغناء والإنشاد والتمثيل. (المسرح المغربي ــ بحث في الأصول السوسيوثقافية ص47).‏

7ـ المسرح الغنائي قرين المسرح الشامل وسبيل التكامل الفني في العرض المسرحي:‏

كان حلم الفنان المسرحي المعاصر هو الوصول إلى ما يسمى بالمسرح الشامل، وهو مشاركة الغناء والرقص والموسيقى وسواها من فنون العرض المسرحي، وبدا ذلك جلياً في المسرح التسجيلي والمسرح الاستعراضي والفنون المسرحية الغنائية كالأوبرا، والأوبريت وغيرهما. وكان أبرز إنجاز لفقيد المسرح العربي صقر الرشو هو نجاحه في تحقق مسرح شامل يستخدم الموسيقى والأغنية مع الدراما وبها (انظر: صقر الرشود ــ مبدع الرؤية الثانية).‏

[ملحق «الثورة الثقافي» (دمشق) 2000]‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244