المسرح العربي المعاصر قضايا ورؤى وتجارب ـــ د.عبدالله أبو هيف

دراسة - منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:00 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

15 - مسرح الطفل: الخصوصية والرؤيا المستقبلية

أسئلة حول خصوصية مسرح الطفل:‏

مسرح الطفل فن من فنون أدب الأطفال مثلما هو سيط من وسائطه الثقافية، فقد تكون الكتابة لمسرح الطفل مباشرة، وقد تعد المسرحية للأطفال من الفنون الأدبية الأخرى كالقصة والشعر والرواية والمقالة على سبيل التحويل أو الاقتباس، غير أن المعول في تقدير ذلك هو اندراج مسرح الطفل في عمليات إنتاج أدب الأطفال وإعادة إنتاجه عبر الوسائط الثقافية والاتصالية المتنامية مع التفجر المعلوماتي الهائل وثورة الاتصالات الجبارة، إذ استفاد مسرح الأطفال من التقانات والعلوم ولاسيما الاستعانة بالتقانات السمعية والبصرية، ومنها مسرح الطفل بالضوء، إلى أن وسع صناع مسرح الطفل أشكال مخاطبتهم استفادة من تقانات «المالتيميديا»، فتحالفت الكلمة مع الصورة والصوت والموسيقى والأغنية..الخ.‏

تتحكم في عمليات إنتاج أدب الأطفال وإعادة إنتاجه الاعتبارات التربوية والفنية المتعددة بالنمو اللغوي والإدراكي والمعرفي والمزاجي، وهو خصائص تقل الحاجة إليها كلما دخل الطفل سن اليفاعة والشباب، ويتصل بالنمو فضاءات متعددة من الخيال والتلقي والقيم لابدّ من مراعاتها، على الرغم من ارتفاع الأصوات المنددة بذلك، فالطفل أكبر من الحدود التي تضيّق أمداء مخاطبته في مفاهيم معينة وأشكال مسرحة من الكبار للصغار.‏

إن خصوصية مسرح الطفل تنبع من مراعاة هذه الاعتبارات التربوية التي تتبادل التأثير مع الاعتبارات الفنية، وهو ما ينبغي مراعاته عند نقل فن من فنون أدب الأطفال عبر وسيط ثقافي ما كالمسرح، وهي عملية مزدوجة، فكاتب مسرحية الطفل يراعي اعتبارات فنية عامة تتصل بطول المسرحية وتخييل فعلها وحركة شخوصها ووحدة مكانها وزمانها ولغتها، ثم تلحق بها اعتبارات فنية خاصة لدى نقلها عبر وسيط ما كمسرح العرائس أو المسرح الغنائي أو مسرح الأطفال (الدرامي)..الخ أي مواءمة المسرحية لتقانات هذا الوسيط الثقافي أو الاتصالي أو ذاك.‏

وهكذا يصبح البعد التربوي حاضراً في مسرح الطفل ويفرز أشكالاً مسرحية بذاتها مترافقة مع العملية التربوية والتعليمية، مثل المسرح التعليمي (أو مسرحة المناهج) والدراما الخلاقة، ففي المسرح التعليمي يدغم المبدربون والمتدربون الخبرة التربوية والتعليمية بالخبرة الدرامية عن معرفة ثرية بالمناهج الممسرحة وحاجات الصياغة المسرحية واختيار الشكل المسرحي الأنسب للأداء المسرحي، وبناء وحدة المسرحة التعليمية من تحديد الأهداف إلى اختيار المحتوى إلى تحديد خبرات التعلم إلى إعداد المواد والوسائل اللازمة إلى أدوار المنشط والمتدربين إلى شروط تحويل حجرة الدرس إلى حجرة مسرحية. وتوضح نتائج التجارب الميدانية المؤشر الإيجابي «لفاعلية استخدام الطريقة الدرامية طريقة من طرق التدريس في المرحلة الابتدائية، لأنها تقدم للتلاميذ الفكر بطريقة جذابة ومسلية بما تحويه من مواقف وحواز وإن استخدام تكنين الدراما ذو فاعلية إذا أحسن اختيار وتحليل الموقف الدرامي المتضمن العديد من المثيرات وتوصيله للتلاميذ. كما أنه يحقق كثيراً من جوانب النمو عند التلاميذ إذا أحسن اختيار المواقف المناسبة لاستخدام الدراما في التدريس» (المسرح التعليمي للأطفال. ص271).‏

أما الدراما الخلاقة فهو المسرحة التي يقوم بها الأطفال أنفسهم داخل حجرة الدرس وفي أماكن النشاط الطفلي المختلفة، وبتعريف المختصين هي الدراما التي يتدرب عليها الأطفال، بوصفها دراما الفطرة التي يتدرب عليها الأطفال، وتستثمر ما وسع الأطفال ذلك المسرحيات القصيرة من القصص والشعر أو من الخيال (مسرح الأطفال ص294).‏

ويعد الأطفال هذا الشكل المسرحي بأنفسهم، ولطالما استخدم المربون والمنشطون هذا الشكل المسرحي انطلاقاً من اللعب استخداماً مدروساً في عمليات التخييل والإبداع والحرية في التعبير لدى الأطفال صوتاً وحركةً، بالتعرف الواعي على إمكانات الأطفال وقدراتهم اللفظية والحركية، من ألعاب التنفس وتنمية الإدراك إلى ألعاب الحركة والمحاكاة إلى الحركات والتمثيل الصامت، إلى الألعاب ذات الطابع الدرامي، كما حددها كثير من المختصين الذين رشّدوا إعداد الأطفال لمسرحهم بالالتزام فيمايلي:‏

«1ـ أن يضع المعلم نفسه في قلب اللعبة عن طريق مشاركة الأطفال استمتاعهم بها، فيتحرك معهم، ولا ينفصل عنهم في أية لحظة من اللحظات، فدور المعلم هو دور المحاور الذي يحتاجه الأطفال للتأكد من صلاحية ما قدموه في اللعبة أو التمرين.‏

2ـ أن يدرك المعلم أن الألعاب والتمرينات تشكل الجانب الشكلي من نشاط الأطفال الذي يتصل مع ما يمارسونه قبل ذلك من ألعاب تلقائية وحركات حرة، ولذلك يجب أن يلتزم المعلم بالإيقاعات الطبيعية للطفل، وأن يربط بينها وبين ما يقدمه لهم من مقترحات جديدة» (المسرح مع الأطفال ص6).‏

على أن أشكال مسرح الطفل الأبلغ في الأداء والإيصال والتوظيف التربوي والفكري والفني هي التي تصير خطاباً لهم، وهي كثيرة ومتنوعة ومتجددة. من مسرح العرائس والدمى والمسرح الغنائي والمسرح التسجيلي ومسرح الحيوانات والمسرح الإيمائي والمسرح التلفزيوني والمسرح المدرسي..الخ. وقد أثبتت التجارب المسرحية ألا حدود لأشكال مسرح الطفل، أي أن القائمين مسرح الطفل قادرون على مخاطبة الطفل بمختلف الأشكال المسرحية التي يخاطبون بها جمهور الكبار، والمعول هو مراعاة الاعتبارات التربوية والفنية بيسر وتفهم، ومراعاة حدود مسرح الطفل، وهي عناصره الدالة مثل دراما الطفل والموقف الدرامي والبناء المسرحي، ومراعاة حدود الممارسة المسرحية الطفلية قبل ذلك في أن يكون مسرح الطفل جماعياً وتربوياً ومؤثراً لضمانة تنمية الشخصية الطفلية في ذاتها وضمن محيطها وتربية التذوق وملكة الإبداع لدى الطفل وتعزيز التثقيف الذاتي وتعزيز الصحة النفسية عند جمهور الأطفال المتلقين أو المشاركين، وينبغي ألا نغفل دائماً جوهر الاعتبارات المتعلق بالشكل والخيال واللغة (أدب الأطفال نظرياً وتططبيقياً ص169-182).‏

أسئلة حول الرؤية المستقبلية:‏

ترتهن الرؤية المستقبلية لمسرح الطفل بمعاينة الواقع العربي والمحلي لأنه منطلق الرؤية المستقبلية ولعلنا نحدد عناصر الواقع فيمايلي:‏

1ـ المسرح المدرسي والتنشيط المسرحي التربوي والتعليمي، ويشير الواقع إلى «شكلنة» هذا الاهتمام، لأن غالبية الجهود تتجه إلى النهوض بالمستوى التربوي والتعليمي، أما التنشيطط بأنواعه فيأتي في آخر الاهتمامات. وموجز القول في هذا المجال، هو غياب معاهد التأهيل والإعداد وغياب المنشآت وإهمال التظاهرات التي تنهض بهذا المسرح. وتكمن مظاهر «الشكلنة» في الاقتصاد على التنشيط المسرحي التربوي والتعليمي في المناسبات، حتى تظاهرة المسرح المدرسي السنوي توقفت، وحولت بعض المسارح في الأبنية المدرسية إلى مستودعات..إلخ.‏

2ـ تمتد العناية بمسرح العرائس في سورية إلى عام 1959، ثم تعثرت عروضه وبرامجه التي كانت تصل إلى المحافظات سنوياً، ونشط مسرح العرائس أواخر سبعينيات القرن العشرين ثم تعثر في تسعينياته.‏

3ـ عرف سبعينيات القرن العشرين حركة واسعة في التبادل المسرحي العربي والدولي، فعرضت مسرحيات لاتجاهات تجريبية وجديدة من دول عديدة. مثلما توقف مسرح دمشق للفنون المسرحية، واللافت للنظر أنه لا يضم عروضاً لمسرح الطفل. وعلى الرغم من تعدد المهرجانات الطفلية العربية، فإن مسرح الطفل لم يدخل تقليد هذه المهرجانات.‏

4ـ تطورت الثقافة المسرحية وعمليات التذوق الفني كثيراً خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وثمة دوريات متعددة للمسرح والفنون بعامة في أقطار عربية متعددة مثل مصر وسورية والعراق والأردن والبحرين وتونس والجزائر والمغرب والإمارات. وقد أصدرت هذه الدوريات أعداداً خاصة عن مسرح الطفل، مما يشير إلى نمو وعي المسرح الطفلي.‏

5ـ تطور النشر المسرحي للأطفال، تأليفاً وترجمة، ويوجد اليوم عشرات المؤلفين المسرحيين والمترجمين والمعدين، ومكتبة واسعة لمسرحيات الأطفال، وهم منتشرون في المحافظات جميعها.‏

6ـ انتشار الفرق المسرحية الطفلية في دمشق وفي بعض المحافظات، وإن كانت غير مستقرة ولا تشكل تقاليد فنية وتربوية في مخاطبة الأطفال، لأنها صادرة عن تجمعات آنية، ولا ترتبط بالمؤسسات الثقافية والتربوية.‏

7ـ التنشيط الواضح لمسرح الطفل التلفزيوني، فقدمت عروض عديدة خلال العقدين الأخيرين، ولكن خطواته تعثرت لوهن العزيمة إزاء غلبة الإقبال على البرامج والمسلسلات.‏

8ـ وفرة الروافد العلمية من مخرجي مسرح الطفل الذين رأينا عدداً من عروضهم خلال السنوات الأخيرة، وهم خريجو دول أجنبية وعربية.‏

يشير تأمل الرؤية المستقبلية النظر في الواقع لترسيخ الإيجابيات ومجاوزة الصعوبات.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244