|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:00 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الباب الثالث : تجارب- 1 - القسم الأول: في العرض المسرحي جيل من كتّاب المسرح المصري المعاصر «بهيجة: هه يا أستاذ؟! قلت ايه حضرتك؟! مش حتقدر تلاقي لي حل؟.. المحامي: على كل حال يا ست هانم.. القانون مش معانا لغاية دلوقت.. القضية متشعبة.. عاوزه بحوث واستشاراتة وفتاوى شرعية كبيرة قبل ما نرفع أي دعوى: بهيجة: أنا عاوزاه يتسجن.. ما يهمنيش اللي راح قد ما يهمني أنه يتسجن وأشوفه بعيني لابس الكلبشات في أيديه.. جبر: واحنا حنسيبه؟! ما هو دعوتنا حتقام على أساس استرداد المبالغ اللي أخذها، وفي الوقت نفسه نثبت عليه النصب والاحتيال.. مش كده يا أستاذ؟!. المحامي: طبعاً؟! احنا حنطالب بتطبيق كل مواد قانون العقوبات فيما يتعلق بجرائم النصب والتدليس.. والطلق اللي ما يصيبش ما يخبش.. بس المهم الست مستعدية؟! بهيجة: من بكره يا متر.. ارفع الدعاوى اللي على كيفك..(1)». هذه عينة حوارية ليس لها امتياز عن غيرها من العيّنات، ومن هذه العينة نكتشف أن هناك صراعاً بين فريقين، وجماعة أخرى قد تختلف أشكالها وهيئاتها وأسماؤها، إلا أنها تتفق حول مبدأ واحد هو «من أين تؤكل الكتف».. ثم يجسد هذا الصراع شخصيات مألوفة، نعايشها كل يوم، بوجوه مختلفة، وأسماء مختلفة، ولكنها أبداً تبقى محملة بسماتها الطبقية والتصاقها الاجتماعي بفئات معينة منا لشعب. وقد تجلى هذا الصراع فيم واقف معبأة بنذير التغيير والإبداع. ونعمان عاشور كاتب هذا الحوار يوضح أن خط الحدث قد لا يصل إلى قمة التوتر، حيث يبدأ التعقيد في المسرحية، وإنما يضحك في قلب الحدث منذ المشهد الأول وحتى الختام، وهو في هذا كله غير ملزم بوصف الدواء، بل يكتفي بوصف المرض، إنه يقدم شريحة اجتماعية نابضة بالحياة. أثبت نعمان عاشور بذلك أن ولادة جديدة للمسرح المصري قد تمت، وأن جيلاً ثانياً أصبح يتنفس، ويطالب بمكانه الحقيقي في مسيرة المسرح المصري، ومما لا شك فيه أن مسرحية «الناس اللي تحت» كانت فتحاً جديداً بشّر بملامح جيل كامل هو الجيل الثاني، إذ حطم نعمان عاشور بهذه المسرحية تقليدية مسرح الحكيم، مبشراً بالواقعية، الواقعية الجديدة والواقعية النقدية، فلم يعد المسرح مجرد قضايا فكرية تلبس أثواب الشخصية، وتحلق في أجواء الزمان والمكان، من خلال عقدة المسرحية ووقفاتها وتركيزاتها. لقد تبدل الإيقاع، وتغيرت مواقع الصراع، واكتسب الحوار حيوية جديدة متميزة، وصارت «السرعة» تتعلق «بالوضع الاجتماعي المعين» بعد الثورة، فانقادت لغة المسرح إلى التلقائية والبساطة لتحقيق التقاليد الدراسية التي وضعت القضية الاجتماعية نصب أعينها كحل جزئي لمشكلات ثورة 23 تموز. ببساطة لقد أصبح الفن يمتاح من معين الواقع المتغير والمتجدد ليعود إليه وقد اكتسب قيماً جديدة تساعده على الاستمرار والحياة. وقد سار الجيل الثاني كله في درب نعمان عاشور يحوم حول القضية الاجتماعية يستنزفها قطرة قطرة، ويندر أن تخلى كاتب منهم عن هذه الطريق، ولعل هذا ما دعا محمود أمين العالم إلى أن يقول بعد سنوات من الانطلاقة: «إن الحدث الاجتماعي ما زال أرقى من الحدث الفني عامة، والحدث المسرحي بوجه خاص»(2). وهذا أيضاً ما يسهل علينا تحديد مسارات هؤلاء الكتاب الذين يؤلفون الجيل الثاني. ويبدو أن صراع الأجيال في مصر يفقد وجهه ومذاقه، إذ أن التسيب في علاقة هذه الأجيال بعضها ببعض متمكن في نفوس كتابنا، ولا سبيل إلى إزالته، ولما كنا بسبب حركة أدبية وفنية نظيفة، لذا سنحاول أن نعرف شيء عن صراع الأجيال في المسرح المصري. أزمة المسرح العربي: إن نعمان عاشور ويوسف إدريس ورشاد رشدي وسعد الدين وهبة والفريد فرج هم أبناء الجيل الثاني، لأننا سنعتبر بداية الستينيات تأريخاً لحركة الجيل الجديد، وتدعونا إلى ذلك أسباب موضوعية وذاتية كثيرة سنذكرها في حينها. وما يهمنا الآن هو كيف تسوء العلاقة بين جيل وآخر حتى تتوقف عطاءات الجيل عند نقطة ما، ثم تصح لفظة الموقف العنيد كتعبير أولي عن هذا الصراع. لقد توصل توفيق الحكيم وهو في باريس إلى قناعات وهي: افتقاد المسرحية في التراث العربي، يقابلها الاندهاش التام أمام المسرح الفرنسي والأغريقية، مما جعله يعود إلى القاهرة مشدوهاً يفكر بكتابة مسرحية فكرية تحاكي هذه الأعمال التي رآها(3). وظل توفيق الحكيم سيد المسرحية العربية يرعب كل من يحاول الاقتراب من هذه المنطقة المنزوعة السلاح «منطقة المسرحية العربية» حتى بدأ للكاتب الشاب أن المسألة صعبة ومتعبة، وأن من يحاول الرقص على البارود، فعليه أن يتحمل نتائج انفجاره. انكسار الطوق وصراع الأجيال: إن الفرح الغامر لكتابة عمل مسرحي عربي كان الدافع الأول للكتاب الذين جاؤوا بعد الحكيم. ورغم كلّ الصعوبات لم يكن الخيار مطروحاً بعد ثورة تموز، فازداد التعلق بهذه القناعة. وبذلك كان ميلاد الجيل الثاني. ونحن نستطيع أن نقول على ضوء هذه العلاقة: إن مجمل ما يبعث الخوف هو عدم الثقة بين جيل توفيق الحكيم، والجيل الثاني ويلحقه الجيل الجديد، لدرجة الاستماتة.. في سبيل مواقف حتى ولو كانت متشنجة، دبّ الاحتضار في أوصالها. فجيل توفيق الحكيم يعتبر أن الساحة الأدبية حكرٌ له دون غيره، وعلى هذا يمكننا أن نوجه التهمة أو الإدانة إلى جيل لأنه لم يتخط الجيل الذي سبقه، أو جيل لم يثبت وجوده بعد.. وبهذه الحالة فإن صراع الأجيال بحد ذاته ما هو إلا تمرد على «وضع معين» تم تغيير هذا الوضع للتعبير عن ظروف جديدة فرضت نفسها على منطق الأحداث، ويقابل هذا التمرد «رد فعل» من الجيل السابق. وهذا ما حدث مع جيل نعمان عاشور إزاء مسرح الحكيم التقليدي.. ففي وقت ظهور «الناس اللي تحت» و«الفراشة» و«المحروسة»(4) كان مسرح الحكيم يقف موقفاً مضاداً من هذه الأعمال، ولكن استقبال الجمهور لهذه المسرحيات التي تتحدث عن قضاياه اليومية برهن بما لا يدع مجالاً للشك على أن الجيل الثاني يجب أن يستمر. وهذا ما كان(5)، فصار النص المسرحي يمثل على الخشبة كما حافظ على مرتبة الكلمة المقروءة(6). النظام والاختلاف: وسرعان ما تحددت ملامح هذا الجيل، لقد جمعتهم الواقعية والمشكلة الاجتماعية دون أن يفقد أحدهم ملامحه الخاصة. إذ أن جل اهتمام هؤلاء الكتاب كان ينصرف إلى النقد الاجتماعي، وأن اختلفت أشكال هذا النقد. فاستخدم رشاد رشدي الحوار الداخلي (المونولوج أو النجوى) للتعبير عن معطيات الشعور وتيار الوعي، وسعد الدين وهبة شغف بالرمز دون أن ينتمي إلى المدرسة الرمزية بمعناها الفكري فظلت مسرحياته مشدودة إلى الواقع بخيط من الخيوط. اهتم يوسف إدريس بالشكل باحثاً عن المسرح العربي (أو المسرح المصري كما يصرّ على ذلك أغلب كتّاب مصر) كي يستوعب طموح الإنسان في أن يتوصل إلى الحب والحرية والفرح. أما نعمان عاشور فقد هزه واقع الطبقات الدنيا فالتصق بالمشكلات المرحلية يكتب عنها دون تزويق، ولهذا يمكن أن تؤخذ مسرحياته وثائق بعد تأريخ، ولكن ألفريد فرج يلجأ إلى التراث كي يلبسه جوهر حركات العصر برؤيا فكرية واضحة. وقدّم لنا رشاد رشدي الفنان من الداخل، ويوسف إدريس الدفاع عن الشخصية الإنسانية، وسعد الدين وهبة الكتابة للثورة، ونعمان عاشور الدفاع عن مصالح الطبقة الفقيرة(7)، وألفريد فرج الأبجدية المسرحية. لقد تمكن ألفريد من الإمساك بروح المسرح، فتميزت عطاءاته بالأصالة والمعاصرة بآن، على خلاف ما يقوله جلال العشري(8). مؤشرات صغيرة: من هذه الأرضية كان يتجه تفكير الجيل الجديد نحو الخلق والإبداع. لذا سنعمد إلى وضع نقاط أساسية تفيدنا في الكشف عن هوية الجيل الجديد، وهي بديهيات أكثر منها اكتشافات: * محاولات توفيق الحكيم التجريبية لمجاراة المذهب المسرحية الجديدة «يا طالع الشجرة ـ لزوم ما يلزم ـ المقال التمثيلي». * المشكلة الاجتماعية لا زالت تشغل ما يقارب 90% من الصفحات التي يكتبها فنانو الجيل الثاني. * طرح قضية النكسة وتنوع استجابة المسرحيين على اختلافهم لها وتأثرهم بها. * محاولات الإبادة والفناء التي تتعرض لها الأمة العربية ويستتبع ذلك التفجر الثوري والتغيير السريع والنضال لتحقيق التقدم والعلم والحرية. * الجهد الدائب لخلق المسرحية العربية في أصالتها الموضوعية لا الشكلية، أي في «تآلف» الشكل مع المضمون، بحيث يؤلفان حقيقة واحدة ونسيجاً واحداً. * النزعات التشويهية للإنسان العربي، فالشخصية أو البطل في المسرحية المصرية بطل مصري «إقليمي». * الخلاف حول قضايا مسرحية كثيرة مثل صراع الفصحى والعامية وعلاقة المسرح بالثورة والتراث والجماهير وغياب الناقد المسرحي وقضايا التجسيد المسرحي. نجد أن الصورة من جملة هذه النقاط غير مستقرة، وهي تستجد في صراعات لا تتوقف، وقد تظهر مديحاً حاراً لكاتب جديد مثل محمود دياب مثلما تظهره لكاتب كبير مثل توفيق الحكيم أو آخر مثل يوسف إدريس. وهذا يذكرنا بصخب الجمهور وغوغائيته حين يشاهد مسرحية تستجيب لميوله الشخصية المنطفئة، ونظراته المحجوزة خلف النظارات السميكة. الفكر في المسرح: أن ساحة الحلبة تكاد تبدو فارغة تماماً في الوقت الذي تمتلئ فيه بالأدعياء والمزيفين والكتاب الجادين، وبالرغم من أن عصر الفكر قد ساد، لا زلنا نقرأ مسرحيات ساذجة في تفكيرها لكتاب كثيرين من الجيل الثاني. إن وهماً يسود الحركة المسرحية في مصر هو الاستناد إلى تراث الكاتب الخاص، ولذلك اسأل: أما خامر هؤلاء الشك يوماً أنهم يتواطؤون مع أنفسهم في سبيل إجهاض المسرحية العربية؟ قد يرسمون ما يعرفونه بأنفسهم وما يتعاطفون معه، وما يلمسونه وينفعلون به، ولكن هل هذا هو المسرح المطلوب؟ إذا أسقطنا من حسابنا الأقنعة والأسماء الكبيرة، ستغسل بقعة الضوء المنتشرة خشبة المسرح بالنور، وتطالب بشدة الإضراب عن التزييف، والهبوط فوق المرتفعات بحثاً عن الصدق في الفن.. قال بومارشيه: «يجب أن يكون المسرح لوحة أمينة عن أعمال الرجال». وطالما أن بطن المسرح مبقورة، فالرجال مشوهو الخلق، يريدون تحطيم الحاجز بين تفاهة العلاقات الثقافية والعمل الجاد. يقول نعمان عاشور: «يبدو أن مسرح القضايا الاجتماعية ـ خصوصاً في هذا العصر الذي غلبت عليه الأفكار في المسرح ـ لابد أن يلغي الكثير من النقاء الفني، ولا سيما إذا كان مسرحاً ملتزماً التزاماً لاصقاً ومباشراً»(9). إِلام تدوم هذه المرحلية؟ ومتى ينتهي التمهيد للتحولات الكبرى في الأدب والفن؟ لقد بحثنا في كل البيوت عن زاوية مريحة، فجابهتنا النوافذ المفتوحة وهي تنقل الغبار والعاصفة. إن جدار الأصوات المناهضة للتجديد والفكر والحب والضوء قد انخفض، وسقف الفن أصبح مرتفعاً في هذا العصر. يقول ألفريد فرج: «إنني اهتم بإطلاع الناس على أفضل ما فيهم، ربما أريد أن أبين للآخرين أن الإنسان ـ تحت أقصى الضغوط ـ يمكن أن يظل إنساناً»(10). لقد كثرت إشارات التعجب وإشارات الاستفهام، وتلاحقت الجمل بصورة منفرة، وصرخ الحوار مطالباً بسحق الحدث، واحتج بطل المسرحية على دوره القصير. بلا جدال أنها مطاليب عصرية جداً! هل الآمال تعني أن نتخلص من الخوف، وأن نمكن الفرح في نفوسنا. والآن.. هل غيّر الجيل الجديد من هذه المواقع؟ هل أعاد لأمجاد المسرح فتوحات جديدة؟ هل أجاب على النقاد التي يثيرها واقع المسرحية العربية بشكل عام وفي مصر بشكل خاص؟ ومن هو الجيل الجديد؟ هذه مقدمات لابدّ منها لبحث ملامح واتجاهات الجيل الجديد! [مجلة «المعرفة» (دمشق) تشرين الأول 1970] الهوامش والإحالات: (1) عاشور، نعمان: «الناس اللي تحت»، دار النديم، القاهرة، ص84. (2) مجلة «المسرح»، القاهرة، ع30، ص69. (3) راجع «زهرة العمر» لتوفيق الحكيم. (4) المسرحية الأولى لنعمان عاشور والثانية لرشاد رشدي والثالثة لسعدالدين وهبة. (5) وبالطبع إن الصراع لم ينته بين الحكيم والأجيال التي تلته. ولهذا حديث آخر. اقرأ رد توفيق الحكيم على نفسه تحت اسم ق. م في جريدة «الأهرام»، القاهرة. (6) لعل هذا ما أجبر الحكيم على كتابة مسرحياته الأخيرة كـ«الصفقة» و«بنك القلق». (7) قراءة واحدة لأعمالهم الأخيرة تبين مدى التصاقهم بهذه الإشارات. (8) جلال العشري أسير لفظته الناقدة، ومعجب بكل كلمة يكتبها، وهذا ما يجعله يطلق أحكاماً باطلة أحياناً. (9) «المسرح والسينما»، ع55 ـ 56، ص14. (10) «المسرح والسينما»، ع50، ص15. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |